tgindex
ا

القطوف الندية من الخطب المنبرية

Статистика
@Khutb_Saadарабский

قناة تعنى بخطب الجمعة من جامع مبارك العريمة بوادي الدواسر .. للشيخ / سعد بن سعيد الصفار .

Последний пост
13 авг.
Последнее чтение
13 авг.
Постов за неделю
5
Всего постов
25
Тип
открытый
Язык
арабский
В каталоге с
13 авг.
Подписчики
2 201
+3 за 4 дн.
Сутки
+2
+0,09%
Неделя
 
Месяц
 
Просмотров на пост
404
25 постов
Вовлечённость
18,4%
к подписчикам
Постов в день
0,7
всего 25
Упоминаний
0
каналов
Охват размещения
оценка
1/24сутки в ленте
180
1/48двое суток
206
1/72трое суток
222

Оценка по просмотрам недавних постов: пост набирает почти всё за первые сутки.

Посты

  • без подписи

  • без подписи

  • без подписи

  • без подписи

  • без подписи

  • • اللَّهُمَّ أعِزَّ الإسْلَامَ والمُسْلِمِيْنَ، وأَذِلَّ الشِّـرْكَ والمُشْـرِكِيْنَ، ودَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّيْنِ، واجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا رَخَاءً وسَائِرَ بِلَادِ المسْلِمِيْنَ. اللَّهُمْ مَنْ أَرَادَ بِالإِسْلِامِ والمُسْلِمِيْنَ سُوْءً فَأَشْغِلْهُ فِي نَفْسِهِ، وَرُدَّ كَيْدَهُ فِيْ نَحْرِهِ، واجْعَلْ دَائِرَةَ السَّوْءِ عَلَيْهِ يَا رَبَّ العَالمِيْنَ. • اللَّهُمَّ احْفَظْ إِخْوَانَنَا الْمُسْلِمِينَ المُسْتَضْعَفِيْنَ فِيْ كُلِّ مَكَانْ، اللَّهُمَّ كُنْ لَهُمْ مُؤَيٍّدًا وَنَصِيرًا، ومُعِينًا وَظَهِيرًا. • اللَّهُمَّ انْـصُـرْ جُنُوْدَنَا المُرَابِطِيْنَ، اللَّهُمَّ ثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ، وسَدِّدْ رَمْيَهُمْ، وانْصُرْهُمْ عَلَى القَوْمِ الظَّالِمينَ. • اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الحَرَمَيْنِ الـشَّـرِيْفَيْنِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وخُذْ بِهِمْ لِلْبِرِّ والتَّقْوَى، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُمْ لِهُدَاكَ واجْعَلْ عَمَلَهُمْ فِيْ رِضَاكَ. • رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِيْ الآَخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. سُبْحَانَ رَبِّنا رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

  • مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ)، فَأَصْبَحَ الْقَلْبُ كَالْإِنَاءِ الْمَائِلِ الْمَنْكُوسِ، لَا يَسْتَقِرُّ فِيهِ شَيْءٌ، وَلَا يَعْلَقُ بِهِ خَيْرٌ وَلَا حِكْمَةٌ، وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ، وَيَخْلِطُ بَيْنَهُمَا اتِّبَاعًا لِلْهَوَى، فَمَا يَكُونُ حَرَامًا عِنْدَهُ بِالْأَمْسِ يَكُونُ الْيَوْمَ حَلَالًا، وَمَا يَكُونُ وَاجِبًا الْيَوْمَ يَتَحَوَّلُ غَدًا إِلَى مُسْتَحَبٍّ أَوْ مُبَاحٍ أَوْ رُبَّمَا بِدْعَةٍ، لَا عَنْ حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ وَلَا دَلِيلٍ صَحِيحٍ يَتَحَرَّى بِهِ مَرَادَ اللَّهِ وَرِضَاهُ، وَإِنَّمَا مَيْلًا مَعَ رَغَبَاتِ النَّفْسِ وَاتِّبَاعًا لِلْهَوَى، فِي سِلْسِلَةٍ مِنْ إِبَاحَةِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَإِسْقَاطِ الْوَاجِبَاتِ، وَفَصْمِ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً. وَهِيَ تَغَيُّرَاتٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَلْبَ قَدْ أُشْرِبَ الْهَوَى وَالْفِتْنَةَ، فَلَا يَأْبَهُ بِمُعَارَضَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بَلْ يَبْحَثُ فِيهِمَا عَمَّا يُسْنِدُ هَوَاهُ الَّذِي أُشْرِبَهُ، وَلَوْ كَانَ بَعِيدَ الْمَنْزِعِ، وَيَتْرُكُ الْأَدِلَّةَ الْوَاضِحَةَ؛ لِأَنَّهَا لَا تُوَافِقُ هَوَاهُ، قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: "مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْلَمَ أَصَابَتْهُ الْفِتْنَةُ أَمْ لَا، فَلْيَنْظُرْ: فَإِنْ كَانَ يَرَى حَرَامًا مَا كَانَ يَرَاهُ حَلَالًا، أَوْ يَرَى حَلَالًا مَا كَانَ يَرَاهُ حَرَامًا، فَقَدْ أَصَابَتْهُ الْفِتْنَةُ" . نَسْأَلُ اللَّهَ -تَعَالَى- أَنْ يَحْفَظَ قُلُوبَنَا مِنَ الزَّيْغِ وَالضَّلَالِ، وَأَنْ يَمْلَأَهَا بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ. بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِيْ وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيْهِ مِنْ اَلْآَيَاتِ وَاَلْذِّكْرِ اَلْحَكِيْمِ، أَقُوْلُ قَوْلِيْ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اَلْلهَ اَلْعَظِيْمَ لِيْ وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوْهُ إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُوْرُ اَلْرَّحِيْمُ. الخطبة الثانية: الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، والشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَعْظِيمًا لَشَأْنِهِ، وأشهدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَليْهِ وَعَلى آلِهِ وأصْحَابِهِ وسَلّم تَسْلِيمًا كثيرًا. أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -تَعَالَى- وَأَطِيعُوهُ، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: قُلُوبُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ -تَعَالَى- لَيِّنَةٌ فِي تَلَقِّي كُلِّ خَيْرٍ، تَتَشَـرَّبُهُ حَتَّى تَمْتَلِئَ بِهِ، فَتَزْدَادُ صَلَاحًا وَاسْتِقَامَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ -تَعَالَى-؛ كَمَا قَالَ -تَعَالَى-: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، وَهَذِهِ الْقُلُوبُ اللَّيِّنَةُ تَتَحَوَّلُ إِلَى صَخْرَةٍ صَمَّاءَ إِذَا أُلْقِيَ إِلَيْهَا فِتَنُ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ وَأَنْوَاعُ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ؛ كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهَا تُصْبِحُ كَالصَّفَا فَلَا تَضُـرُّهَا فِتْنَةٌ. وَعَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ قُلُوبُ الْمَفْتُونِينَ فَإِنَّهَا قُلُوبٌ إِسْفَنْجِيَّةٌ فِي الشَّـرِّ، فَتَتَلَقَّى كُلَّ فِتْنَةٍ حَتَّى تَتَشَرَّبَ بِهَا؛ كَمَا أُشْرِبَ كُفَّارُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَحَبَّةَ الشِّرْكِ ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾، أَيْ: أُشْرِبَتْ قُلُوبُهُمْ حُبَّ عِبَادَتِهِ. وَإِذَا عَرَفَ الْمُؤْمِنُ ذَلِكَ سَعَى فِي حِرَاسَةِ قَلْبِهِ وَمُرَاقَبَةِ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ، فَإِذَا سَمِعَ شَرًّا أَوْ رَآهُ أَوْ قَرَأَهُ أَنْكَرَهُ وَجَانَبَهُ؛ حِفْظًا لِقَلْبِهِ أَنْ يَتَغَيَّرَ أَوْ يَعْمَى؛ ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. هَذَا وصَلُّوُا وسَلِّمُوُا عَلَى المبْعُوْثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِيْنَ، كَمَا قَالَ رَبُّكُمْ فِيْ كِتَابِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ...﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ ورَسُوْلِكَ مُحمَّدٍ، وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيْنَ، وارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِيْنَ، وصَحَابَتِهِ والتَّابِعِيْنَ، ومَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ.

  • الخطبة الأولى: العنوان: (حِرَاسَةُ الْقَلْبِ) إنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوهُ؛ فَإنَّها نُورٌ لِلْبَصَائِرِ وَالْقُلُوبِ، وَكَفَّارَةٌ لِلْخَطَايَا وَالذُّنُوبِ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أَيُّهَا النَّاسُ: الْقَلْبُ يَتَشَـرَّبُ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَحَقٍّ وَبَاطِلٍ؛ والبـَصَرُ والسَّمْعُ هُمَا مَنَافِذُ لِلْقَلْبِ؛ وَلِذَا وَجَبَ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَعْتَنِيَ بِحِرَاسَةِ قَلْبِهِ فيَفْتَحُ سَمْعَهُ وَبَصَـرَهُ لِكُلِّ مَا يَنْفَعُهُ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالْأَقْوَالِ الطَّيِّبَةِ؛ حَتَّى يَتَشَـرَّبَهَا الْقَلْبُ فَيَمْتَلِئَ بِهَا، وَأَنْ يُغْلِقَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَقَلْبَهُ عَنْ كُلِّ شَرٍّ وَبَاطِلٍ؛ لِئَلَّا يَتَشَرَّبَهُ فَيَفْسُدَ قَلْبُهُ بِهِ. وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ كَيْفَ تَتَشَـرَّبُ الْقُلُوبُ الْفِتَنَ، وَأَثَرَهَا عَلَى الْعَبْدِ؛ فَقَالَ: (تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالْفِتَنُ الَّتِي تُعْرَضُ عَلَى الْقُلُوبِ تَشْمَلُ فِتَنَ الْكُفْرِ وَالْجُحُودِ وَالشِّـرْكِ وَالشَّكِّ وَالْبِدْعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَقَدْ تَتَسَلَّلُ الْيَوْمَ إِلَى الْقُلُوبِ مِنْ خِلَالِ كِتَابٍ أَوْ مَقَالٍ أَوْ مَقْطَعٍ، أَوْ عَبْرَ الشَّاشَاتِ وَالْهَوَاتِفِ، فَإِذَا أَنْكَرَهَا الْمُؤْمِنُ وَكَانَ قَلْبُهُ كَالصَّفَا، مَرَّتْ عَلَيْهِ وَلَمْ تَسْتَقِرَّ فِيهِ، وَإِذَا أُرْخِيَ السَّمْعُ وَالْبَصَـرُ لَهَا نَفَذَتْ إِلَى الْقَلْبِ فَأَفْسَدَتْهُ، وَرُبَّمَا انْتَقَلَ بِسَبَبِهَا مِنَ الْإِيمَانِ إِلَى الْكُفْرِ، أَوْ مِنَ الْيَقِينِ إِلَى الشَّكِّ، أَوْ مِنَ التَّوْحِيدِ إِلَى الشِّرْكِ، أَوْ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْبِدْعَةِ، أَوْ مِنَ الطَّاعَةِ إِلَى الْمَعْصِيَةِ. وَلَا يَظُنَّنَّ أَحَدٌ أَنَّهُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ وَقَلْبِهِ؛ فَإِنَّ النَّفْسَ ضَعِيفَةٌ، وَإِنَّ الشُّبَهَ خَطَّافَةُ الْقُلُوبِ، وَقَدْ عَاشَ قَوْمٌ فِي الْإِيمَانِ دَهْرًا ثُمَّ نُكِسَتْ قُلُوبُهُمْ إِلَى الْجُحُودِ وَمُحَارَبَةِ الْإِسْلَامِ، وعَاشَ قَوْمٌ في ظِلَالِ السُّنَّةِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا إِلَى الْبِدْعَةِ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ أَرْخَوْا أَسْمَاعَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ لِدُعَاةِ الْهَوَى وَالْفِتْنَةِ، واسْتَهَان أُنَاسٌ بِالنَّظَرِ الْحَرَامِ وِالِاسْتِمَاعِ لِلْمَعَازِفِ فَأُشْرِبَتْ قُلُوبُهُمْ حُبَّهَا حتى زَاحَمَتْ فِيهِ الْإِيمَانَ وَالْقُرْآنَ، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ يَحْكِي قِصَّةً لَهُ مَعَ شَيْخِهِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: "قَالَ لِي شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَقَدْ جَعَلْتُ أُورِدُ عَلَيْهِ إِيرَادًا بَعْدَ إِيرَادٍ: لَا تَجْعَلْ قَلْبَكَ لِلْإِيرَادَاتِ وَالشُّبُهَاتِ مِثْلَ السِّفِنْجَةِ، فَيَتَشَرَّبُهَا فَلَا يَنْضَحُ إِلَّا بِهَا، وَلَكِنِ اجْعَلْهُ كَالزُّجَاجَةِ الْمُصْمَتَةِ، تَمُرُّ الشُّبُهَاتُ بِظَاهِرِهَا وَلَا تَسْتَقِرُّ فِيهَا؛ فَيَرَاهَا بِصَفَائِهِ، وَيَدْفَعُهَا بِصَلَابَتِهِ، وَإِلَّا فَإِذَا أَشْرَبْتَ قَلْبَكَ كُلَّ شُبْهَةٍ تَمُرُّ عَلَيْهَا، صَارَ مَقَرًّا لِلشُّبُهَاتِ، أَوْ كَمَا قَالَ". قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: "فَمَا أَعْلَمُ أَنِّي انْتَفَعْتُ بِوَصِيَّةٍ فِي دَفْعِ الشُّبُهَاتِ كَانْتِفَاعِي بِذَلِكَ". وَمِنْ عَلَامَاتِ الْقَلْبِ الْمُتَشَـرِّبِ لِلْفِتْنَةِ اخْتِلَالُ مِعْيَارِ الْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ فِي قَلْبِهِ، فَتَنْقَلِبُ عِنْدَهُ الْمَوَازِينُ، وَتَنْتَكِسُ فِي نَفْسِهِ الْمَفَاهِيمُ، وَهُوَ مَا عَبَّرَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: (وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لَا يَعْرِفُ

  • ‏مستند من سعد الصفار

  • ‏مستند من سعد الصفار

  • اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ ورَسُوْلِكَ مُحمَّدٍ، وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيْنَ، وارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِيْنَ، وصَحَابَتِهِ والتَّابِعِيْنَ، ومَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ. • اللَّهُمَّ أعِزَّ الإسْلَامَ والمُسْلِمِيْنَ، وأَذِلَّ الشِّـرْكَ والمُشْـرِكِيْنَ، ودَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّيْنِ، واجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا رَخَاءً وسَائِرَ بِلَادِ المسْلِمِيْنَ. اللَّهُمْ مَنْ أَرَادَ بِالإِسْلِامِ والمُسْلِمِيْنَ سُوْءً فَأَشْغِلْهُ فِي نَفْسِهِ، وَرُدَّ كَيْدَهُ فِيْ نَحْرِهِ، واجْعَلْ دَائِرَةَ السَّوْءِ عَلَيْهِ يَا رَبَّ العَالمِيْنَ. • اللَّهُمَّ احْفَظْ إِخْوَانَنَا الْمُسْلِمِينَ المُسْتَضْعَفِيْنَ فِيْ كُلِّ مَكَانْ، اللَّهُمَّ كُنْ لَهُمْ مُؤَيٍّدًا وَنَصِيرًا، ومُعِينًا وَظَهِيرًا. • اللَّهُمَّ انْـصُـرْ جُنُوْدَنَا المُرَابِطِيْنَ، اللَّهُمَّ ثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ، وسَدِّدْ رَمْيَهُمْ، وانْصُرْهُمْ عَلَى القَوْمِ الظَّالِمينَ. • اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الحَرَمَيْنِ الـشَّـرِيْفَيْنِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وخُذْ بِهِمْ لِلْبِرِّ والتَّقْوَى، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُمْ لِهُدَاكَ واجْعَلْ عَمَلَهُمْ فِيْ رِضَاكَ. • رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِيْ الآَخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. سُبْحَانَ رَبِّنا رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

  • وَالْعِفَّةُ أَصْلٌ فِي الْمُرُوءَاتِ، وَهِيَ حِصْنٌ حَصِينٌ دُونَ الزِّنَا، فَمَنْ تَحَصَّنَ بِهَا نُجِّيَ مِنْهُ؛ وَلِذَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ النِّكَاحَ، فَقَالَ: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. وَمَنْ طَلَبَ الْعِفَّةَ بِصِدْقٍ نَالَهَا؛ قَالَ ﷺ: (وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ). وَمَنْ صَبَرَ عَنْ امْرَأَةٍ دَعَتْهُ إِلَى الْمُحَرَّمِ، وَهِيَ حَسْنَاءُ ذَاتُ نَسَبٍ وَمَالٍ وَجَاهٍ، فَقَدْ جَمَعَ أَكْمَلَ الْمَرَاتِبِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَالْخَوْفِ مِنْهُ، وَهَذِهِ صِفَةُ الصِّدِّيقِينَ، كَمَا فَعَلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ شَابٌّ فِي دَارِ غُرْبَةٍ، فَبَقِيَ ذِكْرُهُ خَالِدًا فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّحْمَنِ، وَبِهَا تَتَضَاعَفُ الْأُجُورُ، وَتُكَفَّرُ الْخَطَايَا وَالْأَوْزَارُ، وَتُفَرَّجُ الْكُرُوبُ، وَيَمْتَدُّ نَفْعُهَا إِلَى تَفْرِيجِ كُرُوبِ الْمَحْشَـرِ، فَيَكُونُ الْمُتَصَدِّقُ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ أَخْفَى صَدَقَتَهُ وَلَوْ قَلَّتْ، أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِظِلٍّ آخَرَ غَيْرِ ظِلِّ صَدَقَتِهِ، وَهُوَ ظِلٌّ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَهَذَا هُوَ الْأَفْضَلُ فِي الصَّدَقَةِ وَالْأَبْعَدُ مِنَ الرِّيَاءِ، وَإِنْ كَانَ يُشْرَعُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ الْجَهْرُ بِالصَّدَقَةِ وَالزَّكَاةِ، إِنْ سَلِمَتْ مِنَ الرِّيَاءِ، وَقُصِدَ بِهَا حَثُّ الْغَيْرِ عَلَى الْإِنْفَاقِ، وَلِيَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ، وَلِإِظْهَارِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ. وَذِكْرُ اللَّهِ يُعَظِّمُ الْخَالِقَ، وَيُنَوِّرُ الْقَلْبَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِنْ عَيْنٍ لَا تَدْمَعُ، وَإِذَا تَوَاطَأَ خُشُوعُ قَلْبٍ صَادِقٍ مَعَ ذَرْفِ دَمْعٍ خَفِيٍّ، حَرَّمَ اللَّهُ صَاحِبَهُ عَلَى النَّارِ؛ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّـرْعِ"، وَإِذَا تَوَارَتْ تِلْكَ الْعِبَادَةُ عَنِ الْأَنْظَارِ، أَظَلَّ اللَّهُ الْخَاشِعَ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ. بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِيْ وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيْهِ مِنْ اَلْآَيَاتِ وَاَلْذِّكْرِ اَلْحَكِيْمِ، أَقُوْلُ قَوْلِيْ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اَلْلهَ اَلْعَظِيْمَ لِيْ وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوْهُ إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُوْرُ اَلْرَّحِيْمُ. الخطبة الثانية: الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، والشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَعْظِيمًا لَشَأْنِهِ، وأشهدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَليْهِ وَعَلى آلِهِ وأصْحَابِهِ وسَلّم تَسْلِيمًا كثيرًا. أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -تَعَالَى- وَأَطِيعُوهُ، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: لَقَدْ نَالَ هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافُ السَّبْعَةُ ذَلِكَ النَّعِيمَ بِالْإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَعَالَى وَمُخَالَفَةِ الْهَوَى؛ فَالْإِمَامُ الْعَادِلُ كَمُلَتْ إِمَارَتُهُ بِالْعَدْلِ وَمُخَالَفَةِ الْهَوَى، وَالشَّابُّ النَّاشِئُ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ كَمُلَتْ عِبَادَتُهُ لِرَبِّهِ بِمُرَاقَبَتِهِ، وَآثَرَ عِبَادَةَ اللَّهِ عَلَى دَاعِي شَبَابِهِ، وَمَنْ كَانَ قَلْبُهُ مُعَلَّقًا بِالْمَسَاجِدِ، فَإِنَّهُ يَعْمُرُهَا بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَالتَّطَوُّعِ وَالذِّكْرِ وَالتِّلَاوَةِ، وَخَالَفَ الْهَوَى الدَّاعِيَ إِلَى أَمَاكِنِ اللَّذَّاتِ، وَالَّذِي دَعَتْهُ الْمَرْأَةُ الْجَمِيلَةُ الشَّـرِيفَةُ رَاقَبَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي خَلْوَتِهِ وَخَالَفَ هَوَاهُ، وَالْمُتَصَدِّقُ سِرًّا لَوْلَا قَهْرُهُ لِهَوَاهُ لَمَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَالَّذِي ذَكَرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ مِنْ خَشْيَتِهِ، إِنَّمَا أَوْصَلَهُ إِلَى ذَلِكَ قُوَّةُ الْإِخْلَاصِ وَمُخَالَفَةُ الْهَوَى، فَكُلُّ هَؤُلَاءِ نَجَّاهُمُ اللَّهُ بِالْإِخْلَاصِ وَمُخَالَفَةِ الْهَوَى مِنْ حَرِّ الْمَوْقِفِ، وَمِنْ شِدَّتِهِ وَأَهْوَالِهِ. هَذَا وصَلُّوُا وسَلِّمُوُا عَلَى المبْعُوْثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِيْنَ، كَمَا قَالَ رَبُّكُمْ فِيْ كِتَابِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ...﴾.

  • الخطبة الأولى: العنوان: (وَقَفَاتٌ مَعَ حَدِيثِ: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ) إنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ -تَعَالَى- وَأَطِيعُوهُ، وَأَخْلِصُوا لَهُ فِي أَعْمَالِكُمْ، وَتَعَلَّمُوا سُنَّةَ نَبِيّكُمْ؛ فَإِنَّ الْخَيْرَ كُلَّ الْخَيْرِ فِيمَا جَاءَ بِهِ، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. أَيُّهَا النَّاسُ: الْخَلْقُ رَاحِلُونَ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَوَاقِفُونَ مَوْقِفًا عَصِيبًا يَشِيبُ مِنْهُ شَعْرُ الْمَوْلُودِ، وَيَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَهُمْ حُفَاةٌ عُرَاةٌ، لَا تُسْمَعُ مِنْهُمْ إِلَّا هَمْسًا، فِي وَجَلٍ شَدِيدٍ؛ أَرْضٌ غَيْرُ أَرْضِهِمْ، وَسَمَاءٌ غَيْرُ سَمَائِهِمْ، وَشَمْسٌ دَنَتْ مِنْ رُؤُوسِهِمْ قَدْرَ مِيلٍ، وَالْعَرَقُ فِي الْأَرْضِ إِلَى سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَيَرْتَفِعُ إِلَى أَفْوَاهِهِمْ. فِي ذَلِكَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ يَتَكَرَّمُ اللَّهُ بِحِفْظِ عِبَادٍ لَهُ، وَيَتَنَعَّمُونَ بِظِلِّهِ سُبْحَانَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي لَا يَجِدُ أَحَدٌ ظِلًّا إِلَّا مَنْ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ؛ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: "هَذَا أَحْسَنُ حَدِيثٍ يُرْوَى فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، وَأَعَمُّهَا وَأَصَحُّهَا، وَحَسْبُكَ بِهِ فَضْلًا" اهـ. وَأَوَّلُ هَؤُلَاءِ السَّبْعَةِ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ؛ الَّذِي تَصْلُحُ بِهِ أُمُورُ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، وَالْقِيَامُ بِالْعَدْلِ مِنْ أَعْمَالِ النُّبُوَّةِ، وَبِهِ أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ فَقَالَ: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾. وَيَلْحَقُ بِالْإِمَامِ الْعَادِلِ مَنْ وُلِّيَ أَمْرَ شَيْءٍ فَعَدَلَ مِنْ قَاضٍ وَمُعَلِّمٍ وَوَالِدٍ وَنَحْوِهِمْ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: "الْمُرَادُ بِهِ صَاحِبُ الْوِلَايَةِ الْعُظْمَى، وَيَلْتَحِقُ بِهِ كُلُّ مَنْ وُلِّيَ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَعَدَلَ فِيهِ". وَالْعِبَادَةُ فِي الشَّبَابِ أَشَدُّ وَأَشَقُّ؛ لِقُوَّةِ الْبَاعِثِ عَلَى اتِّبَاعِ الْهَوَى، فَإِذَا لَازَمَ الْعِبَادَةَ حِينَئِذٍ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى شِدَّةِ تَقْوَاهُ، وَعَظِيمِ خَشْيَتِهِ مِنَ اللَّهِ، وَمَنْ نَشَأَ فِي شَبَابِهِ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ تَوَلَّاهُ اللَّهُ وَرَعَاهُ، وَفِي الْآخِرَةِ جَاءَ الْوَعْدُ لِكُلِّ شَابٍّ صَالِحٍ بِظِلٍّ تَحْتَ ظِلِّ الْعَرْشِ. وَبُيُوتُ اللَّهِ أَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَيْهِ، وَتَجِبُ إِقَامَةُ رُكْنِ الْإِسْلَامِ الثَّانِي فِيهَا، وَمَنْ خَطَا خُطْوَةً إِلَى الْمَسْجِدِ كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ خَطِيئَةٌ، وَمَنْ كَانَ شَدِيدَ الْحُبِّ لِبُيُوتِ اللَّهِ، مُلَازِمًا لِلْجَمَاعَةِ فِيهَا، لَا يَخْرُجُ مِنْ صَلَاةٍ إِلَّا وَهُوَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ الْأُخْرَى أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ. وَالْمَحَبَّةُ فِي اللَّهِ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ، قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: "وَحَقِيقَتُهَا أَلَّا تَزِيدَ بِالْبِرِّ، وَلَا تَنْقُصَ بِالْجَفَاءِ". وَإِذَا أَحَبَّ الْمُسْلِمُ أَخَاهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ، وَفِي سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ وَطَاعَتِهِ، لَا لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، وَاجْتَمَعَا وَتَفَرَّقَا عَلَى ذَلِكَ، أَثَابَهُما اللَّهُ بِظِلٍّ تَحْتَ ظِلِّ الْعَرْشِ.

  • ‏مستند من سعد الصفار

  • ‏مستند من سعد الصفار

  • اللَّهُمْ مَنْ أَرَادَ بِالإِسْلِامِ والمُسْلِمِيْنَ سُوْءً فَأَشْغِلْهُ فِي نَفْسِهِ، وَرُدَّ كَيْدَهُ فِيْ نَحْرِهِ، واجْعَلْ دَائِرَةَ السَّوْءِ عَلَيْهِ يَا رَبَّ العَالمِيْنَ. • اللَّهُمَّ احْفَظْ إِخْوَانَنَا المُسْتَضْعَفِيْنَ فِي فَلَسْطِيْنَ وفِي السُّوْدَانِ وفِيْ كُلِّ مَكَانٍ، اللَّهُمَّ كُنْ لَهُمْ مُعِينًا وَنَصِيرًا، وَمُؤَيٍّدًا وَظَهِيرًا، اللَّهُمَّ احْقِنْ دِمَائَهُمْ، وَارْحَمْ ضَعْفَهُمْ، ووَلِّ عَلَيْهِمْ خِيَارَهُمْ واكْفِهِمْ شِرَارَهُمْ. • اللَّهُمَّ انْـصُـرْ جُنُوْدَنَا المُرَابِطِيْنَ، اللَّهُمْ ثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ، وسَدِّدْ رَمْيَهُمْ، وانْصُرْهُمْ عَلَى القَوْمِ الظَّالِمينَ. • اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الحَرَمَيْنِ الـشَّـرِيْفَيْنِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وخُذْ بِهِمْ لِلْبِرِّ والتَّقْوَى، اللَّهُمْ وَفِّقْهُمْ لِهُدَاكَ واجْعَلْ عَمَلَهُمْ فِيْ رِضَاكَ. • رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِيْ الآَخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. سُبْحَانَ رَبِّنا رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

  • فاللَّهُمَّ ‌أَجِرْنَا ‌مِنَ ‌النَّارِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ ‌الْجَنَّةَ ‌وَمَا ‌قَرَّبَ ‌إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَنعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ. بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِيْ وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيْهِ مِنْ اَلْآَيَاتِ وَاَلْذِّكْرِ اَلْحَكِيْمِ، أَقُوْلُ قَوْلِيْ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اَلْلهَ اَلْعَظِيْمَ لِيْ وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوْهُ إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُوْرُ اَلْرَّحِيْمُ. الخطبة الثانية: الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، والشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَعْظِيمًا لَشَأْنِهِ، وأشهدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَليْهِ وَعَلى آلِهِ وأصْحَابِهِ وسَلّم تَسْلِيمًا كثيرًا. أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -تَعَالَى- وَأَطِيعُوهُ، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: وَكَمَا أَنَّ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ تَذْكِيْرٌ ومَوْعِظَةٌ، فَفِيْهِ طَاعَاتٌ وأَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ: فَمِنْ أَحْكَامِهَا: اسْتِحْبَابُ الْإِبْرَادِ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَهُوَ تَأْخِيرُهَا عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا حَتَّى تَنْكَـسِرَ شِدَّةُ الْحَرِّ، لَكِنْ إِنْ كَانَتْ الجَمَاعَةُ تُقَامُ فِي أَوَّلِ الوَقْتِ، وَجَبَتْ المُبَادَرَةُ إِليْهَا، ولَا يَجُوْزُ تَفْوِيْتُ الصَّلَاةِ فِي المسْجِدِ مَعَ الجَمَاعَةِ بِحُجَّةِ شِدَّةِ الْحَرِّ أَوْ الْإِبْرَادِ؛ فَإِنَّ الجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ، والفُرْقَةُ مُحَرَّمَةٌ، ويُمْكِنُ العَمَلُ بِسُنَّةِ الإِبْرَادِ فِي سَفَرٍ ونَحْوِهِ. وَفِي أَوْقَاتِ الْإِجَازَةِ يَكْثُرُ فِي النَّاسِ سَهَرُ اللَّيْلِ وَنَوْمُ النَّهَارِ، وَرُبَّمَا صَاحَبَهُ نَوْمٌ أَوْ تَفْرِيْطٌ في صَلَاةِ الظُّهْرِ؛ فَمِنَ النَّائِمِينَ مَنْ تَفُوتُهُ الْجَمَاعَةُ وَفَضْلُهَا، وَرُبَّمَا جَمَعَهَا مَعَ الْعَصْـرِ بِلَا عُذْرٍ سِوَى السَّهَرِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّوْمِ فِي النَّهَارِ، وَهَذَا عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ -تَعَالَى-: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾، وإِضَاعَتُهَا هُوَ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا كما جَاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، وقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِ الرُّؤْيَا: (أَمَّا الَّذِي يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ، وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَلْيَتَّقِ اللَّهَ -تَعَالَى- كُلُّ مُتَهَاوِنٍ بِالصَّلَاةِ، وَلْيُحَافِظْ عَلَيْهَا فِي الْجَمَاعَةِ؛ فَإِنَّهَا عَمُودُ الدِّينِ، وَرَاحَةُ الْقَلْبِ وَالضَّمِيرِ، وَصِلَةُ الْعَبْدِ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ. وَصَوْمُ التَّطَوُّعِ فِي الْيَوْمِ الْحَارِّ فَضِيلَةٌ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ عَدَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّهُمْ لَمْ يَأْسَوْا عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا عَلَى خِصَالٍ، مِنْهَا: ظَمَأُ الْهَوَاجِرِ، وَذَلِكَ بِالصِّيَامِ فِي الصَّيْفِ. وَمِنْ أَعْظَمِ طَاعَاتِ الْحَرِّ الشَّدِيدِ: سَقْيُ الْمَاءِ؛ سَوَاءً بِحَفْرِ الْآبَارِ فِي الْمَنَاطِقِ الْفَقِيرَةِ الْحَارَّةِ، أَوْ تَسْبِيلِ الْبَرَّادَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ وَطُرُقِ النَّاسِ، أَوْ تَوْفِيرِ الْمِيَاهِ الْمُعَلَّبَةِ الْبَارِدَةِ؛ فَإِنَّ صَدَقَةَ الْمَاءِ مِنْ خَيْرِ الصَّدَقَاتِ؛ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَتَى النَّبِيَّﷺ، فَقَالَ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْجَبُ إِلَيْكَ؟ قَالَ: (الْمَاءُ). هَذَا وصَلُّوا وسَلِّمُوا عَلَى المبْعُوْثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِيْنَ، كَمَا قَالَ رَبُّكُمْ فِيْ كِتَابِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ...﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ ورَسُوْلِكَ مُحمَّدٍ، وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيْنَ، وارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِيْنَ، وصَحَابَتِهِ والتَّابِعِيْنَ، ومَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ. • اللَّهُمَّ أعِزَّ الإسْلَامَ والمُسْلِمِيْنَ، وأَذِلَّ الشِّـرْكَ والمُشْـرِكِيْنَ، ودَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّيْنِ، واجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا رَخَاءً وسَائِرَ بِلَادِ المسْلِمِيْنَ..

  • الخطبة الأولى: العنوان: (حَرُّ الصَّيْفِ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ) إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ -تَعَالَى- وَأَطِيعُوهُ، فَإِنَّهَا وَصِيَّةُ اللهِ لِلأَوَّلِيْنَ والآخِرِيْنَ؛ ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾. أَيُّهَا النَّاسُ: فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مِنْ كُلِّ عَامٍ يَشْكُو النَّاسُ شِدَّةَ الْحَرِّ أَثْنَاءَ خُرُوجِهِمْ مِنْ مَنَازِلِهِمْ، وَرُكُوبِهِمْ فِي سَيَّارَاتِهِمْ، الَّتِي تَكَادُ الشَّمْسُ تُذِيبُهَا مِنْ شِدَّةِ حَرَارَتِهَا وَقْتَ الظَّهِيرَةِ، ويَفِرُّ البَعْضُ إِلَى الْبُلْدَانِ الْبَارِدَةِ فَتَزْدَحِمُ بِالْمُصْطَافِينَ، أوْ يَلْزَمُوْا بُيُوْتَهُمْ فِي النَّهَارِ ويَخْرُجُوا فِي اللَّيْلِ فِرَارًا مِنْ حَرَارَةِ الشَّمْسِ، هَذَا مَعَ أَنَّ الْبُيُوتَ مُكَيَّفَةٌ، وَالسَّيَّارَاتِ مُكَيَّفَةٌ، وَأَمَاكِنَ الْأَعْمَالِ مُكَيَّفَةٌ، فَالحَمْدُ للهِ عَلى فَضْلِهِ، ورَزَقَنَا شُكْرَ نِعَمِهِ. وقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَتَفَكَّرُوْنَ فِي تَقَلُّبَاتِ الزَّمَانِ، ويَعْتَبِرُوْنَ بِاخْتِلَافَاتِ الدَّهْرِ، فيُحْدِثُ لَهُمْ ذَلِكَ عِبَادَةً وتَقَرُّبًا. إِنَّ هَذِهِ التَّقَلُّبَاتِ الكَوْنِيْةِ مِنْ حَرٍ وبَرْدٍ تَدُلُّ عَلَى عَظِيْمِ صُنْعِ الخَالِقِ -جَلَّ وعَلَا-، وتُذَكِّرُ بِعَظمَتِهِ؛ فَما فِي الدُّنْيَا مِنْ نَعِيْمٍ ورَاحَةٍ دَالٌ عَلَى كَرَمِ الخَالِقِ وإِحْسَانِهِ، وجُوْدِهِ ولُطْفِهِ، ومَا فِيْهَا مِنْ نِقْمَةٍ وشِدَّةٍ وعَذَابٍ دَالٌ عَلى شِدَّتِهِ وبَأْسِهِ، ومَا فِيْهَا مِنْ اخْتِلَافِ الأَحْوَالِ يُذَكِّرُ العِبَادَ بِأنَّ هَذِهِ الدَّارَ مَمْزُوْجَةٌ بِالنَّعِيْمِ والآَلَامِ، وَلَيْسَ نَعِيمُهَا يَدُومُ، كَمَا أَنَّ أَلَـمَهَا لَا يَدُومُ، وَمَا نَرَاهُ مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا فِي زَمَانِهِ، كَاعْتِدَالِ الْأَجْوَاءِ، وَهُطُولِ الْأَمْطَارِ، وَنَسِيمِ الصَّبَاحِ، فَهُوَ مُذَكِّرٌ بِنَعِيمِ الْجَنَّةِ، وَمَا نَرَاهُ مِنْ أَلَمِ الدُّنْيَا وَعَذَابِهَا فِي زَمَانِهِ كَشِدَّةِ الصَّيْفِ، فَهِيَ مُذَكِّرَةٌ بِشِدَّةِ حَرَارَةِ جَهَنَّمَ، وَهِيَ الَّتِي اشْتَكَتْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأَخْبَرَ عَنْ شِكَايَتِهَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: (اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: رَبِّ أَكَلْ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لِي بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. ومَا نَحُسُّ بِهِ مِنْ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ اللَّافِحَةِ، وَسَمُومِهَا الْحَارِّة، مَذَكِّرٌ بقُرْبِهَا مِنَ الْعِبَادِ يَوْمَ الْمَعَادِ فِي يَوْمٍ طَوِيلٍ عَسِيرٍ؛ يَشْتَدُّ فِيهِ الزِّحَامُ وَالْحَرُّ، وَيَعْظُمُ فِيهِ الْكَرْبُ، وَيَسِيلُ فِيهِ الْعَرَقُ، وَيَبْلُغُ الْخَوْفُ بِالنَّاسِ مَدَاهُ، إِذَا تَذَكَّرَ الْمُؤْمِنُ ذَلِكَ وَتَفَكَّرَ فِيهِ، عَلِمَ أَنَّ حَرَّ الظَّهِيرَةِ فِي أَشَدِّ بِقَاعِ الْأَرْضِ حَرًّا لَا يَكَادُ يُذْكَرُ أَمَامَ حَرِّ ذَلِكَ الْيَوْمِ الْعَظِيمِ، وَأَنَّ ضَجَرَ الْإِنْسَانِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ مَعَ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ وَسَائِلِ التَّبْرِيدِ وَالرَّاحَةِ، لَنْ يُقَارَنَ بِضَجَرِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْعَظِيمِ؛ ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ ‌سُكَارَى وَمَا هُمْ ‌بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾، وأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى أَنْ يَسْتَجِيْرَ بِاللهِ مِنْ النَّارِ بِصَالِحِ العَمَلِ، وأَنْ يَسْتَعِيْذَ بِهِ مِنْ حَرِّهَا وحَمِيمِهَا، وَمَا فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ النَّكَالِ وَالْعَذَابِ، وقَدْ كَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ: (اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَرَبَّ إِسْرَافِيلَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ حَرِّ النَّارِ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ)، وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَتِ الْجَنَّةُ: اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ اسْتَجَارَ مِنَ النَّارِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَتِ النَّارُ: اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنَ النَّارِ).

  • ‏مستند من سعد الصفار

  • ‏مستند من سعد الصفار