بُرَاقَ الله
Статистикаهُنا رَكِبوا بُرَاقَ الله؛ وانسَكَبوا بشَلالٍ من الشُّهداء..🕊 -الشّاعر عمر الفرا البداية🌱|١ حزيران ٢٠٢٠
- Последний пост
- 14 авг.
- Последнее чтение
- 15 авг.
- Постов за неделю
- 16
- Всего постов
- 32
- Тип
- открытый
- Язык
- арабский
- В каталоге с
- 14 авг.
- 1/24сутки в ленте
- 3
- 1/48двое суток
- 3
- 1/72трое суток
- 3
Оценка по просмотрам недавних постов: пост набирает почти всё за первые сутки.
Посты
без подписи
وأما الأثر الأخروي (وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا) غير أن الآية لا تجعل دخول الجنة هو الذروة، بل تتجاوزها مباشرة إلى ما هو أعظم: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) فالرضا هنا هو غاية ما تذهب إليه هممهم، وأعلى ما يُنعِم الله بهم عليهم. فالجنة نعيم مادي، أما الرضا فهو نعيم معنوي يفوقها ويتجاوزها في العظمة، بحيث تبلغ العلاقة بينهم وبين الله المرتبة الأسمى، فلا يبقى في النفس شيء تتمناه. ثم تختم الآية بتحديد الهوية الإيمانية لهم فتقول: (أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) وذلك يعني أن إيمانهم مكتمل الأركان، فلا يبقى مجرد تجربة فردية، بل يتحوّل إلى مشروع أخلاقي وحضاري ينحاز صاحبه إلى الحق حيثما كان، مما يؤهلهم جميعًا إلى الفلاح في الدنيا والآخرة. ✍ السيد بلال وهبي فجر يوم الجمعة الواقع في: 14/8/2026 الساعة (04:44)
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) قال تعالى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿سورة المجادلة: 22﴾ حزبان تنقسم البشرية إليهما، حزب الله، وحزب الشيطان، ولا ثالث لهما، ولكلٍ وَلِيُّه ومَثَلُهُ الأعلى، ومنهجه، وغاياته، وقيمه. والمنتمون إلى أي منهما لهم صفاتهم وسماتهم النفسية والأخلاقية والسلوكية، وعلى المرء أن يختار الانتماء إلى أحدهما. وهذا الانتماء لا يقصد به الانتماء التنظيمي أو السياسي المعاصر، وإنما يعني الجماعة التي تتوحَّد مرجعيتها ووجهتها وقيمها. فالانتماء الحقيقي من منظور القرآن ليس انتماء الدم ولا الأرض ولا العِرق، وإنما انتماء العقيدة والمنهج. الآية الكريمة التي بين أيدينا تبيِّن لنا أهم الصفات العَقَدية والفكرية والأخلاقية لحزب الله الذي عُقِدَت على جبينه شارة الفلاح والفوز في الدنيا والآخرة. وتبيِّن لنا أيضًا أن الإيمان الحق هو ارتباط روحي ومعنوي بالله تعالى، وانحياز وجودي كامل إلى الله، والتزام مطلق بأوامره ونواهيه، وتخلُّقٌ بما يمكن للإنسان أن يتخلّق به من آثار أسمائه الحسنى وصفاته العليا، ورِضا مطلقًا عنه الله في جميع الأحوال، في اليسر والعسر، وفي الغنى والفقر، وفي العافية والمرض. وأول ما يلفت النظر في الآية الكريمة أنها تبدأ بوصف لحقيقة نفسية في منتهى الأهمية، فتقرِّر أن الإيمان الصادق يخلق في القلب بنية جديدة، يصبح معها من غير الممكن أن تستقر فيه مودتان متناقضتان، مودّة لله ورسوله، ومودّة مَن يحادد الله ورسوله. والمُحادَّة تعني أن يقف كل طرف في حدٍّ مقابل للآخر، أي أن يتحول الخلاف إلى مواجهة واعية وعداء للمشروع الإلهي. ولذلك لم تقل الآية: (من كفر بالله)، وإنما قالت: (مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ)، لأن الكفر شيء، واتخاذ موقف المحاربة والمشاقة شيء آخر. وهذا التفريق بالغ الأهمية، إذ إن القرآن نفسه أمر بالإحسان إلى الوالدين غير المسلمين، وأجاز البِرَّ والقسط مع غير المسلمين المسالمين، فقال: "لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" ﴿سورة الممتحنة: 8﴾ فليس في الآية مورد البحث دعوة إلى الكراهية المطلقة، وإنما إلى عدم منح الولاء القلبي لمن جعل نفسه في صَفِّ محاربة الحق.﴿ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾. وقد ركَّزت الآية على أقوى الروابط العاطفية. فالإنسان قد يضحي بماله، ولكنه يصعب عليه أن يتجاوز عاطفة الأبوة أو البنوة أو الأخوة. وهنا يظهر معنى الامتحان الحقيقي، إذ لا قيمة لتقديم ما لا نحبه، وإنما القيمة في تقديم ما نحبه إذا تعارض مع الحق. ولا يعني هذا أن المؤمن يصبح مجرداً من الرحمة أو الحنان تجاه أهله، وإنما يعني أن العاطفة لا تتحول إلى سلطة تتحكَّم في إيمانه بل الإيمان يتحكَّم في عاطفته. فالقرآن لا يقتل المشاعر، ولكنه يمنعها من أن تصبح إلهاً يُطاع من دون الله. ثم تنتقل الآية الكريمة من الوصف -وصف علاقاتهم بالله وبالأقربين ناهيك عن البعيدين- إلى ذكر آثار هذا الإخلاص والتجرُّد لله، فتقول: ﴿أولئك كتب في قلوبهم الإيمان﴾. وإنما عبَّرت الآية بكلمة (كُتِبَ) لبيان أن هذا الإيمان ليس أمرًا عابرًا يتأثّر بالأوضاع والأحوال، وإنما هو ثابت مستقر في أعماق القلب، كما تكتَب الكلمات على صفحة بحبر لا يُمحى، وهذا هو الفرق بين الإيمان الذي يُظهِره اللسان، والإيمان الذي يستقر في الوجدان، فالأول تهزه الضغوط، أما الثاني فيقاومها. والأثر الثاني، وما أعظمه من أثر، وهو أثر دنيوي بالغ الأهمية ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوْحٍ مِنْهُ﴾. وهذه الروح هي حياة معنوية جديدة، حياة يرى بها الإنسان الأشياء بمعايير مختلفة، فيصبح الحق أحب إليه من المكاسب، والوفاء لله أغلى عنده من رضا الناس. والتأييد هنا يشير إلى أن الإنسان، مهما بلغ صدقه، لا يستطيع وحده أن ينتصر على جاذبية الهوى وضغط العاطفة ومغريات الدنيا، بل يحتاج إلى مَدد من الله. فالإنسان يبدأ الخطوة بإرادته، فإذا صدق في قصده، جاءه التأييد الإلهي الذي يثَبِت قلبه، ويقوي بصيرته، ويمنحه طاقة لا يملكها بنفسه.
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ يا اللهُ، يا باعِثُ، ابعَثني شَهيداً صِدّيقاً رَضِيّاً، عزيزاً حَميداً، مُغتَبِطاً مَسروراً، مَشكوراً مَحبوراً.
без подписи
без подписи
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) قال تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿سورة المجادلة: 21﴾. قد يقف المؤمن أمام هذه الآية متسائلًا: إذا كان الله قد كتب الغَلَبة له ولِرُسُله، فلماذا نرى في كثير من الأزمنة أن أهل الباطل يمتلكون القوة، يقتلون، ويحتلون، ويعيثون في الأرض فسادًا، بينما يعيش أهل الحق تحت وطأة الظلم والعدوان؟ مِمّا لا شكَّ فيه أن هذا السؤال لا ينشأ من الاعتقاد بتخلَف الوعد الإلهي لدى المؤمنين، بل من رغبتهم في فهم معنى الغلبة التي وعد الله بها. ومِمّا لا شك فيه أيضًا أن الآية الكريمة تتحدث عن سُنَّة ربّانية كتبها الله، أي عن قضاء ربّاني ثابتٍ لا يتخلف، أن تكون العاقبة لرسالاته، وألّا يستطيع الباطل أن يقضي على الحق أو يطفئ نوره. ولهذا جاءت الآية بصيغة الجزم: ﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾، أي قضى وحكم حكمًا لا يتبدَّل، لأن الذي وعد هو ﴿الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ الذي لا يعجزه شيء، ولا يغلبه أحد. غير أن السؤال الذي يراود الذهن: هل الوعد الرباني بالغَلَبة خاصٌ بالرسل والأنبياء؟ ظاهر الآية أن الوعد متوجه إلى رُسُلِ الله، لكن الرسالة لا تنتهي برحيل الرسول، بل تبقى حيَّة في أتباعه الصادقين. ولذلك فإن غلَبَة الرُسُل تمتد إلى كل من يحمل رسالتهم بإخلاص، ويسير على نهجهم، ويجاهد في سبيلها. غير أن هذا الامتداد ليس وعدًا مطلقًا لكل من انتسب إلى الإيمان، وإنما هو وعد لمن حقَّق شروط الغَلَبة في نفسه، لأن القرآن نفسه ربط النصر بالإيمان الحقيقي، فقال: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴿سورة غافر: 51﴾. وقال سبحانه: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿سورة آل عمران: 139﴾. فكلما التزم المؤمنون بمنهج الرُّسل، كانوا أقرب إلى وعد الله لهم بالغَلَبَة، وكلما ابتعدوا عنه، جرت عليهم السُّنَن نفسها التي تجري على سائر الأمم. ثم هاهنا سؤال آخر: لماذا يتأخر النصر؟ وجوابه: أن القرآن لا ينكر أن الباطل قد يمتلك قوة ظاهرة، وأن الطغاة قد يكون لهم سلطان مُدّة من الزمن، لكن هذه القوة وهذا السلطان ليسا المقياس النهائي. فقد ينتصر الباطل في جولة، لكنه يعجز عن إطفاء نور الحق. وقد يُهزَم المؤمنون في معركة، لكن الرسالة التي يحملونها تبقى حَيَّة، تستعيد حضورها، وتنهض من جديد، والمشروع الإلهي يستمر في تقدمه رغم المُعَوِّقات والأثمان والنكبات. وهذا ما تشهد له التجربة الإنسانية الطويلة في الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل، فكم من طاغية ملأ الأرض ظلمًا وبطشًا، ثم صار مجرد ذكرى سيئة، بينما بقيت دعوات الأنبياء، وقيم العدل، ومبادئ الإيمان تنير حياة الأمم جيلاً بعد جيل. وإنَّ الغَلَبَة التي وعد الله بها أوسع من أن تختزل في ميدان الحرب، فهي غَلَبة الحجة على الشبهة، -كما يقول السيد الطباطبائي في تفسيره الميزان- وغَلَبَة الحق على الباطل، وغَلَبَة الرسالة على محاولات طمسها، وغَلَبَة الإرادة المؤمنة التي لا تستسلم، لأنها تعلم أن خسارة النفس أهون من خسارة المبدأ. ولهذا فإن المؤمن الحقيقي لا يقيس الأمور بلحظة عابرة من التاريخ، بل ينظر إليها بمنظار السنن الإلهية الثابتة. ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس أنهم ينتظرون وعد الله بالغَلَبَة، ولكنهم يغفلون عن الشروط التي أقام الله عليها هذا الوعد. فالله لم يعد بالنصر أمةً فَرَّطت في وحدتها، أو تنازعت، أو تخلَّت عن العدل، أو استبدلت الإخلاص بالمصالح الشخصية، أو اكتفت بالأماني دون إعداد واستعداد. إن وعد الله حقٌ، لكن سُنَنه أيضًا حق. ومن هنا، فإن الآية لا تدعو إلى انتظار الغَلَبَة، بل إلى تهيئة أسبابها، بالسير في طريق الرسل، والثبات على الحق، والصبر، وبناء الإنسان المؤمن، المتعلم، العارف بزمانه، وإعداد القوة، وعدم اليأس مهما طال الطريق. فالذي كتب الغَلَبَة هو نفسه الذي كتب للكون سننًا لا تحابي أحدًا. ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. فهو قويٌّ في إنفاذ وعده، وعزيزٌ لا يُغلَب، ولكن حكمته اقتضت أن يكون النصر ثمرةً للإيمان الصادق، والعمل الواعي، والصبر الطويل، لا أمنيةً تتحقق بمجرد الانتساب إلى الحق. ✍ السيد بلال وهبي فجر يوم الخميس الواقع في: 13/8/2026 الساعة (04:40)
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ يا اللهُ، يا شَكورُ، أنتَ المَشكورُ عَلى ما رَعَيتَ وغَذَّيتَ، ووَهَبتَ، وأَعطَيتَ، وأَغنَيتَ، فَاجعَلني لَكَ مِنَ الشّاكِرينَ، ولِآلائِكَ مِنَ الحامِدينَ.
без подписи
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ ﴿سورة المجادلة: 20﴾. هذه سُنَّة ربانية جارية في حركة الإنسان والمجتمعات، مفادها أن من يقف في مواجهة الحق الذي جاء به الله ورسوله، ويختار العناد والتمرد بدل التسليم والهداية، فإن مصيره لا يكون إلا إلى الذل، مهما بدا قويًا ومتماسكًا، فالقرآن لا ينظر إلى القوة بمنظار العدد والمال والنفوذ، وإنما بمنظار الصلة بالله، لأن العزة الحقيقية له وحده، ومنه تُستَمّد، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة المنافقون: 8). المُحادَّة لغة مأخوذة من الحدّ، لأن كل طرف من المتخاصمين يكون في حدّ مقابل للآخر. ومن هنا كانت المحادة لله ورسوله تعني: أن يجعل الإنسان نفسه في جهة مقابلة لأمر الله ورسوله، فيعاند الحق، ويرفض الهداية، ويختار طريق المخالفة والاستكبار. وليست المُحادَّة مجرد وقوع الإنسان في خطأ أو تقصير عابر، فالإنسان يضعف ويخطئ، وباب التوبة مفتوح، وإنما المُحادَّة هي أن يتحول الخطأ إلى موقف، والمعصية إلى تحدٍّ، والرفض إلى عناد، بحيث يقف الإنسان في مواجهة ما أراده الله لعباده من هدى وعدل وصلاح. ومن مظاهر المحادة: ردّ أوامر الله ونواهيه، أو الاستهزاء بها. وتقديم الهوى والمصلحة الشخصية على حكم الله. ومعارضة رسالة الرسول وما جاء به من هداية. والوقوف ضد المؤمنين، وإيذاؤهم، وإضعاف جماعتهم، ونشر الفتن بينهم. واتخاذ الباطل وأهله أولياء في مواجهة الحق وأهله. ولهذا فإن المحادة موقف فكري يتحول إلى سلوك وآثار في حياة الإنسان والمجتمع. ولما كانت عاقبة المحادَّة لله ورسوله وخيمة جاء التعبير القرآني عن ذلك بقوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾. إن هذا التعبير يحمل معنى عميقًا، فهو لا يشير فقط إلى وقوع الذل عليهم، بل إلى أنهم أصبحوا داخل زمرة الذين كُتِبَ الله عليهم الذُّلُ والهَوان. فهم ليسوا أصحاب ذِلَّة عارضة تزول بزوال ظرف معين، وإنما هم في صفٍّ اختار طريقًا يقوده إلى فقدان العزة، لأن من حارب مصدر العزة فقد حُرم منها. لقد نزلت الآية الكريمة في سياق مواجهة المشركين المعاندين لله ورسوله، لكنها لا تقتصر على ذلك الظرف الذي نزلت فيه، وتلك الجماعة التي نزلت فيهم، فالقرآن ليس كتابًا يجمد في زمان خاص وإنما هو كتاب هداية وشريعة ممتدة. فكل زمان يوجد فيه من يحادد الله ورسوله، تجري فيه هذه السُّنَّة الربانية. وكل من يختار طريق الظلم، والاستكبار، والعدوان، وإفساد حياة الناس، ومحاربة قيم الإيمان والعدل، فهو داخل في معنى المُحادَّة بقدر ما يحمل من هذه الصفات. مع الإشارة إلى أن المُحادَّة قد لا تكون دائمًا في صورة إعلان الحرب على الدين، فقد تكون أحيانًا في صورة تشويه الحق، أو إضعاف المؤمنين، أو إشاعة اليأس بينهم، أو تمزيق وحدتهم، أو جعل الأهواء والمصالح مقدمة على أوامر الله. فالقرآن يريد أن يربي المؤمنين على إدراك حقيقة مهمة: أن الصراع بين الحق والباطل صراع بين طريقين: طريق يرتبط بالله فيمنحه العزة، وطريق ينفصل عن الله فينتهي إلى الذل. ولهذا يختم القرآن هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (سورة المجادلة: 21). فالغلبة النهائية ليست لمن يملك أدوات القوة في لحظة معينة، وإنما لمن يرتبط بالقوي العزيز الذي لا يغلبه غالب. ✍ السيد بلال وهبي فجر يوم الأربعاء الواقع في: 12/8/2026 الساعة (04:40)
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ يا اللهُ، يا رَقيبُ، احرُسني بِرَقابَتِكَ، وأَعِنّي بِحِفظِكَ، وَاكنُفني بِفَضلِكَ، ولا تَكِلني إلى غَيرِكَ
без подписи
без подписи
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿سورة المجادلة: 9﴾. قد يظن بعضنا أن أخطر ما يهدد المجتمعات هو الصراع الذي يقع في ميادين المواجهة العسكرية، بينما يكشف القرآن عن ميدان آخر لا يقل خطورة، بل قد يكون هو الذي يصنع تلك المواجهات من الأساس، إنه ميدان الكلمة. فالمجتمعات لا تتشكل بالقوانين وحدها، وإنما تتشكل كذلك بالأحاديث التي تدور في مجالسها، والأفكار التي تتداولها، والرسائل التي يتناقلها أفرادها. ولهذا أولى القرآن عناية كبيرة لما يدور في المجالس، حتى في الأحاديث الخاصة، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. ولم ينه القرآن عن النجوى في ذاتها، لأن التشاور وتبادل الرأي حاجة إنسانية لا تستقيم الحياة من دونها، ولكنه وجَّه مضمونها، لأن القضية ليست في اجتماع الناس، وإنما في طبيعة ما يجتمعون عليه. فهناك نجوى تُنتِج خيرًا، وأخرى تُنتج شرًا، والفرق بينهما هو الفكرة التي تُبث، والكلمة التي تُقال، والأثر الذي تتركه في النفوس. ولهذا جمع القرآن بين الإثم والعدوان ومعصية الرسول، ليبين أن الكلمة قد تبدأ انحرافًا أخلاقيًا، ثم تتحول إلى اعتداء على الآخرين، ثم تنتهي إلى تقويض المنهج الذي يقوم عليه المجتمع المؤمن. فالكلمة ليست حدثًا عابرًا، بل قوة تصنع الاتجاهات، وتؤثر في القناعات، وقد تهدم في ساعات ما بُني في سنوات. ومن هنا تضع الآية الكريمة مبدئًا مهمًا، وهو أن كل مجلس يُشحَن بما يفسِد النفوس، أو يزرع الشكوك، أو يثير الأحقاد، أو يُضعف الثقة بين الناس، أو يفتح أبواب الفرقة، فهو داخل في دائرة النجوى التي نهى الله عنها. فليست خطورة المجالس في ارتفاع الأصوات فيها، وإنما في الأفكار التي تغادرها لتستقر في عقول الناس وقلوبهم. وتزداد أهمية هذا التوجيه عندما تمر الأمة بظروف دقيقة تحتاج فيها إلى تماسك صفها ووحدة موقفها. ففي مثل هذه الأحوال قد تتحول بعض المجالس إلى بيئات تُبث فيها الإشاعات، وتُضخَّم فيها الأخطاء، وتُثار فيها الخلافات، وتُطرح فيها رؤى تُضعف العزائم، وتزرع اليأس، وتدفع الناس إلى التشكيك بعضهم ببعض، في الوقت الذي يكونون أحوج ما يكونون إلى وحدة الكلمة، ووحدة المشاعر، ووحدة الخيارات. وهنا تصبح الكلمة مسؤولية اجتماعية وأخلاقية قبل أن تكون مسؤولية فردية. وفي المقابل، يرسم القرآن البديل بقوله: ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. أن مجالس المؤمنين ينبغي أن تكون ورشًا لصناعة الخير، وتثبيت القيم، وتقوية الإرادة، وإصلاح ذات البين، وبعث الأمل، والبحث عن الحلول، لا منصات لتبادل الاتهامات، أو تصفية الحسابات، أو صناعة الإحباط. فالكلمة التي تجمع القلوب من البر، والكلمة التي تمنع الفتنة من التقوى. ويختم الله الآية بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، ليجعل الضمير هو الرقيب الأول على الكلمة. فالمؤمن لا يسأل نفسه فقط: ماذا أقول؟ بل يسأل قبل ذلك: ماذا سيصنع قولي؟ وهل سيكون لبنة في بناء المجتمع، أم ثغرة ينفذ منها الخلاف إليه؟ إن هداية هذه الآية لا تقف عند حدود أدب الحديث، وإنما تؤسس لثقافة قرآنية كاملة، ترى أن سلامة المجتمع تبدأ من سلامة الكلمة، وأن وحدة الأمة لا تُصنع في ساحات القرار وحدها، بل تُصنع أيضًا في المجالس، حيث تتكون الأفكار، وتتشكل القناعات، وتُبنى الثقة، أو يُبدأ في هدمها. ✍ السيد بلال وهبي فجر يوم الثلاثاء الواقع في:11/8/2026 الساعة (04:44)
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ يا اللهُ، يا مُعيدُ، أنتَ تُعيدُ الأَشياءَ كَما بَدَأتَها أوَّلَ مَرَّةٍ، أسأَ لُكَ إعادَةَ الصِّحَّةِ وَالمالِ وجَليلِ الأَحوالِ إلَيَّ وَالتَّفَضُّلَ بِذلِكَ عَلَيَّ.
без подписи
الامتداد الطبيعي للنور الذي عاش به القلب في الدنيا. ✍ السيد بلال وهبي فجر يوم الإثنين الواقع في: 10/8/2026 الساعة (04:38)
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿سورة الحديد: 28﴾. عظيمة ومهمة الحقيقة التي تعالجها هذه الآية الكريمة، فقد يظن أحدنا أنه إذا آمن واستقر الإيمان في قلبه وصدَّقته أعماله يكون قد بلغ غاية الإيمان، غير أن القرآن الكريم يرى هذا الإيمان بداية الطريق نحو مزيد من التكامل الروحي والمعنوي والأخلاقي، يراه سُلَّمًا يعرج عليه المؤمن درجة بعد أخرى حتى يبلغ ما يمكنه منها، حيث إن للإيمان درجات ومراتب، وليس مرتبة واحدة يبلغها الناس جميعًا. فقد يؤمن الإنسان من حيث التصديق، ولكنه لا يبلغ بعد مرتبة التسليم الكامل، ولا يصل إلى الإيمان الذي ينعكس على سلوكه، ويوجّه خياراته، ويصبح ميزانًا لكل مواقفه. ولذلك جاء الأمر -في الآية الكريمة- بالإيمان بعد الإيمان انتقالًا بالمؤمن من مجرد الانتساب إلى الإسلام، إلى حقيقة العبودية الكاملة لله، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾. ومنه نفهم سِرَّ اقتران الإيمان بالتقوى في الآية، فالتقوى هي الدليل العملي على صدقه. وكلما ازداد الإيمان رسوخًا، ازدادت التقوى حضورًا، حتى يصبح المؤمن شديد الإلتزام بأوامر الله ونواهيه، فينهض إلى أداء كل واجب، ويُتبعه بما يقدر عليه من مستحب، ويجتنب كل حرام، وتأبى نفسه المكروهات، وقد يتورَّع عن المباحات، ولا يتحرك إلا وهو يسأل نفسه: ماذا يريد الله مني؟ ومما لا شَكَّ فيه أن الإيمان بالله تعالى يقتضي الإيمان بخاتم رُسُله محمد (ص)، ولكننا نلاحظ أن الآية الكريمة أمرت بالإيمان به، فقالت: ﴿وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾، ولهذا سببان محتملان: الأول: هو ما ذكره جمع من المفسرين من أن الآية الكريمة تخاطب أهل الكتاب الذين آمنوا بالله وبأنبيائه ولم يؤمنوا بمحمد (ص) رسولًا، لذلك دعتهم إلى أن يتقوا الله، أي يخافوه ويخشوا غضبه عليهم حين ينكرون نبوة خاتم أنبيائه (ع)، فالإيمان بنبي دون آخر يدل على أن هذا الشخص فاقد لصفة التقوى، ومعاند للحق، لأن ذات البراهين التي برهنت له على نبوة من سبق محمدًا (ص) من الأنبياء تثبت نبوته أيضًا. الثاني: أن الاكتفاء بالتصديق بنبوة محمد (ص) لا يُصَيِّر المؤمن مؤمنًا حقيقيًا، بل لا بد من اتباعه وطاعته والتسليم الكامل لكل ما جاء به من عند الله، فالإيمان الحقيقي برسول الله لا يقتصر على محبته والثناء عليه، وإنما يظهر حين تتعارض أهواء النفس مع توجيهاته، فيكون حكمه أحب إلى المؤمن من رأيه، وأمره مقدمًا على هواه، كما قال تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴿سورة النساء: 65﴾. وهذا هو الإيمان الذي أشار إليه بعض المفسرين بأنه "إيمان بعد إيمان"، ومرتبة فوق التصديق، ولذلك رتب الله عليه عطاءً أعظم. ثم يأتي الوعد الإلهي: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. والكِفْلُ هو النصيب والحظ. غير أن التعبير بـ "كفلين" يلفت النظر، وقد ذكر المفسرون في بيان ذلك وجوهًا متعددة، فقيل: هما نصيب في الدنيا ونصيب في الآخرة، وقيل: أجر على أصل الإيمان، وأجر على كماله، وقيل: ثواب على الإيمان بالرسل السابقين، وثواب على الإيمان بخاتمهم محمد (ص). ولا تعارض بين هذه المعاني، بل يجمعها معنى واحد، وهو أن الإيمان الصادق لا يزيد صاحبه قربًا من الله فحسب، بل يضاعف له آثار الرحمة في دنياه وأخراه. ولعل أجمل ما في التعبير أنه نسب الكفلين إلى الرحمة، لا إلى الأجر. فالرحمة أوسع من الأجر، لأنها تشمل ما يستحقه العبد وما يتفضل الله به عليه. وقد يكون الإنسان بعمله يستحق قدرًا محدودًا، لكن رحمة الله تتجاوز حدود الاستحقاق، فتفيض عليه من الخير ما لا يبلغه عمله وحده. غير أن أعظم ما وعدت به الآية بعد الرحمة هو قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾. فالإنسان لا يحتاج في حياته إلى شيء أكثر من حاجته إلى النور. وليس المقصود نور الأبصار، وإنما نور البصائر، ذلك النور الذي يبدِّد ظلمات الحيرة، ويفرِّق بين الحق والباطل، ويكشف الشبهات، فلا ينخدع بزخرف الباطل. إن كثيرًا من الناس أذكياء بلا شك، ولكنهم يفتقدون البصيرة، ويملكون المعلومات، ولكنهم يعجزون عن التمييز بين الغثِّ والسمين منها. أما المؤمن الذي عمر قلبه بالتقوى، واستنار بهدي رسول الله (ص)، فإن الله يرزقه نورًا يمشي به نورًا يهديه في المواقف الملتبسة، ويقود حركته، ويوجِّه سلوكه، ويجعله يرى من الحقائق ما لا يراه غيره، فيعرف سبيله إلى الله، ويهتدي به في قراراته ومواقفه، ثم يتحول هذا النور يوم القيامة إلى نور حِسِّي يسعى بين يديه، كما وعد الله عباده المؤمنين، فالنور الأخروي ليس إلا
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ يا اللهُ، يا ذَا العَرشِ المَجيدِ اجعَلني مِنَ المُسَبِّحينَ المُمَجِّدينَ لَكَ في آناءِ اللَّيلِ وأَطرافِ النَّهارِ وبِالغُدُوِّ وَالآصالِ، وأَعِنّي عَلى ذلِكَ.
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) قال تعالى: "...وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" ﴿سورة الحديد: 4﴾ حين تتعاظم المصائب، وتشتد الفتن، ويستطيل الظالم في ظلمه، ويعلو الطاغية في طغيانه، يُراوِدُ المؤمنين سؤالٌ قد لا يجرؤون على التلفظ به، لكنهم يهمسون به في أعماقهم: أين الله مِمّا يجري علينا؟ إن كان الله معنا، فلماذا كل هذا الألم؟ ولماذا يمهل الظالمين، ويترك الأبرياء يعانون؟ ولماذا يبدو أن الباطل ينتصر، والحق يتراجع؟ تلك هي طبيعة النفس البشرية عندما تضيق بها الأسباب، وتغشاها سُحُبُ المِحن، حتى لتكاد تحجب عنها نور اليقين، هنا يعيد الله تعالى صياغة رؤيتنا من جديد، بإعادة تعريف العلاقة بيننا وبينه، فيقول سبحانه: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. إن أول ما تقرِّره الآية أن الله لا يغيب عن عباده لحظة واحدة. "...لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ..."﴿سورة البقرة: 255﴾. فهو مع عباده في كل مكان، وفي كل زمان، وفي كل حال. لا يحجبه عنهم شيء. إنه معهم جميعًا، والمعية هنا ليست مرتبطة بمكان، لأن الله سبحانه ليس محصورًا في مكان حتى يقترب أو يبتعد، وإنما هي معية الإحاطة المطلقة، التي لا يخرج عنها شيء في الوجود. إنَّ هذه المعية حضور إلهي يقتضي العلم، والقدرة، والتدبير، والقيوميّة، فالله هو القيُّوم على الكون، يحفظه، ويدبِّر أمره لحظة بلحظة. ووجود الخلق نفسه قائم بإمداده سبحانه، ولو انقطع عنه فيض ربه طرفة عين لما بقي له وجود. ومن هنا يتبين أن السؤال: أين الله مما يجري علينا؟ سؤال يحتاج إلى تصحيح في أصل تصوره. فالله لا يغيب حتى نبحث عنه، وإنما الغائب هو شعورنا بمَعِيَّته. فالمِحنة قد تحجب البصيرة، لكنها لا تغير الحقائق. غير أن السؤال الأصعب يبقى حاضرًا: إذا كان الله معنا، فلماذا لا يمنع الظالم من ظلمه؟ والجواب: إن مَعِيَّة الله لا تعني تعطيل سننه في الكون. فقد شاء سبحانه أن يجعل الدنيا دار ابتلاء، لا دار جزاء. ولو كان كل ظالم يؤخَذ في اللحظة التي يظلم فيها، لما بقي معنى للاختيار، ولا للامتحان، ولا للصبر، ولا للجهاد، ولا لظهور معادن الناس. إن إمهال الظالم ليس إهمالًا له، وإنما هو جزء من حكمة الامتحان، وتأخير الحساب إلى الموعد الذي لا يظلم فيه أحد. ولهذا ختمت الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، فكل دمعة يراها الله، وكل صرخة يسمعها، وكل ظلم يحصيه، وكل قطرة دم سُفكت بغير حق محفوظة عنده، لا تضيع. إنَّ كثيرًا من الناس يظنون أن العدل الإلهي لا يكون إلا بالعقوبة العاجلة، بينما يعلِّمنا الله تعالى أن تأخير العقوبة لا يعني سقوطها، وإنما هو جزء من التدبير الإلهي الذي يرى الإنسانُ أوَّلَه، ولا يرى آخره. ولكن يبقى السؤال العملي: كيف نجد معيَّة الله في حياتنا؟ إن معية الله تُدرك بآثارها، نجدها حين نجد في قلوبنا سكينة لا تفسِّرها الأسباب، وقد كانت الظروف كلها تدعو إلى الانهيار. ونجدها حين تنفتح أمامنا أبواب لم نكن نتوقعها، بعد أن أغلقت في وجوهنا جميع الأبواب. ونجدها حين يمنحنا الله قوة على الاحتمال، مع أن البلاء نفسه لم يتغير. ونجدها حين يحفظ الله الإيمان في قلوبنا وسط الفتن، فنخرج من المِحنة أكثر قربًا منه، لا أكثر بعدًا عنه، وهذه جميعًا من أعظم صور المَعيَّة الإلهية. حين يستحضر المؤمن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، يدرك أن الله معه في خَلوته كما هو معه في ساحات الصراع مع الظالمين، معه في لحظة قوته كما في لحظة ضَعفه، معه في فرحه كما في حزنه. وهنا تتحول المعية من فكرة عقدية إلى طاقة روحية هائلة، فهي تمنح المؤمن طمأنينة لأنه ليس وحيدًا، وتمنحه شجاعة لأنه ليس متروكًا، وتمنحه مراقبة دائمة لأنه يعلم أن الله يراه، كما تمنحه أملًا لا ينقطع، لأنه يوقن أن ربه يدبِّر الأمر كله بعلم لا يخطئ، وحكمة لا تغيب، ورحمة لا تنفد. فإذا سألت وأنت في المحنة يومًا: أين الله؟ فليكن جوابك لنفسك: هو معي، لم يغب لحظة، وإنما أنا الذي أحتاج أن أفتح بصيرتي لأشهد آثار مَعِيَّته، فليس أعظم من أن يمضي الإنسان في أشَدِّ طرق الحياة ظلمة، وهو على يقين أن ربه معه، يسمعه، ويراه، ويعلم حاله، ويدبِّر أمره، وأن ما عند الله من عدل ورحمة وحكمة، أكبر مما تدركه الأبصار المحدودة، وأوسع مما تستوعبه اللحظة العابرة. ✍ السيد بلال وهبي فجر يوم الأحد الواقع في: 9/8/2026 الساعة (04:38)