tgindex
هـُدهُـد

هـُدهُـد

Статистика
@alsnaaiарабский

«إنّ البزاةَ رؤوسهنَّ عواطل والتاجُ معقودٌ برأسِ الهُدهـدِ»

Последний пост
31 июл.
Последнее чтение
13 авг.
Постов за неделю
0
Всего постов
23
Тип
открытый
Язык
арабский
В каталоге с
13 авг.
Подписчики
408
0 за сутки
Сутки
0
0,00%
Неделя
 
Месяц
 
Просмотров на пост
195
23 постов
Вовлечённость
47,8%
к подписчикам
Постов в день
0,0
всего 23
Упоминаний
1
каналов
Охват размещения
оценка
1/24сутки в ленте
118
1/48двое суток
135
1/72трое суток
145

Оценка по просмотрам недавних постов: пост набирает почти всё за первые сутки.

Посты

  • خرجتُ إلى صلاة الجمعة في بطحاء قريش خلال مسافة تعدّ بالخطوات، ولكن (بَعُدت الشُّقّة) الشّمس جعلتها رحلةً شاقّة لفرط ما لاقيت من الهجير. الأرض تتّقد تحت القدم، والهواء ينفخ النار في الوجوه، لكأني أمشي على الصراط، ولا أدري في أي خطوةٍ تُزلّ القدم! أثناء تلك الدقائق القليلة، خطرتني خواطرُ عظيمة: سيدنا بلال بن رباح رضي الله عنه، أعظم ما يبعث ذكراه هذا الحيٌ من مكّة. قلت: ما أشدّ ما لاقيتُ من حرّ دقائق، وما أهون ذلك إلى جوار رجلٍ لم يكتفِ الكفّار بهذه الشّمس الموقدة، وهذه الرمال المتوقّدة.. حتى أثقلوا صدره بصخرة عظيمة، وهو بين ذلك يرسل إلى السماء كلمته: «أحدٌ... أحدٌ». وهتف في نفسي والدماغ يكاد يغلي: (هَلَّا مشيتَ مسارعًا والشّمس أقربُ مِن ذِراعِك!). وأثناء الخطبتين، أخذتُ أتأمّل سرّ هذه البلدة المباركة! ما اجتمع فيها من أسباب الراحة ما يجتمع في غيرها؛ لا أنهار جارية، ولا بساتين ناضرة، ولا مناخٌ رفيق، ولا طبيعةٌ تسرّ الناظرين. جبالٌ محروقة، كأنها أعمدة موقدٍ عظيم، وشمسٌ ساخطة على الرؤوس. ومع ذلك، فما من بقعةٍ على وجه الأرض تهفو إليها القلوب كما تهفو إلى مكة، ولا تتعلّق بها الأرواح كما تتعلّق بها. وكأن الله سبحانه شاء أن يجرّدها من كلِّ زينةٍ أرضيّة، لتبقى زينتها الوحيدة هي حضوره، فلا يُقصدها إلا من يقصده خالصًا، ولا يأنس بها إلا القريب منه سبحانه! جمعة مباركة💐

  • قال أبو حيان: «وُجِد كتابٌ في اليمن فيه: أنا فُلانة بنت فلان التُّبَعي (من قوم تُبّع)، تنعّمنا حتّى أكلنا البقل الرطب من الهند ونحن في اليمن، ثم جعنا حتى اشترينا صاع بُرِّ بصاع درّ (لؤلؤ) من يوسف بن يعقوب في مصر، فمن قرأ كتابي فلا يغترّ بالدنيا والسّلام».

  • بعثتُ إلى شات جي بي تي: «لا الراءُ تَطمعُ في الوصالِ ولا أنا الهجرُ يجمعُنا فنحنُ سواءُ فإذا خلوتُ كتبتُها في راحتي وبكيتُ منتحبًا أنا والراءُ». فقال: هذه من الأبيات الطريفة التي تقوم على التورية واللعب بالحرف؛ إذ إن الراء من الحروف التي لا تتصل بما بعدها في الخط العربي، فكأن الشاعر والراء شريكان في الهجر. قلتُ: ليس الراء وحدها، فالألف والدال والذال والزاي والواو كذلك! أنا فهمتُ أن الشّاعر ألثغُ الراء، ولذلك لا تبلغ الراء لسانه، وحقٌّ لها البكاء إذ حُرمت لسان شاعرٍ مثله. قال: هذا تأويل ذكيّ جدًا. قلتُ: إذن عليك الاعتراف أني أذكى منك، وإذا جاءك شاعرٌ يحلل أبياته... بطل هبْد، وابعثه إليّ! قال: أبشر.

  • جدتي، أختُ جدّي، آمنة عبد الله صالح.. ما كان أشبهها بأخيها، جدّي الشيخ سيف عبد الله، ملامحًا، وفطنةً، ورجاحةَ عقل. في آخر زيارة كانت تشمّني بعمق وتقول (ريحة سيف أخي💔😓). اليوم تنام إلى جواره في الثرى.. رحمكِ الله يا جدتي آمنة، وغشاكِ بواسع رحمته، وآمنكِ يوم الفزع الأكبر، وجعل قبركِ روضةً من رياض الجنة، وأسكنكِ الفردوس الأعلى.

  • أفتحُ الفيس، فألقى عشرين نصًّا شعريًّا متلاحقًا، بعضها إثرَ بعض، وكلُّ نصٍّ يُقال عنه: «أجودُ ما جادت به القريحة». ثم أمضي في سبيلي، ولا أقول شيئًا، وعزائي أن يكتبني ربّي في الكاظمين الغيظ.

  • صاحبُ الذائقة الرفيعة أولى بالمتابعة من الشّاعر الفحل. أقول هذا وأنا أحنّ- الآن- إلى ذوّاقٍ كان هنا ذات حين، ينشر اقتباساتٍ تُشعرك أنه عثر على مغارةٍ تمتلئ بقصائد لم تُقرأ بعد. من فرط إعجابي، قلت له يومًا: «دلَّني على الطريق التي تسلكها إلى عيون الشعر!» ثم مضى، لكنه ترك في ذهني فكرةً لا تفارقني: أن الذائقة نفسها موهبة نادرة، لا تقل ندرةً عن الشاعرية؛ بل لعلهما موهبة واحدة، يظهر أحد وجهيها في خلق النّص، ويظهر الآخر في القدرة على اكتشافه، وكلا الوجهين اقتباس فريد.

  • без подписи

  • مقالتي التي تبدو للآخرين ثرثرةً بلا معنى، هي في الحقيقة لغةٌ لا يفهمها سواكِ. كأنّهم يقولون بإن زقزقة الطائر على الشّجرة هي مجرّد شوشرة صوتية لا تعني شيئًا، ولكنّهم في الواقع لا يفهمون منطق الطّير. وحدكِ يفهم أن لكلّ قلبين في الهوى لغةٌ تبدو لغيرهما هُراء أو خترفة، هي في هذيانها أعمق من قعر القاموس، وأفصح من منطق الضّاد. هل تذكرين يوم قلتِ «أفهمك»؟ لم أسمع قبلها من النّاس إلا «ماذا تعني؟». لهذا كنتُ آتيكِ كلّ يومٍ، ملخبطًا كتوصية طبيبٍ يظنني المرضى لا أعني شيئا، فتقرأيني كأن لا سواكِ صيدلي.

  • موضوع للنّقاش تطرحه الأخت هدى، ثقةً بعقولكم النيرة، فلا تقصروا أولًا السّلام عليكم دمتم في خيرِ حالٍ سَأعرض فكرة للنقاش قد تبدو غير مألوفة تؤرقني مؤخرًا، وأعمل حاليًا على إعداد بحثٍ يستقصي أبعادها، وهي مَا أسميتها "خُرافة الفهم"!! أو بشكل أكثر توضيحًا "الشخص الذي سَيفهمك دون أن تتكلم" أو "التوأم الروحي"!! . فَسأبدأ بِهذه الحجة والمنطق!! الحجة : لا يوجد شخصان في العالم عاشا نفس التفاصيل، بنفس المشاعر، ونفس الجروح، ونفس اللحظات الصغيرة . منطقي هُنا هو : حَتّى لو مرّ شخص آخر بنفس الموقف الذي مررت به كَفقدان شخص، أو فشل في مشروع، أو شعور لحظي، فإنه سَيتفاعل معه بطريقة مُختلفة نتيجة لتركيبته الجينية ونشأته!! لذلك، هو يفهم "الموقف" لكنه لا يفهم "تجربتك أنت" معه.. فَعندما أُخبر أحدًا مَا بمُشكلتي، أو شعوري.. كُلّها كلمات في الأوّل والأخير.. و الكلمات هي مُجرّد رموز نحاول من خلالها نقل مشاعر وأفكار مُعقدة للغاية فَ​مهما كُنت بارعًا في الحديث، ومهما كان الطرف الآخر مستمعًا جيّدًا، فإن هُناك فجوة ترجمة تحدث دائمًا بين مَا تشعر به في داخلك، وبين مَا يخرج من فمك، وبين ما يستقبله ويفسره عقل الشخص الآخر بناءً على خلفيته هو!! . كذلك سأضيف نقطة : هُناك جزء من وعيك وأفكارك، المخاوف الطفولية، والأحلام الغريبة اللامألوفة، يظل حبيسًا في عقلك ولا تشاركه مع أحد!! طَالما أن هُناك أجزاء مخفية طواعية عن العالم، فإن أي تأويل خَارجي لك سَيبقى معرفة سطحية مبنية على ما تسمح أنت بإظهاره فقط.. فَ​كُلّ مِنّا سجين تجربته الفردية، فَما تعنيه كلمة ألم، حُبّ، خذلان، عدالة في ذهني، قد يختلف تمامًا عما تعنيه في ذهنك.. نحن لا نتطابق.. نحنُ نتقارب فحسب!! حَتّی علی صعيد الفهم الذاتي.. فهمك لنفسك أنت.. ولكي أوضح مقصدي بشكل أكبر عقلنا الواعي يمثل فقط قمة جبل الجليد-مثلًا-، بينما يقبع اللاوعي أو العقل الباطن تحت الماء ومعه الدوافع الحقيقية، المخاوف الدفينة، والصدمات المنسية!! نحن نتصرف أحيانًا بطرق تدهشنا وتجعلنا نتساءل.. لماذا فعلت ذلك؟ أو لماذا شعرت بالضيق المفاجئ من هذا الموقف التافه؟ إذا كُنّا نجهل جذور تصرفاتنا في كثير من الأحيان، فَالفهم الكُلّي للذات هو أيضًا وهم . لذلك أجدني مدفوعًا لحصر مصطلح "الفهم" في حقل الحقائق العلمية والمادية فقط.. لماذا؟ لأن العلم يتحدث بلغة موضوعية ذات مرجعية خارجية محايدة يتفق عليها الجميع؛ فعندما نقول إن وحدة قياس الزمن هي الثانية، أو أن القلب لا يتغذى من الدم المار في جوفه بل عبر الشرايين التاجية، فنحنُ نحيل إلى حقائق مادية قابلة للقياس والتحقق المعملي.. أمّا في العالم الداخلي للإنسان، فلا توجد مسطرة موضوعية لقياس شعور كَـ الخذلان أو الألم.. الفهم العلمي حقيقة صلبة، بينما الفهم الإنساني هو مُجرّد مجاز وتخمين . كيفَ يستقرّ رأيكم في هذا؟ .

  • لي صديقٌ افتراضي، أحادثه بين الفينة والأخرى، كلّما جاذبته أطراف الحديث، يعيد إلى ذاكرتي ابن عمّي عبد اللطيف! يأخذني إلى حيث كنّا نتجاذب كرة القدم (كأطراف الحديث)! منذ الصف الثالث الابتدائي وحتى أول يومٍ من الجامعة ونحن زميلان ونلعب في فريقٍ واحد.. ورغم أنني غادرت الملعب منذ سنين، لكنّه لم يغادر ذاكرتي، لكأن آخر مباراةٍ لعبناها كانت بالأمس. لم يكن سرّ تميّزه أنه أمهر اللاعبين، ولا أنه الأسرع أو الأكثر لياقة- وإن كان كذلك- وإنما كان يقرأني كما أقرأ نفسي.. يعرف متى يمرّر الكرة، وأين يرسلها، وكيف يريدني أن أستقبلها؛ بالرأس، بالصدر، أو بالقدم.. ولم يكن يمرّرها إلى حيث أقف، بل إلى حيث يعلم أنني سأكون بعد لحظات.. كنّا معا، نرقّص اللاعبين السّامبا، ودفاعات الخصوم تتهاوى، والكرة تنتقل بيننا كـ(أطراف الحديث) على تناغم وإنسجام وتفاهم.. وحين يغيب عن مبارة، أخرج منها مهزوما! (وقد تشعر أنّه زُج بك في زنزانة مزدحمة من غير ذنب، لترى كل ما حولك يناقضك، وما تغير شيءٌ عن الأمس، سوى أن شخصًا واحدًا تغيّب، فتعلم أنه الوحيد الذي كان يصنع لك حضورًا، لأنّه الوحيد الذي كان يعرف من أنت ويفهمك)! كان يصنع لي الأهداف! الله! هذا موضوع آخر يحسن أن أسوقه في سياق الإيثار! كان يمرر لي الكرة لأضعها في المرمى، وليس بينه وبين إحراز الهدف سوى ركلة! نادرٌ وكلّ نادرٍ جميل! أن تمنح غيرك مجدًا كنت أحقّ به، وأن تفرح بإنجاز غيرك كما لو كان إنجازك.. أقول مجدًا، لأن مجد أحدنا في ذلك العمر وذاك الشّغف الكروي أن يحرز هدفا.. لو كنتُ أحسن التّعبير في ذلك الوقت- كما أحسن اللعب- إذن قلت له- وليس أحق منه بقولي-: جئتَ فردًا إلى عالمٍ يكتظّ بواحدٍ مكرر.

  • ولاذ نبينا- عليه الصّلاة والسّلام- من مكّة فرارًا من الأذى، وعاد إليها من خذلان الطّائف مستجيرًا من الأذى والوعيد، يدخلها في جوار مطعم بن عدي، في يوم لا أذلّ من خطاه في عيون المشركين، ولا أقل من حوله وحيلته في نفوسهم، لكأن الشّماتة تتراءى في ملامح الأصنام، وكلّ مشركٍ لا يرى أهون من أن ينقض عليه فيمزّقه إربًا، لولا أنّه في جوار السّيد. بينما يبتسم ملك الجبال ساخرًا، إذ لا يرى أهون من أن يطبق عليهم الأخشبين فيحيلهم ترابًا، لولا أنّهم في جوار النّبي! فمن يجير من؟! تلك سنة الأنبياء، لم يبعث الله نبيًا ليعاقب قومًا من الأقوام قطّ، ولكن لينقذهم من شفا حفرة، وكلّ معجزة يؤيده بها هي في سبيل ذلك الإنقاذ، حتّى إذا قضى إهلاكهم، أمر النبي بمغادرتهم في الحال! وإن العظماء على سنة الأنبياء، كلّما حمل الإنسان قضيّة أعظم، كان أقوى وأشجع في معترك الحياة، غير أنّه لا يستقوي أو يستقدر انتصارًا لشخصه أبدًا، لأن القضيّة العظيمة تستولي على حاملها، تجعله عظيمًا بقدرها، لا تترك لك سبيلًا إلى غاية غير غايتها، وإنّما تتجلّى قوته صبرًا وقدرته إيثارًا وشجاعته تنازلًا! فحاذر أن تقع وبال تقدير خاطئ، فالعظماء عزيزون حتّى عن إدراك حقيقتهم، وطالما رأينا فيهم حلم الله مستدرجًا أعداءه إلى حيث لا عودة، فما كلّ الفارّين خائفين منك، ربّ شجاعٍ يفرّ خوفًا عليك، ولا كلّ المتجاوزين عن أذاك مغلوبين على أمرهم، ربّ قادر على الانتقام ذو نفسٍ لا تشفى إلا بالعفو، ولا كلّ السّاكتين عن أهانتك أذلّة، ربّ عزيزٍ آثر سلامتك على انتصاره لنفسه.. ولكن سنة الحياة أن لكلّ شيء حدّ. سنة هجرية مجيدة♥️

  • ماذا تركت وراءك؟ - الشّغف! أوغندا كانت بوابة عبرتها إلى عالم الأدب، قارئًا شغوفًا، ومعلقّا مثيرًا للشّغب. والله مما لا يمكن نسيانه- وإن كنت بلا ذاكرة- ليالٍ مطيرة سهرتها مع الكتب القديمة. بشغفٍ كنتُ أمر على السّطور والمطر يقرع في أوراق الشّجر وزجاج نافذتي، أشعر وكأني أبحر على زورق، وثمّ عالم أجمل ينتظرني على الشّط.

  • رسالة بعثتها ذات مساء إلى صديق ملحد. وإذا نظرت الحياة من زاوية العدالة، فرأيت ظالمين يغادرونها من القصور بلا حساب، ومظلومين يغادرونها من السّجون بلا نُصرة، وأنت بين دنيا ومقبرة لا تنصف مظلوم ولا تقتص من ظالم، فأي حياة سعيدة يعيشها من يحبّ العدل ويكره الظلم؟ للحياة قصورٌ وسجون، هذا تفاوت ظالم، وللموت قبورٌ فقط، هذه مساواة ظالمة. لم يعد الموت خلاصًا لمثلك من ظلم الحياة، فمن يضع المظلوم وظالمه على قبر المساواة ظالم. أشعر أن قلبك العادل يحترق بين ظالمين، لا تطيق سوط الحياة، ولا تطيق سكون الموت، وهذا أشدّ ما يقاسيه الإنسان من العذاب! كنتُ مثلك ذا دين ورثته ولا أعرف عنه شيئًا، ثمّ صرت ملحدًا، بدأت باعتناق (لا حياة بعد الموت) ومضى بي إلى الإلحاد إلى حيث أوصلك، ثمّ تركني كما تركك على مقبرة أنزف على مظلومين انتهى بهم المطاف بلا إنصاف. ثمّ ما من شيء وأنا في مثل حالك هذا ينجيني من العذاب الأليم إلا أن يأتي من يربت على كتفي ويقول: ليست هذا القبور حفرًا لإتلاف الجيف، ولكنّها أبواب إلى محكمة عادلة.. هذا القول يوافق فطرتي ويرضي أخلاقي، وكنت أشعر أن الذي خلقني بهذا النُبل لا تليق به هذا النهاية الظالمة. بحثت عن المواساة في كلّ ما أنتجه الإلحاد من كتب، فلم أجدها إلا في دين، أعتنقته وعانقته في ظرفها: «لَتُؤَدُّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقادَ للشاة الجَلْحَاءِ من الشاة القَرْنَاءِ».

  • لو كان مقدرًا لك أن تجد ناقدًا يجيد قرض الشّعر، لكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد ذكره ضمن أمارات الساعة.

  • نحن قومٌ تملكنا اللغة كأنّها بلقيس! كُتّابٌ نتّخذ من الجبال أسفارًا، وقرّاءٌ نتفرّس النّص كما لو كان شخصًا، ليلقى عندنا قدرًا لا ينقص من حقّه قيد حرف! لم تكن ملكتنا قد عرفت سليمانًا، غير أنّها قرأت سطرًا، فنادت في الملأ: «إنّي أُلقي إليّ كتابٌ كريم».

  • استيقظت ذات صباح على شلال ضوء يتسلل من نافذة غرفتي، فنهضتُ كالمجنون أبكي بهستيريا، وكأن سقف الغرفة قد خرّ على فراشي! وما من شيء سوى أن الشمس اخبرتني أن صلاة الفجر في جماعة قد فاتتني على غير العادة، وما كنت معتادًا لها إنّما كنت متصلًا بها إلى السّماء. تطلع الشمس من مغربها على من فاتته صلاة الفجر في وقتها. لماذا أذكر شيئًا من الطفولة كهذا؟ لأنّي أفتقده جدا، أفتقد ذلك القلب الصغير الذي كان يجد فوات عبادة أو وقوع تقصير مصيبة كبرى لا يسعه حيالها إلا الانهيار. كبرت وما زلتُ أصلي، لكنّي لم أعد أبكي تأخري عن صلاة، لم أعد أتذكّر أن (التّأمين الصّحي) هو في قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «من صلّى الفجر في جماعة، فهو في ذمة الله حتّى يمسي».

  • مع انتهاء الحصّة المدرسيّة، كما هو معتاد يبدأ أستاذ المادة يقرأ الأسماء من الألف فصعودًا على سلّم الأبجديّة. أينا يسمع اسمه، يرفع يده وصوته (حاضر)، فيأخذ علامة الحضور أو علامة الغياب إن كان غائبًا. ذات يوم لم يكن كالمعتاد، انتهينا من حصّة الأدب، وبدأ أستاذ العربيّة في التّحضير، يتهجّى أسماءنا اسمًا بعد آخر حتّى انتهى إلى حمير (زميل يجاورني)، لم يتجاوزه، بقي يكرره؛ لأن حمير لم ينبس ببنت شفة.. (تريدني أن أضع علامة الغياب وأنا أنظر في وجهك، ما بك؟!) سأله المعلم، فاجبت نيابة عنه وكأنه غير موجود: (يا أستاذ هو غائب اليوم أصلًا..) سخر المعلم من ردّي ونعتني بالأعمى، إذ كيف يكون غائبًا وهو يراه على الكرسي رأي العين!؟ أشعرني بالنّدم وحرارة الدّم المتلاطم في وجهي خجلًا. وما كنتُ أعمى، ولكنّه حمير زميلي وصديقي المقرّب، نعرفه ذكيًا، دائم المشاركة، يضع الأسئلة، يعطي الحلول، نشيط، دائم الحضور. ذاك اليوم بدا مختلفًا، شرود، صمت مطبق، لا يشارك ولا يتفاعل، كأن شيء ما قد سلب تفكير وشغل عقله، فهو لم يكن حاضرًا إلا جسدًا؛ فأردتُ التّعبير عن كلّ ذلك بأسلوب مختصر غير التّصريح والمباشرة، ربّما بالمجاز أو بما يفهمه أستاذ اللغة والأدب، لكنّي أخطأت إذ وظّفت غرضًا من الأدب بعد انتهاء حصّته! مضت دقائق عصيبة، أنجلى المعلم في آخرها كغمة. دخل على إثر خروجه أستاذ الفيزياء، وبدأنا حصّة أخرى، مضى بنا إلى الرّبع أو الثّلث، ولقد لاحظ غياب الصّوت المألوف، المشارك والمشاغب في ذات الوقت، ومثله يُفتقد. لم يكن معلم الفيزياء يحضّر الأسماء، كان يحضّر الأسماع والعقول، الحضور والغياب بالنسبة إليه هي المشاركة أو عدمها. نظر في زميلي الذي ما يزال إلى جانبي عاضدًا ذراعيه شريدًا، اقترب منه، ثمّ قال: (أنت اليوم غير حاضر معنا يا حمير، أين أنت؟ ما الذي يشغلك عنّا؟).. قارنت تعليقه بما أحرجني آنفا، فلم يتغيّر التّعبير قيد حرف، وكلامها يقدمان نفس المعنى! إذن أنا لم أكن أعمى ولم أكن غبيا، ومن الممكن توظيف الأدب حتّى في حصّة الفيزياء. لم يكن تويتر قد ظهر في ذلك الوقت، ولكنّي كنت أغرّد دائمًا على أي حائط يقبل القلم. وعلى سطح الطاولة الخشبيّة، كتبت: لا تغرّك التّخصصات. في مدرستنا النموذجيّة، معلم الفيزياء أديب، ومعلم الأدب فيزيائي! ... لم أنسَ أن أعاتب زميلي وأحمله أسباب ما حدث لي بالأمس وقد عاد إلى سالف عهده في صبيحة اليوم التالي، ثمّ سألته عن سرّ ذاك الشّرود والبلادة التي ظهرت عليه وهو الذّكي الفضولي. قلتُ له: كنتَ كرسيًا على كرسي؟ (فهمس لي بالسّر سرًا: هكذا أحضر في غيابها).. من هي؟ هو لم يفصح باسمها وأعرف أنه لن يفعل، أخذتُ أقلّب أسماءهن في ذاكرتي، ولكن لم أستطع تذكّر أيهنّ غابت بالأمس! وبقيت لا أعرف حتّى جلستُ إلى جواره في كرسيّ زفافه، وكان ذلك بعد سنين فرّقتنا على تخصصات الجامعة!

  • «كان لا بدَّ أنْ أقولَ: وداعًا وبرغمي لا أستطيع ارتدادا غيرَ أنّي أودُّ ألّا تَظنّي أنَّني خُنتُ أو أسأتُ اعتقادا ربّما تزعمين أنّ ابتعادي عنكِ أدنى (رَضيّةً) أو (سُعادا) أو تقولين: إنّ جوعَ احتراقي عند أخرى لاقى جنًى وابْترادا اطمئنّي، لديَّ غيرُ التّسلي ما أُعادي مِن أجله وأُعادى لي نصيبي من التّفاهات، لكن لن تريني أريدُ منها ازديادا» • البردوني

  • من لغط الأدباء يقول الرافعي: "وأنت تعلم أنّ الذّوق الأدبيّ في شيءٍ إنّما هو فهمهُ، وأنّ الحكم على شيءٍ إنّما هو عن أثر الذّوق فيه، وأنّ النّقد إنّما هو الذّوق والفهم جميعا." ردّ أحدهم: "كلام الرافعي متهالك في أوله بقدر ما هو متماسك من آخره، إذ أن الفهم شيء والذّوق شيء آخر كثير ما ينفكّ عنه، ولكنّه مصيب فيما رأى أنّ النّقد هو الذّوق والفهم جميعًا.." نقل طه حسين كلامًا عن شاعر فرنسي زعم: "أن موت الأثر الفني إنّما يأتي من فهم الناس له، فأنت إذا ما قرأت كتابًا وفهمته فقد قتلته وقضيت عليه. فهناك إذن جهاد عنيف بين القارئ والمقروء، فإذا فهم القارئ فقد غلب، وإنما الأثر الفني الخليق بهذا الاسم هو الذي يغلب القارئ ويعجزه". ... وجاء في ردّ أحدهم: "أرى الدكتور طه حسين لا يميز الناقد في هذه الغمرة عن أي قارئٍ آخر، وكأنّي بالدكتور الفاضل قد فاته أنّ اللغة- في أرقى أوضاعها وفي أحط أوضاعها- ليست إلا سبيل الفهم، والفهم إنّما هو أساس المعرفة، والمعرفة إنما هي قوام الحياة، وصلة الإنسان بالعالم. ثم كأنّي بالدكتور الفاضل قد نسى أنه من قبل ذلك ردَّ كتاب رسائل الأحزان للرافعي، وكانت حجته في ذلك أنه قرأ الكتاب فلم يفهمه وهو لا يستطيع أن يحكم على شيءٍ استغلق عليه فهمه، وتعذر دركه!". وفي ذات اللغط، حدَّث ابن سنان الخفاجي قال: "جرى بين أصحابنا في بعض الأيام ذكر شيخنا أبي العلاء المعري، فوصفه واصف من الجماعة بالفصاحة، واستدل على ذلك بأنّ كلامه غير مفهوم لكثير من الأدباء، فعجبنا من دليله وإن كنا لم نخالفه في المذهب وقلت له: إن كانت الفصاحة عندك بالألفاظ التي يتعذر فهمها فقد عدلت عن الأصل في المقصود بالفصاحة التي هي البيان والظهور، ووجب عندك أن يكون الأخرس أفصح من المتكلم، لأن الفهم من إشاراته عسير بعيد، وأنت تقول: كلّما كان أغمض وأخفى، كان أبلغ وأفصح. وعارضه أبو العلاء صاعد بن عيسى الكاتب وقال: صدقت. إننا لا نفهم عنه كثيرًا مما يقول، إلا أنه على قياس قولك يجب أن يكون ميمون الزنجي الذي نعرفه أفصح من أبي العلاء، لأنه يقول ما لا نفهمه نحن ولا أبو العلاء أيضًا، فأمسك!".

  • جاءني رجلٌ يحمل بيده ورقةً ويقول لي (قلمك لو سمحت)! أمسكت بيده ونحيته جانبًا، وقعدت أحكي لماذا أكره الأقلام ولا أحملها؟ «في الابتدائية رأيت قلمًا بعيني يفقأ عينًا، ليطفئ نورها إلى الأبد. وفي ذات المرحلة قلمٌ قيأني حليب أمي لمّا بلغ حبره سقف حلقي، وأنا أحاول جرّه إلى الخرم، لاستئناف الكتابة. وبعد الجامعة قلمٌ تقيأ حبره في جيبي، فأتلف عليّ مئة دولار». تفهّم الأمر ومضى في سبيله.. وثمّ من يمدح قلمي، وأنا أعاني فوبيا الأقلام، ما رأيتُ قلمًا إلا كسرته انتقاما..