tgindex
مُلخصات جزء تبارك🖋️✨

مُلخصات جزء تبارك🖋️✨

Статистика
@AlmajalisPart2арабский
Последний пост
31 авг. 2024 г.
Последнее чтение
13 авг.
Постов за неделю
0
Всего постов
20
Тип
открытый
Язык
арабский
В каталоге с
13 авг.
Подписчики
493
+1 за 1 дн.
Сутки
0
0,00%
Неделя
 
Месяц
 
Просмотров на пост
629
20 постов
Вовлечённость
127,6%
к подписчикам
Постов в день
0,0
всего 20
Упоминаний
0
каналов
Охват размещения
оценка
1/24сутки в ленте
1/48двое суток
1/72трое суток

Оценка по просмотрам недавних постов: пост набирает почти всё за первые сутки.

Посты

  • وَقَدْ وَفقَ اللهُ الكَرِيمُ بِمَنِّهِ لإِكْمَالِهَا حَسْنَاءَ مَيْمُونَةَ الْجِلَا وَقَدْ كُسِيَتْ مِنْهَا الْمَعَانِي عِنَايَةً كَمَا عَرِيَتْ عَنْ كُلِّ عَوْرَاءَ مِفْصَلاَ وَتَمَّتْ بِحَمْدِ اللهِ فِي الْخَلْقِ سَهْلَةً مُنَزَّهَةً عَنْ مَنْطِقِ الْهُجْرِ مِقْوَلَا وَلكِنَّهَا تَبْغِيْ مِنَ النَّاسِ كُفْؤَهَا أَخَا ثِقَةٍ يَعْفُوْ وَيُغْضِيْ تَجَمُّلَا وَلَيْسَ لَهَا إِلاَّ ذُنُوبُ وَلِيِّهَا فَيَا طَيِّبَ الأَنْفَاسِ أَحْسِنْ تَأَوُّلَا وَقُلْ رَحِمَ الرَّحمنُّ حَيًّا وَمَيِّتًا فَتًى كَانَ لِلإِنْصَافِ وَالْحِلْمِ مَعْقِلَا عَسَى اللهُ يُدْنِيْ سَعْيَهُ بِجَوَازِهِ وَإِنْ كَانَ زَيْفاً غَيْرَ خَافٍ مُزَلَّلَا فَيا خَيْرَ غَفَّارٍ وَيَا خَيْرَ رَاحِمٍ وَياَ خَيْرَ مَأْمُولٍ جَدًا وَتَفَضُّلَا أَقِلْ عَثْرَتِي وَانْفَعْ بِهاَ وَبِقَصْدِهَا حَنَانَيْكَ يَا اللهُ يَا رَافِعَ الْعُلَا وَآخِرُ دَعْوَانَا بِتَوْفِيقِ رَبِّنَا أَنِ الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي وَحْدَهُ عَلَا وَبَعْدُ صَلاَةُ اللهِ ثُمَّ سَلاَمُهُ عَلَى سَيِّدِ الْخَلْقِ الرِّضَا مُتَنَخِّلَا مُحَمَّدٍ الْمُخْتَارِ لِلْمَجْدِ كَعْبَةً صَلاَةً تُبَارِيْ الرِّيحَ مِسْكاً وَمَنْدَلَا وَتُبْدِي عَلَى أَصْحَابِهِ نَفَحَاتِهَا بِغَيْرِ تَنَاهٍ زَرْنَبًا وَقَرَنْفُلَا 💛🙌💙

  • 41] يُبهتُ الكافرون يوم القيامة فلا يتكلمون؛ لقوله: {هذا يَومُ لا يَنطِقونَ} والكفار في عرصات القيامة لا يتكلمون خوفًا من عقاب الله، قال تعالى: {يَومَئِذٍ يَتَّبِعونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصواتُ لِلرَّحمنِ فَلا تَسمَعُ إِلّا هَمسًا} وقال: {وَيَومَ يُناديهِم فَيَقولُ ماذا أَجَبتُمُ المُرسَلينَ۝فَعَمِيَت عَلَيهِمُ الأَنباءُ يَومَئِذٍ فَهُم لا يَتَساءَلونَ} وقال تعالى: {وَوَقَعَ القَولُ عَلَيهِم بِما ظَلَموا فَهُم لا يَنطِقونَ} وكذلك هم في النار لا يتكلمون لإنشغالهم بالعذاب عن التكلم، ولا يشكلنَّ على هذا ما جاء من تَكَلُّم الكافرين في آياتٍ وأحاديث كقوله: {أَلَم تَكُن آياتي تُتلى عَلَيكُم فَكُنتُم بِها تُكَذِّبونَ۝قالوا رَبَّنا غَلَبَت عَلَينا شِقوَتُنا وَكُنّا قَومًا ضالّينَ۝رَبَّنا أَخرِجنا مِنها فَإِن عُدنا فَإِنّا ظالِمونَ۝قالَ اخسَئوا فيها وَلا تُكَلِّمونِ} فهذا وأمثاله يكون في مواضع معينةٍ وليس هو الأصل. 42] لا يستطيع الكافرون دفع العذاب عن أنفسهم يوم القيامة؛ لأن الله أيَّسهم من دفعه عن أنفسهم فقال: {هذا يَومُ الفَصلِ جَمَعناكُم وَالأَوَّلينَ۝فَإِن كانَ لَكُم كَيدٌ فَكيدونِ} وقد تقدم أن قوله: {فَإِن كانَ لَكُم كَيدٌ فَكيدونِ} معناه إن كان لكم خُطةٌ تدفعون بها عذاب الله عنكم فافعلوها، وقد تقدم أيضًا أن الشرط في هذا السياق مُستعمل في التيئيس؛ فتبيَّن أنه لا يستطيع أحدٌ دفع العذاب عن نفسه كما قال تعالى: {سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ۝لِلكافِرينَ لَيسَ لَهُ دافِعٌ}. 43] ليس للكافر عذرٌ مقبول يدفع عنه العذاب يوم القيامة؛ لأن الله أعلمنا أن الكُفَّار لا يعتذرون {هذا يَومُ لا يَنطِقونَ۝وَلا يُؤذَنُ لَهُم فَيَعتَذِرونَ} وإنما يتركون الإعتذار لأنهم يعلمون أنه ليس لهم أعذارٌ مقبولة.

  • 31] إثبات اسم الله القادر؛ لقوله تعالى: {فَقَدَرنا فَنِعمَ القادِرونَ} والقادر هو ذو القُدرة المُطلقة الذي لا يُعجزه شيء، قال تعالى: {أَوَلَم يَسيروا فِي الأَرضِ فَيَنظُروا كَيفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذينَ مِن قَبلِهِم وَكانوا أَشَدَّ مِنهُم قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعجِزَهُ مِن شَيءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الأَرضِ إِنَّهُ كانَ عَليمًا قَديرًا}. 32] التأشير إلى أن الأرض هي الموضع الشرعي لدفن الأموات؛ قال تعالى: {أَلَم نَجعَلِ الأَرضَ كِفاتًا} فبيَّن أن الأرض تضم الناس أحياءً على ظهرها وأمواتًا في بطنها، وبَيَّن أنه تعالى هو الذي جعل الأرض على هذا الوجه، وهذا الجعل المذكور في الآية جعلٌ فطريٌّ شرعيّ؛ فالله سبحانه فطر الناس على الدفن في الأرض وشرع لهم ذلك، وقد اتفق الفقهاء على وجوب دفن الموتى داخل الأرض وأنه لا يجوز سوى هذا إلا للضرورة. وقد نَصَّ العلماء على حرمة الدفن في الفَسَاقِ وهي ما يجعل من القبور على هيأة البيوت فيوضع فيه الأموات على ظاهر الأرض، وهذا معروف في الديار المصرية. وقد نَصَّ الفقهاء - رحمهم الله - على حرمة إلقاء الميت في البحر أو حرقه وجمعه في إناء و نحوه، لأن هذا كله خلاف الفطرة والشرع. 33] التأشير إلى أن الجبال لها جزءٌ داخل الأرض؛ وهذا هو سر التعبير بالحرف (في) بقوله: {وَجَعَلنا فيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسقَيناكُم ماءً فُراتًا} فعُبِّر بالحرف (في) بدل الحرف (على) لِأن الحرف (على) يدل على الاستعلاء، فغايته أن يُبيِّن علو الجبال على الأرض، أما الحرف (في) فهو يدل على الاستعلاء والظرفية، فيدل على أن بعض الجبال فوق الأرض وتلك العوالي، وبعض الجبال داخل الأرض وتلك الأسافل، ولهذا أوثر استعمال الحرف (في) لأنه يُعبِّر عن الجبل كاملًا. 34] إثبات الدخان للنار يوم القيامة؛ لأن الله قال: {انطَلِقوا إِلى ظِلٍّ ذي ثَلاثِ شُعَبٍ} وقد تقدم أن الظل هو الدخان، وهذا الدخان له نعوت: ١/ أنه لا يُظلِّل كما قال الله: {لا ظَليلٍ وَلا يُغني مِنَ اللَّهَبِ}. ٢/ أنه عذاب ووبال كما قال تعالى: {لَهُم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِن فَوقِهِم غَواشٍ} الغواشي فُسِّرت بالدخان الذي يغشاهم على قول. ٣/ أنه من النار قال تعالى: {وَظِلٍّ مِن يَحمومٍ}. ٤/ شديد السواد: {وَظِلٍّ مِن يَحمومٍ} واليحموم: الدخان شديد السواد. ٥/ يأتيهم عن أيمانهم وشمائلهم ومن فوقهم كما قال: {انطَلِقوا إِلى ظِلٍّ ذي ثَلاثِ شُعَبٍ}. ٦/ ليس شريفًا ولا باردا كما قال تعالى: {لا بارِدٍ وَلا كَريمٍ} 35] النار تقذف الشرار على الكافرين يوم القيامة؛ قال تعالى: {إِنَّها تَرمي بِشَرَرٍ كَالقَصرِ} والشرارة لها نعوت: ١/ أنها صفراء، قال تعالى: {كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفرٌ} فشُبِّهت بالجمال باللون. ٢/ أنها سريعة، قال تعالى: {كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفرٌ} فشُبِّهت بالجمال بالسرعة. ٣/ أنها ضخمة، قال تعالى: {إِنَّها تَرمي بِشَرَرٍ كَالقَصرِ} فشُبِّهت بالقصر بالضخامة. ٤/ أن الشرارة تتبعها الشرارة، قال تعالى: {كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفرٌ} فَشَبَّه الشرارة بالبُعران التي تأتي بالعير مُتتابعة. 36] التوحيد جزاءه الجنة؛ لأن الله وعد أهله بها، فقال: {إِنَّ المُتَّقينَ في ظِلالٍ وَعُيونٍ۝وَفَواكِهَ مِمّا يَشتَهونَ۝كُلوا وَاشرَبوا هَنيئًا بِما كُنتُم تَعمَلونَ۝إِنّا كَذلِكَ نَجزِي المُحسِنينَ} وقد تقدم أن المتقين معناه الموحدون. 36] صحة تسمية التوحيد والعبادة ركوعًا؛ لأن الله سَمَّاه ركوعًا بقوله: {وَإِذا قيلَ لَهُمُ اركَعوا لا يَركَعونَ} اركعوا أي وحِّدوا واعبدوا. 37] التوحيد قائمٌ على الخضوع لله عز وجل؛ وجه ذلك أن الله - عز وجل - سَمِّى التوحيد ركوعًا، والركوع من معانيه الخضوع، وإنما سُمِّيَ التوحيد ركوعًا لأن الخضوع لله هو أساسه الذي يقوم عليه. 38] من لم يهدهِ القرآن الكريم، فلا هادي له من الآيات؛ لأن القرآن أعظم آية وأبين دلالة يُهتدى بها، قال تعالى: {فَبِأَيِّ حَديثٍ بَعدَهُ يُؤمِنونَ}. 39] العمل الصالح ذريعةٌ لدخول الجنة؛ لقوله: {إِنَّ المُتَّقينَ في ظِلالٍ وَعُيونٍ۝وَفَواكِهَ مِمّا يَشتَهونَ۝كُلوا وَاشرَبوا هَنيئًا بِما كُنتُم تَعمَلونَ} فبيَّن أنهم نالوا الجنان بما عملوه. 40] في الجنة كُلُّ ما يشتهيه الناس؛ لقوله: {وَفَواكِهَ مِمّا يَشتَهونَ} فبيَّن أنهم رزقوا الثمار وأنها من جملة المُشتَهَيات وهذا يدل على أن أهل الجنة ينالون سائر ما يشتهون.

  • 20] التأشير إلى طهارة المنيّ؛ لأن الله سَمَّاه ماءً بقوله: {أَلَم نَخلُقكُم مِن ماءٍ مَهينٍ} وقد تقدم إنه سُمِّيَ المني ماء لسببين: الأول: أنه يشبه الماء. الثاني: أن أكثره ماء. وهذان الأمران يقتضيان طهارته؛ فكونه يشبه الماء فهذا يقتضي طهارته من باب أن الشيء يعطى حكم الشيء الذي يشبهه، وكون أكثره ماءً فهذا يقتضي أن يأخذ حكم الماء لأن الحكم للغالب. والقول بطهارة المني هو مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل، خلافًا لمالكٍ وأبي حنيفة رحم الله الجميع. ولا يصح الاعتراض على طهارة المني بممازجته للمذي؛ لأن المني أكثر من المذيِّ فهو طاغٍ عليه، ولأن النجاسة في موضعها لا حكم لها، فاختلاط المذي بالمني في مجرى البول لا حكم له. 21] الماءُ أكثر مكونات المنيِّ؛ لأن الله سماه ماءً كما تقدم. 22] الماء المهين من أسماء المني، قال تعالى: {أَلَم نَخلُقكُم مِن ماءٍ مَهينٍ} فسَمَّاه بالماء المهين والمني يُسمَّى شرعًا بالماء المهين، وبالماءِ الدافق، وبالنطفة. 23] المنيُّ مستقذرٌ طبعًا؛ لأن الله تعالى قال: {أَلَم نَخلُقكُم مِن ماءٍ مَهينٍ} فنعته بالمهانة، وهذا يدل على قذارته؛ لأن المهين هو الحقير المُستقذر، ولأجل أنه قذرٌ كانت عائشة - رضي الله عنها تُزيله - من ثوب رسول الله ﷺ، ولأجل هذا أيضًا نَصَّ العلماء على استحباب إزالته من البدن والثياب. وقد اختلف الفقهاء - رحمهم الله - في إنزال الرجل منيّه على وجهِ امرأته ونحو ذلك: فقال بعضهم: هو حرام. وقال بعضهم: هو مكروه. وقال بعضهم: هو مباح. والصحيح: أنه إن كان امتهانًا فهو لا يجوز باتفاق العلماء، وإن كان تلذذًا فإن كان بغير رضا الزوجة فهو حرامٌ أيضًا، وإن كان برضاها فهو جائز وحينئذٍ فالفقهاء يتسامحون في إيصال القذر إلى البدن لمعنى إتمام الشهوة مع إزالته عن البدن عَقِبَ ذلك. 24] اُستُدِل بقوله تعالى: {أَلَم نَخلُقكُم مِن ماءٍ مَهينٍ} على تحريم تناول المنيِّ؛ لأن الله بيَّن أنه قذر، والقذرُ لا يحلُّ تناوله، ولهذا حرَّم العلماءُ تناول أشياءَ كثيرة وهي طاهرة، فمنعوا تناول النُّخامة مثلًا لأنها قذرة. وقد اختلف الفقهاء - رحمهم الله - في حكم تناول المراة لمني الآدمي على قولين: الأول: التحريم؛ وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل، وهو أحد الوجهين عند الشافعي رحم الله الجميع، أما أبو حنيفة ومالك فهُما يمنعان يُحرمان لأنه نجسٌ عندهما كما تقدم، وأما أحمد بن حنبل والشافعي فيحرمون تناوله لأنه قذر، وقد تقدم أن القذر لا يحل تناوله الثاني: التحليل مع الكراهة؛ وهو القول الآخر للشافعي. والقول الصحيح - بلا شك- هو الذي درَج عليه الجمهور؛ لأن الله - عز وجل - سَمَّى المني ماءً مهينًا، فهو قذر والقذر لا يحل تناوله. وقد نص الفقهاء على أن الرجل لا يجوز له أن يأمر المرأة بإبتلاع منيه، ولا يجوز للمرأة أن تمتثل أمره إذا أمر. 25] القرارُ المكين من أسماء الرحم؛ لأن الله سَمَّاه بذلك فقال: {فَجَعَلناهُ في قَرارٍ مَكينٍ}. 26] الرحم مكان ملائم للجنين؛ لأنه سُمِّيَ بالقرار، قال تعالى: {فَجَعَلناهُ في قَرارٍ مَكينٍ} وهذا يقتضي ملاءمته للجنين وتوفر ما يحتاج إليه فيه؛ فسُبحان الذي سوَّاه! وقد تبيَّن بالعلم الحديث أن الرحم فيه تنفس الجنين وغذاءه. 27] الرحم حصنٌ حصين للجنين؛ لقوله تعالى: {فَجَعَلناهُ في قَرارٍ مَكينٍ} وقد تقدم أن المكين معناه المتين، فهذا القرار المتين مع ما فيه من السوائل يُشكل حماية قُصوى للجنين فليس سهلًا أن يتضرر فيه، فسبحان الذي سلك للجنين في أحشاء أمه مسلكًا! 28] إثباتُ أن مدةَ الحملِ المعتادة تسعةُ أشهر؛ لأن الله قال: {فَجَعَلناهُ في قَرارٍ مَكينٍ۝إِلى قَدَرٍ مَعلومٍ} فجعل الله لمدة الحمل مقدارًا معلومًا وهو تسعة أشهر، وهذا هو الغالب في حملِ النساءِ كما الواقع. 29] الجنين الذي يولد قبل اكتمال تسعة أشهر يولدُ ناقصًا ولا بد؛ لأن الله - عز وجل - ضرب للولادةِ أجلًا معلومًا يكون الجنين عند حضوره مُكتمل الخلْق، وهو إكمال تسعة أشهر، فإذا خرج قبل هذا يخرج ناقصًا؛ لأنه خرج قبل تمامِ الأجل، فقد يخرج ناقصًا عضوًا، وقد يخرج ناقصًا لحمًا، وقد يخرج ناقصًا عقلًا ومخًّا. 30] التأشير إلى أن الرحم بعد اكتمال تسعة أشهر يفقد كونه قرارًا مكينًا؛ لأن الله نعت الرحم بالقرار المكين في حيز المدة المعلومة، فقال: {فَجَعَلناهُ في قَرارٍ مَكينٍ۝إِلى قَدَرٍ مَعلومٍ} فهذا يقتضي أنه لن يكون كذلك إذا انصرم هذا الوقت وقد ظهر للأطباء أن بقاء الجنين بعد المدة المعلومة يُعرضه لمخاطر عديدة وأن الخطر يزداد بازدياد مدة بقائه بعد ذلك الوقت المعلوم.

  • 15] يُجمع الرسل في يوم القيامة؛ لأن الله عز وجل نَصَّ على ذلك فقال: {وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَت۝لِأَيِّ يَومٍ أُجِّلَت۝لِيَومِ الفَصلِ} وهذه الآيات قريبةٌ من قوله تعالى: {يَومَ يَجمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقولُ ماذا أُجِبتُم قالوا لا عِلمَ لَنا إِنَّكَ أَنتَ عَلّامُ الغُيوبِ}. 16] يوم الفصل من أسماء يوم القيامة؛ لقوله: {لِأَيِّ يَومٍ أُجِّلَت۝لِيَومِ الفَصلِ} فَسَمَّاه يوم الفصل، وقد تقدم أنه سُمِّيَ فصلًا لأن فيه فصلًا أي قضاءً، ولأن فيه فصلًا أي تفريقًا بين الناس. 17] عظمة يوم القيامة؛ وهذا يتجلى من وجوه: الأول: بيان الأحوال العظيمة التي تقع فيه وهذا يدل على عظمته. الثاني: الاستفهام بقوله: {لِأَيِّ يَومٍ أُجِّلَت} وقوله: {وَما أَدراكَ ما يَومُ الفَصلِ} فكلاهما يدل على التفخيم والتعظيم. الثالث: أن الله أقسم على وقوع يوم القيامة؛ والله لا يقسم إلا بعظيم على عظيم. 18] جواز تسمية الكافر مجرمًا؛ لأن الله سَمَّى الكافرين مجرمين بقوله: {كُلوا وَتَمَتَّعوا قَليلًا إِنَّكُم مُجرِمونَ} وجاز تسمية الكافر مُجرمًا؛ لأن المجرم لغةً هو فاعل الذنب، والكفر أعظم الذنب وأشنعه، والكافر يُسمَّى شرعًا؛ ظالمًا وفاسقًا ومجرمًا. 19] مَن تَشبَّه بقوم في أفعالهم نزلت عليه نفس عقوبتهم؛ لأن الله لما بَيَّنَ لأهل مكة أنه أهلك الأوائل بسبب كفرهم عَقَّبَ هذا بتهديدهم بالعذاب إن استمروا على تكذيبهم، فقال عَزَّ مَن قال: {أَلَم نُهلِكِ الأَوَّلينَ۝ثُمَّ نُتبِعُهُمُ الآخِرينَ۝كَذلِكَ نَفعَلُ بِالمُجرِمينَ} فقوله: {أَلَم نُهلِكِ الأَوَّلينَ} تقريرٌ مُوَّجه إلى أهل مكة بأن الأوائل قد هلكوا بسبب كُفرهم، وقوله: {ثُمَّ نُتبِعُهُمُ الآخِرينَ} تهديد لهم بأن يَهلكوا كهلاكهم إن استمروا على دربهم، وقوله: {كَذلِكَ نَفعَلُ بِالمُجرِمينَ} يقتضي أن مَن عَمِلَ عَمَل قومٍ استحق مثل عقوبتهم؛ ولذا كان القول الصحيح في عقوبة أهل اللواط: أن يُرمى الواحد منهم من علوٍ ويُتبع بالحجارة، وقد اختلف العلماء - رحمهم الله - في عقوبة من يعمل عمل قوم لوط مع إتفاقهم على أنه يُقتل: فقال بعضهم: يُضرب بالسيف. وقال بعضهم: يُحرَّقُ بالنار. وقال بعضهم: يُرجم. وقال بعضهم وهو الصحيح: يُجمع له بين الرمي من مكان عالٍ والرجم؛ لأن هذه العقوبة هي العقوبة التي فعلها الله - عز وجل - بالمؤتكفات من قوم لوط عليه السلام.

  • المجلس الحادي والخمسون بقية فوائد سورة المرسلات 11] تَغيُّر العالم العلوي والسفلي بقيام الساعة؛ لأن ربنا بَيَّن أن النجوم تُطمس وأن السماء تُشق وأن الجبال تُزال من أماكنها، فقال: {فَإِذَا النُّجومُ طُمِسَت۝وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَت۝وَإِذَا الجِبالُ نُسِفَت} وهذا يقتضي تغير حال العال العلوي والسفلي، وقد نَصَّ ربنا سبحانه في القرآن على هذا التغيُّر فقال: {إِذَا الشَّمسُ كُوِّرَت۝وَإِذَا النُّجومُ انكَدَرَت۝وَإِذَا الجِبالُ سُيِّرَت۝وَإِذَا العِشارُ عُطِّلَت۝وَإِذَا الوُحوشُ حُشِرَت۝وَإِذَا البِحارُ سُجِّرَت} ويقول: {إِذَا السَّماءُ انفَطَرَت۝وَإِذَا الكَواكِبُ انتَثَرَت۝وَإِذَا البِحارُ فُجِّرَت۝وَإِذَا القُبورُ بُعثِرَت} ويقول: {إِذَا السَّماءُ انشَقَّت۝وَأَذِنَت لِرَبِّها وَحُقَّت۝وَإِذَا الأَرضُ مُدَّت۝وَأَلقَت ما فيها وَتَخَلَّت} ويقول: {إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ۝ما لَهُ مِن دافِعٍ۝يَومَ تَمورُ السَّماءُ مَورًا۝وَتَسيرُ الجِبالُ سَيرًا} ويقول: {وَيَسأَلونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُل يَنسِفُها رَبّي نَسفًا۝فَيَذَرُها قاعًا صَفصَفًا۝لا تَرى فيها عِوَجًا وَلا أَمتًا} يقول: {فَإِذَا انشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَت وَردَةً كَالدِّهانِ} ويقول: {كَلّا إِذا دُكَّتِ الأَرضُ دَكًّا دَكًّا۝وَجاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} ويقول: {فَإِذا نُفِخَ فِي الصّورِ نَفخَةٌ واحِدَةٌ۝وَحُمِلَتِ الأَرضُ وَالجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً۝فَيَومَئِذٍ وَقَعَتِ الواقِعَةُ۝وَانشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَومَئِذٍ واهِيَةٌ} ويقول: {إِنَّ يَومَ الفَصلِ كانَ ميقاتًا۝يَومَ يُنفَخُ فِي الصّورِ فَتَأتونَ أَفواجًا۝وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَت أَبوابًا۝وَسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَت سَرابًا} فهذه الآيات وأمثالها تدل على أن العالم العلوي والسلفي يتغيَّرُ بقيام الساعة. 12] تَغيُّر السماء عن طبيعتها في يوم القيامة؛ لأن الله تعالى أخبر أنها تُشق، فقال: {وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَت} وقد تقدم معنا أن السماء تُفْتَحُ أبوابها لنزول الملائكة ثم تُشقق شقوقًا كثيرة ثم يُحمى عليها بالنار فتصير حمراء لونًا ضعيفة شكلًا ثم تُزال من مكانها المعروف ثم تُطوى بيمين الرحمن. أما الفتح فيدل عليه قوله: {وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَت أَبوابًا} وأما النزول فيدل عليه قوله: {وَيَومَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ وَنُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنزيلًا} وأما صيرورة السماء حمراء لونًا ضعيفةً شكلًا فيدل عليه قوله: {فَإِذَا انشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَت وَردَةً كَالدِّهانِ} فالوردة حمراء والدِهان سائلٌ ضعيف. وأما إزالتُها من مكانها فيدل عليه قوله تعالى: {وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَت} وأما الطيُّ فيدل عليه قوله: {وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدرِهِ وَالأَرضُ جَميعًا قَبضَتُهُ يَومَ القِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطوِيّاتٌ بِيَمينِهِ سُبحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشرِكونَ} وقد تقدم هذا المعنى معنا كثيرًا. 13] تَغيُّر الجبال عن طبيعتها في يوم القيامة؛ لأن الله أخبر أنها تنسف فقال: {وَإِذَا الجِبالُ نُسِفَت} وقد تقدم أن الجبال تُقلع من أماكنها ثم تُسيَّر بين السماء والأرض ثم تُدك فتصبح ضعيفة ثم تُبث وتُنثر وتُنشر ثم تخلو أماكنها منها فتصبح أثرًا بعد عين. أما القلع فيدل عليه قوله: {وَإِذَا الجِبالُ نُسِفَت} وأما التسيير بين السماء والأرض فيدل عليها قوله: {وَتَرَى الجِبالَ تَحسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنعَ اللَّهِ الَّذي أَتقَنَ كُلَّ شَيءٍ إِنَّهُ خَبيرٌ بِما تَفعَلونَ} مر السحاب أي بين السماء والأرض وأما الدك فدليله قوله: {وَحُمِلَتِ الأَرضُ وَالجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً} وأما البسّ والنثر فدليله قوله تبارك وتعالى: {إِذا رُجَّتِ الأَرضُ رَجًّا۝وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا۝فَكانَت هَباءً مُنبَثًّا} وأما خلو أماكنها منها فدليله قوله تبارك وتعالى: {وَسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَت سَرابًا}. 14] تغَيُّر النجوم عن طبيعتها يوم القيامة؛ لأن الله أخبر أنها تُطمس، فقال: {فَإِذَا النُّجومُ طُمِسَت} وقد مر معنا أن النجوم يُمات نورها ثم تَسقط على الأرض ثم تُلقى في النار؛ أما الذهاب بنورها فالدليل قوله: {وَإِذَا النُّجومُ انكَدَرَت} وقوله: {وَخَسَفَ القَمَرُ} وأما سقوطها على الأرض: {وَإِذَا النُّجومُ انكَدَرَت} على تفسير الإنكدار بالسقوط، وقوله: {وَإِذَا الكَواكِبُ انتَثَرَت} وأما إلقاؤها في النار، فالله عز وجل يقول: {يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا قوا أَنفُسَكُم وَأَهليكُم نارًا وَقودُهَا النّاسُ وَالحِجارَةُ عَلَيها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعصونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُم وَيَفعَلونَ ما يُؤمَرونَ} وهذه النجوم هي من الحجارة والنبي ﷺ يقول: "الشمس والقمر مكوران في نار جهنم يوم القيامة" ويُقاس عليهما سائر النجوم.

  • 6] الكتب السماوية تُفَرِّق بين الحق والباطل، وتُمَيِّز أهل الحق من أهل الباطل؛ وجه ذلك أن الله قال: {فَالفارِقاتِ فَرقًا} وقد تقدم أن الفارقات هي الملائكة التي تنزل بالوحي الذي يُفرِّق بين الحق والباطل، وأن التفريق نُسِب إلى الملائكة على طريق المجاز العقلي فثبت بهذا أن الوحي إنما ينزل فُرقانًا بين الحق والباطل. 7] الكتب السماوية تُقيم الحجة على من أنزلت إليه؛ لأن الله تعالى بين الغاية من إنزالها فقال: {فَالمُلقِياتِ ذِكرًا۝عُذرًا أَو نُذرًا} فأعلمنا أنه أنزلها إزالة للعذر، وهذا يدل على أنها حجةٌ قاطعة دامغة، قال الله عز وجل: {وَهذا كِتابٌ أَنزَلناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعوهُ وَاتَّقوا لَعَلَّكُم تُرحَمونَ۝أَن تَقولوا إِنَّما أُنزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَينِ مِن قَبلِنا وَإِن كُنّا عَن دِراسَتِهِم لَغافِلينَ۝أَو تَقولوا لَو أَنّا أُنزِلَ عَلَينَا الكِتابُ لَكُنّا أَهدى مِنهُم فَقَد جاءَكُم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُم وَهُدًى وَرَحمَةٌ فَمَن أَظلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنها سَنَجزِي الَّذينَ يَصدِفونَ عَن آياتِنا سوءَ العَذابِ بِما كانوا يَصدِفونَ}. 8] الكتب السماوية تُحذِّر من عاقبة الكفر؛ لأن الله بين الغاية من إنزالها فقال: {فَالمُلقِياتِ ذِكرًا۝عُذرًا أَو نُذرًا} فأعلمنا أنه أنزلها تحذيرًا من الباطل وسوء عاقبته في الدنيا والآخرة، قال تعالى مُتحدثًا عن الكتب السماوية: {رَفيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرشِ يُلقِي الرّوحَ مِن أَمرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنذِرَ يَومَ التَّلاقِ} وقال عن القرآن: {الحَمدُ لِلَّهِ الَّذي أَنزَلَ عَلى عَبدِهِ الكِتابَ وَلَم يَجعَل لَهُ عِوَجًا۝قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأسًا شَديدًا مِن لَدُنهُ وَيُبَشِّرَ المُؤمِنينَ الَّذينَ يَعمَلونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُم أَجرًا حَسَنًا۝ماكِثينَ فيهِ أَبَدًا۝وَيُنذِرَ الَّذينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} وقال: {وَهذا كِتابٌ أَنزَلناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذي بَينَ يَدَيهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ القُرى وَمَن حَولَها وَالَّذينَ يُؤمِنونَ بِالآخِرَةِ يُؤمِنونَ بِهِ وَهُم عَلى صَلاتِهِم يُحافِظونَ}. 9] بعض الملائك موكلون بالوحي السماوي؛ لأن الله قال: {فَالمُلقِياتِ ذِكرًا} فأقسم بالملائكة التي تنزل بالوحي على الأنبياء وهم حملة الوحي ورئيسهم جبريل قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنزيلُ رَبِّ العالَمينَ۝نَزَلَ بِهِ الرّوحُ الأَمينُ} والروح الأمين هو جبريل باتفاق العلماء؛ وهو سيد حملة الوحي وسيد الملائكة وزعيمهم؛ لقوله: {إِنَّهُ لَقَولُ رَسولٍ كَريمٍ۝ذي قُوَّةٍ عِندَ ذِي العَرشِ مَكينٍ۝مُطاعٍ ثَمَّ أَمينٍ} أي أنه تطعيه الملائكة كما تقدم فهو رئيسهم. 10] إثبات البعث؛ لأن ربنا أقسم كل هذا القسم على وقوعه، فقال: {وَالمُرسَلاتِ عُرفًا۝فَالعاصِفاتِ عَصفًا۝وَالنّاشِراتِ نَشرًا۝فَالفارِقاتِ فَرقًا۝فَالمُلقِياتِ ذِكرًا۝عُذرًا أَو نُذرًا۝إِنَّما توعَدونَ لَواقِعٌ} أي أن البعث كائنٌ لا محالة فوقوع البعث في هذا السياق مؤكد بمؤكدات: أولها: القسم. ثانيها: تكرار القسم. ثالثها: إدخال إن على جملة جواب القسم. رابعها: إدخال اللام على خبر إن في قوله: (لواقع).

  • فوائد سورة المُرسلات 1] عظمة الرياح؛ لأن الله تعالى أقسم بها في قوله: {وَالمُرسَلاتِ عُرفًا۝فَالعاصِفاتِ عَصفًا} فالله عظيمٌ لا يقسم إلا بعظيم. وتتجلى عظمة الرياح في أمور منها: ١/ أنها تُجرى بها السفن كما قال الله: {هُوَ الَّذي يُسَيِّرُكُم فِي البَرِّ وَالبَحرِ حَتّى إِذا كُنتُم فِي الفُلكِ وَجَرَينَ بِهِم بِريحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحوا بِها جاءَتها ريحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ المَوجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وَظَنّوا أَنَّهُم أُحيطَ بِهِم دَعَوُا اللَّهَ مُخلِصينَ لَهُ الدّينَ لَئِن أَنجَيتَنا مِن هذِهِ لَنَكونَنَّ مِنَ الشّاكِرينَ}. ٢/ أنها يُلقحُ بها النبات، كما قال الله: {وَأَرسَلنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنزَلنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسقَيناكُموهُ وَما أَنتُم لَهُ بِخازِنينَ}. ٣/ أنها يصرَّف بها السحاب، كما قال تعالى: {وَاللَّهُ الَّذي أَرسَلَ الرِّياحَ فَتُثيرُ سَحابًا فَسُقناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحيَينا بِهِ الأَرضَ بَعدَ مَوتِها كَذلِكَ النُّشورُ}. ٤/ أنها تُهلك بها الأمم، كما قال تعالى: {وَأَمّا عادٌ فَأُهلِكوا بِريحٍ صَرصَرٍ عاتِيَةٍ}. 2] الرياح منها اللينة ومنها العاصف؛ لأن الله نَصَّ على اللينة بقوله: {وَالمُرسَلاتِ عُرفًا} ونَصَّ على العاصف بقوله: {فَالعاصِفاتِ عَصفًا} وقد جمع الله النوعين بقوله: {هُوَ الَّذي يُسَيِّرُكُم فِي البَرِّ وَالبَحرِ حَتّى إِذا كُنتُم فِي الفُلكِ وَجَرَينَ بِهِم بِريحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحوا بِها جاءَتها ريحٌ عاصِفٌ}. 3] عظمة العواصف من الرياح؛ والدليل على هذا من السياق على وجهين: الأول: إقسامه عز وجل بها في قوله: {فَالعاصِفاتِ عَصفًا}. الثاني: التنصيص عليها بعد القسم بالرياح مُطلقًا، بقوله: {وَالمُرسَلاتِ عُرفًا۝فَالعاصِفاتِ عَصفًا}. وتتجلى عظمة العواصف لأنها تدل على قوة الله تعالى وقدرته وجبروته؛ ولأجل هذا كان النبي ﷺ إذا رأى الريح مقبلة يسأل الله من خيرها ويستعيذ به من شرها، فكان ﷺ يقول: ((اللهم إني اسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به)) وكان ﷺ إذا رأى الريح العاصف يضطرب حتى تنجلي؛ لأنه ﷺ كان يخشى أن تكون عقابًا كالذي وقع لقوم عاد: {فَلَمّا رَأَوهُ عارِضًا مُستَقبِلَ أَودِيَتِهِم قالوا هذا عارِضٌ مُمطِرُنا بَل هُوَ مَا استَعجَلتُم بِهِ ريحٌ فيها عَذابٌ أَليمٌ} ولهذا كان ﷺ يستعيذ منها. 4] للرياحِ ملائكة تدبر شؤونها؛ وجه ذلك أن الله تعالى قال: {وَالنّاشِراتِ نَشرًا} فأقسم بالملائكة التي تنشر الرياح وهذا يدل على سَوْسِ الملائكة لها، وأنها تسوقها حيث يشاء الله عز وجل، وأنها تُثير شدتها وفق مراد الله عز وجل، فالرياح كسائر المخلوقات العلوية والسُفلية تُدار بواسطة الملائكة. 5] للسحاب ملائكة تُدبر شؤونه؛ وجه ذلك أن الله تعالى قال: {وَالنّاشِراتِ نَشرًا} فأقسم بالملائكة التي تنشر السحاب وهذا يدل على سَوْسِ الملائكة له، فالسحاب كغيره من مخلوقات العالم العلوي يُدار بواسطة الملائكة، فيُملأ ماءً بواسطتهم ويكيل القطرات فيه ميكائيل عليه السلام، قال القحطاني رحمه الله: الغيث يفرغ في السحاب من السما ويكيله ميكال بالميزان والسحاب بعد أن يُملأ تسوقه الملائكة حيث يشاء الله ففي مسلمٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "بينما رجلٌ بفلاةٍ إذ سمعَ رعدا في سحابٍ، فسمعَ فيه كلاما: اسقِ حديقةَ فلان - باسمه - فجاءَ ذلكَ السحابُ إلى حرّةٍ فأفرغَ ما فيهِ من الماءِ، ثم جاء إلى أذنابِ شرجٍ فانتهى إلى شرجةٍ، فاستوعبتِ الماءَ، ومشَى الرجلُ مع السحابَةِ حتى انتهى إلى رجلٍ قائمٍ في حديقةٍ له يسقِيها فقال: يا عبد اللهِ ما اسمُكَ؟ قال : ولم تسأَلُ؟ قال: إني سمعتُ في سحابٍ هذا ماؤُه: اسقِ حديقةَ فلانٍ، باسمكَ، فما تصنعُ فيها إذا صرمتَها؟ قال: أما إن قلتَ ذلك فإني أجعلها على ثلاثةِ أثلاثٍ، أجعلُ ثلثا لي ولأهلي، وأردّ ثلثا فيها، وأجعلُ ثلثا للمساكينِ والسائلينَ وابن السبيلِ" والشاهد قوله:(( فسمع صوتًا من سحابةٍ أن اسق حديقة فلان)) وهذا صوت الملك الذي يسوق السحاب ويوجهه حيث يشاء الله عز وجل، وقد ذكر النبي ﷺ لليهود أن السحاب يسوقه ملك وأنه يضربه بمخاريق من نار وأنه يزجره بصوته أيضًا، وقد جاء في بعض الآثار أن الملك الذي يسوق السحاب يُقال له: مالك وقيل رُفي، ولكن لم يثبت هذا الاسم في حديثٍ صحيح عن رسول الله ﷺ، وبعد أن يُساق السحاب حيث يشاء الله - عز وجل - ينزل المطر فينزل مع كل قطرةٍ منه ملك، قال القحطاني رحمه الله: الغيث يفرغ في السحاب من السما ويكيله ميكال بالميزان لا قطرة إلا وينزل نحوها ملك إلى الآكام والفيضان والرعد صيحة مالك وهو اسمه يزجي السحاب كسائق الأظعان وهذا كله يدل على أن الملائكة تدبر شؤون السحاب كما تدبر شؤون بقية المخلوقات.

  • {وَيلٌ يَومَئِذٍ لِلمُكَذِّبينَ} والقول فيها كالقول في نظائرها. {وَإِذا قيلَ لَهُمُ اركَعوا لا يَركَعونَ} وإذا؛ الواو استئنافية والجملة بعدها مستأنفة، وإذا شرطية ظرفية فعل شرطها (قيل لهم) وجواب شرطها (لا يركعون). قيل لهم؛ أي في الدنيا، والضمير الهاء راجع الى المشركين. اركَعوا؛ فيه مسألتان: ١/ فعل أمر مأخوذ من رَكَعَ يَرْكَعُ رَكْعًا ورُكُوعًا، والركوع له في لغة العرب معانٍ: الأول: طأطأة الرأس، يُقال: ركع أي طأطأ رأسَه. الثاني: الانحناء، يُقال: ركع أي انحنى. الثالث: الخضوع، يُقال: ركع أي خضع، وهو المعنى الذي يتسق مع هذا السياق. ٢/ المراد بالركوع في هذا السياق التوحيد والعبادة؛ لأن العرب يسمون الحنيفيةَ ركوعًا. قال النابغة: سيبلغ عذرًا أو نحاجًا من امرئٍ إلى ربه رب البرية راكعُ وقد سُمِّيَ التوحيد ركوعًا؛ لأنه خضوع لله عز وجل. ومعنى الآية: إذا قيل للكافرين في الدنيا: اعبدوا الله وحده، لا يعبدونه وإنما يشركون به. {وَيلٌ يَومَئِذٍ لِلمُكَذِّبينَ} والقول فيها كالقول في نظائرها. {فَبِأَيِّ حَديثٍ بَعدَهُ يُؤمِنونَ} فبأي؛ الفاء هي الفصيحة، وهي تدل على شرطٍ محذوف تقديره (إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن فبأي حديث بعده يؤمنون). بأي؛ (أي) استفهام المراد به في هذا السياق النفي، و(الباء) للجرِ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل يؤمنون. حديث؛ أي خطابٍ وكتاب. بعده؛ فيه مضاف محذوف تقديره (بعد رده) والضمير الهاء راجع إلى القرآن الكريم. يؤمنون؛ أي يعتقدون أنه من عند الله. ومعنى الآية: إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن فبأي حديث بعد رد القرآن يؤمنون؛ إن لم يؤمن المشركون بهذا الكتاب فلن يؤمنوا بكتاب من بعده لأنه أوضح كتاب وأبين. ويمكن أن تكون الهاء راجعة إلى القرآن دون تقدير، والمعنى بأي حديثٍ بعد القرآن يؤمنون.

  • {فَإِن كانَ لَكُم كَيدٌ فَكيدونِ} وهذا السياق هو خطاب من الله - عز وجل - للكافرين في يوم القيامة، وفيه مسائل: ١/ الفاء عاطفة أو استئنافية. ٢/ السياق سياق شرطي، أداة الشرط فيه (إن) وفعل الشرط (كان لكم كيد) وجواب الشرط (فكيدون) وهو مقترن بالفاء لأنه جواب طلبي. ٣/ الكيد هو التدبير مطلقًا بحق أو باطل، وقد تقدم في سورة الطارق، والمراد به في الآية التدبير الذي يدفع العذاب. والمعنى: إن كان لكم أيها الكافرون المكذبون وأنتم تُعرضون على النار شيءٌ تدفعون به العذاب عنكم فافعلوه. ٤/ أسلوب الشرط في هذا السياق مستعمل في التعجيز والتيئيس؛ فمعنى قوله:{ فَإِن كانَ لَكُم كَيدٌ فَكيدونِ} أنه لا شيء يدفع عنكم عذاب الله تعالى. ٥/ قوله: (فكيدون) أصله (فكيدوني) بالياء لكن حُذفت الياء تخفيفًا وموافقةً لرؤوس الآيات. ومعنى الآية: يخاطب الله الكافرين في يوم القيامة فيقول: ليس لكم أيها الكافرون خطةٌ تدفعون بها عذابي عنكم في هذا اليوم. {وَيلٌ يَومَئِذٍ لِلمُكَذِّبينَ} والقول فيها كالقول في نظائرها السابقة. {إِنَّ المُتَّقينَ في ظِلالٍ وَعُيونٍ} إن؛ للتوكيد، أي توكيد كون المتقين في الجنة يوم القيامة. المتقين؛ أي الموحدين. في؛ تدل على الظرفية الحقيقية والمجازية معًا؛ لأن وجود أهل الجنة في الظلال حقيقيٌّ، ووجودَهم في العيون مجازيٌّ لأنهم بقربها لا فيها، وتقديره (في ظلال وفي عيون). ظلال؛ جمع ظل، وقد تقدم أنه ما لا تنالُه الشمس، وفيه مجاز مرسل علاقته الجزئية؛ فالظلال المراد بها الجنة. وعيون؛ جمع عين، وقد تقدم أنها ينبوع الماء. {وَفَواكِهَ مِمّا يَشتَهونَ} وفواكه؛ الفواكه هي الثمار كلُّها، وهي مأخوذة من فَكِهَ الرجلُ بالشيءِ إذا تلذذ به، وقد سُمِّيت الفاكهة بذلك لأن آكلها يلتذ بها ويتمتع. مما؛ أصلها (من +ما) أما (من) فهي للتبعيض، وأما (ما) فهي موصولية وهي نعت لمنعوت محذوف تقديره النعم؛ أي وفواكه من النعم التي يشتهون. يشتهون؛ الاشتهاء لُغةً هو الرغبة الشديدة في الشيء، يُقال: اشتهى الشيء اشتهاءً أي رغِب فيه رغبةً شديدة. {كُلوا وَاشرَبوا هَنيئًا بِما كُنتُم تَعمَلونَ} السياق مقول لقول محذوف قائله الملائكة أو الله تعالى، والتقدير: (يقال لهم: كلوا واشربوا هنيئًا بما كنتم تعملون). كلوا واشربوا: المفعولان في الفعلين محذوفان لغرض التعميم؛ أي كلوا المأكولات واشربوا المشروبات. والأمر في قوله: (كلوا واشربوا) الغرض منه العَرضُ والامتنان. هنيئًا؛ أي سهلًا لذيذًا، وقد تقدم أن هَنِئَ يَهنأ هناءةً ،وهَنُؤَ يهنؤ هناءةً معناه حصل بلا مشقة. بما كنتم تعملون؛ أي بسبب ما كنتم تعملونه في الدنيا من الأعمال الصالحة، والباء في هذا السياق تدل على السببية و(ما) موصولية. {إِنّا كَذلِكَ نَجزِي المُحسِنينَ} إنا؛ (إن) لتوكيد جزاء المحسنين جزاءً حسنًا، والضمير (نا) راجع إلى الله عز وجل. كذلك؛ أصلها الكاف، وذا، واللام، والكاف: الكاف الأولى: حرف جر للتشبيه، أو اسم بمعنى (مثل). ذا: اسم إشارة إلى المفرد المذكر. يقول ابن مالك رحمه الله: بذا لمفردٍ مذكرٍ أشِر اللام: هي لام البعد التي تلحق اسم الإشارة. الكاف الثانية: حرف خطاب، ويستعمل للدلالة على البعد أيضًا إذا لحق اسم الإشارة. نجزي؛ أي نكافئ. المحسنين؛ فيه مسألتان: ١/ المحسنون جمع مذكر سالم مفرده مُحسِن، وهو لُغةً اسم فاعل من أحسن إذا فعل فعلًا حسنًا، وشرعًا هو الذي يعبد الله كأنه يراه. ٢/ المراد بالمحسنين في هذا السياق الموحدون. ومعنى الآيات: إن الموحدين في جناتٍ فيها ظلال وثمار وفواكه وأشجار بها يتمتعون وفيها يُنادَون: أن تلذذوا بالنعيم الذي رزقتموه بسبب ما عملتم من صالح العمل، فالله يجزي بالجنة كل من أحسن العمل في دنياه. {وَيلٌ يَومَئِذٍ لِلمُكَذِّبينَ} والقول فيها كالقول في نظائرها. {كُلوا وَتَمَتَّعوا قَليلًا إِنَّكُم مُجرِمونَ} السياق يخاطب الله - عز وجل - به الكفار في الدنيا. كلوا؛ فيه مسائل: ١/ كلوا فعل أمر مستعمل في التهديد والوعيد. ٢/ مفعول هذا الفعل محذوف ليفيد العموم. ٣/ السياق فيه معطوف محذوف تقديره (واشربوا) وهو من باب حذف القرين مع إبقاء قرينه للدلالة عليه. ٤/ خَصَّ ربنا الأكل بالذكر في هذا السياق مع أنه يدخل في قوله (وتمتعوا) لأنه أظهر وجوه التمتع. وتمتعوا؛ التمتع هو الانتفاع بالشيء ومُتعلَق الفعل محذوف تقديره تمتعوا بالمُتَعِ. قليلًا؛ نعتٍ لمنعوت محذوف تقديره (زمنًا قليلًا) والمراد بالزمان القليل مدةُ حياةِ الرجل، أي كلوا وتمتعوا بالمتع إلى الموت. إنكم مجرمون؛ جملة تعليلية لما قبلها، وهي جملة خبرية تفيد التهديد، فهي تعليلٌ لما تضمنه قوله: (كلو واشربوا) من معنى التهديد؛ كأن الله يقول: إنما أهددكم لأنكم مجرمون. والمراد بالمجرمين في هذا السياق المشركون. ومعنى الآية: تمتعوا أيها الكافرون بالمتع من طعام وشراب ونحوها في دنياكم فإنكم معذبون في أخراكم لأنكم مشركون.

  • {وَلا يُؤذَنُ لَهُم فَيَعتَذِرونَ} ولا؛ (لا) نافية. يؤذن: أي يُباح، وقد تقدم أن أذِن من معانيها أباحَ، قال ابن مالك رحمه الله: وقل إباحةٌ وأمرٌ إذنُ ونائب الفاعل ضمير مستتِر تقديره (هو) يعود على الاعتذار؛ أي ولا يباحُ الاعتذارُ لهم فيعتذرون. له؛ : الجار والمجرور متعلق بالفعل يُؤذن، والضمير عائدٌ إلى أهل النار. فيعتذرون؛ فيه مسائل: ١/ الفاء للعطف وهي تدل على التفريع؛ فقد فَرَّعَ الله عدم الاعتذار على عدم الإذن؛ أي ولا يؤذن لهم إذنًا يتفرَّع عنه اعتذارهم. ٢/ يعتذرون مأخوذ من اعتذر يعتذر اعتذارًا إذا أتى بعذرٍ مطلقًا محقًّا كان أو غير محقٍّ، يُقال: اعتذرَ الرجلُ، إذا تنصَّلَ من ذنبه. ٣/ قوله تعالى: {وَلا يُؤذَنُ لَهُم فَيَعتَذِرونَ} المراد به نفي وقوع الاعتذار، فقد اُستعمِل في نفي وقوع الاعتذار نفيُ الإذن به. ٤/ كيف الجمع بين مدلول هذه الآية وبين ما دلت عليه آيات أخرى من وقوع الاعتذار من المشركين كقولهم: {ثُمَّ لَم تَكُن فِتنَتُهُم إِلّا أَن قالوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشرِكينَ} فالجواب من وجهين: الأول: أن عدم الاعتذار يكون في موضعٍ، والاعتذارَ يكون في موضعٍ آخر، وقد تقدم معنا غير مرة أن يوم القيامة أحوالٌ متعددة. الثاني: أن الاعتذار المنفي هو الاعتذار النافع المقبول. ومعنى الآيات: يُقال للكافرين في يوم القيامة: هذا يومٌ لا يُسمح لكم فيه بكلام ولا يُدفع عنكم فيه مَلام. {وَيلٌ يَومَئِذٍ لِلمُكَذِّبينَ} والقول فيها كالقول في نظائرها. {هذا يَومُ الفَصلِ جَمَعناكُم وَالأَوَّلينَ} هذا الكلام من جملة ما يُقال للكافرين يوم القيامة، وعلى هذا فالجملة مَقولٌ لقولٍ محذوف تقديره (يُقال لهم: هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين). هذا يوم الفصل؛ أي هذا يوم القيامة، وقد سُمِّيَ يوم القيامة بيوم الفصل لأن فيه قضاءً وتفريقًا بين الأقارب كما تقدم. وأما الإشارة بـ(هذا) فهي مذكورة لأن المشار إليه سيكون واقعًا أمامهم. جمعناكم؛ أي بعثناكم وحشرناكم، والضمير (نا) راجع إلى الله تعالى، والضمير (الكاف) راجع إلى الكافرين برسول ﷺ. والأولين؛ الأولون هم الكافرون بالرسل قبل النبي ﷺ. والمعنى: يُقال لهم: هذا يوم القيامة بعثناكم فيه وحشرناكم فيه أيها المكذبين برسول الله والمكذبين بالرسل من قبله ﷺ. وها هنا قد يسأل سائل فيقول: لما خُصَّ الكافرون بالذكر مع أن كل البشر مجموعون يوم القيامة؟ فالجواب أن يُقال: هذا التخصيص مرجعه إلى سببين: الأول: أن قوله: {هذا يَومُ الفَصلِ جَمَعناكُم وَالأَوَّلينَ} مُضَمَّنٌ معنى التهديد فكان مُناسبًا أن يُعنى به الكافرون لأن التهديد أليق بهم. الثاني: لما كان أكثر المشركين مُنكرين للبعث كان مُناسبًا أن يُنصَّ على جمعهم دون غيرهم تنكيلًا بهم وتبكيتًا. ويظهر سبب ثالث وهو: أن هذا الخطاب لهم؛ ولهذا خُصُّوا بالذكر. والمعنى: تقول الملائكة للكافرين في يوم القيامة: هذا اليوم هو يوم القيامة الذي نجمع فيه المكذبين الأولين والآخرين.

  • المجلس الخمسون تكملة تفسير سورة المُرسلات {لا ظَليلٍ وَلا يُغني مِنَ اللَّهَبِ} لا؛ حرف عطف يفيد النفي لما بعده، فيدل على أن ما بعده غير واقع. ظليل؛ نعت لكلمة الظل المذكورة في قوله: {انطَلِقوا إِلى ظِلٍّ ذي ثَلاثِ شُعَبٍ} والظل الظليل هو العظيم الممتد الواسع، ولا ظليل معناه غير ظليل؛ وهذا المعنى هو القرينة التي أفكت معنى الظل عن ظاهره إلى معنى الدخان؛ فالله عز وجل قال: {انطَلِقوا إِلى ظِلٍّ ذي ثَلاثِ شُعَبٍ۝لا ظَليلٍ وَلا يُغني مِنَ اللَّهَبِ} ظلّ غير ظليل. فتبيَّن أنه لم يُرد الظل المعروف لا يغني؛ فيه مسائل: ١/ أغنى يُغني إغناءً معناه صيَّر غيره غنيًا، والغنى هو عدم الحاجة إلى الغير، والغني هو المستغني عن غيره فلا يحتاج إليه. ٢/ لا يُغني أي لا ينفع ولا يدفع. ٣/ يُسمَّى النافع من كل شيء غِنى؛ لأنه يُغني مَن يستعمله عن استعمال غيره. من؛ بمعنى عند. اللهب؛ هو لسان النار معروف، و(ال) فيه نائبة عن المضاف إليه والمراد لهب نار جهنم. ومعنى الآيات: يقول الله تعالى مُتحدثًا عن رد الملائكة على الكافرين الذين أرهقهم الحر فطلبوا ظلًا تقول لهم الملائكة مستهزئةً وهي تسوقهم إلى النار: انطلقوا إلى دخان يثور من أطراف النار فاستظلوا به. ثم يقول الله تعالى: {إِنَّها تَرمي بِشَرَرٍ كَالقَصرِ} الجملة مُستأنفة استئنافًا بيانيًا المراد به تبيين نعوت اللهب المذكور آنفًا، فكأن سائلًا سأل ما هي نعوت اللهب الذي ذكرت؟ فأجاب الله: {إِنَّها تَرمي بِشَرَرٍ كَالقَصرِ} إنها؛ (إن) لتوكيد رمي النار بالشرر. الضمير (الهاء) راجع إلى النار التي أشير إليها بقوله: {انطَلِقوا إِلى ما كُنتُم بِهِ تُكَذِّبونَ}. ترمي؛ أي تُلقي وتقذف، ومفعوله محذوف تقديره (الكفار) أي إن النار تقذف الكفار بشرر كالقصر. بشرر؛ فيه مسائل: ١/ الباء للاستعانة؛ لأن الرمي إنما يكون بالشرر. ٢/ الشرر جمع مفرده شَرَرَةٌ ويقال أيضًا: شرارٌ ومفرده شَرَارَةٌ، والشررة والشرارة معناهما ما تطاير من النار. ٣/ التنوين في (بشررٍ) للتعظيم فهو يدل على جزالة الشرارة. كالقصر؛ الكاف للتشبيه فهي بمعنى مثل، والقصر البيت الفخم الواسع معروف، و(ال) لبيان الجنس فيفيد معنى الجمع، كالقصر أي كالقصور؛ لأن المشبه جمع، والمعنى إن النار تقذف الكفار بشرر كالقصور. والآية فيها تشبيه للشرارة بالقصر في الضخامة. {كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفرٌ} الجملة في محل جر نعتٍ ثاني لكلمة الشرر، فالله عز وجل وصف الشرر بوصفين: كالقصر، كأنه جمالة صفر. كأنه؛ كأن أداة تشبيه، والضمير (الهاء) راجع إلى الشرر، أي كأن الشرر جمالةٌ صفر. جمالة فيه مسائل: ١. الجمالة هي البُعران، واُختُلِف في هذه الكلمة على قولين: الأول: أنها جمع جمل، والتاء زائدة فإنها تُزاد في الجموع التي على وزن فِعال كَثيرًا كما يقال في رجال رجالة. الثاني: أنها اسم جنس يشمل القليل والكثير. ٢/ الجمالة كلمة مثلثة تفتح فيها الجيم وتُضم وتُكسر، قال ابن مالك رحمه: وفي الجمال قد حَكوا جُمَالة مُثلثًا أيضًا عن الأعراب ٣/ الجِمالة جمعها جِمالات وبه قرأ الجمهور. صُفرٌ؛ جمع أصفر وصفراء والصُفرة لون معروف، لأن ما كان على وزن أفعل وفعلاء يجمع عل  فُعْل، فيُقال في أحمر وحمراء: حُمْر، وفي أصفر وصفراء صُفْر، وفي أخضر وخضراء: خُضْر. قال ابن مالك رحمه الله: فُعْلٌ لنحوِ أحمرٍ وحمراء وتشبيه الشرارة بالجَمل في هذا السياق هو في اللون والسرعة؛ فالشرارة لونها أصفر والنار تَقْذِفُ بها بسرعة كأنها الجمل. ولو قال قائل: لكن لماذا شبه الله - عز وجل - الشرارة بالجمل مع أن غيره من البهائم والحيوان أسرع؟ فالجواب: إنما جرى التشبيه بالجمل لأنه البهيمة المعروفة عند العرب، ولأن التشبيه بالجمل يشير إلى مسألة اللون أيضًا وهذا ما لا يتوفر في غير الجمل. والمعنى: إن النار ترمي الكفار بشرر عظيم كأنه القصر ضخامةً، وكأنه الجمال لونًا وسرعة. {وَيلٌ يَومَئِذٍ لِلمُكَذِّبينَ} تقدم الكلام عنها. {هذا يَومُ لا يَنطِقونَ} هذا الكلام من جملة ما يقال للكافرين  يوم القيامة؛ وعلى هذا ففي السياق التفات من الخطاب إلى الغيبة، والجملة على هذا في محل نصبٍ مَقول لقولِ محذوف فقوله: {هذا يَومُ لا يَنطِقونَ}  تقديره (ويقال لهم: هذا يوم لا ينطقون). هذا؛ إشارة إلى يوم القيامة، وقد اُستعمِلت لأن الكافرين إذ يُخاطبون بهذا الخطاب ينظرون تهاويل اليوم أمامهم. يوم لا ينطقون؛ أي اليوم الذي لا يتكلمون فيه. والمعنى: يُقال للكافرين يوم القيامة: هذا اليومُ يومٌ لا تتكلمون فيه.

  • لما بَيَّن الله - عز وجل - قدرته على البعث من خلال بيان أنه خلق الخلق أولًا وأرسى لهم الجبال وسقاهم الماء وجعل لهم الأرض مِهادًا انتقل إلى تهديد المُكذبين بالبعث وتخويفهم من عاقبتهم يوم القيامة، فقال: {انطَلِقوا إِلى ما كُنتُم بِهِ تُكَذِّبونَ} وهذا الجملة مقولٌ لقيلٍ محذوف تقديره يُقال لهم: انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون، وهذا القول يُقال لهم في يوم القيامة، والقائل هو الله - عز وجل - أو خزنة النار من الملائكة. انطلقوا؛ أي اذهبوا مُسرعين والأمر مُستعملٌ في التهكم والسخرية؛ لأن الكفار في يوم القيامة يُساقون إلى النار سَوْقًا كما قال تعالى: {يَومَ يُدَعّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا}. إلى؛ تدل على إنتهاء الغاية. ما كنتم به تكذبون؛ كناية عن العذاب، أي انطلقوا مسرعين إلى العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا. {انطَلِقوا إِلى ظِلٍّ ذي ثَلاثِ شُعَبٍ} وهذا أيضًا من جملة ما يُقال لهم يوم القيامة ظل؛ الدخان الذي يخرج من نار جهنم، وسُمِّيَ الدخان ظلًا إما على سبيل الاستعارة التصريحية وإما على سبيل التهكم والاستهزاء؛ لأن القوم من شدة الحر يوم القيامة يطلبون ظِلًا فيُقال لهم استهزاءً أن يستظلوا بهذا الدخان. ذي ثلاثِ شُعب؛ الشُعب جمع شُعبة وهي الطائفة من الشيء، وذي ثلاث شعب أي ذي ثلاث جهات فالدخان ينطلق من ثلاث جهاتٍ؛ فيثور من يمين النار ومن شمالها ومن فوقها.

  • {إِلى قَدَرٍ مَعلومٍ} إلى؛ تدل على انتهاء الغاية. قدرٍ؛ أي زمانٍ مقدر. معلوم؛ أي معروف عند الناس. ومعنى الآية: أي إلى المدة التي ينتهي إليها الحمل وهي تسعة أشهُر. {فَقَدَرنا فَنِعمَ القادِرونَ} فقدرنا؛ الفاء عاطفة، وهي تحمل معنى التفريع. - قدرنا؛ مأخوذ من قَدَرَ الشيءَ إذا جعل له مقدارًا، ومفعول هذا الفعل محذوف تقديره (الخَلْقُ) أي فقدرنا الخَلْقَ. فنعم؛ الفاء عاطفة تحمل معنى التفريع أيضًا، ونِعْمَ فعلٌ ماضٍ مستعمل في إنشاء المدحِ. القادرون؛ جمع قادرٍ، وهو اسمُ فاعلٍ من قَدَرَ إذا صار ذا قُدرة. {وَيلٌ يَومَئِذٍ لِلمُكَذِّبينَ} تقدم الكلام عنها. {أَلَم نَجعَلِ الأَرضَ كِفاتًا} - ألم؛ الهمزة للاستفهام، والمراد منه في هذا السياق الإنكار الإبطالي أو التقرير، ولم حرف نفيٍ وجزمٍ وقلبٍ. نجعل؛ أي نُصَيِّر، وقد تقدم أن الجعل يطلق على التصيير. الأرض؛ يشمل سائر الأرض. كِفاتًا؛ فيه مسائل: ١/ الكِفاتُ مأخوذ من كَفَتَ الشيءُ يكْفِتُه كفْتًا، ومعناه ضَمَّه وقبضه. قال أبو ذؤيب: أتوها بريحٍ حاولته فأصبحت تُكَفَّت قد حلت وساغ شرابها الشاهد قوله: تُكفت؛ أي تُقبض وتُضم. ٢/ الكِفات على وزن فعال وهو ما يُضم فيه الشيء ويُقبض، ومنه تسمية الكارة كِفاتًا؛ لأنها تضم الثياب، ومنه تسمية المنازل كِفاتًا فالعرب تقول: المنازل كِفاتُ الأحياء لأنهم داخلها فتَضُمُّهم. ٣/سُمِّيَت الأرض كِفاتًا لأنها تضم البشر عليها أحياءً وتضمهم فيها أمواتًا. ٤/ التنوين في كلمة كِفاتًا للتعظيم، فهو يدل على شدة هذا الكفت وعمومه. ٥/ في كلام العرب الكَفْتُ والكِفْتُ والكُفْتُ: أما الكَفْتُ فيطلق على أربعة معان: ١. الموت، لأنه يقبض الناس. ٢. الرجل السريع؛ يُقال: رجلٌ كَفْتٌ أي سريعٌ. ٣. الضم، يَكِْفتُ الشيءَ كفتًا أي ضمه. ٤.الصرفُ (كفت الرجلُ بمعنى صرفه عن الشيء). أما الكِفْتُ فهي القِدْرُ الصغيرة. أما الكُفْتُ فهو جمع كِفاتٍ، وقد تقدم أنه الضِّمام. قال ابن مالك: الموتُ والمرءُ الخفيف كَفْتُ ضَمٌ وصَرْفٌ هكذا والكِفْتُ قُدَيرةٌ جمع الكِفاتُ كُفِتُ وهو الضِّمَامُ الجامعُ الأشعابِ {أَحياءً وَأَمواتًا} أحياءً؛ حال منصوب. أمواتًا؛ معطوف عليه. والمعنى: قد جعلنا الأرض لكم ضِمامًا تضمكم أحياءً وتضمكم داخلها أمواتًا. {وَجَعَلنا فيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسقَيناكُم ماءً فُراتًا} جعلنا؛ أي خلقنا. فيها؛ (في) تدل على الاستعلاء فهي بمعنى (على) وتدل على الظرفية أي بمعنى (في) الحقيقية؛ لأن الجبال التي يتكلم الله عنها منها ما هو على الأرض ومنها ما هو في الأرض، والضمير (الهاء) راجع إلى الارض. رواسي، فيه مسائل: ١/ الرواسي جمع راسي، وهي اسم فاعل من الفعل رَسى يرسو رُسُوًّا إذا ثبت، فالراسي أي الثابت الراسخ. ٢/ رواسي نعت لمنعوت محذوف تقديره (جبالٌ رواسٍ) أي الجبال الثوابت الرواسخ. ٣/ الرواسي في هذا السياق هي الجبال الثوابت الرواسخ. شامخات؛ نعتٌ للرواسي، وفيه مسائل: ١/ شامخات جمع شامخةٍ، وهي اسم فاعل مؤنث مأخوذ من شَمَخَ يَشْمَخُ شُمُوخًا إذا عَلا وارتفع. ٢/ الشامخات في هذا السياق تعني الشاهقات. والمعنى: خلقنا في الأرض جبالًا راسخات عاليات. - وأسقيناكم؛ أي سقيناكم. - ماءً فُراتا، فيه مسائل: ١/ الفرات على وزن فُعال من فَرُتَ المَاءُ فُروتةً إذا عَذُبَ، فالفرات هو العذب شديد العُذُوبة. ٢/ الفرات في هذا السياق معناه العذب شديد العُذُوبة. ٣/ في كلام العرب فَرَتَ وفَرِتَ فَرُتَ: أما فَرَتَ فله معنيان: الأول: الفجور، فَرَتَ أي فَجَرَ. الثاني: فَرَتَ أي فاق أو فات غيره في الفَرَتِ في وهو ضعف العقل. أما فَرِتَ فمعناه أصابه الفَرَت وهو ضعف العقل، يُقال: فَرِتَ الرجلُ فرتًا إذا ضَعُفَ عقله. وأما فَرُتَ فمعناه عَذُبَ. يقول ابن مالك رحمه الله: وفَرَتٌ ضَعْفُ حِجًا وفَرَتَا لِفائقٍ فيه ولكن فَرِتَا لِمَن عراه فَرَتٌ وفَرُتَا كعَذُبَ اجعله بلا استرهابِ والمعنى: سقيناكم بنعمةٍ منا الماء العذب شديد العذوبة. {وَيلٌ يَومَئِذٍ لِلمُكَذِّبينَ} تقدم الكلام عنها.

  • {وَيلٌ يَومَئِذٍ لِلمُكَذِّبينَ} ويلٌ؛ تقدم أنها تُستعمل استعمالين: الأول: عند وقوع الشر، كقول امرأة تُوفيَّ لها ولدٌ: ويلي. الثاني: عند التحذير من أمرٍ عاقبته شر، كقول القائل: ويلٌ لمن يسرق. والمعنى المراد بالويل في هذا السياق، التحذير من أمرٍ عاقبتُه شرٌّ وهو التكذيب. وأعلم أن العلماء - رحمهم الله - قد اختلفوا في هذا على قولين: • منهم من جعل الويل في هذا السياق تحذيرٌ محض من التكذيب بالله ورسوله. • منهم من قال: أن الويل وادٍ في جهنم، فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي ﷺ قال: "الويل وادٍ في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا قبل أن يبلغ قعره" وقد تقدم بيان ضعف هذا الحديث في سورة المدثر، ولو صح فلا إشكال لأن هذا الوادي الذي هو وادي الويل سيكون من جملة الشر الذي هو عاقبة التكذيب. يومئذٍ؛ التنوين عوض عن جملة محذوفة مفهومة من السياق، تقديرها (ويل يوم تفرج السماء وتنسف الجبال وتؤقت الرسل، للمكذبين). للمكذبين؛ اللام لام الاستحقاق والاختصاص، والمكذبون الكافرون. لما ذكر الله - عز وجل - الكلام عن اليوم الآخر انطلق يتكلم عن قدرته سبحانه وتعالى على البعث فقال: {أَلَم نُهلِكِ الأَوَّلينَ} ألم؛ الهمزة للاستفهام وهو تقريري على مذهب الزمخشري، وإنكاري إبطالي على مذهب ابن هشام، ولم؛ حرف نفي وجزم وقلب معروف. نُهلك؛ أي نستأصل بالعذاب. الأولين؛ نعت لمنعوت محذوف تقديره الكفار، والأولون جمع مفرده أول وهو معروف. ومعنى الآية: ألم نستأصل الكفار الأولين بالعذاب، وهذا الاستفهام معناه التقرير أو الإنكار الإبطالي فيصير المعنى: قد استأصلنا الكفار الأولين بالعذاب. {ثُمَّ نُتبِعُهُمُ الآخِرينَ} ثم؛ للتراخي الرتبي فهي تدل على أن مضمون الجملة التي بعدها أعظم من مضمون الجملة التي قبلها. فقوله: {ثُمَّ نُتبِعُهُمُ الآخِرينَ} فحواه التهديدٌ وقوله: {أَلَم نُهلِكِ الأَوَّلينَ} خبرٌ محضٌ، والتهديدُ أمكنُ من الخبرِ المحضِ. - نُتبِعهم؛ ليس معطوفًا على قوله: نُهلِكِ، لأنه لو كان كذلك لَلَزِم أن يكون الله - عز وجل - قد ألحق الآخرين بالأولين في الاستئصال بالعذاب وهذا ليس صحيحًا. بل هو قوله على الاستئناف؛ أي ثم نحن نتبعهم؛ أي نأتي بالآخرين بدل المُهلَكين. الآخرين؛ جمع الآخر وهو معروف وهو ضد الأول، وهو نعت لمنعوت محذوف تقديره الكفار. فالمعنى: ثم نحن نأتي بالآخرين من الكفار بدل الأولين المُهلَكين، وهي جملةٌ خبرية المراد منها التهديد؛ أي إذا لم يرجع هؤلاء الكفار عن كفرهم لنستأصلنٌّهم. {كَذلِكَ نَفعَلُ بِالمُجرِمينَ} أي نفعل بالمجرمين الآخرين مثلما فعلنا بالمجرمين الأولين والمجرمون في هذا السياق معناه الكافرون. {وَيلٌ يَومَئِذٍ لِلمُكَذِّبينَ} القول فيها كالقول في نظائرها، وهذه الجملة كُرِرَت في هذه السورة كثيرًا لمزيد تهديد وتوبيخ وتقريع وتخويف للمكذبين بالبعث. {أَلَم نَخلُقكُم مِن ماءٍ مَهينٍ} ألم؛ الهمزة للاستفهام، والمراد به في هذا السياق الإنكار الإبطالي أو التقرير كما تقدم، ولم حرف نفي وجزم وقلب. نخلقكم؛ نوجدكم من العدم، والضمير (كم) راجع إلى المكذبين المذكورين في السياق. من؛ ابتدائية، فهي تدل على أن مبتدأ الخلق كان من ماء. ماء؛ المراد به في هذا السياق المني. مهين؛ فيه مسائل: ١/ مهين مأخوذ من المهانة وهي الذِّلةُ والحقارة، تقول: العرب مَهُنَ زيدٌ يَمْهُنُ مَهَانةً فهو مَهِينٌ، أي ذليلٌ حقير. ٢/ مهين في الآية معناه حقيرٌ. ٣/ نُعِت المني في هذا السياق بالمهين لأنه لا قيمةَ له. ومعنى الآية: قد خلقناكم أيها المكذبون بالبعث من المني الذي هو ماءٌ حقيرٌ لا قيمة له. {فَجَعَلناهُ في قَرارٍ مَكينٍ} فجعلناه؛ الفاء للعطف وهي تحمل معنى التفريع. جعلناه؛ أي وضعناه، والضمير (نا) راجع إلى الله والضمير (هـ) راجع للماء المذكور آنفًا وهو المني. في؛ تدل على الظرفية الحقيقة. قرار؛ فيه مسائل: ١/ القرار يُطلق عند العرب على معنين: الأول: الثبات من قَرَّ يَقِرُّ قَرَارًا وقَرًا، يقول ابن المرحل وقَرَّ في مكانه يقِرُّ أي هدأ الشخصُ فلا يمُرُ الثاني: المكان المطمئن، يُقال: قَرَّ قَرَارًا أي هادِئًا مُطمئِنًا، ويُقال: أرضٌ قرار أي ثابتةٌ مُطمئنة. ٢/ المراد بالقرار في هذا السياق الرحم الذي هو موضع الجنين من بطن الأم. ٣/ سُمِّيَ الرحم قرارًا؛ لأنه مكان ثابتٌ مُطمئنٌ يقر فيه الجنين. - مكين؛ فيه مسائل: ١/ مكين مأخوذ من مَكُنَ الشيءُ يَمكُن مَكانةً فهو مَكين. ٢/ مَكُنَ الشيءُ وله معنيان: الأول: مَكُن أي صار ذا منزلة، قال تعالى: {إِنَّكَ اليَومَ لَدَينا مَكينٌ أَمينٌ} أي ذو منزلة. الثاني: مكُن أي مَتُن، يُقال: بناء مكين أي متين. ٣/ المكين في هذا السياق معناه المتين، وقد نُعِتَ الرحم بأنه مكين؛ لأنه يحفظ الجنين في داخله حِفظًا عظيمًا.

  • المجلس التاسع والأربعون بقية تفسير سورة المُرسلات {وَإِذَا الجِبالُ نُسِفَت} إذا؛ شرطية ظرفية فعل شرطها الجملة التي بعدها، وجواب شرطها محذوف يدل عليه السياق تقديره (يكون يوم القيامة) أي إذا نُسِفَت الجبال يكون يوم القيامة. الجبال؛ جمع جبل وهو معروف، و(أل) فيه للعهد الذهني، فالكلام مصروف إلى الجبال المعروفة. نُسِفَت؛ فيه مسائل: ١/ نُسفت مأخوذ من النَسْفِ وهو قَلعُ الشيء، يُقال: نَسَفَ يَنْسِفُ نَسْفًا إذا استأصل. ٢/ المراد بالنّسف في الآية قلع الجبال من أماكنها. ٣/ بُني الفعل لما لم يُسم فاعله للاهتمام بالمفعول، وصرف النظر إليه دون الفاعل؛ فالكلام متوجهٌ إلى بيان المنسوف لا إلى فاعل النسف، ثم إن الفاعل معلوم فلا يحتاج إلى ذكرٍ. ومعنى الآية: إذا قُلِعت الجبال من أماكنها يكون يوم القيامة. {وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَت} إذا؛ شرطية ظرفية فعل شرطها الجملة بعدها وجواب شرطها محذوف يدل عليه السياق تقديره (يكون يوم القيامة) أي إذا أُقِتت الرسل يكون يوم القيامة. الرسل؛ جمع رسول وهو معروف؛ المرسل بالوحي من عند الله. أُقِتت؛ فيه مسائل: ١/ أُقِتت مأخوذ من التأقيتِ، والتأقيتُ هو تحديد وقتِ الشيءِ، تقول العرب: أقَّتَ الشيءَ تأقيتًا، إذا جعل له وقتًا معلومًا، ومن معانيه الإتيان بالشيء في الوقت المحدد، يُقال: أقَّتَ الزرع إذا زرعه في وقت زراعته المعلوم. ٢/ التأقيت المراد في السياق هو الإتيانُ بالشيءِ في الوقت المحدد؛ وتأقيت الرسل هو الإتيان بهم في الوقت المعين لذلك. ٣/ التأقيت فيه لغة بالواو، يُقال: التوقيت، وهي الأصل، يُقال: وقَّتَ الشيءَ توقيتًا إذا جعل له وقتًا محددًا، وقلبُ الواوِ همزةً معروف عند العرب، فيُقال في وجوه: أُجوهٌ، ويُقال في وحيد: أَحيد، ويُقال في وَحَدٍ: أحد، ومثل هذا قول الشاعر: يَحُلُ أَحِيدَه ويُقال بَعْلٌ ومثل تمَوُّل منه افتقارُ الشاهد قوله: أحيده أي وحيده. ٤/ المراد بأُقِّتَت في السياق جمع الرسل في الوقت المضروب لذلك وهو يوم القيامة. ٥/ بُني الفعل لما لم يسم فاعله؛ للاهتمام بالمفعول وصرف النظر إليه دون الفاعل، فالكلام متوجه إلى بيان جمع الرسل في يوم القيامة دون التعرض لمن يجمعهم لأنه معلوم. ومعنى الآية: إذا جُمِعت الرسل في الوقت المُعيَّن لذلك، يكون يوم القيامة. {لِأَيِّ يَومٍ أُجِّلَت} لأيِّ؛ اللام لانتهاء الغاية فهي بمعنى  إلى، أيُّ للاستفهام والمراد به في هذا السياق التعظيم؛ أي إلى أيِّ يوم أجلت معناه إلى يومٍ عظيمٍ أُجِّلَت. يوم؛ أي وقت. أُجِّلَت؛ فيه مسألتان: ١/ أُجِّلَت مأخوذ من التأجيل وله معنيان : الأول: أن تجعل للشيء أجلًا معلومًا، يُقال: أجل الشيءَ تأجيلًا إذا جعل له أجلًا معلومًا. الثاني: التأخير، يُقال: أجَّل الشيءَ تأجيلًا إذا أخَّرَه، فيُقال: هذا يوم مُؤجل أي مُؤخر. ٢/ أُجِّلَت في هذا السياق معناه أُخِّرَت. ومعنى الآية: أُخِّر جمع الرسل إلى يومٍ عظيمٍ، وإنما جِيْءَ بهذه الأية لِئَلا يتوهم مُتوهِم أن توقيت الرسل المذكورة بقوله: {لِأَيِّ يَومٍ أُجِّلَت} أنه في الدنيا. {لِيَومِ الفَصلِ} ليومِ؛ مُتعلِقٌ بمحذوفٍ يدل عليه ما قبله، تقديره أُجلت ليوم الفصل، واللام لإنتهاء الغاية. الفصل؛ تقدم أن الفصل معناه: التفريق، والقطع، يُقال: فَصَلَ يَفْصِلُ فَصْلًا إذا قطع الشيءَ وفرَّقه، وقد تقدم أنه يطلق على القضاء؛ لأنه يفصل بين المتخاصمين، ويطلق على الفطام أنه فِصالٌ لأنه قطع من الرضاعة، وسُميَ يوم القيامة بيوم الفصل؛ لأنه يكون فيه قضاءٌ وتفريقٌ بين الأقارب وقد تقدم هذا. ومعنى الآيات: أُخِّرَ جمعُ الرسلِ إلى يومٍ عظيمٍ هو يومُ القيامةِ. ثُمَّ يُبَيِّن الله عز وجل ويُقَرِّر عظمة هذا اليوم الذي أجل جمع الرسل إليه فيقول: {وَما أَدراكَ ما يَومُ الفَصلِ} تقدم أن هذا الأسلوب يتضمن استفهامين: الأول: الاستفام الداخلي وهو قوله: ما يوم الفصل؟ وهو استفهام حقيقي معناه أيُّ شيء هو يوم الفصل. الثاني: الإستفهام الخارجي وهو قوله: وما أدراك؟ ومعناه أيُّ شيءٍ يجعلك داريًا أي عالمًا، وهذا الإستفهام مجازيٌّ مُستعمَل في التفخيم والتعظيم. والمعنى: يوم الفصل يومٌ عظيمٌ. ومعنى الآيات: أُخِّرَ جمعُ الرسلِ إلى يَومٍ عظيمٍ شديد العظمة وهو يوم القيامة.

  • {فَإِذَا النُّجومُ طُمِسَت} الفاء استئنافية، ويجوز أن تكون عاطفة تحمل معنى التفريع؛ فالله عز وجل قد فَرَّعَ ذكر تفاصيل الوعد على ذكر الوعد مُجملًا؛ لأنه في قوله: {إِنَّما توعَدونَ لَواقِعٌ} بيَّن أن الوعد بالبعث واقع ثم فَرَّعَ بذكر تفاصيل هذا الوعد وذكر علاماته وذكر أهوال اليوم الذي يَجيء فيه. إذا؛ شرطية ظرفية فعل شرطها ما بعدها وما عطف عليه، وجواب شرطها محذوف تقديره (يكون يوم القيامة) أو (يثبت يوم القيامة) أو أي كلمةٍ نحو هذا والمعنى إذا النجوم طُمِسَت والسماء فُرِجَت والجبال نُسِفَت والرسل أُقِّتَت، يكون يوم القيامة أو يقع يوم القيامة. النُّجومُ؛ أي الأجرام السماوية. طُمِسَت؛ فيه مسائل: ١. طُمِسَ مأخوذٌ من الطَمْسُ وهو المحوُ وذهاب أثر الشيء، يُقال: طَمَسَ يَطْمِسُ ويَطْمُسُ طَمْسًا وطُموسًا إذا محى الشيء وأذهب أثره، ومكانٌ طامس ومطموس غير معروف. قال كعب بن زُهير في قصيدته بانت سعاد: مُنْ كُلِّ نَضَّاخَةِ الذفري إذا عَرِقت عُرضتُها طامسُ الأعلام مجهول ٢. المُراد بطمس النجوم ذهاب ضوءها. ٣. بُنيَ الفعل طُمِست لما لم يُسمى فاعله؛ للاهتمام بالمفعول وصرف النظر إليه دون الفاعل، لأن المراد أن نلفت الأذهان إلى أن النجوم تُطمس في هذا اليوم بغض النظر عمَّن طمسها، ثم إن الطامس لهذه النجوم معلوم هو الله عز وجل. {وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَت} وَإِذَا؛ والواو للعطف وإذا شرطية قُرِرَت، مع أن العطف يُغني عنها لمزيد استحضار الحال العجيب الذي يدل عليه ما بعدها، فإذا مُكررة والأولى تُغني عنهن جميعًا لكن كررت لمزيد استحضار للصورة العجيبة لذلك اليوم الذي تحصل فيه هذه الأفعال؛ لأن إذا بمعنى حين فكأنه يقول: حين تُطمس الشمس وحين تفرج السماء وحين تُنسف الجبال وحين توقت الرسل.. فكلما يذكر هذه الكلمة يُحضِر في أذهاننا المرة بعد المرة الحال العجيب الذي يقع في ذلك اليوم. ولو اقتصر على الأولى لصح الكلام وقد مر معنا مثل هذا في قوله: {فَإِذا بَرِقَ البَصَرُ۝وَخَسَفَ القَمَرُ۝وَجُمِعَ الشَّمسُ وَالقَمَرُ} لم تكرر إذا هنا وكان المعني صحيحًا. السَّماءُ؛ (أل) لاستغراق الجنس فتعم سائر السموات أي كل السموات تُفرج فليس خاصًا بسماء معينة. فُرِجَت؛ فيه مسائل: ١. فُرِجَت مأخوذٌ من الفَرْج وهو الخلل بين شيئين، يُقال: فَرَجَ الشيءَ فَرجًا إذا فتحه ووسّعه، تقول: فرَج الحائط إذا جعل فيه فُرجة، ومنه سُمِّيت العورة فَرجًا لأن العورة فيها فُتحةً. ٢. فُرِجَت في هذا السياق معناه شُقت شُقوقًا كثيرة. ٣. بُنيَ الفعل فُرِجَت لما لم يُسمى فاعله؛ للاهتمام بالمفعول وصرف النظر إليه دون الفاعل، فالكلام مُتوجِّه إلى بيان الشقّ لا إلى بيان فاعله.

  • {فَالمُلقِياتِ ذِكرًا} فَالمُلقِياتِ؛ الفاء للعطف، والملقيات فيه مسائل: ١. الملقيات جمع مُلْقِيَةٍ وهي اسم فاعل مؤنث مأخوذ من ألقى إلقاءً، فالفاعل مُلْقِي ومُلقِيَة والمفعول مُلقَى، يُقال: ألقى الشيءَ إلى فلان إذا بَلّغه به وأوصله إليه، قال تعالى: {قالَت يا أَيُّهَا المَلَأُ إِنّي أُلقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَريمٌ} أي بلغني ووصلني. ٢. الملقيات نعتٌ لمنعوت محذوف تقديره الملائكة؛ أي فالملائكة المُلقيات ذِكرًا. ٣. المراد بالملقيات في هذا السياق الملائكة التي تنزل بالوحي على الرسل. ٤. قوله: {المُلقِياتِ} فيه استعارة مكنية؛ حيث شبه الذكر بالشيء المحسوس الذي يُلقى ثم حذف المُشبه به وأشار إليه بشيء من لوازمه وهو أنه يُلقى. ذِكرًا؛ يُعرب على أنه مفعول به، ماذا تلقي الملائكة؟ تُلقي الذكر وتُوصله. والذكر في هذا السياق مُفسَّرٌ بالوحي، وقد سُميَ الوحي ذِكرًا؛ لأنه يتذكَّرُ به أولوا الألباب. فقوله: {فَالمُلقِياتِ ذِكرًا} قسمٌ من الله عز وجل بالملائكة التي تُوصِل الوحيَ إلى الأنبياء. {عُذرًا أَو نُذرًا} عُذرًا؛ بدل من من قوله: {ذِكرًا} فيُمكن أن نقول: فالمُلقيات عُذرًا أو نُذرًا. وفيه مسائل: ١. العُذر اسم مصدر مأخوذٌ من أعذر يُعذِر إِعْذَارًا وعُذرًا. ٢. أعذر يُعذِر إِعْذَارًا وعُذرًا معناه أزال العذر، أعذرَ زيدٌ عمرًا أي أزال عُذره ومنه قول النبي ﷺ في الحديث: "أعذر الله الي رجلٍ أخَّر أجله حتى بلغ ستين سنة" أي أزال عنه العُذرا. والهمزة فيه للسلب فهي همزة تسلب الفعل معناه، كما تقول: قسط أي ظلم، وأقسط أي أزال الظلم أي عدل، وكما نقول: صرخ أي رفع صوته بالاستغاثة، وأصرخ أي أزال الصُراخ أي أنقذه. وقد تقدم أن الهمزة التي تكون في بداية الفعل الرباعي على وزن أفعل لها واحدٍ من سبعة معان، وقد جمعها الناظم بقوله: لِهَمْزِ إفعالٍ معانٍ سبعة تعديةٌ صيرورةٌ وكَثْرَة حينونةٌ إزالةٌ وِجدانُ كذاك تَعريضٌ فذا البيان وقد تقدم شرحه في سورة القلم، وهمزة الإزالة هي همزة السلب. ٣. عُذرًا معناه إعذارًا أي إزالةٌ للعذر فالملائكة المُلقيات ذكرا ليزول بهذا الذكر عمن نزل عليه لئلا يقولوا يوم القيامة: ما جاءنا من نذير، ولا أنزل علينا كتاب. أَو نُذرًا؛ أو للتقسيم. نُذرًا؛ اسمُ مصدر من أَنْذَرَ يُنْذِرُ إِنْذَارًا ونُذْرًا ومعناه حَذَّرَ، ونُذرًا أي تحذيرًا وقوله: {فَالمُلقِياتِ ذِكرًا۝عُذرًا أَو نُذرًا} قسمٌ من الله عز وجل بالملائكة التي تُلقي الوحيَ على انبياءه إعذارًا وإنذارًا؛ فالوحي يُلقى ليُزيل العُذر وليُحذِّر. تنبيه: ولو أعرب مُعْرِبٌ (عُذرًا) على أنها مفعول لأجله فيكون المعنى فالملقيات التي تُلقي الوحيَ لأجل الإعذار والإنذار، كان صحيحًا. {إِنَّما توعَدونَ لَواقِعٌ} إِنَّما؛ (إِنَّ) لتوكيد وقوع البعث المدلول عليه بالسياق، (ما) اسم موصول بمعنى الذي؛ أي إن الذي توعدون لواقع. توعَدونَ؛ أي ما توعدون من البعث والحساب والجزاء. لَواقِعٌ؛ اللام للتوكيد، وواقع أي واجبٌ حاصل، يُقال: وقع القول أي وجب، ووقع الشيء أي حصل. أي إن الذي توعدون من البعث والحساب والجزاء واقعٌ حاصلٌ لا مَحال. وعلى هذا فقوله: {وَالمُرسَلاتِ عُرفًا۝فَالعاصِفاتِ عَصفًا۝وَالنّاشِراتِ نَشرًا۝فَالفارِقاتِ فَرقًا۝فَالمُلقِياتِ ذِكرًا۝عُذرًا أَو نُذرًا۝إِنَّما توعَدونَ لَواقِعٌ} معناه قسمّ من الله عز وجل بالرياح التي يرسلها حيث يشاء وبالرياح التي يشتد هبوبها وبالملائكة التي تنشر الرياح والسحاب وبالملائكة التي تنزل بالوحي الذي يُفرِّق بين الحق والباطل وبالملائكة التي تُلقي الوحي على أنبياءه للإعذار والإنذار، فأقسم الله عز وجل بهذا كله على مُقسَمٍ عليه وهو: {إِنَّما توعَدونَ لَواقِعٌ} فهو جواب القسم.

  • المجلس الثامن والأربعون سورة المرسلات سورة مكية نزلت على النبي ﷺ بمكة وقد كان مع أصحابه في غار، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: ((بينما نحن مع النبي ﷺ في غار فنزلت عليه: {وَالمُرسَلاتِ عُرفًا} فإنه ليتلوها وإني لأتلقاها من فيه، وإن فاه لرطبٌ بها إذ وثبت علينا حيَّة، فقال النبي ﷺ: أقتلوها فأبتدرناها فذهبت فقال النبي ﷺ: لقد وُقِيَتْ شركم كما وُقِيتُم شرها)). وقد عَدَّ ﷺ سورة المرسلات من السور التي شيبته؛ قال ﷺ: "شيبتني هودٌ وأخوَاتُها" وفي روايةٍ أُخرى قال: "شيبتني هودٌ والواقعةُ والمرسلاتُ وعم يتساءلون وإذا الشمسُ كورت". {وَالمُرسَلاتِ عُرفًا} الواو للقسم، والمرسلات فيه مسائل: ١. المرسلات جمع مُرسَلةٍ، وهي اسم مفعول مؤنث مأخوذ من أرسل يُرسلُ إرسالًا وقد تقدم أن معناه وَجَّهَ. ٢. المرسلات نعتٌ لمنعوت محذوف تقديره الرياح. ٣. المراد بالمرسلات في هذا السياق الرياح، وقد نُعِتت بهذا لأن الله يُرسلها أي يُوجِهها حيث يشاء. عُرفًا؛ فيه مسائل: ١. العُرف بالضم يُطلق عند العرب على معانٍ كثيرة: أولها: المعروف، قال تعالى: {خُذِ العَفوَ وَأمُر بِالعُرفِ وَأَعرِض عَنِ الجاهِلينَ} ثانيها: الصبر، فالصبر يقال له: العُرفُ والعِرفُ. ثالثها: الشعر الذي يكون على رقبة الفرس ونحوه. رابعها: التتابع، يُقال: جاءت القطا عُرفًا عُرفا أي متتابعة، ويُقال: جاء القوم إلى فُلانٍ عُرفا أي مُتتابعين. ٢. المراد بالعُرْفِ في هذا السياق التتابع. ٣. قوله تعالى: {عُرْفًا} تعرب على أنها نائبة عن المفعول المطلق، فقوله: {وَالمُرسَلاتِ عُرفًا} معناه والمرسلات إرسالًا عُرفًا، أي المرسلات إرسالًا مُتتابعًا. فقوله عز وجل قسمٌ بالرياح التي يرسلها الله عز وجل إرسالًا متتابعًا؛ فالريح تتلوها الريح. {فَالعاصِفاتِ عَصفًا} فالعاصفات؛ الفاء عاطفة، وفيه مسائل: ١. العاصفات جمع عاصفةٍ، وهي اسم فاعلٍ مؤنث مأخوذ من العَصف وهو شِدَةِ هُبوب الريح، يُقال: عَصَفت الريحُ تَعصِفُ عَصفًا وعُصُوفًا إذا هبت هُبوبًا شديدًا. ٢. العاصفات نعتٌ لمنعوت محذوف تقديره الرياح أيضًا. ٣. المراد بالعاصفات في هذا السياق الرياح التي تهب بشدة. عَصفًا؛ مفعول مطلق مؤكد لعامله فيدل على تقوية معنى شدة الهبوب. {وَالنّاشِراتِ نَشرًا} وَالنّاشِراتِ؛ الواو للعطف فكلها معطوفة على القسم الأول، والناشرات فيه مسائل: ١. الناشرات جمع ناشرة وهي اسم فاعل مؤنث مأخوذ من النشر، وقد تقدم أنه البسط والفتح والتفريق، نشر الشيء بسطه ونشر الشيء فتحه ونشر الشيء فَرَّقه. ٢. الناشرات نعتٌ لمنعوت محذوف تقديره الملائكة. ٣. المراد بالناشرات في هذا السياق الملائكة؛ وقد نُعُتت بهذا لأنها تنشر السحاب والرياح أي تُفرِّقه. ٤. مفعول الناشرات محذوف تقديره الريح أو السحاب؛ فأما أن تُقدِّره والناشرات السحاب نشرًا أو أن تُقدِّره والناشرات الريح نشرًا. نَشرًا؛ مفعول مطلق مؤكد لعامله فيدل على تقوية معنى النشر. وقوله: {وَالنّاشِراتِ نَشرًا} قسم من الله بالملائكة التي تُفرِّق السحاب تفريقًا أو تُفرِّق الريح فتسوقها حيث يشاء الله. {فَالفارِقاتِ فَرقًا} فَالفارِقاتِ؛ الفاء عاطفة، والفارقات فيها مسائل: ١. الفارقات جمع فارِقةٍ وهي اسم فاعل مؤنث مأخوذ من الفرق وهو التفريق، يُقال: فَرَقَ الرجلُ يَفرُقُ فَرقًا وفَرَّق يُفرِّقُ تَفريقًا؛ بمعنى واحد وهو التمييز والتبيين، فرق الشيء ميَّزه وفرق الشيء بيَّنه، ومنه سُميَ القرآن فُرقانًا؛ لأنه يَفرُق بين الحق والباطل أي يُبيّنه. ٢. الفارقات نعت لمنعوت محذوف تقديره الملائكة؛ أي فالملائكة الفارقات فَرقًا. ٣. مُتعلَق قوله: {فَالفارِقاتِ فَرقًا} محذوف تقديره فالفارقات بين الحق والباطل؛ أي فالملائكة الفارقات بين الحق والباطل فرقا. ٤. المراد بالفارقات في هذا السياق الملائكة التي تنزل بالهدى الذي يُفرِّق بين الحق والباطل. ٥. فالفارقات فيه مجاز عقلي رابطه السببية؛ ووجهه أنه نُسِب التفريق إلى الملائكة لأنهم ينزلون بالوحي الذي يُفرُق بين الحق والباطل. فَرقًا؛ مفعول مُطلق مؤكد لعامله فيدل على تقوية معنى التفريق بين الحق والباطل.

  • ٨٢] التحريض على الاقتصاد في المآكل والمشارب ونحو ذلك؛ ويدل على ذلك أن الله - عز وجل - أعلمنا أن أهل الجنة يُعطَون الشراب على قدر الطلب لا يزيد ولا ينقص فقد تقدم هذا في قوله: {قَواريرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّروها تَقديرًا} وإذا كان المُنَعَّمون في الجنة يقتصدون مع ما هم فيه من الخير الدائم والنعيم المقيم فمن باب أولى أن يقتصد الدنيوين على ما هم فيه من ضيق العيش وقلة الرزق ثم إن اقتصاد أهل الجنة دليل على شرف هذا الخُلُق وفضله. ثم اعلم - رحمك الله - أن الاقتصاد خُلُق نبويّ وأن أعظم ثمراته أنه يدفع الفقر، ففي الحديث وإن كان يُروى على ضعفٍ، أن النبي ﷺ قال: "ما عال من اقتصد". ولذا كان السلف - رضي الله عنهم - يكرهون التبذير ويحبون الإقتصاد، يقول أبو بكرٍ رضي الله عنه: ((إني لأبغض أهل بيتٍ يُنفقون رزق أيامٍ في يوم واحد)) وقال عمر رضي الله عنه: ((الخُرْق في المعيشة أخوف عندي عليكم من العَوَز)) الخُرق = سوء التصرف العَوَز = الفقر والحاجة ورأى أبو الدرداء - رضي الله عنه - حبًّا منثورًا في غُرفةٍ له، فالتقطه وقال: ((إن من فقه الرجل رفقه بمعيشته)) ودخل عليٌ - رضي الله عنه - حُجرته يومًا فإذا حبٌّ منثور، فقال: ((شبعتم يا آل عليٍّ)) والتقط الحَبَّ. وهذا كله يدل على أن السلف كانوا يكرهون التبذير ويحبون الاقتصاد. ٨٣] لفتُ المُبتَلَى إلى ثمرة صبره قبل أمره بالصبر أدعى لقبوله وانتفاعه؛ لأن الله قَدَّمَ نعت الجنة وما فيها من نعيم على أمره لنبيّه ﷺ بالصبر على ما يلقاه في دعوته ليتهيأ لقبول الأمر والعمل به؛ فنُلاحظ أن الله - عز وجل - ذكر الجنات والنعيم الذي فيها أولًا وذكر أنها تكون عاقبة الصابرين وبعد هذا التقرير والتشويق أمر نبيّه ﷺ بالصبر فقال: {فَاصبِر لِحُكمِ رَبِّكَ} وهذا الترتيب ترتيبٌ بديع بليغٌ حكيمٌ لأنه أدعى إلى قَبول الأمر بالصبر والانتفاع به؛ وينبغي أن نأخذ هذا في التعامل مع الناس فإذا أردنا أن نُصَبِّرَ أحدًا فعلينا أن نُقدِّم قبل ذلك بيان عاقبة الصابرين وبيان ما يُلقَّاه الصابرين في دنياه وأُخراهم؛ لأن هذا يكون أدعى إلى القبول. ٨٤] الجنة يدخلها الناس برحمة الله؛ لما دل عليه نعتُ الجنةِ بأنها رحمة بقوله تعالى: {يُدخِلُ مَن يَشاءُ في رَحمَتِهِ} أي جنته، وقد تقدم أن تسمية الجنةِ رحمةٌ جارٍ على طريقةِ المجاز المرسل بعلاقةِ السببية؛ فَسُميت الجنة رحمةً لأن الرحمة سبب دخول الجنة فذكر السبب وهو الرحمة وأراد المسبب وهو الجنة. وقد بَيَّن النبي ﷺ أن الجنة تُنال رحمة الله بقوله: "لن يدخل أحدٌ منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدنيَ الله بفضلٍ ورحمة" وفي روايةٍ قال: "إلا أن يتغمدنيَ الله برحمةٍ منه" وأعلم - رحمك الله - أن رحمة الله - عز وجل - التي بها تُنال الجنة؛ تُنال بحسن العمل قال الله عز وجل: {إِنَّ رَحمَتَ اللَّهِ قَريبٌ مِنَ المُحسِنينَ} وقال سبحانه: {إِنَّ الَّذينَ آمَنوا وَالَّذينَ هاجَروا وَجاهَدوا في سَبيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرجونَ رَحمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفورٌ رَحيمٌ} فبيَّن ربُّنا سبحانه أن الذين يؤمنون ويُهاجرون ويُجاهدون ويعملون الأعمال الصالحة أنهم قريبون من رحمته سبحانه. ولأجل هذا ذكر النبي ﷺ العمل مقرونًا بذكره دخول الناس الجنّة برحمة الله، في السياق الذي ذكر النبي ﷺ فيه أن الناس يدخلون الجنة برحمة الله ذكر العمل ليُشير إلى أن العمل منه تأتي الرحمة وأن الرحمة بها ندخل الجنة؛ قال ﷺ: لأصحابه "سددوا وقاربوا وأبشروا" فأشار إلى العمل ثم قال: "إنه لن يدخل أحدٌ منكم الحنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا" ثم قال: "وأعلموا أن أحب العمل إلى الله أدومه" فافتتح النبي ﷺ الحديث بذكر العمل واختتمه بذكر العمل وذكر ما بين ذلك أن العبد لا يدخل إلا برحمة الله؛ فدل هذا كله على العبد لا يدخل الجنة إلا برحمة من الله وأن الرحمة إنما تُستنزل بحسن العمل.

مُلخصات جزء تبارك🖋️✨ — tgindex