tgindex
الدكتور محمد شحرور

الدكتور محمد شحرور

Статистика
@MuhammadShahrourарабский

المفكر الاسلامي والباحث في القرآن الكريم وقضايا الدين ، قناتنا تختص بنشر فيديواته وكتاباته المختلفة ، اشتركوا معنا

Последний пост
16 июн.
Последнее чтение
13 авг.
Постов за неделю
0
Всего постов
20
Тип
открытый
Язык
арабский
В каталоге с
13 авг.
Подписчики
1 449
−1 за 4 дн.
Сутки
−1
−0,07%
Неделя
 
Месяц
 
Просмотров на пост
854
20 постов
Вовлечённость
58,9%
к подписчикам
Постов в день
0,0
всего 20
Упоминаний
0
каналов
Охват размещения
оценка
1/24сутки в ленте
1/48двое суток
1/72трое суток

Оценка по просмотрам недавних постов: пост набирает почти всё за первые сутки.

Посты

  • без подписи

  • без подписи

  • 27 мая1 13712

    без подписи

  • 26 февр.1 904155

    - مثال لتدبّر المشيئة بصيغة الماضي (شاء).. - {قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [١٨٨ الأعراف] ذكرت الآية النفع والضر، وهما احتمالان يُعدّان وصفَين عامّين يشملان ما لا حصر له من أشكال النفع والضر.. فكل خيرٍ نفع، وكل شرٍ ضر ولذلك جرى هنا استخدام فعل المشيئة، القادر على احتواء جميع هذه الاحتمالات على السواء!.. ولأنّ الآية تتحدث عن عموم النفع والضر؛ دون تخصيص.. أي دون تحديد نوع النفع ونوع الضر، جاءت المشيئة "ماضية" (شَاءَ).. أي أنه أمرٌ تم الانتهاء منه، وهو ما نعلمه جميعاً؛ من أن الله سبحانه وتعالى خلق كل شيءٍ وقدّره تقديراً منذ خلق الوجود بمكوناته وبالتالي، فقد شاء جميع أشكال النفع، وجميع أشكال الضر يوم خلق الإنسان، وقدّرها جميعاً، ولذلك ليس لنا أن نشاء، أو أن نبتغي، أو أن نملك لأنفسنا إلا ما شاءه الله لنا بادئ الأمر (من وافر الاحتمالات والخيارات).. ولا شيء خارجه! وتُكمل الآية التفصيل في المشيئة؛ بالحديث عن علاقةٍ سببيةٍ ما بين العلم بالغيب والمشيئة الإنسانية! فالله سبحانه في سياق الأمر التعليمي "قُلْ" يُعقّب القول بالجملة الشرطية {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ}.. ما يُصرّح أن في الغيب خيراً وسوءاً (احتماليّ)، فبعلم الغيب يمكن ابتغاء الخير أكثر من السوء (بنسبةٍ أعلى).. أما بعدم علمه تقلّ هذه الإمكانية ويختلط الخير بالسوء بنسبٍ احتمالٍ متوازنة.. إذاً، الاستكثار من الخير يدل ضمناً على احتمال الغيب لأشكال الخير والسوء على السواء (ما يتّسق تماماً مع سياق المشيئة) وهو - أيضاً - ما يُفيده التعبير "(مِنَ) الْخَيْرِ"؛ الذي يُؤشّر إلى انتقاءٍ واختيارٍ نستخلصه أيضاً من صيغة "لَاسْتَكْثَرْتُ" التي أتت على وزن "استفعلت" الذي يدل على القصدية والتوجه والطلب (مثل استغفر؛ أي توجّه قاصداً طلب المغفرة).. فكيف يستطيع الإنسان أن يستكثر من الخير بعلمه الغيب؛ والغيب يحتمل - ويحمل - الخير والسوء على السواء؟ في الحقيقة، هذا ما نراه في الواقع على مرّ العصور.. فعندما يعلم الطفل أن النار تُحرِق، يتعامل معها بحرصٍ يقيه شرها!.. وعندما يعلم الطب أسباب الأمراض (بعد أن كانت غيباً)، يبتكر لها ما يعالجها أو يقي منها أو يمنع انتشار عدواها.. دون أن يلغي وجود المرض! فوجود ثنائية الصحة والمرض مشيئةٌ ربانيةٌ قائمةٌ في كل العصور.. والمشيئة الإنسانية لا تملك إلا أن تتحرك ضمن مشيئته تبارك وتعالى "وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ" وهو ما ذهب إليه الدكتور محمد شحرور حين قال أن.. العلم بالقدر + القضاء = الحرية ولفظة الحرية لم تُذكَر في المصحف، لأن أفعال المشيئة هي التعبير القرآني عن الحرية الواقعة تحت سقف مشيئة الله سبحانه وتعالى فعندما يتحقق للإنسان العلم بأسباب خير أمرٍ ما، وأسباب شرّه.. ترتفع نسبة مقدرته على درء شرّه وابتغاء خيره ولو تحقق لنا العلم بغيب الحاضر (الأحداث التي تجري بنفس زماننا دون أن ندركها) لارتفعت مقدرتنا على الأخذ بأسباب الخير نأياً عن مسببات الشر.. فالعلم بسنن الله وكتبه، والإحاطة علماً بوقائع الواقع (بعض الغيب)؛ يمكن أن يوصلنا إلى القدرة على مشيئة استكثار الخير والتقليل من السوء.. وهو ما أراد سبحانه تعليمه لنا فوصلنا الخطاب بصيغة "قُلْ"! وفي هذا المثال وجدنا استخدام فعل المشيئة بالصيغة الدالة على الزمن الماضي "شاء" عند الحديث عن أمرٍ عامٍ تم الانتهاء منه، ومشيئتُه على حاله الذي وُجِدَ ويوجد به على الدوام.. مثل الآية من سورة النحل التي سبق لنا تدبرها، بدأت بمشيئةٍ ماضية {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن}.. أي أن مشيئته في أن لا نكون أمةً واحدةً سبقت؛ وتم الانتهاء منها، فلم نكن - ولن نكون - أمةً واحدةً "إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ"!.

  • 24 февр.1 42112

    - نموذج تدبّري لأحد مواضيع المشيئة في التنزيل الحكيم.. - {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [٩٣ النحل] - {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [٨٦ آل عمران] آيتان مرتبطتان موضوعياً.. فآية النحل تتحدث عن الهداية والإضلال ضمن المشيئة وآية آل عمران تُفصّل أمر الهداية؛ وضمنياً الإضلال فبتأمّل حال القوم المذكورين في آية آل عمران نجد أن ما تقدّم على الاستفهام عن هدايتهم أنهم ١- "كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ" ٢- "شَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ" ٣- "وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ" ونقرأ.. "جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ" لإخراجهم من ظلمات الضلال إلى نور الهداية.. - {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [٩ الحديد] ولما شهدوا الحق عرفوه "شَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ"، فانطبق عليهم قول الله - {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [٨٩ البقرة] وآمنوا.. ومن بعد الإيمان شرحوا صدورهم للكفر "كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ".. - {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [١٠٦ النحل] فكيف يهديهم الله؟، وهو سبحانه جاءهم بكل سبل الهداية، "وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ"، واختاروا بعد ذلك الضلال بالكفر.. فكيف يهديهم!؟ أَيَنزِع عنهم التكليف ويجعلهم مُسيَّرين على الهدى؟! "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً" ولكنه لم يشأ!.. ولم يجعل الناس أمةً واحدة، ولن يغيّر مشيئته لأجل أحد! ولذلك كان التعقيب على موضوع آية آل عمران حاسماً أمر الهداية الربانية لصالح المشيئة؛ فقال "وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ".. أي أن من يختار - بعمله - أن يكون ظالماً، لا يهديه الله!.. لأنه أصلاً ابتعد - بظلمه - عن سبيل الهدى.. ورجوعه للهدى يتطلب منه أن يرجع عن ظلمه (باختياره) قبل كل شيء وبذلك نفهم المشيئة في آية النحل على أنها تحتوي الهداية والإضلال على السواء؛ وليس أحدهما! فمن يشاء بعمله الهدى، يشاء الله أن يهديه.. ومن يشاء بعمله الضلال، يشاء أن الله أن يُضلّه.. وهو ما يُعلّل وجود أفعال "يُضِلُّ" و"يَهْدِي" و"يَشَاءُ" بصيغة المضارع الدال على وقوع الحدث في حينه، لا في زمنٍ سابق؛ أو بقدرٍ سابق! فالله سبحانه قد جعل للهدى سبلاً يعرفها كل ذي فطرةٍ سليمة.. وجعل للضلال سبلاً يعرفها كل ذي فطرةٍ سليمةٍ أيضاً.. وبذلك يتحقق له أن يشاء سلوك أحدها، فيشاء الله سبحانه أن تسري مشيئته الأولى التي بدأت بنفخ الروح في آدم وذريّته؛ ويَدَعُ ما شاء العبد يتحقق له! - {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [٢٩ الكهف]

  • 16 февр.1 02742

    - {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [٢٧ الشورى] وتدل الجملة القرآنية "وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ" بفعلها المضارع "يشاء" على تحديد قدر الرزق من جهة، واختلافه من جهة.. فهو قدرٌ محددٌ من الرزق بزمنٍ محددٍ ما، ولكنه مختلفٌ - بالمشيئة - من زمنٍ إلى آخر، فهناك الوفرة؛ وهنالك الشح.. وكلها تتنزل ب"مشيئة" الله؛ لا بإرادته! فللإنسان أن يشاء - بفعله - (سعياً) لسعة الرزق، وله أن يشاء الشح (بأفعاله).. و"ما تشاؤون إلا أن يشاء الله" (وقد شاء سبحانه أن يخلق ثنائية السعة والشح) وارتباط فعل المشيئة بالله عز وجل أكثر من ارتباطه بالإنسان، إنما هو لأن الله سبحانه - في المقام الأول - قد خلق وقدّر؛ وحدّد - بذلك - للإنسان عدداً كبيراً من الخيارات والاحتمالات التي يملك أن يتحرك ضمنها.. ولكنه لا يملك أن يخطو خطوةً خارجها!.. وأيضاً؛ لأن الإنسان امتلك حرية المشيئة - في المقام الأول - لأن الله تبارك وتعالى قد منحه إياها بالنفخ فيه من روحه، ولذلك تعود المشيئة - دائماً؛ ومنطقياً - إلى الله؛ حتى وإن صدرت عن الإنسان! فهي فعلٌ يقوم به "بتفعيلٍ" من الخالق جل وعلا؛ و"تقديرٍ" منه سبحانه.. وفي نهاية المطاف؛ يرجع الأمر "كُلَّهُ لِلَّهِ"، تبارك في عُلاه والإنسان مُنِح المشيئة (بعضٌ من الأمر والعلم = الروح)؛ فامتلك حرية الفعل والعمل! - {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} [١١٨ هود] صدق الله العظيم. #القضاء_والقدر@MuhammadShahrour

  • ولعل أفضل سياقٍ نجد فيه هذا التفريق القرآني الدقيق بين المشيئة والإرادة؛ هو الآية التي ذكرت الفعلين في سياقٍ تفصيليٍّ واحد - {لَّوْ (أَرَادَ) اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا (يَشَاءُ)} [٤ الزمر] فإرادة الولد هي توجّهٌ بقصدٍ وعزمٍ على اتخاذ ولد (سبحان الله وتعالى عما يصفون).. وأما "اختيار" (اصطفاء) هذا "الولد" (جلّ الله) فيكون من عددٍ لا يُحصى من مخلوقات الله عزَّ شأنه ومن هنا يتجلّى لنا سبب ارتباط فعل المشيئة في القرآن بتعدد خيارات (اثنان أو أكثر) كالإيمان والكفر، والهداية والإضلال، وسعة الرزق وضيقه، والذكور والإناث والإنجاب والعقم... أما الإرادة فقد ذُكِرت مع تحديدٍ لشيٍ واحد فقط مرتبطٍ بها - {يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا} [٢٨ النساء] - {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} [٦ المائدة] - {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ} [١٠٨ آل عمران] - {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [١٨٥ البقرة] - {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} [١١ الرعد] فلو قال الله "يُضِلُّ مَن يُريد وَيَهْدِي مَن يُريد" لَعَنَى ذلك أن الله يَقصِدُ زيداً بالضلال، وعَمراً بالهدى! ولكنّ استخدام فعل المشيئة في هذا الموضع دلّ على وجود خيارَي الهدى والضلال لزيد، ووجود خيارَي الهدى والضلال لعمروٍ على السواء ولذلك نجد ارتباط المشيئة بالإنسان - {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [٢٩ الكهف] فالإنسان يشاء، والله يشاء - {إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذۡكِرَةٞۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [٢٩، ٣٠ الانسان] - {إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ * لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَسۡتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [٢٧، ٢٩ التكوير] وذُكِرَ فعل المشيئة مرتبطاً بالإنسان لامتلاكه حرية الاختيار، ولكنّ هذه الحرية في المشيئة؛ محدودةٌ بما شاء الله أن يمنحه من خيارات (مشيئة).. ولذلك جاء التعقيب في السياقين "وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ".. فلا يمكن لإنسانٍ أن يشاء (يختار) شيئاً لم يمنحه الله القدرة على اختياره في المقام الأول! وقدرة الإنسان على الاختيار، وخياراته ذاتها؛ تختلف باختلاف الموقف الذي يكون فيه لذلك علّمنا سبحانه - {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا * إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ} [٢٣، ٢٤ الكهف] فالغد يقع في عالم الغيب، والغيب احتماليّ، وكل ما هو احتماليّ يحتمل أن يقع أو لا يقع؛ فهو ينتمي لحقل المشيئة فسبحانه لم يقل "إلا أن يريد الله" التي تجعل للشيء احتمالاً واحداً محدداً، بل نوّه عمداً إلى وجود الاحتمالات العديدة فيما يتعلق بالغيب المستقبلي، الأمر الذي يطرح احتمالات أن نُمنَح القدرة على الفعل؛ أو لا نُمنَحها (بحسب الموقف) فلو تنبّهنا لأزمنة أفعال المشيئة، لوجدنا أنها تُذكر في الأغلبية العظمى من مواضعها بالزمن الحاضر (المضارع)، فهو فعلٌ يتبع الأسباب وسياقات الأحداث.. كما وقد جاءت المشيئة في كتاب الله بصيغة أفعالٍ فقط، ما يدل على أن المشيئة - في الأصل - هي فعل اختيارٍ مرتبطٌ بزمان.. ولذلك نجد ارتباطها في المصحف بأمورٍ تخضع لتدبير الرحمن المستمر من مقام ربوبيته (كالرزق بأنواعه، مطراً كان أم ذريةً أم متاعاً ومال).. #القضاء_والقدر@MuhammadShahrour

  • القضاء والقدر (13) - المشيئة.. في آخر منشورات القضاء والقدر، والذي تحدثنا فيه عن تفصيل القرآن لعلم الله سبحانه بالأعمال والأفعال الإنسانية، وأحداث الحياة الإنسانية؛ وقفنا عند الجملة القرآنية من سورة الروم "لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ" وقلنا أنّ "مِن قَبْلُ" خلق الله تعالى الأفعال، وخلق الأحداث؛ بجميع احتمالاتهما.. "وَمِن بَعْدُ" خلق عواقب الأفعال، وخلق مآلات الأحداث؛ بجميع احتمالاتهما.. وأن الإنسان يستطيع أن "يقضي" باختياره من ضمن هذه الأفعال والأعمال، والأخذ بأسباب الأحداث؛ في زمنه الحاضر (الآن).. فالإنسان جُعِل خليفة في الأرض بنفخةٍ من الروح.. والروح (من) أمر الله، وما آتانا من قليل العلم.. والروح هو ما جعل الإنسان مؤهلاً للخلافة، فهو يخلف بالعلم والتشريع (الأمر).. ولكنهما "بعضٌ" (من) الأمر، وقليلٌ من العلم، أي.. تقدير الإنسان على القضاء "قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي" + تعليمه ضمن قدر الله وتقديره "وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا" = الخلافة؛ التي تقوم على الحرية والصلاحية وهذا التلخيص لمُكوّنَيّ الروح؛ ونتيجته الخلافة، هو ما عرّفه القرآن بمفهوم "المشيئة" فالمشيئة ذُكِرت في كتاب الله في مواضع ذكر احتمالين؛ أو أكثر للأشياء - {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [٢٩ الكهف] وهنا تُقابِلُ المشيئة بين الإيمان والكفر - {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [٩٣ النحل] وهنا مقابلة بين الهداية والإضلال - {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [٣٩ سبإ] والمقابلة هنا بين حالتي البسط في رزق عبدٍ؛ وتضييقه لنفس العبد! - {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} [٤٣ النور] وبين مَن يصيبه خير السماء، ومن لا يُصاب - {لِّلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثٗا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوۡ يُزَوِّجُهُمۡ ذُكۡرَانٗا وَإِنَٰثٗاۖ وَيَجۡعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًاۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٞ قَدِيرٞ} [٤٩، ٥٠ الشورى] وهنا تُذكَر حالاتٌ متقابلةٌ هي الإنجاب والعقم، وبحالة الإنجاب توجد حالتا هبة الذكور أو الإناث - {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [١٧ المائدة] وأما هنا، فلا حصر لتنوع خلق الله سبحانه وتعالى، فهو - تبارك شأنه - على كل شيءٍ "قدير" و"إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ" ونلاحظ هنا - في حديث القرآن عن الخلق - استخدام فعل المشيئة في بعض المواضع، واستخدام فعل الإرادة في مواضع أخرى - {أَوَلَيۡسَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۚ بَلَىٰ وَهُوَ ٱلۡخَلَّٰقُ ٱلۡعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا (أَرَادَ) شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [٨١، ٨٢ يس] وتوضّح السياقات أن الخلّاق العظيم عندما يريد شيئاً "بعينه" يأمره أن يكون؛ فيكون ولكنّ خياراته في الخلق لا نهائية (لامتلاكه القدرة المطلقة)، فله أن يختار منها "ما يشاء" وهنا يتضح الفرق الدقيق بين فعلَي الإرادة والمشيئة قرآنياً.. فالإرادة ترتبط بالتوجه - عن قصدٍ وتقريرٍ مسبق - إلى شيءٍ محددٍ بعينه أما المشيئة فهي القدرة على الاختيار من العديد من الخيارات المتاحة #القضاء_والقدر@MuhammadShahrour

  • من غايات التدبّر - كما تبيّن لنا بعد عرض رؤى الأعضاء في مجموعة المناقشة - الاهتداء إلى الأقوم والأحسن لكل زمنٍ ومكان فبربط الأمر بتدبّر آيات الكتاب، مع الآية الكريمة - {إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [٩ الإسراء] و"أَقْوَمُ" من الجذر (ق و م)، ويشترك معها في الجذر لفظتان قرآنيتان هما القيوميّة والاستقامة فمن القيوميّة ورد اسم الله "القيّوم".. ووصف دين الله الحنيف بأنه "قيّم"، ولذلك تُعرف اللفظتان بمعنى السيطرة والتحكم، ومن هذا المعنى اشتُقت لفظة "التقويم"، التي تعني السيطرة على شيءٍ ما لتعديله والاستقامة في القرآن وردت كتكليف، ولا تكون إلا بالسيطرة على النفس لتقويمها! أي أن جذر الكلمة حفظ المعنى رغم تعدد الاشتقاقات فعندما نقرأ "إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ" نفهم أن القرآن يهدي "للتي هي" أكثر استقامةً (بالاتّساق مع الحق) وأكثر تقويماً (بالحنف إلى الحق) فدين الله مسيطرٌ فطرياً على كل ذي قلبٍ سليم، والقرآن ينسجم تماماً مع الفطرة؛ وبذلك يهدي إلى "الأقوم" والأقوم يختلف من زمنٍ إلى آخر، ومن جيلٍ إلى جيل، ومن مستوىً معرفيٍّ إلى غيره، ومن شيءٍ إلى آخر!.. ولذلك ورد أمرٌ من الرحمن باتباع "أحسن ما أنزل عز وجل في كتابه" - {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [٥٥ الزمر] فقد أنزل الله لنا كتاباً حنيفياً بعلومه وأحكامه الحدودية، وترك لنا اتباع "أحسن" ما تتيحه لنا وسائل تدبّرنا، وأحسن (أصلح وأمثل) ما يتطلبه الأمر الجاري تدبّره؛ ويناسب الواقع المعيش، وينسجم تماماً مع الآيات دون الخروج عن حدودها فالتدبّر إذاً، هو آلية استخراج الحلول الأفضل للوقائع المتغيرة من النص الثابت ومن جميع ما ذكرناه هنا، وما سبق لنا ذكره، نلحظُ ارتباط آيات الكتاب تحت مظلة منظومةٍ معرفيةٍ متكاملةٍ ينضوي تحتها (باتساقٍ متينٍ؛ ومبين) كلُّ ما نزل في كتاب الله.. إذ لا ينعزل التدبّر عن بقية قنوات الهداية التي ركّبها الله في الإنسان، فالقرآن يحدّد للإنسان مصدرين للبيان.. - الكتاب المسطور (التنزيل الحكيم)، وأدواته التدبّر والقراءة والترتيل والإنصات - الكتاب المنظور (الكون والأنفس والتاريخ)، وأدواته النظر والسير والتفكّر ويتكامل هذان المساران في تحقيق غاية التدبّر في "أن يُحيل أحدهما على الآخر"، ليتحقّق قوله تعالى - {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [٥٣ فُصّلت] فالمتدبّر الحقّ هو الذي يجعل آيات الله المسطورة تفسّر آياته المنظورة، وآياته المنظورة تشهد بصدق آياته المسطورة، وهذه العمليّة المركّبة هي ما عبّر عنه القرآن بلفظة "التعقّل".. فالعقل - وهو في الأصل حالةٌ وظيفيّةٌ للقلب لا عضوٌ مستقلّ - هو ثمرة تضافر السمع والبصر مع القلب السليم - {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} [٤٦ الحج] فالتدبّر يُدخل الوحي إلى القلب، والتفكّر يُدخل الكون إلى القلب، وعند اجتماعهما ينعقد التعقّل الذي يثمر سلوكاً قويماً ووعياً راشداً وهو (التدبّر) بهذه المعاني، ليس ترفاً ذهنياً، بل شرطاً لازماً لتحوّل القرآن من نصٍّ يُتلى؛ إلى هدايةٍ تُدرك وتُعقل وتُفعَّل في الحياة.

  • إن لفظة "التدبُّر" هي على وزن "تَفَعُّل" واسم الفاعل من التدبر هو "مُتَدَبِّر"، على وزن "مُتَفَعِّل" الذي يدل على أنّ المتدبر لآيات الله يقوم بتفعيل نفسه هو؛ لا الآيات! فآيات الله مُفعَّلَةٌ منه سبحانه؛ في جميع أرجاء خلقه، ونحن مَن نحتاج أن نتفعَّل بالتفاعل معها.. وهذا لا يتم إلا بالنظر في أدبار الآيات (مآلاتها في الواقع) دراسةً واجتهاداً وتطبيقاً فهو وزنٌ عظيمٌ لا يقف عند مستوى "الفاعلية"؛ بل يتجاوزها إلى مستوى" التفاعل" فالتدبر إذاً، هو استنباط المعنى من الآية ببذل جهد (وهي رمزية حرف التاء في بداية كلمة "تدبّر").. وتأويل هذا المعنى بدفعه لينبثق من الآية إلى الواقع.. ولا تنتهي العملية بذلك، فالراء في التدبر؛ هو لتكرار هذه العملية مِراراً - على نفس الآية - بما يتناسب مع مجال وظرف تطبيقها فآيات الله حيّة تُؤوّل بما لا نهاية له؛ فتصلح - بذلك - للتطبيق على كل ما طرأ ويطرأ وسيطرأ، لاتصافها بالحنيفية في تعدد أشكال فهمها وتطبيقها وبهذا نفهم أمر الله لنا بالتدبر تفاعلاً حقيقياً مع آيات الله سبحانه، سواءٌ منها آيات الرسالة وآيات النبوة، فجميعها يجب التفاعل معه بتأويله إلى ما يتناسب مع الواقع دون الخروج عن "حدود" الآية ولذلك يجب التزام الحنيفية حين التدبر.. بتحريك معاني الآيات لما يوافق معطيات ومستجدات كل عصر، وفق محورٍ ثابتٍ هو لسان الآية، حيث لا يجب الخروج عنه تجنباً للوقوع في الوهم والضلال ونختم هنا، بأنّ آيات كتاب الله حقٌ من عند حق، وأن الواقع يشهد لها دائماً بأنها صدقٌ وحق.. لذا، فنحن لا نتدبر كتاب الله بغرض إثبات أنه حق، إنما نحن مَن بحاجة معرفة الحق عن طريقه وبهديه فكتاب الله سواءٌ سعينا بتأويله أم لم نسعى ف"لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ" إذ الواقع يؤوّله دون جهد مجتهد!، ولذلك قال عز وجل في سياق التدبر - {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [٨٢ النساء] فلا مجال لاختلافٍ بين آيات الله والواقع إطلاقاً.. وأما الاجتهاد؛ فهو لنا نحن لكي "نَتَفَعَّلَ" به ضمن منظومة الكتاب الكبرى؛ والتي هي الكون بأكمله، فنصبح بذلك "متفاعلين" مع هذه المنظومة العظيمة وفق ثوابت الكتاب التي تُشكّل لنا "نوراً" يهدينا للميل عن ظلمات الضلال رحمةً من الله.. فما أرسل الله محمداً بهذا الكتاب "إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ" وصدق الله العظيم إذ قال للناس أجمعين - {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} [١٧٤، ١٧٥ النساء] ولو أردنا أن نُلخّص الغاية من "تدبّر" كتاب الله، فنقول أنها.. "تطبيق منهج إبراهيم الحنيف في التفاعل مع كتاب الله تبارك شأنه".

  • - ما الغاية من تدبر كتاب الله؟.. للإجابة عن هذا السؤال، يجب أن نتدبر معنى التدبر! عندما يسمع الناس كلمة "التدبر" ربما تحضُر إلى أذهانهم معاني الفهم والدراسة، فهل هذا صحيح؟ قرآنياً؛ هو غير صحيح لأن مُنزِل القرآن أفرد لهذا المعنى فعل "القراءة" ولهذا أمر بقراءة فقط "ما تيسر منه"، لعلمه سبحانه أننا لن نصل للإحاطة بعلمه وتأويله كاملاً - {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [٢٠ المزمل] أما الأمر بالتدبر فقد جاء شاملاً الكتاب، موجهاً لكل امرئٍ على الأرض في كل زمانٍ دون استثناء أحد من الناس - {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [٢٩ ص] فهو أشبه بالتكليف.. ونستدل على ذلك من ربط التدبر بوظيفة القلب - {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [٢٤ محمد] فالحد الأدنى من التدبر؛ هو أن لا تعمى "القلوب التي في الصدور" عن تعقّل (وظيفة القلب) آيات القرآن فكيف يتم ذلك على ضوء معنى التدبر؟ أولاً، لمعرفة معنى التدبر؛ نبدأ من الجذر اللساني لهذه الكلمة (الدال والباء والراء).. فالدال هو صوتٌ يفيد الدفع والحد والتقييد بشدة والباء تدل على بدايةٍ وانبثاقٍ بعد انحباس والراء تفيد التكرار فالفعل "دَبَّ" يصف شيئاً كان مقيداً ومحدوداً؛ وقد اندفع منبثقاً بحركته، ومنه سميت "الدابة" ومن الجذر (د ب ر) اشتُقّت كلمة "دُبُر" (جمعها أدبار)، ومعلومٌ أنها تعني ما يخلُف الشيء ويَعقِبه - {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [٤٠ ق] وهو ما ينسجم تماماً مع معاني أصوات الجذر.. فدُبُرُ الشيء هو ما يبدأ عند حد هذا الشيء ويندفع منه منبثقاً عنه بتكرار (إذ لكل شيءٍ دُبُر (عقب) لا ينفصل عنه ولا ينتهي) - {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ۙ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ} [٢٥ محمد] - {وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ} [٣٣ المدثر] - {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} [٤٩ الطور] - {تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ} [١٧ المعارج] - {ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ} [٢٣ المدثر] - {ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ} [٢٢ النازعات] ومن هذا المعنى (العقب والخلَف) نفهم معنى "دابر" التي على وزن "فاعل".. فالدابر هو الخلَف لسلف وبذلك نفهم "قطع دابر قوم" بمعنى إهلاكهم بحيث لن يكون لهم ذريةً تخلفهم - {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [٤٥ الأنعام] - {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَٰلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَـٰؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ} [٦٦ الحجر} ولا ننسى - في هذا المقام - معنى "التدبير" الذي يسبح في فلك نفس الجذر اللساني بين أيدينا - {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [٣ يونس] نلاحظ السياق "ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ" أي أن رب السماوات والأرض تبارك وتعالى؛ الذي يبدأ خلقه بأن يأمر الأشياء أن تكون؛ فتكون.. في كونٍ حنيفيٍّ يسبّح بحمد ربه، يدبّر كل أمرٍ بإخلافه بأمر؛ في حركةٍ كونيةٍ لا تهدأ ولا تنتهي - {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [٢ الرعد] فما هو "التدبر" بناءً على كل ما ذُكِر؟

  • وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ

  • تسمية الملائكة.. للإجابة عن السؤال الذي طرحناه في المقال السابق، نحتاج العودة إلى سياقات وظائف الملائكة في تدبير أمور الدارين (الدنيا والآخرة) وهو يقع "تحديداً" ضمن إطار "الربوبية".. فالملك لله من مقام ألوهيته، وفي هذا لا شريك له جل جلاله أما لِمقام الربوبية؛ فقد ذكر سبحانه لفظةً أخرى لها نفس جذر "المُلك" (مَلَكَ) ولكنها صيغت بشكلٍ آخر هي "الملكوت".. - {وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [٧٥ الأنعام] - {أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} [١٨٥ الأعراف] - {قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [٨٨ المؤمنون] فنبينا إبراهيم رأى ملكوت السماوات والأرض.. والله تعالى أمرنا بالنظر فيه (دراسته)، وهو ما يدل على ارتباط "الملكوت" بمقام الربوبية، إذ أن ألوهية الله تعالى لا يُنظَر فيها؛ إنما تُدرَك عقلاً من آياته البيّنات.. ومن هنا، وبعد أن أدركنا ارتباط "الملكوت" بالربوبية (تدبير الأمر)، ومحدودية وظائف الملائكة في مقام الربوبية "حصراً" بتنفيذ أوامر الله في تدبيره سبحانه لشؤون الكون، واشتراك لفظتي "الملائكة" و"الملكوت" بالجذر الثلاثي "مَلَكَ".. نستطيع الآن استجلاء سبب تسمية الملائكة بإفرادها "مَلَكْ" (وليس مالك).. وجمعها "ملائكة" (وليس مالكون)؛ والتي تدل - كلتاها - على "مُلكٍ" جزئي يتلخّص ببعض الصلاحيات والوصول؛ ممنوحٍ مِن مَن "بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ" فلا يجب أن يُظن أن الملائكة "شريكةٌ" في الملكوت؛ إذ هي ليست إلا مُنفّذةً - بتوكيلٍ من الرحمن - لمهام التدبير لأمره سبحانه في ملكوته.. ولهذا أمرنا تعالى ألا نتخذ الملائكة أرباباً من دونه - {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ} [٨٠ آل عمران] - وما إسجاد الملائكة لآدم بقول الله الحق؛ إلا لإخضاع صلاحياتها - جُزئياً - لصلاحيات الآدميّ الذي نُفِخَت فيه الروح! - .. كما يتبين - بما أسلفنا - سبب وجود التاء المربوطة في وزن "فعائلة".. وهو ليس إلا لكونها مرتبطةٌ ب" الملكوت" الربوبي؛ المنتهي شكله - اشتقاقاً - بتاءٍ مبسوطة!.. - {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [٨٣ يس] #الملائكة@MuhammadShahrour

  • والآيات أعلاه، تصف "تنزيلاً" آخر للملائكة يوم الدين، وعروج الروح ("أداة" الخلافة 'إن صح التعبير').. مع ذكر اسم الربوبية "الرحمن" ومقام الربوبية ("ربك"، "ربهم") في هذه السياقات.. إضافةً لذكر "العرش" تَحفُّه الملائكة، ونعلم أن "العرش" يعني إحكام سيطرة الله عز وجل - من مقام ربوبيته - على مُلكه، فهو سبحانه مالك السماوات والأرض في الدنيا وفي الآخرة "الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ" ولا يخفى على المتأمّل المتدبر للفظة "الملائكة"؛ اشتقاقها من الجذر "مَلَكَ".. إذ مفردها "مَلَكْ" - {وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} [٨، ٩ الأنعام] ولا وجود في كتاب الله للمفرد "ملاك"، ولا "ملأك" ولا "مألك" كما هو شائعٌ إفرادها فكلمة "ملائكة" ليست على وزن "مفاعلة".. إنما هي على وزن "فعائلة"، لأن الميم في المفرد "مَلَكْ" أصليةٌ لا زائدة، فهي فاء الوزن بلا ريب! وتُوجد في اللغة العربية جموعٌ عديدةٌ على وزن "فعائل"، ولكن وزن "فعائلة" يعتبر وزناً نادراً جداً.. فلماذا جُمعَت كلمة "مَلَكْ" على هذا الوزن؛ ولم تُجمَع "مُلَّاك" أو "مالكون" كونها مشتقة من الفعل "مَلَكَ"؟! أولاً تجدُر الإشارة إلى أنه على الرغم من اشتقاق تسمية الملائكة من "المُلك" إلا أنها لا تتمتع بأي مُلْك؛ فالله سبحانه لا شريك له في مُلكه - {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [٢ الفرقان] - {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [٤٢ النور] فكيف نفهم هذا الاشتقاق من "المُلك"؛ خاصةً لو تذكّرنا الآيات حين أراد الشيطان أن يُزِلّ آدم وزوجه للأكل من الشجرة إذ قال - {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} [٢٠ الأعراف] - {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ} [١٢٠ طه] ففي السياقَين يغري الشيطان آدم بالخلود، و"مُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ"؛ التي تتقاطع تماماً مع "أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ" في آية الأعراف فما هو مُلْكُ الملائكة وهم ليسوا - حتماً - شركاء في مُلك الله؟.. هو ما سنجيب عليه في الجزء الأخير؛ إن شاء الله.. #الملائكة@MuhammadShahrour

  • وظائف الملائكة.. لعلّ قول الملائكة "وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ" هو ما يلخّص وظائف الملائكة ويوضح غايتها إذ جاء العجب - كما أسلفنا - من التضاد الواضح بين الإفساد في الأرض، وبين تسبيح الملائكة وتقديسها.. فهي - بذلك - تتولى مهام إصلاح الأرض بتنفيذ أوامر الله تعالى فيها - {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ} [٤ القدر] فهي تتنزل بالروح من أمر الله - {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ} [٢ النحل] وتصلح هذه الآية عنواناً لجميع الآيات التي توضح أشكال تنزُّل الملائكة على من يشاء الله من عباده، وهي الآيات التالية فهي من جهة، تتواصل مع من اصطفى الله من عباده - {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ} [٣٩ آل عمران] - {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِين} [٤٢ آل عمران] وتتنزل بالطمأنينة والبشرى على قلب كل من استقام - {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [٣٠ فصلت] وتصلي على النبي؛ والناس لإخراجهم من ظلمات الجهل والضلال، إلى نور العلم والهداية (وهو معنى الروح، وما نحتاج لخلافة الأرض!) - {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [٥٦ الأحزاب] - {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [٤٣ الأحزاب] كما تتنزل على المؤمنين - بأمرٍ من الله - بالنصرة والتأييد والتثبيت - {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ} [١٢٥ آل عمران] - {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [١٢ الأنفال] وتتوفى الأنفس - {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ ۖ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ ۚ بَلَىٰ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [٢٨ النحل] - {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [٣٢ النحل] وكل ما ذُكِر يدل على منح الملائكة صلاحياتٍ وقدرات تؤهلها لأداء مهامها الموكلة إليها - {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [١ فاطر] وأكثر ما نرى ذلك في سياقات الحديث عن مشاهد الساعة والقيامة والحساب والجنة والنار - {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ ۚ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا} [٢٥، ٢٦ الفرقان] - {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [٤ المعارج] - {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَابًا} [٣٨ النبإ] - {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [٢٢ الفجر] - {وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا ۚ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [١٧ الحاقة] - [لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ] [١٠٣ الأنبياء] - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [٦ التحريم] - {وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [٧٥ الزمر]

  • الملائكة، وسجودها لآدم أبي البشر.. - {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [٤٩ النحل] تصف الآية الكريمة الملائكة بكونهم سجودٌ لله غير مستكبرين، وكذلك خلقهم الله تعالى.. فمن السجود الذي يعني الانصياع والرضوخ مع الطمأنينة، نفهم أن قول الله تعالى للملائكة حين أراد خلق البشر - {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ} [٢٨، ٢٩ الحجر] وحين أراد جعل هذا البشري خليفةً في الأرض - {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [٣٠ البقرة] .. هو قولٌ من الله، و"قَوْلُهُ الْحَقُّ" فهو إذاً حقٌ نافذٌ تسجد له الملائكة سجود جميع الأشياء - والناس - للحق.. وبالتالي، فالحديث هنا - مع استخدام تعبير "قَالَ رَبُّكَ" - ليس عن نقاشٍ أو استشارة، إنما إعلامٌ بحقٍ سيقع؛ وستسجد له الملائكة.. فليس رَدُّ الملائكة إذ قالوا "أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ" من باب الاعتراض أو الجدال إطلاقاً.. إذ تعرف الملائكة حق المعرفة أن الله تعالى لا يُبدّل قوله {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ}.. بل حتى صيغة قول الملائكة في الآية توضح بجلاءٍ أنما هو قولٌ من باب الاستغراب والتعجب! ذلك لأن مقام الخلافة سيمنح هذا البشر المُفسد الصلاحية والحرية لفعل ما يشاء!، وهو ما أثار عجب الملائكة التي تسعى دائماً بتسبيحها وسجودها؛ إلى الحفاظ على توازن الوجود وإبقائه على فطرته التي شاءها فاطر السماوات والأرض تبارك وتعالى.. ومن هنا، نفهم أن الأمر بسجود الملائكة لآدم كان قولاً حقاً.. فهو سجود كرهيّ بانصياع الملائكة لقول الله الحق أما عصيان إبليس فقد أوضح علّته العزيز الجبار، بأنه سبحانه توجّه لإبليس ب"أمرٍ" لا "قول"، فهو ليس كرهيّاً؛ إذ أمكنه اختيار العصيان - {وَلَقَدۡ خَلَقۡنَٰكُمۡ ثُمَّ صَوَّرۡنَٰكُمۡ ثُمَّ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ لَمۡ يَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ (أَمَرۡتُكَۖ) قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ} [١١، ١٢ الأعراف] فما هي وظائف الملائكة "السُّجَّدِ" في التنزيل الحكيم؟.. هو عنوان المقال القادم بإذن الله.. #الملائكة@MuhammadShahrour

  • بناءً على معنيَي السجود.. كيف تفهمون سجود الملائكة لآدم؟ أماديٌّ أم معنويّ؟ وكيف تفهمون شكله، طوعيٌّ أم كرهيّ؟

  • ومن هذا التمييز بين شكلي السجود الماديّ والمعنويّ.. والطوعيّ والكَرهيّ، نصل إلى الفرق الجوهري بين الركوع والسجود.. إذ لو تتبّعنا الركوع والسجود في التنزيل الحكيم، لوجدنا أن الركوع - على عكس السجود - لم يُذكَر مع الأشياء!.. إنما ذُكِر فقط مع الإنسان فهو بذلك فعلٌ عاقلٌ لا يصدر إلا عن مخلوقٍ حرٍ عاقل؛ طوعاً ليس كرهاً! وهو - بهذا المعنى - يقترب في جوهره من معنى الطاعة؛ بالامتثال الطوعيّ وحتى شكل الركوع الماديّ - بالانحناء - لو تأملناه؛ لوجدناه يرمز ويعبّر عن امتثالٍ حر أما شكل السجود - بوضع الجبين على الأرض - فيرمز أيضاً لمعناه المعنويّ؛ وليس هو إلا "الرضوخ" طوعاً وكرهاً (تسليماً وذُلاً) فبذكر المعنى المعنويّ للركوع، يجب علينا ذكر آياتٍ أوردته في كتاب الله؛ من مثل - {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [٤٣ البقرة] - {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [٥٥ المائدة] حيث أن عطفَ الركوع على الصلاة في الآيتين، يعني مغايرته لركوع الصلاة الماديّ بالانحناء.. وإقامُ الصلاة وإيتاء الزكاة بحال الركوع (وَهُمْ رَاكِعُونَ) في آية المائدة، يشير إلى معنىً معنويّ للركوع، وهو الامتثال طوعاً بملء الإرادة وهو المعنى الذي نجده أيضاً في الآية الكريمة - {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} [٤٨ المرسلات] على عكس المعنى الماديّ في الآية - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [٧٧ الحج] إذ يتّضح المقصد الماديّ هنا؛ من عطف الأمر "وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ" على الأمر بالركوع.. فالعبادة تحمل معنى الطاعة الذي يحمله الركوع المعنويّ وتُغني عنه، لذلك لا يتّسق المعنى الكلي للآية إلا بفهم الركوع بشكله الماديّ فالركوع شكلان انحناءٌ ماديٌّ فعليّ.. وامتثالٌ عمليّ والسجود شكلان وضعٌ فعليٌّ ماديٌّ للجبين على الأرض.. ورضوخٌ وانقيادٌ عمليٌّ والفرق بينهما أن السجود يقبل احتمالَي الطوع والكره، وينسجم ذلك مع غير العاقل أما الركوع فطوعيٌّ فقط، ولذلك لم يُذكَر في كتاب الله إلا مع الإنسان العاقل؛ دون ذكر ركوعٍ للأشياء! - و{مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ ۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَىٰهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًا} [٢٩ الفتح]

  • معاني الركوع والسجود في التنزيل الحكيم، والفرق بينهما.. حين تأملنا تسبيح الأشياء لخالقها بحركتها السابحة المُسبّحة باستمرارٍ في وجودها، عرفنا أن للتسبيح شكلاً عملياً مُضافاً لشكله اللفظي ولو تأملنا - أيضاً - حقيقة سجود الأشياء لله عز وجل؛ لأدركنا أيضاً وجود شكلٍ معنويٍّ للسجود، إلى جانب شكله الماديّ المعروف كرُكنٍ من أركان الصلاة فالسجود الحركيّ الماديّ نراه في كثيرٍ من الآيات؛ منها - {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ۚ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا} [١٠٧ الإسراء] - {أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَـٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [٥٨ مريم] أما السجود المعنويّ فنجده في سجود الأشياء - {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِّلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ} [٤٨ النحل] - {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [٤٩ النحل] - {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [٦ الرحمن] فجميع الأشياء على فطرتها الأولى تُسبّح لله وتسجد له.. ولكن حين يُذكَر الإنسان يُذكَر العصيان! فمن الناس من يسجد لله سبحانه، ومَن يأبى السجود - {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [١٨ الحج] - {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَـٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا} [٦٠ الفرقان] ومن ذاك نعلم أنّ هناك سجوداً عاقلاً بملء الإرادة (طوعاً)، وسجوداً فطرياً غير عاقل (كَرهاً) - {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [١٥ الرعد] فالأشياء تسجد طوعاً وكرهاً (بفطرتها).. والإنسان يسجد طوعاً (بإرادته) وكرهاً (برضوخه لسُنن الله وكتبه الكونية ومشيئته وقدَره) فالسجود في معناه الجوهري؛ هو الخضوع والرضوخ (طوعاً وكرهاً).. فكما وجدناه ذُكِر بمعناه الماديّ مع الإنسان.. نجد أيضاً سجوداً معنوياً طُلِب من الإنسان في الآيات - {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَـٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} [٥٨ البقرة] فمن الواضح أنّ المطلوب في الآية هو سجودٌ معنويّ، إذ لا يمكن لإنسانٍ أن يدخل قريةً وهو ساجدٌ سجوداً مادياً بوضع جبهته على الأرض! - {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ} [٢١ الإنشقاق] وقراءة القرآن تكون بدراسته وتدبّره فهماً وإسقاطاً لمواضيعه على وجودها في الواقع (السماوات والأرض) تفكُّراً بالبحث والعلم فيكون - بذلك - السجود لقراءة القرآن، بالإيمان تسليماً بما يُظهره الواقع من بيّناتٍ وبصائر، وذلك لا يمكن إلا أن يكون سجوداً معنوياً..

  • وأما على صعيد وحدة ناموس الكتاب - نظراً لوحدانية مُنزِله - ف.. ٧- نتعامل مع مواضيع المصحف كوحدةٍ لا تتجزأ.. وبناءً عليه، نمتنع عن عزل الآية عن موضوعها؛ بفهمها بمعزلٍ عن الآيات التي تناولت ذات الموضوع ولو كان ذلك في سياقاتٍ مختلفة فكتاب الله يُشكّل منظوماتٍ متكاملةً داخل منظومةٍ واحدةٍ متكاملةٍ أيضاً؛ هي المصحف بكل ما بين دفّتيه فلا يمكن فهم آية "اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ" بمعزلٍ عن آية "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" من حيث وحدة الموضوع، الأمر الذي يُوصلنا إلى قاعدة.. ٨- "وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا".. وذلك بجمع جميع الآيات التي تتناول ذات الموضوع وفهمها كوحدةٍ واحدةٍ تحمل معنىً متكاملاً غير متناقضٍ أو متضاربٍ مهما بدا ذلك ممكناً، وعليه.. ٩- لا ناسخ ولا منسوخ في كتاب الله أبداً.. فهو قد نزل "مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ"، ومفهوم النسخ يطعن في العلم ويطعن في الحكمة، وهو ما يتنزّه عنه المُنزِل والمُنزَل.. كما ولا ينسخه قولٌ آخر مهما كان مصدره، فكلام الله يعلو ولا يُعلى عليه، ويُستَدل به ولا يُستدل عليه، و"لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ"، فهو بذلك.. ١٠- ليس حكراً على فئةٍ دون غيرها من الناس.. فنحن بتدبرنا لا نحتكر فهم الآية على من يحاول غيرنا، بل نأخذ بما جاء به السلف والخلف، ونعرضه على "الحق"، فلو وافقه أخذنا به، ولو خالفه شكرنا جهد المجتهد ونبذناه ولو أتى عالمٌ أمريكيٌ - على سبيل المثال - بتأويلٍ - بعلمه - لآيةٍ في القرآن ووافق تأويله الحق الذي فيه، لأخذنا بتأويله دون تعصب ولا انغلاق، ف"الحكمة ضالة المؤمن؛ أينما وجدها فهو أحق بها".. وذلك ليس إلا امتثالاً لأمر الباري بالسير في الأرض لتحصيل العلم الذي كرّمنا بالقدرة على تحصيله "لَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ"، وبالتالي.. ١١- لا يمكن عزل كتاب الله (الدين) عن الواقع، فهو جل وعلا قال - {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [٥٣ فصلت] فبآيات الآفاق والأنفس يتبين أن القرآن حقٌ من عند الحق تبارك في عليائه لذلك نأخذ بكل ما أثبته العلم على صعيد الآفاق - {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} [٢٠ العنكبوت] وكل ما أثبتته التجربة على صعيد الأنفس - {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [١١ الأنعام] وهذه "التجربة الإنسانية" في التاريخ، هي مبدأ فهم "العبرة" في القصص القرآني، ف.. ١٢- تكرار القصة الواحدة في سياقاتٍ مختلفةٍ في القرآن، إنما هو لوجود عبرةٍ مختلفةٍ لكل سياقٍ - نحاول استشفائها - من خلال عرضها من زاوية نظرٍ مختلفةٍ في كل مرة، أو لاستكمال ما تم ذكره من القصة بإضافة معلوماتٍ جديدةٍ بخصوصها.. فللتكرار غايةٌ ننظر فيها حين تدبر القصص وأخيراً (وربما ليس آخراً).. ١٣- نحن نؤمن بعدم مقدرتنا على فهم الكتاب كاملاً بجميع ما يحتويه، فلا ندّعي إطلاق الفهم؛ إذ "مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ" وما لا نعلمه نقول "آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا". هذا ما أسعفتني لذكره البديهة، فماذا عنكم أيها الحنفاء؟.. ما هي المبادئ التي تلتزمونها حين تدبركم لكتاب الرحمن إضافةً لما قد ذكرت؟