إِنْ تِي فِيلُوسُوفِيَا كَايْ تِي سْبُودَايَا پُولِيتِيكِي
Статистикаفي الفلسفة والسياسة والإقتصاد والعرفان والأديان
- Последний пост
- 13 авг.
- Последнее чтение
- 13 авг.
- Постов за неделю
- 14
- Всего постов
- 21
- Тип
- открытый
- Язык
- арабский
- В каталоге с
- 13 авг.
- 1/24сутки в ленте
- 36
- 1/48двое суток
- 41
- 1/72трое суток
- 44
Оценка по просмотрам недавних постов: пост набирает почти всё за первые сутки.
Посты
видео или голосовое, без подписи
في بعض دول العالم، يتساءل من يعيش فيها: هل يوجد تعليم جيد مجاني؟ الحقيقة أن التعليم هناك إما سيء جدًا، أو ستضطر لإنفاق أموال طائلة للحصول على تعليم لائق. هل هناك تعليم جامعي جيد ومجاني؟ في الغالب لا، أو ستدفع أموالًا كثيرة للحصول عليه. هل يوجد توظيف مناسب؟ لا، يعتمد الأمر على مجهودك الشخصي، وغالبًا ستعمل في وظيفة لا علاقة لها بتخصصك الدراسي. هل يوجد إسكان مجاني أو ميسر؟ الحقيقة أن السكن هناك غالٍ جدًا، أو ستدفع إيجارًا مرتفعًا لا يقل عن ثمن السكن نفسه. هل توجد خدمات علاجية جيدة ومجانية؟ لا، العلاج الجيد مكلف ماديًا للغاية. هل توفر الدولة سلعًا تموينية أساسية مجانية أو بأسعار مدعومة مقارنة بالرواتب؟ لا، غالبًا ما يكون الخبز فقط مدعومًا، وربما يرفعون الدعم عنه قريبًا. فما الذي تفعله حكومات هذه الدول؟ تنظم الأمور لصالح الرأسماليين، حتى تمتص دماء الناس بشكل أكثر نظامًا وكفاءة فيما يعرف عند البنك الدولي بالإصلاح الاقتصادي. ثم يأتي بعض سكان هذه الدول ليقولوا للمواطنين الفقراء: "الموت في سبيل الوطن وحب الوطن." هل أنت غبي يا سيدي؟ هذا وطن الرأسماليين، وأنت تعيش بعقد عمل مؤقت! كيف بعد كل هذا، يمكنك أن تقول للمواطن الفقير: "هيا، مات في سبيل الوطن!" أي بمعنى آخر: تعالَ ومُت لحماية رأس المال. هذا المواطن، حتى لو ذهب للقتال، فهو في حالة خوف وقلق من الآثار الأمنية والاجتماعية المترتبة على غيابه. وبالتالي، سيكون فاقدًا تمامًا للروح المعنوية القتالية، ومع أول صوت رصاص سيستسلم بلا شك. هذا الكلام موجه إلى أحد الأفندية في دولة ما، يتباهى بقوة بلده العسكرية، ويفتخر بها جدًا.
هذا له تفسير فلسفي قرآني عميق يفسر التساؤل الذي يأتي للمسلمين كثيرا عن ناس فعلوا أفعال إنسانية و لكنهم في النار. و تذكروا في السيرة تلك الحادثة: «كان فينا رجل أُتِيَ لا يُدرى ممن هو، يقال له قزمان، وكان رسول الله ﷺ يقول إذا ذُكر له: إنه لمن أهل النار. فلما كان يوم أُحد قاتل قتالًا شديدًا، فقتل وحده ثمانية أو سبعة من المشركين، وكان ذا بأس، فأثبتته الجراحة، فاحتُمل إلى دار بني ظفر. فجعل رجال من المسلمين يقولون له: والله لقد أبليت اليوم يا قزمان، فأبشر. قال: بماذا أبشر؟ فوالله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت. قال: فلما اشتدت عليه جراحته أخذ سهمًا من كنانته، فقتل به نفسه». فقال النبي ﷺ عند ذلك: «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة»».
видео или голосовое, без подписи
وطبعًا، ستعمل الإمبريالية على تحريك كهنة المعابد الرأسمالية من رجال الدين لصناعة سردية رجعية مضادة. وهنا سيكون عليكم بيان كيف تستخدم الإمبريالية رجال الدين، ثم الاصطدام بالسردية السنية التقليدية المتعلقة بشرعية الحكم. وبهذا ستكون الشعوب، بفطرتها السوية، أمام خيار واضح بين ما يسمى بالمدخلية، بأشكالها المختلفة السلفية وغيرها، وبين سردية التحرر. وساعتها، إذا كان النور الإلهي في هذه الشعوب لا يزال مستيقظًا، فسوف تنفر من المدخلية وتتجه نحو التحرر، وترفض أغلب نظريات الشرعية التقليدية في المذهب السني، وتحصر الشرعية في الاتجاه الشوري. وللتمثيل الاسمي، فإن الصورة المرفقة تحكي المراد: سردية جمال الدين الأفغاني للتحرر. أما مسألة أن السيد الشهيد المعظم خامنئي وغيره كان لهم تأثر بسيد قطب، فهذا طبيعي بالنظر إلى مرحلتهم التاريخية. لكن سيد قطب لم يكن هو مركزهم الفكري في التحرر، بل كانت السردية الحسينية المقدسة، والاتجاه الفلسفي والعرفاني للسيد الإمام الخميني، قدس سره، والعلامة الطباطبائي، قدس سره، هي الأعمق والأكثر مركزية في تكوينهم الفكري. ولا يعني وجود تأثر بسيد قطب أن سيد قطب كان، بأي حال، محوريًا عند السيد الخامنئي، الشهيد المعظم، قدس سره. وعلى كل حال، المهم هو تصحيح أخطاء الماضي. الخلاصة القطبية عدوّ لكم، فاتخذوها عدوًا.
القطبية ليست طريقًا للتحرر الإخوة الإمامية الذين هم على خط السيد الإمام، أرجوكم أفيقوا. توقفوا تمامًا ومطلقًا عن الترويج لسيد قطب، وكتب سيد قطب، والفكر القطبي الإرهابي المتطرف. في الاستراتيجية الكبرى، نعم، توجد ضرورة لوجود سردية تخلق وعيًا تحرريًا لدى الشعوب، وهذا أمر مهم في الحرب ضد الإمبريالية. لكن مع الشعوب العربية الإسلامية ذات الأغلبية السنية، فإن سيد قطب لا يمثل هذا الوعي أبدًا. بل إن التجربة الواقعية أثبتت أنه لم يخلق إلا فاشيات دينية لم تكن تحارب الإمبريالية حرب عدالة، وإنما كانت تخوض حرب هيمنة. وفي النهاية، كثيرًا ما انتهت هذه الفاشيات إلى البرجماتية في التعامل مع الإمبريالية، وتعاونت معها ضدكم، وحاربتكم معها في سوريا. وإضافة إلى ذلك، كانت فاشية بطبيعتها؛ تقصي كل من تعدّه عدوًا، حتى لو كان ذلك الطرف نفسه يقف ضد الإمبريالية على أسس أخرى. لأن حربها الأساسية ليست ضد الإمبريالية أصلًا، بل هي قتال من أجل سلطة دينية مطلقة، لا تستند إلى بُعد عقلي أو إنساني. وبما أن السيد الإمام الخميني، قدس سره، من كبار العرفاء، وأن كثيرًا من تلامذته كانوا كذلك، فإن من درس هذه المعارف بدقة سيعلم أن توحيد الحاكمية بالمعنى القطبي هو من أقصى مصاديق الشرك عند أهل العرفان. وهذا الكلام أقوله خصوصًا للمختصين في هذه المعارف. ثم إن سيد قطب، حتى على فرض أن خطابه كان نظيفًا ـ وليس كذلك ـ فإن المحتكر الأكبر لخطابه اليوم هو جماعة الإخوان المسلمين، التي أثبت تاريخها أنها دخلت في تحالفات مع الإمبريالية، ولا داعي لأن أذكّر بكم مرة طعنت هذه الحركة فيكم وفي الشعوب، وبكم مرة وقفت في الاتجاه المقابل لمشروعكم. والمحتكر الآخر هو السلفية القطبية التي تأسست في الخليج، وكان من أبرز آبائها محمد قطب. وقد أدّى الجمع بين السلفية والقطبية إلى أيديولوجيا تمثل المصداق العنيف للفاشية الدينية، والأسماء في هذا الباب كثيرة. والحراك السوري المشؤوم، في بعض مراحله وفصائله وانفصالاته عن داعش، كان يمثل هذا الاتجاه بدرجات مختلفة، وقد رأيتم إلى ماذا انتهى. وهؤلاء كانوا يدرسون سيد قطب دراسة عميقة، لا مجرد قراءة لبعض أدبياته. هذا الطريق، طريق سيد قطب، لا يحقق بكم الغاية، بل ينتهي إلى ضدها؛ إلى تاريخ من الفاشيات قد يصل الحال في شناعتها إلى مستوى يصبح معه الاختيار الاستراتيجي والعقلي الأسلم هو التحالف البرجماتي المؤقت مع ممثلي الإمبريالية ضدها، لا حبًا في الإمبريالية ولا تصالحًا معها، وإنما لأن الفاشية في تلك اللحظة قد تكون أسوأ منها. وعندنا مثال مهم في التاريخ هو ما يمكن أن أسميه التحالف الماركسي الليبرالي ضد الفاشية في الحرب العالمية الثانية. كان كل طرف منهما يرى الآخر شيطانًا محضًا، لكنه كان يعلم أن الفاشية المتمثلة في هتلر وموسوليني واليابان الإمبراطورية لا تملك حدودًا في التدمير والقتل بأبشع الطرق، فاضطُررنا إلى رؤية المعجزة السياسية والتاريخية: ستالين إلى جنب تشرشل. الليبرالية الإمبريالية هي فاشية بالقوة لا بالفعل؛ أي إنها قد تتحول، في الأوقات الصعبة، إلى ممارسة فاشية. أما هتلر وموسوليني واليابان الإمبراطورية فكانت فاشية بالفعل وبنيتها السياسية ذاتها. ولهذا كان من الطبيعي لأي حركة تحرر عقلانية أن تختار، في ظرف استثنائي، التعاون مع الليبرالية الإمبريالية للتخلص من الشيطان الأعظم. وهذه برجماتية نعم، لكنها برجماتية محمودة وأخلاقية، طالما ظلت مقيدة بالقيد الأخلاقي. وبالطبع، لم تكن الحرب العالمية الثانية نفسها مثالًا كاملًا على هذا القيد الأخلاقي، ولا أقصد ذلك. إنما أضرب بها المثال لبيان إمكان حصول هذا النوع من التحالف الاستراتيجي المشترك مع الإمبريالية ضد الفاشية؛ أو بعبارة أخرى: التعاون مع الفاسد ضد الأفسد. وهذا حصل فعلًا في سياقات مختلفة من التاريخ، وحصل منكم أيضًا في سوريا، وليس شيئًا جديدًا من حيث المبدأ. والفاشية القطبية السلفية يمكن أن تتحول هي الأخرى إلى عدو أسوأ من الإمبريالية في بعض الظروف. لكن الفرق أن هذه الحركات، إذا تحالفت مع الإمبريالية ضدكم، لا تحافظ عادةً على كيان مستقل، بل تنتهي إلى الذوبان في المشروع الإمبريالي والمساهمة في توسعه وزيادة نفوذه. فليس الأمر عندها حتى تحالفًا استراتيجيًا برجماتيًا مؤقتًا، كما حدث مثلًا عندما تعاون المجاهدون الأفغان مع الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفيتي؛ إذ لم يذب المجاهدون الأفغان في الولايات المتحدة بعد ذلك. أما الكلام عن النسخة الإسلامية الأفغانية عمومًا، فهو موضوع آخر؛ فهي ليست سلفية قطبية. فما البديل؟ البديل السليم لسردية تخلق وعيًا ضد الإمبريالية لدى الشعوب العربية الإسلامية السنية هو، باختصار: التصوف غير الخرافي الإنساني، والنهضة الحسينية، وبعض الحركات الثورية العلوية التي تلتها، والتوعية الطبقية، والقومية العربية بالفهم الناصري. هذه السردية تستند إلى مشترك إنساني، وليست مجرد سردية عربية وإسلامية مبهمة الملامح.
видео или голосовое, без подписи
видео или голосовое, без подписи
عهد الجمهورية الإسلامية: أصر الإمام الخميني والسيد علي خامنئي على أن تظل الحوزة العلمية مستقلة في كيانها وألا تندمج في أجهزة الدولة بشكل كامل. وتبعاً لذلك، بقيت مراجع علمية تتلقى الحقوق الشرعية (المالية) بصفة مستقلة وتتبنى رؤى فكرية وسلوكية مغايرة لتوجهات الدولة، مما حفظ للحوزة العلمية في قم والنجف هيبتها ومكانتها التي تحسب لها السلطة ألف حساب؛ سواء سلطة الولي الفقيه الفاضلة في الجمهورية الإسلامية، أو السلطات المتعاقبة في العراق. نموذج حوزة النجف: إن السيد علي السيساني وحوزة النجف الأشرف لا يشغلون أي موقع رسمي أو دستوري في هيكل السلطة العراقية، ومع ذلك، لا تملك السلطة السياسية القدرة على تحديهم أو تجاوزهم. فكانت الحوزات العلمية في معظم فتراتها التاريخية شوكة في حلق الحكومات الطاغوتية نتيجة هذا الاستقلال الكياني. 2. النموذج السني على الصعيد المقابل، نجد أن المؤسسات الدينية السنية كانت تمتلك قبل قيام الدولة الحديثة نحواً من الاستقلال البسيط (وإن لم يكن استقلالاً فعلياً تاماً). إلا أن هذا الهامش البسيط تم تذويبه ودمجه بالكامل ضمن مؤسسات الدولة الحديثة في العالم السني، فأصبحت المؤسسة الدينية جزءاً من الجهاز البيروقراطي للدولة. غاية العالماني المتأله من المقارنة يطالب العالماني المتأله بفصل المؤسسة الدينية عن الاندماج الكامل في السلطة لغايتين: صون مكانة المؤسسة الدينية وحفظ جوهرها من التوظيف السياسي. تعرية حقيقة هذه المؤسسات واختبار أصالتها؛ لمعرفة ما إذا كانت قادرة على القيام بنفسها والاستمرار تاريخياً دون استناد إلى عكاز السلطة السياسية، أم أنها لم تسد ولم تُنتخب إلا بفضل دعم السلطة، وأنها في حقيقتها (دون السلطة) أوهن من بيت العنكبوت. سابعاً: حدود الانفصال وضغوط الواقع السياسي ينبغي التنويه أخيراً بأن الانفصال القانوني والدستوري للمؤسسة الدينية عن السلطة لا يضمن بالضرورة انفكاكاً تاماً في الواقع العملي؛ فالمؤسسة تظل جزءاً لا ينفصل عن شبكة العلاقات الاجتماعية والصراع السياسي بتجلياته الطبقية وغير الطبقية. وبما أن الأطراف السياسية المختلفة تدرك حجم القوة الاجتماعية والروحية التي تمتلكها المؤسسة الدينية، فإنها ستسعى حتماً إما إلى استمالتها وشراء ولائها، أو التضييق عليها في حال فشل الاستمالة. والتضييق لا يقتصر على الجانب المالي والمحاصرة الاقتصادية، بل يتعداه إلى الترهيب الأمني والقتل الممنهج للأتباع والعلماء، وهو ما واجهته المؤسسات الدينية الشيعية مراراً عبر التاريخ. أمام هذا الضغط الواقعي، ينقسم سلوك المؤسسة الدينية إلى قسمين: أولاً: قسم الضرورة القسرية: وهو النزول عند مقتضيات الواقع السيادي للبقاء ومنع وقوع المفسدة الأعظم والأخطر على الدين والأتباع. وهذا السلوك يمثل "التقية العقلية المحمودة" التي سار عليها أئمة أهل البيت؛ فالتقية هنا أداة ووسيلة استراتيجية لخدمة غاية كبرى، وليست غاية في حد ذاتها. ثانياً: قسم الاستسلام الكامل والاعتزال: وهو الانكفاء التام عن قضايا الأمة والانعزال السلبي عن الواقع. وهذا السلوك هو المذموم قطعاً، وهو عينه الذي انتقده وذمّه الإمام الخميني في علماء الدين المعاصرين له. بهذه الرؤية المنهجية التفكيكية، تكتمل معالم وأسس العالمانية المتألهة.
الادعاء بأن مصادر التشريع المعرفية للسلطة تغاير تماماً مصادر الدين. التحليل: هذا الوجه تام وصحيح. ولكن يجب فحص طبيعة المصادر لدى الطرفين؛ فإذا كان مصدر السلطة هو العقل الموضوعي، ومصدر الدين هو النص الخاضع للتأويلات الذاتية المفتقرة إلى معيار موضوعي، فإن الحق هنا يكون حقيقاً بالتصديق. وفي هذا المورد تحديداً، تكون العالمانية هي الحق المبين، ويكون نزع الدين عن السلطة واجباً مطلقاً (لا بشرط)؛ لأن الإشكال مع الدين هنا يماثل تماماً الإشكال مع الليبرالية والمذاهب السياسية السلطوية التي لا تشرع على أساس موضوعي، بل تنقاد وراء الأهواء والآراء الذاتية التي تخطئ وتصيب. رابعاً: العالمانية المتألهة والدين الموضوعي بما أن الغاية لا تُعرف إلا بالعقل، ولا يمكن الوصول إليها بدون القوانين العقلية، وحيث تبين في محله الفلسفي أن الغاية القصوى للوجود هي الله؛ فإن العالمانية التي تنزع التشريع غير الموضوعي عن السلطة تغدو "عالمانية متألهة". العالمانية المتألهة: هي فصل مصادر التشريع غير الموضوعية عن السلطة التي يجب أن تشرع بناءً على أسس موضوعية عقلية. وهي عالمانية لا إشكال فيها ولا شبهة، بل هي الحق الواجب معرفياً. مفارقة العالمانية العربية المعاصرة إن العالمانيين في زماننا، لا سيما في الفضاء العربي، لا يدعون التزاحم المعرفي (الإبستمولوجي)، بل يتمسكون بتزاحم الغايات. والتشريع عندهم في نهاية المطاف يستند أيضاً إلى أهواء وقناعات غير موضوعية، لكن غايته تختلف عن غاية الدين فقط. بناءً على ذلك، لا يوجد لديهم مرجع عقلي موضوعي للترجيح بين الدين وبين ما يريدون، فيتحول الصراع الفكري إلى مجرد صراع أهواء، لا صراع حق وباطل. إمكانية الدين الموضوعي إن العالمانية المتألهة صادقة في حكمها بضرورة استبعاد الدين غير القائم على الموضوعية من السلطة التشريعية، لكن هذا الوصف ليس ذاتياً للدين بالضرورة. فإذا نُظر إلى الدين ونصوصه (والكلام هنا يعم وإن كان منصباً على دين الإسلام خصيصاً) نظرة غائية تستند إلى رؤية كونية موضوعية، فسوف ننتهي إلى دين موضوعي مؤهل تماماً لتبوّأ سدة السلطة التشريعية. وحينها، لن تجد العالمانية المتألهة أي إشكال في دخول الدين في السلطة التشريعية طالما أنه التزم بالمعايير الموضوعية المدركة بالعقل والمتعلقة بالغاية الإنسانية. خامساً: فصل المؤسسة الدينية عن السلطة (حفظ الجوهر واستقلال الكيان) هل ينتهي دور العالمانية المتألهة عند هذا الحد؟ الجواب: لا. إن العالماني المتأله يخطو خطوة إضافية إلى الأمام، ويصر فيها على نحو آخر من الفصل: فصل المؤسسة الدينية ككيان وكليّة عن السلطة التشريعية، لا فصل الدين نفسه عنها. ويعني هذا المبدأ: الإصرار التام على استقلال الكيان المؤسسي الديني عن كنف السلطة الحاكمة ومؤسساتها الرسمية. عدم الممانعة في مشاركة أفراد أو علماء من المؤسسة الدينية في السلطة التشريعية بصفاتهم المعرفية، دون أن تكون المؤسسة نفسها منصوصاً عليها دستورياً بوصفها سلطة أو جزءاً بنيوياً منها. علة الفصل المؤسسي إن السبب في هذا الفصل بنيوي يعود إلى طبيعة "عالم الكون والفساد"، حيث كل شيء فيه قابل للفساد والتغير، وأشد الكيانات قابليتها للفساد هي السلطة السياسية. فإذا انحرفت غاية السلطة عن الحق وتمخضت الى غايات سلطوية محضة (كجمع المال واحتكار النفوذ)، وكانت المؤسسة الدينية مندمجة تحت كنفها، فإنها ستتحول حتماً إلى مجرد أداة لتثبيت شرعية السلطة السياسية وتبرير انحرافاتها. وعندئذٍ، يظهر الدين أمام المجتمع كأنه لا مبرر لوجوده إلا تسويغ غايات السلطة؛ وهو عين ما جرى تاريخياً مع الكنيسة الكاثوليكية، وما حدث في دول الخلافة الإسلامية التي حكمت باسم الدين. لذلك، يحرص العالماني المتأله على فصل المؤسسة عن السلطة صوناً لمكانتها وحفظاً لروحها الأصلية، فإذا فسد الأفراد المشاركون في السلطة، لم يكونوا معبرين عن الكيان المؤسسي الديني. سادساً: النمذجة التاريخية والواقعية (المؤسستان الشيعية والسنية) 1. النموذج الشيعي الإمامي قدمت المؤسسة الدينية الشيعية الإمامية (الحوزة العلمية) نموذجاً تاريخياً وواقعياً متميزاً في الإصرار على هذا الفصل الاستقلالي: عصر الدولة الصفوية: رغماً عن دخول رجال دين وفقهاء شيعة في متن السلطة، لم تكن الدولة الصفوية أو غيرها قادرة على بسط سيطرتها الكاملة على المؤسسة الدينية الشيعية في العراق أو إيران، بل كانت الدولة تنتخب أفراداً عياناً دون احتواء الكيان المؤسسي.
"الشقاء الديني هو، في وعي واحد، تعبير عن الشقاء الواقعي واحتجاج على الشقاء الواقعي. الدين هو زفرة المخلوق المضطهد، قلب عالم لا قلب له، مثلما هو روح شروط لا روح فيها. إنه أفيون الشعوب." إمام الإقتصاد السياسي كارل ماركس. العالمانية المتألهة والعالمانية المتدينة: تفكيك المفهوم وإعادة صياغة الفصل اشتهر مصطلح "العالمانية" في السجالات الفكرية بكونه دالاً على فصل الدين عن الدولة أو السياسة، وذهب بعضهم إلى توسيع نطاقه ليعني فصل الدين عن الحياة عموماً. لفك اشتباك هذا المفهوم، ينيغي أولاً فحص طرفي عملية الفصل تفكيكاً وتحليلاً. أولاً: فحص طرفي الفصل (الدين والسياسة) 1. ماهية الدين (الملة) إن تحديد طرف "الدين" هو المعضل الأكبر هنا، نظراً لتعدد الأديان وتباين مواقفها المعلنة من الدولة والسياسة. ولتجاوز هذا الاضطراب المفهومي، يصح انتزاع القاسم المشترك بين كل ما يُطلق عليه دين، حتى وإن أدرج هذا المشترك تحت مظلته ما لا يُصنف ديناً في العرف العام. ولعل مصطلح "الملة" الذي صاغه المعلم الثاني أبو نصر الفارابي هو الأبعد عن خلط الأوهام. فالإطار العام لكل ما يُدعى ديناً هو: مجموعة من العقائد التي قد تمتلك امتدادات تشريعية وقانونية وآداباً سلوكية، تهدف إلى غاية محددة؛ إما في هذه الحياة الدنيا، أو في الآخرة، أو فيهما معاً. هذا الدين لا يمثل كياناً خارجاً عن الكينونة الاجتماعية، بل هو جزء بنيوي من المجتمع، يتأثر بالضرورة ويؤثر في شبكة العلاقات الاجتماعية؛ سواء دارت هذه العلاقات بين أفراد المؤسسة الدينية أنفسهم، أو بين الكيان المؤسسي الديني والمجتمع ككل، أو بين آحاد منسوبي هذه المؤسسة والجمهور. 2. ماهية السياسة والدولة والحياة إن القول بفصل الدين عن السياسة أو الدولة أو الحياة ينطوي على لبس مفاهيمي؛ فالسياسة في جوهرها هي كل فعل تدبيري يقع داخل المجتمع أو خارجه. وبما أن الحياة الإنسانية لا تتحقق صيرورتها إلا ضمن سياق اجتماعي، فلا معنى منطقياً لفصل السياسة عن الحياة. أما الدولة، فهي كل اجتماع بشري تتعدد فيه الغايات والمقاصد، لكنها تتوحد وتنتظم تحت ظل غاية عليا واحدة. بناءً على ذلك، لا يمكن تصوير الدولة ككيان مفارق للمجتمع، بل هي عين المجتمع تنظيماً وتشكيلاً. النتيجة الأولية: إذا تبين ما سبق، يغدو القول بفصل الدين عن السياسة أو الدولة أو الحياة قولاً خالياً من المحصلة؛ لأنه يستلزم بالضرورة فصل الدين عن المجتمع، ولوازم هذا الفصل تقتضي إفناء المؤسسات الدينية بالكامل وإزالتها من الوجود الاجتماعي. وحيث إن هذا الفصل غير حاضر إلا عند قلة، فإن العالمانية بمدلولها الشامل هذا ليست هي الدارج على لسان القوم. ثانياً: تحرير محل النزاع (فصل الدين عن السلطة التشريعية) قد يطرح قائل اعتراضاً مفاده: إن المقصود بالعالمانية ليس إلغاء الدين من المجتمع، بل عدم تدخله في التدبير العالي والسياسة العليا للمجتمع، وتحديداً التدبير التشريعي المنوط بالسلطة الحاكمة. هنا يتحدد موضع الدقة؛ فالمدعى ينحصر في القول بـفصل الدين عن السلطة المدبرة للمجتمع في تجلياتها المختلفة التي تؤول جميعاً إلى سلطة التشريع. هذا التعريف هو الأكثر دقة، وهو المقصد الفعلي لمن يتناول مصطلح العالمانية بالبحث والتنظير. ثالثاً: مناشئ التزاحم المدعى بين الدين والسلطة يتطلب إيجاب هذا الفصل البحث في علته؛ إذ لا بد من وجود تزاحم في المباديء أو الغايات يستدعي الفصل حتماً. وهذا يقتضي بالضرورة أن يكون دعاة الفصل قد حددوا سلفاً مباديء وغايات الدين ومباديء وغايات السلطة. عبر الاستقراء. هذا التزاحم المدعى ينحصر في ثلاثة مناشئ: 1. التزاحم الغائي (الدنيوي مقابل الأخروي) الادعاء بأن الدين ذو غاية أخروية محض، في حين تهدف السلطة إلى تحقيق غايات دنيوية. النقد: هذا الادعاء غير مطرد ولا ينطبق على دعاوى أديان كثيرة. وحتى الأديان التي تقصر غايتها الذاتية على الآخرة، لا تدعو إلى العطالة في الدنيا، بل تفرض منظومة أفعال وتصرفات في الإطار الدنيوي بوصفها ممرّات إلزامية للوصول إلى الحياة الآخرة. وهذه الأفعال محكومة يقيناً بالعلاقات الاجتماعية ومؤثرة فيها. دفع شبهة الأديان الاعتقادية المحض: لا يصح القول بوجود أديان تخلو من الفعل وتنحصر في المعتقدات فقط؛ لأننا لو تساءلنا عن العلة الإبستمولوجية (المعرفية) لتشكل هذا الاعتقاد وثبوته لدى الإنسان، لوجدنا أن هذه العلة طالما غدت مبررة ومعقولة عنده، فإنها ستطرد حتماً لتشمل بقية معارفه التي تنتج لوازم وأفعالاً اجتماعية. 2. تزاحم الفضيلة والمنفعة الادعاء بأن غاية الدين تزاحم غاية السلطة موضوعياً؛ كأن يهدف الدين إلى إرساء الفضيلة بينما تهدف السلطة إلى تحصيل المنفعة. النقد: في هذه الحالة، لا يعدو الأمر كونكم تستبدلون ديناً بدين آخر (أيديولوجيا بأخرى)، فلماذا تكون المنفعة هي المعيار المرجّح دون الفضيلة؟ 3. التزاحم المعرفي (الإبستمولوجي)
видео или голосовое, без подписи
ولهذا فليس معنى أن يكون الإنسان مسلمًا أن يكون كل مسلم على حق لمجرد كونه مسلمًا، ولا أن يكون كل من انتسب إلى جماعة المسلمين مستحقًا للنصرة في باطله. بل: نناصر الحق لأنه حق، ونناصر العدل لأنه عدل، ونناصر الخير لأنه خير. فإذا اجتمع الحق مع أخي في الدين، فأنا معه لأنه على الحق. وإذا فارق أخي في الدين الحق، فلا يكون ديني سببًا في أن أنصر باطله. وإذا وجد الحق عند من يختلف عني، فالحق أحق أن يُتبع. إن المشكلة ليست في أن يحب الإنسان جماعته. المشكلة أن يعبد الإنسان انتماءه إليها. المشكلة أن يصبح الحق تابعًا للجماعة، لا الجماعة تابعة للحق. والمشكلة الأكبر أن نبحث في القرآن والسيرة عما يبرر ما اعتدناه، بدل أن نسمح للقرآن والسيرة بأن يحاكما ما اعتدناه. كيف يمكن أن نتحدث طويلًا عن السيرة، ثم نمر سريعًا على هذا النمط المتكرر من محاربة العصبية والتفاخر بالأنساب والأقوام؟ كيف نقرأ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ثم نجعل النسب أو العرق أو القومية أو الوطن أو الجماعة أو حتى مجرد الانتساب الديني محاور ثابتة للامتياز والولاء؟ وكيف نسمع: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» ثم نبحث عن أسماء جديدة للنعرات القديمة؟ إنني أخشى أن تكون المشكلة أحيانًا ليست في غياب القرآن، بل في حضور القرآن بألفاظه وغيابه بمعاييره. أن نقرأ محاربة العصبية، ثم نعيد إنتاجها. أن نقرأ أن الكرامة بالتقوى، ثم نجعل الانتماء معيارًا للفضل. أن نقرأ أن الحق هو الميزان، ثم نجعل الجماعة هي الميزان الذي نزن به الحق. فقد تتحول القبيلة إلى وطن. وقد يتحول الوطن إلى قومية. وقد تتحول القومية إلى عرق. وقد تتحول الجماعة الدينية نفسها إلى قبيلة. والأسماء تتغير، لكن المنطق واحد. «هو منا، إذن ننصره.» أما منطق الإسلام فهو: هو على الحق، فننصر الحق الذي معه. هو على العدل، فننصر العدل الذي معه. هو على الخير، فننصر الخير الذي معه. لا نسب، ولا لون، ولا أرض، ولا جماعة، ولا شعار يمكن أن يكون حجابًا بين الإنسان وبين الحق. ولهذا تصح فينا، حين يتحول القرآن من كتابٍ يحاكم العصبيات إلى كتابٍ نستخرج منه شرعية العصبيات، هذه الصرخة القرآنية: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30] ليس هجر القرآن أن نترك تلاوته فقط؛ بل إن من صور الهجر أن تُتلى آياته، ثم لا تُحكِّم معاييرها في حياتنا. أن نقرأ محاربة العصبية، ثم نعيد إنتاجها. أن نقرأ أن الكرامة بالتقوى، ثم نجعل الانتماء معيارًا للفضل. أن نقرأ أن الحق هو الميزان، ثم نجعل الجماعة هي الميزان الذي نزن به الحق. فدعوا كل نعرات الجاهلية؛ فإنها منتنة. ودعوا الحق هو الذي يجمعنا. ودعوا العدل هو الذي يحكمنا. ودعوا الخير هو الذي نلتقي عليه. ودعوا التقوى بين العبد وربه. ودعوا معيار التفاضل لله، فلا تجعلوا ما بينكم وبين الله سلّمًا إلى امتياز على عباد الله. كلنا إخوة في الله، وفي الحق، وفي الخير؛ وعلى الحق نوالي، وعليه نعادي.
دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ قال رسول الله ﷺ: «كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ الْقَوَدَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ». وفي رواية البخاري في القصة نفسها، لما استغاث الأنصاري بقومه فقال: «يا للأنصار»، واستغاث المهاجري بقومه فقال: «يا للمهاجرين»، قال رسول الله ﷺ: «مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟» قالوا: يا رسول الله، كَسَعَ رجلٌ من المهاجرين رجلًا من الأنصار... فقال ﷺ: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ». وقال ﷺ: «مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَعِضُّوهُ بِهَنِ أَبِيهِ، وَلَا تَكْنُوا». هذه ليست عبارات عابرة في السيرة، بل تكشف عن نمط أخلاقي واجتماعي واضح في القرآن وسيرة رسول الله ﷺ: محاربة العصبية، وإبطال التفاخر بالأنساب والأقوام، ونزع القداسة عن كل رابطة تجعل الإنسان ينصر قومه لأنهم قومه، أو يفضّل إنسانًا على إنسان لمجرد نسب أو لون أو لسان أو أرض. فالقرآن يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ تأملوا دقة التعبير: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ لا لتفاخروا، ولا لتتنازعوا، ولا ليجعل بعضكم أصله أو قومه معيارًا لقيمة الآخرين. ثم يأتي ميزان آخر تمامًا: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. فمحور التفاضل الذي يجعل الإنسان أكرم عند الله ليس القبيلة، ولا القومية، ولا اللون، ولا اللسان، ولا المكان، ولا الطبقة الاجتماعية. وقد يكون رجلٌ مجهول بين الناس، يبيع الخضار في سوق من الأسواق، لا يملك علمًا ولا شهرة ولا منصبًا، أقرب إلى الله وأكرم عنده من عالمٍ ذائع الصيت؛ لا لأن بائع الخضار أعلم، ولا لأن العالم مذموم لعلمه، وإنما لأن معيار الله ليس هو معيار الناس. وهذا التفاضل الأخروي بين العباد ليس ترخيصًا لإنشاء طبقة دنيوية من "الأفضلين" تتسلط على الناس باسم التقوى. بل إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول التقوى نفسها إلى وسيلة للتفاخر الاجتماعي، وأن يصبح الحديث عن الصلاح والفضل طريقًا إلى صناعة امتيازات دنيوية، فيتخذ الإنسان ما بينه وبين الله ذريعةً ليتقدم بها على عباد الله. التقوى علاقة بين العبد وربه، والله وحده أعلم بالقلوب. أما ما بين الناس، فميزانه الحق والعدل والخير. ولهذا نقول: كلنا إخوة في الله، وفي الحق، وفي الخير. وعلى الحق نوالي، وعلى الحق نجتمع، وللحق ننصر؛ لا لعِرقٍ، ولا لقوم، ولا لقبيلة، ولا لوطن، ولا حتى لمجرد انتسابٍ ديني إذا تحول هذا الانتساب إلى عصبية. وهنا تبلغ المسألة مداها الحقيقي. فليست الجاهلية أن يتعصب الإنسان لقبيلته فحسب. قد تتحول القومية إلى قبيلة، وقد يتحول العرق إلى قبيلة، وقد يتحول الوطن إلى قبيلة، بل قد يتحول الدين نفسه إلى قبيلة. وهنا تكمن المفارقة: أن يأخذ الإنسان رابطةً جاءت أصلًا لتجمعه على الحق، ثم يجعل مجرد الانتساب إليها سببًا للموالاة والمعاداة، فيوالي الإنسان لأنه «من جماعتنا»، ويعاديه لأنه «ليس منا»، ثم يصبح الحق نفسه تابعًا للجماعة، بدل أن تكون الجماعة تابعة للحق. وهذا قلبٌ للميزان. فالجامع الحقيقي ليس الاسم الذي نضعه على أنفسنا، ولا الشعار الذي نرفعه، ولا الجماعة التي ننتسب إليها. الجامع هو الحق. والجامع هو العدل. والجامع هو الخير. وعليها نوالي، وعليها نعادي. فإذا كان رجلٌ من جماعتنا على ظلم، فلا ننصر ظلمه لأنه منا. وإذا كان رجلٌ من خارج جماعتنا على حق، فلا نرد الحق لأنه ليس منا. وإذا صار انتساب الإنسان إلى الدين نفسه ذريعةً إلى العصبية، فقد تحولت الرابطة التي كان ينبغي أن تكون جسرًا إلى الحق إلى قبيلة جديدة. وهنا تلتقي هذه المعاني بآية شديدة الدلالة: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 256] تأملوا ترتيبها: تحررٌ من الباطل، ثم استمساكٌ بالحق. فليست الغاية أن ينتقل الإنسان من قبيلة إلى قبيلة، ولا من عصبية إلى عصبية، ولا أن يستبدل اسمًا باسم وشعارًا بشعار. بل أن يتحرر من كل ما يحجبه عن الحق، ثم يستمسك بالعروة الوثقى. ولهذا يقول تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153] فالصراط هو الجامع. أما السبل التي تفرّق الإنسان عن الحق، فقد تتخذ ألف صورة وألف اسم. قد تكون قبيلة. وقد تكون قومية. وقد تكون عرقًا. وقد تكون وطنًا. وقد تكون طبقة. وقد تكون جماعة. وقد تكون — وهذا أخطرها — دينًا وقد تحول من سبيل إلى الله إلى عصبيةٍ لجماعةٍ من الناس. فليس المطلوب أن نستبدل عصبيةً بعصبية. المطلوب أن نخرج من العصبية نفسها إلى الحق.
видео или голосовое, без подписи
видео или голосовое, без подписи
{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ ۖ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} {وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} عندما أذكر طاغية معين و أتكلم بنحو من استحقاقية الطغيان على من يطغى عليهم فهذا لا يعني أني أرى صلاح الطاغية أو أن فعله حسن أو أنه لا ينبغي إيقافه و ردعه. إنما أنا أصف سنة إلهية طبيعية كونية تاريخية "كما تكونوا يولى عليكم" و أوضح لهذا الذي حصل له الطغيان خطأه و أن هذا جزاء وفاقا و لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا. القانون الطبيعي للطغيان. الله تعالى ضرب لنا مثلا فرعون و آله و أنهم في النار في أشد العذاب و لكن أيضآ ذكر أن ذلك بلاء على بني إسرائيل و كيف أنهم بعد أن عادوا للطغيان مرة أخرى تاهوا في الأرض أربعين سنة. فلا تناقض بين الأمرين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربِّ بعد الجهد من الأخوة من تصميم الغلاف والترجمة وترتيب الملفات تم ترحمة شرح رسالة الولاية للسيد يزدانپناه وهو من المتون العرفانية العالية سائلين الله حُسن القبول.
هنيئا مريئا مبروكا. من أعمق ما كتب العلامة الطباطبائي قدس سره و الشارح له قدم راسخة في الفلسفة و العرفان لا تخفى على الطالب في هذه المعارف.
ولو فرضنا أن مقطعًا معينًا كان كاذبًا، فوجوده لا يمنع وجود مقاطع أخرى صادقة. لكن يقال: حين تذكر أن في كل مائة حالة تقع الجريمة، فهل كانت المائة كلها مجرد دعاوى بلا بينة؟ أم كانت مقرونة بأدلة وقرائن؟ ثم حتى لو فرض أن تلك المائة جميعها قد ثبتت بالبينة، فإن هذا الاستقراء لا يكفي لإثبات أن النساء يصدقن بالذات، أو أن الرجال يكذبون بالذات؛ إذ لا يوجد فيه ما يكشف عن علة ذاتية في أحد الطرفين. فإذا انتفت العلة الذاتية، بقيت كل دعوى جزئية متساوية النسبة حتى يقوم فيها مرجح معتبر.