tgindex
Hussein.A.Salim

Hussein.A.Salim

Статистика
@Hu222einарабский

وَنَحنُ نُرَجّي الخُلدَ إِنْ فازَ قِدحُنا.. وَنَرهَبُ قِدحَ المَوتِ إِنْ جاءَ قامِرا..

Последний пост
8 авг.
Последнее чтение
15 авг.
Постов за неделю
0
Всего постов
20
Тип
открытый
Язык
арабский
В каталоге с
13 авг.
Подписчики
273
0 за 1 дн.
Сутки
0
0,00%
Неделя
 
Месяц
 
Просмотров на пост
200
20 постов
Вовлечённость
73,3%
к подписчикам
Постов в день
0,0
всего 20
Упоминаний
1
каналов
Охват размещения
оценка
1/24сутки в ленте
56
1/48двое суток
64
1/72трое суток
69

Оценка по просмотрам недавних постов: пост набирает почти всё за первые сутки.

Посты

  • «إنّ الوطن والشعب على أنّهما ممثلان وضمانتان للخلود الأرضيّ، وعلى أنهما مَثْل ما يُمكن أنْ يكون خالدًا في الدُّنيا، يتجاوزان كثيرًا فكرة الدولة بالمعنى الشائع للكلمة، أي النظام الاجتماعيّ كما يعبر عن نفسه في المفهوم الواضح الذي لدينا عنه وكما هو قائم ومستمر طبقًا لهذه الفكرة. هذه الدولة تقضي ببعض العدالة، تمكن للأمن الداخليّ وتسمح لكلّ فرد، نتيجة لعمله، أنْ يؤمن معاشه، ويطيل أمد وجوده الأرضيّ بالقدر الذي يسمح به اللّٰه. لكنّ هذا ليس سوى الوسيلة والشرط، أو بالأحرى هيكل ما يرغب حبّ الوطن في تحقيقه، أي أنْ ينفتح الخالد والإلهيّ في هذا العالم. وهو في نموه المتصل، يزداد دائمًا أنقى فأنقى وأكمل فأكمل. ومن أجل هذا وجب أنْ تسيطر الوطنيّة على الدولة نفسها، على أنّها محكمتها العليا، الأخرى والمستقلة، تحدد لها اختيار الوسائل لتحقيق هدفها الأوّل». – فيخته| خطابات إلى الأمة الألمانيّة-ص١٥٠ «إنّ إيمان الرجل النبيل بديمومة عمله الخالد على هذه الأرض يعتمد على الأمل في الديمومة الخالدة للشعب الذي ينبع منه، وفرديّة ذلك الشعب، دون أنْ يستطيع تدخل أي عنصر أجنبيّ في مجموع ذلك التشريع لإفساده». – فيخته| خطابات إلى الأمة الألمانيّة-ص١٤٨ «من لا يرى نفسه من زاوية الخالد يجهل الحبّ؛ حبّ الوطن غريب عليه. إنّ الذي تبدو عنده الحياة اللامرئيّة خالدة، دون الحياة المرئيّة، يستطيع أنْ تكون له سماء ووطن في السماء، لكنّه لا وطن له في الدُّنيا، لأنّ هذا يجب أنْ يُعد أيضًا من مظاهر الخلود، لكن من الخلود المرئيّ الذي تدركه الحواس. إنّ من يجهل هذا الحبّ يثير الشفقة، أما من يعانيه تتداخل في روحه بعض ببعض السماء والأرض، والمرئيّ واللامرئيّ؛ فيصبح سماء حقيقيّة، فإنّه يكافح حتّى آخر نقطة من دمه كي يحفظ الكنز الثمين ويوصله كما هو إلى الازمنة المقبلة». – فيخته| خطابات إلى الأمة الألمانيّة-ص١٤٩

  • فما معنى ذلك الخطاب الذي يرفع الشرعيّة فوق ناموس أرضهِ لكي يجسدها في ناموس آخر من الأراضي؟ إنّ الولاء الذي يبديه أولئك الحثالات، يعلن انصرافه عن الحدود بوصفها صنيعة إمبرياليّة، لكنّه سرعان ما يستقر عند حدود أخرى، أما شرعيتهم التي تزعم تجاوز الأوطان، لا تستقيم دون الولاء الخالص لكيان سياسيّ دون سواه، فالانحياز إليه لم يكن خروجًا عن الناموس الأرضيّ، وإنما انتقالًا من نطاقه الأول إلى نطاقٍ آخر لا يختلف عنه في جوهره، وإنْ اختلف في الجهة التي يستقر عندها الولاء. ولعلّ المفارقة الأبرز تكمن في أنّ جماعة الفقيه التي تنكر على وطنها حقّ الطاعة بدعوى سمو المرجعيّة، تجد نفسها تمنح ذلك الحقّ كاملًا لدولة ثانية، وفقًا لذات الشروط السياسيّة، مع الاختلاف في تعريف موضوعها. إنّ دلالة التواطؤ مع إيران في تلك المرحلة أكثر من مجرد انحياز عسكريّ عابر، إذ يكشف عن أزمة ولاء كانت تنتهز فرصةً للانضواء تحت رابطة توهمه أنّها أعلى منه، فالعراقيّ الذي جعل مرجعيته خارج شعبه لم يعد ينظر له باعتباره الإطار الذي تتحدد داخله مسؤوليته السياسيّة، لأنّه أصبح يرى فيه عارضًا تاريخيًا يمكن تجاوزه متى تعارض مع الحقّ الذي يؤمن به. وبذلك انتقل معيار الانتماء من الأرض التي نشأ فيها إلى المرجعيّة التي اعتقد أنّها تمنحه معنى الانتماء نفسه. فالإشكال لا يزول بتغيير موضع الولاء، إذ تبقى السلطة التي يُلتف حولها سلطةً أرضيّة، وتظل الشرعية التي تُمارس باسمها مقيدةً بما تفرضه الدولة من اعتبارات البقاء والسيادة وإدارة الشعب.

  • تظهر هذه المفارقة في الحرب العراقيّة الإيرانيّة أوائل الثمانينات، حيث برزت جماعات مثل فيلق بدر وحزب الدعوة والمجلس الأعلى كمتطوعين للقتال ضد الجيش العراقيّ، حيث رأت هذه الجماعات في إيران مرجعيّة تتقدم على الدولة العراقيّة، فاختارت الانحياز إليها انطلاقًا من تصورها للحقّ الذي يملي عليها نصرة نائب المهدي وقتال الدولة الآثمة. لم يكن هذا الموقف حادثة عابرة فرضتها ظروف الحرب، بل نتيجة متوقعة لفكرة تجعل مصدر الشرعيّة منفصلًا عن الحقّ الأوحد، المرتبط بالوطن. فحين يُعاد تعريف الولاء خارج الإقليم الذي يحتضن الجماعة السياسيّة، يصبح الانتقال من دولة إلى أخرى انتقالًا بين درجتين من الاعتقاد، واحد منهما يوالي بلده بوصفه حقًا بذاته، متعديًا بإيمانه طبيعة الدولة وهيئتها، والآخر ينتمي إلى دولة معادية لوطنه، بمبررات عقائديّة، ومخيال دينيّ يفتتن برجالات هذه الدولة، والتي لم تكن بدورها خارج مقتضيات السياسة، فقد خاضت الحرب باعتبارها أمة تدافع عن حدودها، وتحافظ على مؤسساتها، وتدير علاقاتها وفق ما تقتضيه المصلحة الاستراتيجيّة، ولم تكن هذه الاعتبارات طارئة على تجربتها بطبيعة الأمر، كونها بزغت من صميم بقائها. ذلك أنّ الدولة، أيًا كان الأساس الذي تستند إليه في تبرير وجودها، لا تخرج عن كونها تنظيمًا سياسيًا يتحقق في مكان بعينه، وبين جماعة محدودة، وتحت وطأة ضرورات لا تتبدل بتبدل اللغة التي تُصاغ بها شرعيتها.

  • ولهذا تغدو الدعوى التي تنشد تأسيس الدولة على حقّ مستقل عن مقتضيات هذا الاجتماع واقعةً في مفارقة لا يلبث التاريخ أنْ يكشفها؛ فما يُرفع ابتداءً على أنّه مبدأ مطلق، ينتهي إلى الدخول في جملة الاعتبارات التي تحكم سائر الدول، من حساب الأمن وتدبير الموارد، وصولًا لصيانة الحدود والمنافذ، وليس انتهاءً بتعريف الجماعة التي تُناط بها الطاعة والولاء. وعند هذا الموضع لا يبقى الأمر متعلقًا بمصدر الحقّ، وإنّما بالكيفية التي يُمارس بها، لأنّ ممارسة السلطة تقتضي من حيث هي ممارسة شروطًا لا تستلهم وجودها من الخطاب الذي يبررها، بقدر ما تسوغه طبيعة الدولة ذاتها. وما يضاعف الإشكال أنّ الجماعات التي تتخذ من هذا الحقّ منطلقًا لقيام الدولة، لا تجد مناصًا من الإقرار بالشروط التي كانت قد نحتها جانبًا عند ابتداء الدعوى. فما إنْ تنتقل الفكرة إلى مجالها التطبيقيّ حتّى تصبح معنيةً بتحديد الإقليم، وتعريف الجماعة التي يشملها سلطانها، ورسم حدود السيادة وإدارة مصالحها الخاصة، وهي جميعها مسائل تستل شرعيتها من طبيعة الاجتماع القوميّ وما يفرضه من متطلبات. ومن هنا تبدو الشرعيّة التي يُراد لها تجاوز الناموس الأرضيّ؛ غير متوقفة عن العودة إليه كلّما أريد لها أنْ تُمارس فعلها في التاريخ. فما يتراءى في بادئ الأمر على إنه حقّ متعالٍ، يغدو في مآله صورةً من صور التنظيم السياسيّ الذي يخضع لسائر ما تخضع له الدول من ضرورات البقاء والاستمرار.

  • الزعم بوجود حقّ داخل نطاق الدولة بمعزل عن الناموس الأرضيّ؛ ادعاء يبطله أقل تفحص لطبيعتها الكائنة، فالدولة تكتسب مبررها قبل أي تأطيرات يحددها الدستور أو الجهاز الإداريّ، لأنّ الحقّ الأعلى سابق على السلطة، وسيدٌ على كلّ حقٍ ينبثقُ منها. فبوصفه الإقليم الذي يشكل حيثياتها ويفرض إمكاناته الخاصة؛ لا تُعد الدولة مفرغة من حمولات المكان تبعًا له، بل أنّ وجودها لا يستوعبه الواقع بغير الأخذ بالشروط الإقليميّة للمدى المكانيّ. ولذلك فإنّ رفض مشروعيّة أي دولة ينبغي أنْ يتوخى الدقة في مسوغاته، لأنّه، ومن الوارد جدًا؛ أنْ يكون فاقدًا لأحقيته من الأصل. كثيرًا ما تكون الدعوات التي تزعم الحقّ على حساب ناموس الأرض؛ استغناءً عن الذات وخيانةً لها، إذ إنّ دعواها لا تكشفُ عن حقٍ يتعالى عمّا هو كائن، كي يُفهم الأمر بمثابة اجتياز "للتُراب والتَرائب" بقدر ما تنشدُ حقًا مُناظِرًا لحقها المفروض، وإنْ ادعت سوى ذلك. لا شك أنّ فكرة تجاوز الأوطان ضاربة في إرث العديد من العقائد التبشيريّة، غير أنّ اللافت هو كونها لا تتبنى حقًا مزعومًا داخل حيز الدولة وشروطها، إنّما الحقّ الذي تصبو إليه ينأى عن الناموس الأرضيّ كُليًا. بينما على الجهة الأخرى، يدور دعاة الحقّ الهجين في منطقة واحدة مع الوجود الجيوسياسيّ، ضمن نفس المقتضيات والبواعث. بيد أنّ الشرعية السياسيّة لا تُبتغى في الفراغ، ولا تُمارس خارج الحيز الذي يحدها ويُعين موضوعها، فكلّ جهة سياسيّة مهما كانت دعواها، تجد نفسها بإزاء واقع يستمد وجوده عبر الاجتماع البشريّ، وما يستلزمه من أرض وحدود ومصالح وقوى متقابلة.

  • وهذهِ الثُنائية من جهة الموضوعيّة التاريخيّة: ليست خافيةً عن مُسلَّمات التأمل والاستقراء، غير أنّها من جهةِ الإمكان: تشيرُ لتجاربَ سياسية على خلافِ ما سبق، ومعظم هاتهِ التجارب هي حديثة نسبيًا، إذ تشرعُ بمحاولةِ اختلاق أمة واصطناع هوية مُتخيّلة لها عن طريق أدواتٍ سياسيّة مبتكرة، وتعود جذور هذه البوادر إلى مؤتمر وستفاليا عام ١٦٤٨م، الذي مهد الطريق تِباعًا لاتخاذ القيم الوضعيّة: كنوماس دوليّ، وبُنى تشريعيّة تقوم عليها الدول والأمم. الولايات المتحدة الأمريكيّة هي أبرز مثال يُطابق هذه الانعطافة، فهي دولة كاملة بُنيت على الإيهام بوجود الأنا، الأمة، الوطن، خلال إطروحات مفكريها في السياسة: كتوماس جيفرسون، وجون آدامز، وويليام سميث وغيرهم، إلّا أنّها في الواقع-أي الأمة الأمريكيّة المزعومة-لا تعدو أنْ تكون عبارة عن هجين غير متجانس من الشعوب، التي تنتفي بجوهرها عمّا هو متأصل هوياتيًا، وحتّى مستوطناتها المُسماة بالولايات؛ قد شُيدت على أساس المخاض السياسيّ ما بين القوى وعِصابات الشوارع، كحالٍ مقاربٍ لما يطرحه فيلم (Gangs of new york) الذي يُجسد الحروب الأهليّة بين المستوطنين الإنگليز، وباقي الشعوب الوافدة من بلدان أوروبيّة مختلفة. والمُثير في هذا العمل أنّه يصور الصراع متمحور حول حقّ الأرض والوطن للأطراف المتناحرة، رغم أنّ جميع الأطراف هي أجنبيّة على حدٍ سواء! ومن ضمن التداعيات الأخرى التي ولدها مفهوم الدولة الحديثة؛ هو تحويل الأنظمة الملكيّة من مطلقيتها الشرعية إلى دول ذات طابع ملكيّ دستوريّ، بإقحام قوانين الحقوق والتسوية وباقي إفرازات العقد الاجتماعيّ-الليبراليّ-على مصادر تشريعها، لينتج لنا تفكك تدريجيّ في علاقةِ الدولة بالأمة التي تمثلها سياسيًا، والذي وصل إلى حد استلاب الحدود الطبيعيّة بل والاستغناء عنها وفقًا لمعاهدات سياسيّة دوليّة، وليس خِتامًا طبعًا بتفكك الإمبراطوريات مطلع القرن العشرين، تحت وطأة المعاهدات العالميّة، مثل معاهدة فرساي ١٩١٩م التي شظت الأوطان وماهيتها إلى دول مقسمة، وفقًا لإرادة الحلف المنتصر في الحرب العالمية الأولى، أو ثورات جماهيرية كالثورة البلشفية ١٩١٧م المُقوِّضة للإمبراطورية الأرثوذكسيّة لروسيا. وجميع هذهِ التجارب بما فيها الشموليات الاشتراكيّة التي تلتها فيما بعد: انبثقت على ثنائية المُصطنَّع والاصطناع-على حد تعبير جان بودريار-في صياغة المفاهيم السياسيّة وإحلالها بيروقراطيًا مكان معنى الأمة ومصداقها، فلم يعُد للأمة أي بعد أصوليّ مُعتد به من الناحية الموضوعيّة، إنّما هي-ولا سيما في عصر الرأسماليّة المتأخرة-عبارة عن صنيع مفاهيميّ للدول وغاياتها المختلفة.

  • إذ أنّ الدولة كمفهوم: يمكن اعتبارها-إنْ جاز التعبير-وليدة مخلصة للأيديولوجيا السياسيّة، وتبرز أهميتها في خلق النظام وتوطيد الحدود إداريًا، وذلك يشمل حتّى النخب التي تبروز مفهوم الدولة في بوتقةٍ مفاهيميّة-الوطنيّة أنموذجًا-فهي الأخرى تمثلُ انعكاسًا للرؤية السياسيّة، وليست على أيةِ حالٍ مصداقًا للوطن بالضرورة، كما قال يورغن هابرماس ذات مرة: «الجماعة الوطنيّة لا تسبق الجماعة السياسيّة، بل هي نتاجٌ لها!». هذا لا يعني بالطبع تهميش أهمية الدولة المُلازمة لكلّ أمة بشريّة، إنّما وضعها كمسبب لنشوء الأمة حضاريًا؛ هو ممّا لا نجيزه تحت أي مسوغٍ-هيجليًا كان أو ماركسيًا-فمن جهةٍ ما: الدولة أيضًا يُمكن عدها كمغذي للانتماء، ومبلورة له ضمن صياغة سياسيّة، كونها سلطة عُليا تحمل على عاتقها عبأ تهذيب رعاياها من حيث المفاهيم المتعلقة بالولاء للأمة. وتاريخيًا قد اهتدت الدول الإمبراطورية على تعزيز قيم الطاعة والإذعان الرُّوحي بالنسبة للمُنتمين لها، فالدولة الهيراركيّة-التقليديّة؛ كانت تتمظهر بهرميتها وفق الولاء المُطلق للملك الذي يمُثل خليفة الانبعاث الحضاريّ لأمته وشفيعها الأعلى، إذ قد يكون وكيلًا للّٰه على الأرض وحاملًا لشريعتهِ المقدسة، أو نصف آلهة بناءً على المنظور الوثنيّ، وبكلتا الحالتين فإنّ ما يسترعي النظر: هو تلك الهالة الرمزيّة التي كان يتصف بها الملك، والدالة قطعًا على هيمنةِ الدولة الحاكمة في ترويضِ محكوميها-شكلًا ومضمونًا-فيما تبغيهِ وتصبو إليه، وهي سلطة تكتسبُ شرعيتها عن طريق إيمان الرعية بالدولة ونظامها، وليس شرطًا أنْ تُفهم على غرار الترهيب القسريّ وما شاكل، كون أنّ تفويض الحال للملك مسألة تجتاز نطاق الرهبة بطبيعة الأمر، وهذا مما أوردهُ أبو منصور الثعالبي في كتابهِ"آداب المِلوك". إجمالًا: إنّ علاقة الدولة بالأمة، ليست علاقة نشأة وبناء هوياتيّ، بل هي أقرب ما تكون للإرادة الجيوسياسيّة والاقتصاديّة كما أسلفنا.

  • يرى كارلو بوردوني أنّ معنى الأمة يمتلكُ أصولًا سابقة لنشوء الدولة ومفاهيمها، فركيزة رؤيته مرتبطة بالانتماء للأرض التي تولد فيها الأمة البشريّة، وعلى إثرها يُمكن تحديد الدلالات المكونة للأمة بصفتها كينونة ما. ذلك أنّ الدلالة المكانيّة هي الرابطة العُليا لما يعقبها من جهة الهويّة والأنا-بمختلفِ أشكالها-فأي تجمعٍ حضاريّ عبر التاريخ لم يبتدأ إلّا بالتجمهر حول كيان داخل الطبيعة. في المجتمعات الزراعيّة مثلًا: شرع أسلافنا بعد الثورة النيوليثيّة-قرابة العصر الحجريّ الحديث-على الالتفاف تجاه مصادر الأرض المزودة بالموارد، بغية سد الحاجات الغرائزيّة وتنظيم إيراداتها، وتبعًا لذلك اختُلقت المِهن والحِرف والتقاليد في اِستجلاب تلك الموارد الطبيعيّة واستثمارها على أتمِ وجه، ونتج استنادًا لهذا: أدوات تواصليّة كاللغة والكِتابة؛ لأجل التفاهم ما بين أبناء البقعة الجُغرافيّة المشتركة، الذين تحولوا لاحقًا لقبائل وعِرق أنثربولوجيّ موحد كنتيجة للوحدة الأرضيّة، باعتبارِ أنّ التوطن البشريّ يقفُ في أصلهِ على البعد الجيوفيزيقيّ نشوءً وتكونًا، بما في ذلك ما ينتجُ بناءً عليه: من ثقافة وأعراف وأديان وعادات وميثولوجيا، التي لا تُعدُ-من حيث موضوعيتها-إلّا تعبيرًا عن الإنسان وتكوينه الذاتيّ المُكتسب جراء بيئته الطبيعيّة-الأرضيّة. بالتالي فإنّ مفهوم الدولة لا يتوافق مع أصالةِ أي نشأةٍ هوياتيّة، بل ومن غير اللائق علميًا وضعه كعلةٍ للانبثاق المُعتبَر للأمة، لأنه بالحقيقة أداة تابعة لها وليس سببًا مباشرًا في بزوغ وجودها التاريخيّ.

  • تتقدم بعض الصور، وتتأخر أخرى، وتسقط تفاصيل كانت تبدو يومًا ذات شأن، بينما تبقى أشياء لم تحظَ انتباهًا خاصًا، فإذا بها أشد رسوخًا من سواها. فالنفسُ تألفها وتعيش وجودها، كما لو كانت تشهدُ علة الظواهر جميعًا. Series: Baghdad Central

  • حينئذٍ يمسي النظر في الوطن أقرب إلى الكشف عن حقيقة ظلت حاضرة في كلّ أطوارها، تنتظر من يسلك إليها الطريق الملائم، أكثر من انتظارها تعريفًا جديدًا يضاف إلى ما قيل فيها. وعندما يبلغ البحث هذه المرتبة، تصير التحولات المعنيّة أشبه بأغصانٍ نمت على جذع واحد، يمدها بأسباب البقاء ويمنحها قابلية الامتداد مهما اختلفت هيئاتها. فلو كان الوطن مجموع ما يطرأ عليه من أوصاف، لكان كلّ تبدل كفيلًا بولادة وطن آخر، ولكانت كلّ قطيعة سياسيّة بدايةً لكيان مستحدث. غير أنّ الوجدان البشريّ يأبى هذا التصور، كما ترفضه الخبرة العينيّة. ثمّة استمراريّة يشعر بها البشر قبل صياغتها في عبارة، ويأنسون بها بشكل يسبق البرهنة عنها. ولربّما أكبر ما يشي بالاضطراب في التصورات المعتادة عن الوطن؛ انشغالها بما يطرأ أكثر من انشغالها بما يستقر، فالدولة حادثة في التاريخ، والحضارة مرحلة من مراحله، كما أنّ الحدود السياسيّة لا تعبر عن حقيقة حدوده الأصيلة. لكلّ واحد منها أثره في التعاطي مع الوطن، غير أنّ أيًا منها لا يستوعب معناه استيعابًا كاملًا، لأنّ جميعها يدخل في سياق الحركة، بينما يظل السؤال معقودًا على ما يمنح تلك الحركة وحدتها.

  • وعند الحديث عن المكان وماهيته، لا مناص من استحضار معنى الوطن، فهو ثمرة علاقة قد تجذرت في جوهر الموجود، واستقرت داخل إدراكه، حيث تتشابك الذاكرة مع ألفة وجوده، وتتداخل الحركة اليوميّة مع الإحساس بالانتماء له، فيغدو جزءًا من طريقة الإنسان في فهم العالم. ومن هنا يُفهم انجذاب الإنسان إلى وطنه من جهة تختلف عن تلك التي اعتادت الميتافيزيقا أنْ تسلكها، فالتعلّق ليس وليدًا للتعريف، بل هو ما يمنح التعريف مشروعيته. وما يُصاغ في المؤلفات والكتب يأتي بعد أنْ يكون قد استقر في المعايشة، واكتسب في الأنا موضعًا يسمح للعقل بأنْ يتأمّله ويعيد ترتيبه. وفي ذلك تبرز مسألة تستحقُ الوقوف طويلًا، فإذا كانت المعايشة قد هيأت للإنسان سبيل التمسك بالمكان رغم ما يعتريه من تحول، فبأي معنى يمكن الحديث عن احتفاظ الوطن بذاته، مع تعاقب الدول وتبدل الألسنة وتغير أنماط العمران؟ أيّ عنصر استطاع أنْ يتجاوز هذه التحولات جميعًا عبر الأجيال المتعاقبة؟ تلك التساؤلات تفتح باب البحث في ماهية الوطن، مستبطنةً الأصل الذي تشكلت منه الصور المتعددة.

  • ومن هذا المنطلق يبدو الالتفات إلى الفينومينولوجيا أمرًا طبيعيًا. فليس غريبًا، والحال هذه، أنْ يوجه إدموند هوسرل اهتمامه إلى الكيفية التي تمنح بها الظاهرة نفسها للإدراك، ففي تلك الحركة المتدرجة يتوارى مفتاح السؤال. فالماهية لا تُستحضر بقرار ذهنيّ، بل هي واقعة عبر امتحان الشيء في أحواله المختلفة، حتّى يصبح الثابت فيه ظاهرًا من خلال الخبرة الفينومينولوجيّة. هذا ما يفسر أنّ الإنسان قد يبقى عاجزًا عن وصف بعض الأمكنة التي يعرفها حد اليقين، فكثيرًا ما تتقدمه المعرفة إلى لسانه، فيدرك منها أكثر ممّا يستطيع الإفصاح عنه. حينذاك يسبق الشعور العبارة، ويصير الصمت أبلغ من كثرة التعريفات، لأنّ الحضور أوسع من أنْ تحيط به الكلمات دفعةً واحدة، وكلّ محاولة للإحاطة به تستدعي زمنًا جديدًا من المعايشة، كأنّ الإدراك ينمو مع موضوعه، ويتسع بقدر ما يكبر الأفق الذي يقف عليه. فالسؤال، قبل أنْ يستقصي جوابه، يحتاج إلى انتباه قصديّ، يشهد الظواهر ويكشف المستتر فيها، إذ تغدو التفاصيل التي كانت تبدو متناثرة قابلةً للانضواء في معنى يوحدها. ذلك أنّ وراء المظاهر المتعاقبة قوامًا يحتفظ بقدر من الثبات، يمنح المكان شخصيته، ويصون استمراره عبر الأزمنة. الأمر الذي يضفي على سؤال الماهية ثقلًا حقيقيًا، فالمقصود يتجاوز جمع الصفات أو تعداد الخصائص، إذ لا يستقيم أمرها إلّا إذا جمعتها وحدة أعمق. وكلّما ازدادت تنوعًا في أشكالها، تفاقمت الحاجة إلى الوقوف على ذلك الأصل الذي يفسر اجتماعها، ويمنحها قابلية البقاء رغم اختلاف صورها.

  • قلّما ينجذب المرء في سؤال المكان إلى التقريرات النظريّة التي تجزم بماهية الشيء قبل الغوص بسبل انكشافه. فالإنسان وبوصفهِ كائنًا يقتات على الخبرة الواعية، لا يطمئن كثيرًا بالصياغات التي تعرف الماهية دون معايشتها. إنّ استدعاء الأمكنة عبر النطاق التأمُّلي، لا يفصح عن حقيقة المكان من الوهلة الأولى، فكثيرًا ما يُفاجأ المرء بأنّ أكثر الأشياء قربًا لحياته كانت أقلها تعرضًا للتفكير، إذ استغرقه حضورها عن مساءلتها، واستنفدت ألفتُها دواعي الالتفات إليها. ولعلّ في هذا ما يكشف منزلة المكان في التجربة الحيّة، فهو لا يقف بإزاء الإنسان وقوف الموضوع أمام ناظره، وإنّما يتخلل وجوه عيشه، ويصاحب إدراكه للأشياء من غير أنْ يستأذن ظهوره، حيث تنتظم القيم على ضوئه، وتتشكل داخله العادات المتأصلة بغير تشخيص. ومن هنا يكتسب البحث في الماهية وجهًا آخر، فالمقصود لم يعد محصورًا في طلب تعريف مسبق، يضع حدًا للشيء، لأنّ الأمر برمته أصبح متعلقًا بالرغبة بما يمنح الظواهر المتعددة انتظامها. وما أكثر انشغال الأذهان بالصور التي يتخذها الشيء، بينما يستقر ما يجمع بينها في مرتبة أبعد من التعيين النظريّ، كونها تُدرك بقدر انكشاف الظواهر عمّا يحجب حقيقتها. لهذا اكتسبت الخبرة منزلةً لا يستهان بها في النظر الفلسفيّ، فكلّ اقتراب من العالم يورث الإنسان إمكانًا جديدًا على التمييز؛ قدرةً تنمو مع الزمن، وتتخلص تدريجيًا ممّا هو عرضيّ.

  • باتريك جين هو تجسيدٌ مرئيّ لروح بيسوا، باغترابه، وقلقه، واللاطمأنينة التي تكتنف وجوده. هو امتدادٌ لنفس العرق الرُّوحي الذي ننتسب إليه! Series: The mentalists

  • «لطالما حسدتُ بعض الأشخاص الذين يتمتّعون بالقدرة على النسيان ويرون أنّ الماضي ما هو إلّا تبدّل الفصول، أو حذاءٌ قديم يكفي أنْ يُزجّ به في قعر الخزانة لجعله عاجزًا عن استئناف الخطوات الضائعة. أمّا أنا فقد ابتُليتُ بلعنة الذكرى: أتذكّر كلّ شيء، وكلّ شيءٍ يتذكّرني بدوره. أذكر طفولتي المبكرة التي استباحها البرد وضيّقتها العزلة، أذكر اللحظات الميتة التي أمضيتها في تأمُّل رمادية الأيّام الكئيبة». – كارلوس زافون| بلانكا والوداع

  • في فمي سيولٌ من الكلمات، حشدتها من فوراتِ التذكر التي تنتابني على حين غرة، لا لشيءٍ ملموس أحيانًا، إنّما لفرط الغوص بتفاصيل الأشياء، وتخيلها مرارًا، واستحضار ملامحها المغمورة. هنالك داءٌ يُضافُ على عِلاتي الكثيرة، لا أجدُ له مُسمًى يشفي الدقة، ولعلّني أحسبهُ غير مقطوع القرابة عن سائر مشاكلي، فهو أشبه بهوسٍ يؤججُ الشعور في طيات الحوادث من دون أدنى استباق. إنّه اقتحامٌ أصم، لا يعرف الصخب الذي يتواتى عادةً بعد غليان المشاعر، ولم يكُ يومًا ظاهرًا للآخرين، يبدو كما لو أنّهُ مشرطٌ غير مرئيّ؛ يخترقُ ما يمتثلُ أمامهُ، دونما إحداث أي جلبة أو ضجة، ثمّ يندمل أثره بالكتمان. ولشدةِ ما أرهقني منادمته إياي؛ أرقبُ تقلّباتي كما لو أنّها لا تخصني، ثمّ لا ألبثُ حتّى أعود إليها مُعترفًا بما أنا عليهِ. فما من خاطرٍ يعبرُ خاطفًا إلّا ويتركُ في نفسي غرسه الشائك، حتّى يغدو الذهن متورطًا بما ينهك صاحبه، محملًا المعاني ذروة بؤسها. ولستُ أزعمُ أنّني أقتفي الألم أو أهلل محتفيًا به، غير أنّهُ يعرفُ طريقي كما تعرفُ المياهُ مجاريها؛ يتسرّبُ إليّ من أضيق الشقوق، ويقيمُ في الزوايا التي أهملتها ظنًا منّي أنّها قد فرغت من ذاكرتها. وحالما يستقرّ، حتى يبدأ بنبشِ ما وارته الأيّام، فينهضُ الماضي من رقاده، متعديًا صورته الأولى، وطامحًا لما نسجتهُ المخيلة حوله من ظنونٍ وتفاصيل، فأكادُ أعجزُ عن التمييز بين ما كان واقعًا، وما استولدتهُ نفسي من فرطِ ملازمتها له.

  • هذا كلّه يجري في نطاق الإخلاص وأصله النفسيّ، ومتعلقاته التي تبين طبيعة إرادته الفاعلة. أما ما عداه من مشروطيّة مشروعة؛ فهي لا تنفي جوهر الفعل ومعناه. إذ حتّى التخلي عن الشيء هنا لا يساوي زيف العطاء الموجه نحوه، وإنّما يرتبط الأمر بحيثيات أخرى، تختلف عمّا يمليه النوال، لكنّها لا تقوضه. ذلك أنّ المشروطيّة تقترن بظروف علاقتنا مع الشيء وحدودها، بينما يتعلق الإخلاص بالأصل الذي انطلق منه الفعل. فقد يبلغ الإنسان حدًا يرى معه أنّ المضي لم يعد ينسجم مع ما يؤمن به، أو أنّ الاستمرار يؤدي إلى معنى مغاير لما قصده أول الأمر، فيختار الانصراف محافظةً على اتساق إرادته. وبناءً عليه لا يصحّ النظر إلى كلّ انقطاع بوصفه نفيًا لما سبقه، لأنّ الأفعال لا تفقد حقيقتها كلّما تبدلت الأحوال التي احتضنتها. فلكلّ فعل سياقه الذي يحوزه، ولكلّ إرادة مجالها الذي تتحرك فيه، فإذا انقضى ذلك المجال انقضى معه مقتضى الفعل، وبقيت الإرادة محتفظةً بمعناها الأول. ومن هنا تتحدد المشروطيّة باعتبارها حدًا للفعل، لا معيارًا لصدقه؛ فهي ترسم الموضع الذي يبدأ عنده العطاء، والموضع الذي ينتهي إليه، دون أنْ تتدخل في القيمة التي صدر عنها ابتداءً. ولهذا فإنّ الخلط بين الإخلاص والمشروطيّة ينشأ من الظن بأنّ الفعل الصادق يقتضي الدوام، مع أنّ الدوام وصف زمنيّ، والإخلاص وصف للإرادة. وما دامت الإرادة قد استوفت معناها في فعلها، فإنّ انتهاء الفعل لا ينتقص من صدقها، كما أنّ استمراره لا يزيدها رسوخًا. فالثبات لا يُقاس بطول البقاء، وإنّما بسلامة العلة التي حملت المرء على الإقدام، ثمّ حملته عند تبدل مقتضياتها على الانصراف بالقدر نفسه من الصدق.

  • حينما نصف شيئًا بكونه غير جدير لما بذلناه له، أو إنّه لا يستحق منّا العطاء الممنوح؛ فإنّنا ندين أنفسنا قبل أنْ ندينه. إذ ينطوي هذا الحكم على مفهوم مفاده أنّ قيمة الفعل كانت معلقةً على قيمة متلقيه، وأنّ العطاء لم يكن يحمل كفايته في ذاته، بل كان يُنتظر من موضوعه أنْ يسبغ عليه معناه، وما إنْ يتداعى ذلك الموضوع حتّى يتداعى معه الفعل كلّه. فوصفنا يفترض ضمنًا أنّ قيمة الفعل كامنة في مصيره، وأنّ معناه يتحدد بما يلقاه من مردود، حتّى يصبح الاستحقاق هو المعيار الذي يُضفي على البذل شرعيته أو ينتزعها منه. والحق أنّ الفعل الصادق يحمل مبرره بذاته قبل أنْ يحمله خلال نتائجه، فمن يمنح بدافع الإيمان بالعطاء، أو يخلص لوعد قطعه، يكون قد استوفى معنى فعله لحظة صدوره، إذ لم يكن ينتظر من العالم شهادةً على صحة اختياره. أما حين يتوقف الرضا عن الفعل على حجم ما يعود به من تثمين أو وفاء أو مقابلة، فإنّ الإخلاص يغدو ناقصًا بقدر ما يترضيه من عوائد يستحسنها. ولذلك يكشف الندم، إذا أمعنا النظر فيه، عن شكل من أشكال إيهام الذات، فهو لا يتمثل عبر القول الصادق، وإنما في إضفاء صفة الإخلاص على فعل غايته الحقيقيّة تكمن في أثره المرتقب. وحالما يتعذر الأثر المعنيّ؛ يتبدل معنى الفعل إجمالًا، فيشعر صاحبه أنّه قد خُذل، مع أنّ الخذلان قد انبثق منذ اللحظة التي ربط فيها قيمة ما يفعل بما سوف يجنيه. فالندم في هذه الحالة هو نوع من التعلق الخفيّ بالثمرة أكثر من تعلقه بالفعل ذاته. فهو يعلن أنّ ما مضى كان يستمد قيمته من شعورٍ ما، أو من نتيجة بعينها، إذا انهارت تلك الصورة انهار معها كلّ شيء. أما الصدق، فهو يمنح الفعل استقلاله، ويحرره من الارتهان بعواقبه.

  • هناك احتياجات طبيعيّة تشكل في عين صاحبها مطلبًا عظيمًا، يجري وراءها المرء ويضرب الأرض قاصدًا قبضها، حيث يغدو امتناعها عنه لزمن طويل افتقارًا شديد الأثر على النفس، للدرجة التي تشكل لديه هاجسًا قلّما يفارق خلده. ينادمه في رقدته ويقظته، وحركته وجلوسه، وبكلّ مراميه ومقاصده. ومن طبيعة هذه الهواجس وسنخها ألا تزاحمها هموم أخرى في تطويع الإنسان، كونها لا ترضى بغير امتطاء مُجمل حاله وأحواله، وكأنّها لا تستقر إلّا إذا انفردت به. وحالما تُقضى هذه الحاجات وتزول منغصاتها عن كنه المرء؛ يفضي أمره إلى أحد المظهرين: إما أنْ يغتر بما كسبه ويبجله حد الإجلال، وإما أنْ يقنع بهِ باعتبارهِ شيئًا بمنتهى الحتميّة. في المظهر الأول: يخلق الحرمان تشوهًا كبيرًا في نفوس أصحابه، إذ يدفعهم إلى محاولة تعويض العوز الذي أضنى مطالبهم، عبر تعظيم ما ظفروا به مهما كان ضئيلًا، بل والرفع من الذات التي نالت مرادها. ولذلك تبدو السعادات الصغيرة بالنسبة للمحروم شيئًا يتباهى بتملكه، ويجده مزيّة تعلي من قدره أمام كلّ من لا يأبه بأمره أو يفتقد إليه. أما في المظهر الثاني: فالحرمان ليس أكثر من فراغات سُد حيزها، وإنْ أنهكت قبل ذلك النفوس والألباب، لأنّها لا تعمي البصائر عن تقدير الأشياء كما هي، أي بما يوازي المكانة التي عليها، وإنّما تمثل افتقارًا عابرًا قد يسده المرء بتقادم الزمن.

  • فالحدث الأسطوريّ ليس حدثًا متخيّلًا بالضرورة، وإنّما حدث استطاع أنْ يكتسب دلالة تتجاوز ظروف نشأته. وهنا تنتقل الشخصية التاريخيّة من كونها فردًا عاش في لحظة معيّنة إلى كونها كائنًا حاملًا لمعنى رمزيّ أوسع. البطل الملحميّ على سبيل الإيضاح، وفقًا لكامبل، يتجسد بصورة رمزيّة عبر عدة مراحل، تتلخص بوضعه أمام معترك يفرض عليه مغادرة عالمه المألوف ومجابهة مصيره، فهو في البداية يستجيب لنداء يخرجه من دائرة الاعتياد، ثمّ يعبر نحو فضاء آخر تترصد فيه الاختبارات والمحن، قبل أنْ يبلغ لحظة المواجهة الكبرى التي يخرج منها حاملًا معرفة أو خلاصًا يعود به إلى أمته. ولربّما تكمن جاذبية هذا النموذج في كونه يفضي إلى مسار وجوديّ يتكرر في صور شتى عبر الدهور. ومن هنا تتشابه حكايات الأبطال على اختلاف حواضنها الثقافيّة، لأنّ ما يجمعها أعمق شأنًا من سرديات التاريخ المعهودة، كونها تشترك بالبنية الرمزيّة التي تحرك جوهرها الميثولوجيّ. وإذا انتقلنا إلى ملحمة الطف، نرى أنّ البطل يتجلى في شخصية الحسين بوصفه رمزًا يتعدى كلّ المُلابسات التاريخيّة التي تُثار حوله. فالمخيال الجمعيّ لم يحتفظ به باعتباره قائدًا خسر معركة حسب الواقعة الطبيعيّة، بل كأسطورة ترجلت نحو حتفها فداءً للمعنى الذي تسعى إليه. حتّى غدا مثالًا يُستعاد كلّما واجه الإنسان السؤال نفسه: ماذا يفعل المرء حين يتعارض بقاؤه الجسديّ مع الحقّ الذي يؤمن به؟