- Последний пост
- 14 авг.
- Последнее чтение
- 15 авг.
- Постов за неделю
- 16
- Всего постов
- 26
- Тип
- открытый
- Язык
- арабский
- В каталоге с
- 13 авг.
- 1/24сутки в ленте
- 116
- 1/48двое суток
- 132
- 1/72трое суток
- 143
Оценка по просмотрам недавних постов: пост набирает почти всё за первые сутки.
Посты
без подписи
(١٢) ثم نشرع في الفصل الأخير من قصيدة الجابري، وهو فصلان جعلناهما فصلا: والمَجدَ والبأسَ والعلياءَ يجمَعُها طُرَّاً هناكَ بَنو مخزومَ جُثمانا السَّيدُ البَطلُ القَرمُ الشُّجاعُ أخو الهيجاءِ أيَّانَ يُحصي الشِّعرُ أيَّانا يا سيَّدي ها بنوكَ اليومَ قد بَعَثوا يَرموكَ أخرى وهَدُّوا ثَمَّ إيوانا نَمْ سَيِّدي لَمْ تَنَمْ عَينُ الجبانِ بل اقتدنا الجبانَ إلى نَعليكَ عُريانا يا ابن الوليدِ سلامٌ كلُّهُ ظَفرٌ من المَكارمِ يَغشاكُمْ ويغشانا للّٰهِ عرسٌ بأرضِ الشامِ قد حَسَدتْ فيهِ الكواكبُ أبصارا وآذانا لو اطَّلعتَ عليهِ ما فَقَدتَ مِنَ الفردَوسِ والخلدِ إلا المَلْكَ رِضوانا ومُرتقىً لم تكُ الجوزاء تدركه أضحى لخيلِ بَني مروانَ مَيدانا تُربٌ عليهِ الجِباهُ البِيضُ قد سَجَدتْ لهُ على التِّبرِ أن يَختالَ تَيهانا فَتحٌ تَعجَّبَ منهُ الشرقُ مُنبهراً والغَربُ من هَولهِ ما زالَ حَيرانا فَتحٌ رأيتُ بهِ الأهوالَ سَاقيةً كأسَ الرَّدى والفتى المِغوارَ سَكرانا لهُ عليَّ القوافي السَّائراتُ وليْ أن تَجعلوني لهذا الفَتحِ حَسَّانا ثم قال: والمجدَ والبأس والعلياء يجمعها طرا هناك بنو مخزوم جثمانا لو قال: والمجدُ عطفا على ما يسوقهم لأحسن وأجاد واتصل بيتاه فكانا في سمط واحد، وهذا مما يؤخذ عليه، ولا يؤاخذ به. وبيته بداية تخلّص حسن، ولو عطف لكان تخلصه أجود. الطرّ بضم الطاء: الجماعة. وحسن قوله جثمان، وهذه أتركها لك تتأمل فيها، وقد حسنت من وجهين. ثم قال: السيد البطل القرم الشجاع أخو الهيجاء أيان يحصي الشعر أيانا أيان لا أعلم لها معنى غير متى وأي أوانٍ أو أي حين، وتحمل هنا على هذا على استثقال، وأحسبه أراد أنّى فخلط. ثم قال: يا سيدي ها بنوك اليوم قد بعثوا يرموك أخرى، وهدّوا ثمّ إيوانا يخاطب بذلك ابن الوليد، وانظر استحضار التاريخ في كلامه هنا وغيابه في تلك القصيدة إلا من مروره صفحا على ذكر ذي قار وإخوتها! ثم قال: نم سيدي، لم تنم عين الجبان بل اقتدنا الجبان إلى نعليك عريانا. وعنى بعريان تعريته من بأسه واستكباره وتصعره، وهو حسن. ثم قال: يا ابن الوليد سلام كله ظفر من المكارم يغشاكم ويغشانا قولهم سلام كله كذا مما لم أقف عليه عند السابقين، ومنه قول الجواهري: سلام كله قبل والبيت ضعيف، احتيج إليه. ثم قال: لله عرس بأرض الشام قد حسدت فيه الكواكب أبصارا وآذانا لو اطلعت عليه ما فقدت من الفردوس والخلد إلا الملك رضوانا .... أراد أن الكواكب تحسد آذان السامعي الخَبر وتحسد أعين من يراه. وأجود من ذلك لو قال غبطت. ثم جعل هذا العرس جنّة ما فقدت إلا الملك رضوان عليه سلام الله، وقوله الخلد حشو ظريف، وكان عنه في غنى. يقول شوقي: آمنت بالله واستثنيت جنّته دمشقُ روح من الدنيا وروحان. واستثنيت جنّته: عنى أن دمشق جنة ثانية؛ لا أنه آمن بكل ما جاءنا عن ربنا من غيب إلا الجنة، وكذا سمعت أحد الحمقى يقول. ثم قال: ومرتقى لم تك الجوزاء تدركه أضحى لخيل بني مروان ميدانا البيت حسن إلا أن فيه خطأ لا يحترز منه كثير من الشعراء، وذلك أنك إن حذفت نون مجزومِ تكون امتنع عليك أن تردف الكاف بساكن، ووجب عليك أن تأتي بمتحرك بعد، فلا يصح أن تقول: لم تك الجوزاء، ويصح قولك لم يكُ لِلجوزاء. فعلى هذا لم يك للشاعر أن يحذف النون ويردفها بساكن. ثم قال: ترب عليه الجباه البيض قد سجدت له على التبر أن يختال تيهانا. صدق؛ والبيت مما يحسن مثلا. ثم قال: فتح تعجّب منه الشرق منبهرا والغرب من هوله ما زال حيرانا فتح رأيت به الأهوال ساقية كأس الردى، والفتى المغوار سكرانا له علي القوافي السائرات ولي أن تجعلوني لهذا الفتح حسّانا. قوله منبهرا لم أقع على أن معنى البهر هو الاندهاش؛ والبهر الاشتهار فيما علمت والغلبة، فالكلمة عندي في غير موضعها. فتح رأيت به الأهوال ساقية كأس الردى، هذا حسن، ومن فطنة الشاعر أن يأتي به في آخر قصيدته، تنويها بقرب الخاتمة، وإن هذا شعر تبذل له المهج، وثمنه أن تضرب إلى مثله أكباد الإبل. ثم ختم وأحسن وأجاد فقال: له علي القوافي السائرات ولي أن تجعلوني لهذا الفتح حسانا وهو حسان هذا الفتح، شاء من شاء وأبى من أبى، وإن غمط حقّه، فإن ذلك مما جرت به الأيام ودالت، وإنما يبقى ما انتقد الصيرف، وأما زيفه فكالسراب، يحسبه الظمآن ماء. وقد رأيتَ ما بين هذي وهذي وأختم لك بأني لم أرد الموازنة بمعناها، إنما أردت أن أكتب شيئا يظهر حق الجابري، ويسكت جلب تلك، ولو كان لي من الأمر شيء لما سمحت له أن يلقي هذه القصيدة في مجمع.. بل كيف سمح هو لنفسه أن يخرج فينشدها وهي ما رأيت، ثم إني أختم قائلا لك إني والله كنت كلما أنهيت فصلا ساءني أني سأقرأ كلام العرجي مرة أخرى لأبدأ في الفصل التالي، وإني قد اجتهدت أن أحسن بعض أبياته اجتهادا، فإن لم أكن أنصفته عند ذكره فقد أنصفت أبياته ما استطعت، على ثقلها، وقد كان العرجي أدنى إلى الشعر أمس منه اليوم. والحمد لله أولا وآخرا.
إن شر النساء من أنفها طاول في أمر الناس كل النساء
без подписи
(١١) يا فاتحَ الشامِ ردَّ الله هيبَتَنا على يديكَ.. وأعطى الحقَّ مَن غُبِنوا لمّا رأى الناسُ أنّ الجوَّ مُضطربٌ ووجههُ عابسٌ، والصدرُ مُحتَقِنُ رأيتَهُ فرصةً للفتحِ سانحةً وأنتَ منها وفيها الواثقُ المَرِنُ فأيّدَ اللهُ ما أعددتَ من خُططٍ ومنَّ منّاً.. تَفانى دونَهُ المِنَنُ من بعد جيشٍ يوالي عرشَ طاغيةٍ وكانَ أعدى عِداهُ: الشعبُ والوطنُ! يا فاتحَ الشامِ قد أسستَ جيشَ هُدىً حتى على الدينِ والأعراضِ يؤتَمَنُ ذكرتمونا بذي قارٍ وإخوتها يا فاتحَ الشامِ والتاريخُ مُقتَرِنُ في ساعةِ الحربِ أنتَ النارُ مُحرقةٌ وفي السياسةِ أنتَ الكيِّسُ الفَطِنُ هذه الحقيقةُ للأجيالِ أكتُبها ولا أُحابي.. وشِعري ما لهُ ثَمَنُ الله أرسلَ فينا قائداً بطلاً إذا وزنَّا بهِ كلَّ المدى، يزنُ.. هذا آخر فصل في القصيدة على ما قسمها العرجي؛ وأنا آخذ فيه مستعينا بالله، وقد علم الله أني أستثقل هذا التقسيم لأني ربما عاودت القراءة مرتين وثلاث مرات وست، لا حول ولا قوة إلا بالله. قال: يا فاتح الشام ردّ الله هيبتنا على يديك وأعطى الحقّ من غُبنوا عاد لمناداة أحمد الشرع أو أبا محمد الجولاني في خطابه، ذاكرا له فضله بأنه على يديه ردت هيبة أهل الشام. والهاء والياء والباء تطوي تحتها الإجلال والمخافة، فهنا تعني أنه رد إجلالنا في عيون الناس، والحمد لله على إحسانه. قوله وأعطى الحق من غبنوا استكمال للبيت، فهو أشبه ما يكون بالحشو، والمغبون من اهتُضم حقّه، وكذلك كنا. ثم قال: لما رأى الناس أن الجوّ مضطرب ووجهه عابس والصدر محتقن رأيته فرصة للفتح سانحة وأنت منها وفيها الواثق المرن. هذا كلام العامة وزنه. الجو: الهواء. والجو: ما بين السماء والأرض. وكلاهما لا يضطربان، ولا وجه له ليعبس، ولا صدر له ليحتقن، ومن غريب الصنيع أن يقول والصدرُ برفع الراء، ووجهه بضم الهاء. السانح هنا حسن، إذ به يُتيمّن. وأنت منها وفيها الواثق المرن. وفيها: حشو بطن لا لذة فيه ولا طعما. ولا تقول واثق منك، بل واثق بك، أما منك فهي من كلام العامة! وهذا ليس بشعر، ولا هو بالنثر، ولا ما بين ذلك، ولو سمعه النابغة لمات طربا. ثم قال: فأيد الله ما أعددت من خطط ومنّ منّا تفانى دونه المنن أحسن سبك الأول وأساء في الثاني. قال المتنبي: فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا قلاقل عيس كلهن قلاقل. وقال غيره: ولو أن طرفا صاد طرفا بطرفة لصدت بطرفي طرف ذات المطارف. ثم قال: من بعد جيش يوالي عرش طاغية وكان أعدى عداه الشعب والوطن يا فاتح الشام قد أسست جيش هدى حتى على الدين والأعراض يؤتمن. ليت شعري إن كان الجيش لا يؤتمن على هذين فلم هو؟ بل إن أدنى واجباته هذا الذي ذكره حذيفة مهولا إياه بحتى!. وتقديمه وتأخيره عجيب، أراد يا فاتح الشام قد أسست جيش هدى من بيت جيش والى عرش الطاغية وكان عدوا للشعب والوطن، وجيشك الذي أسسته يؤتمن حتى على الدين والعرض!!!!! ثم قال: ذكّرتمونا بذي قار وإخوتها يا فاتح الشام والتاريخ مقترن. ذي قار معروفة، أما إخوتها فلا. ثم قال: في ساعةِ الحربِ أنتَ النارُ مُحرقةٌ وفي السياسةِ أنتَ الكيِّسُ الفَطِنُ هذه الحقيقةُ للأجيالِ أكتُبها ولا أُحابي.. وشِعري ما لهُ ثَمَنُ الله أرسلَ فينا قائداً بطلاً إذا وزنَّا بهِ كلَّ المدى، يزنُ.. لا أعلم ما المقابلة بين النار والكيس الفطن، ولم جرّا معا هكذا، ثم ألم يجد أن يمدح أمير حرب، ورئيس دولة، وقبلها فاتح أرض سورية إلا بأنه النار محرقة في ساعة الحرب؟! لعمري لو ترك ذلك لأحسن. قال ابن الرومي: له من البأس حد لو أشار به إلى الحديد على علاته فلحا ويمن رأي ورفق لو مشى بهما بين الأنيس وبين الجِنة اصطلحا في كفه قلم ناهيك من قلم نبلا وناهيك من كف بها اتشحا. وقال غيره: سموا حسامك والهيجاء مضرمة كرب العداة وسموا رأيك الفرجا. وقال: إقدام عمرو في سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء إياس. وقال: وأرى الأمور المشكلات تمزقت ظلماتها عن رأيك المتوقد عن مثل نصل السيف إلا أنه مذ سل أول سلة لم يغمد فبسطت أزهرها بوجه أزهر وقبضت أربدها بوجه أربد وقال: وإن «أبا العباس» من تم رايه ... ومن شهرت آثاره ومناقبه بريناك لا نرتاب فيك إذا بدا ... يؤديك نصًا نجره وضرائبه وقد شحذت منه حداثة سنه ... شهامة غطريف حداد مخالبه إذا المرء لم تبدهك بالحزم كله ... قريحته لم تغن عنك تجاربه . وقال: لِينٌ تساسُ بهِ الخُطوبُ وشِدّة والنّصلُ شدّةُ بأسه في لِينه وقوله: هذي الحقيقة، للأجيال أكتبها ولا أحابي، وشعري ما له ثمن. وهكذا يدفع الرجل كلام خصوم ممدوحه عنه؟! وعن نفسه؟! حسبنا الله ونعم الوكيل! ثم قال: الله أرسلَ فينا قائداً بطلاً إذا وزنَّا بهِ كلَّ المدى، يزنُ.. جعله رسولا، وما معنى أن يزن به المدى؟ وكيف يكون ذلك؟ وما المدى؟ هذا فصل كما تراه، وكما قيل لو شاء أن يشحج به غراب ما قدر لسماجته.
(١٠) ثم قال: ما الشعر، ما الخطب العصماء واصفة رقيَّهم في الوغى بطشا وإحسانا. لما أتى على وصف حالهم في طلب عدوهم بوصفه إتيان دمشق طلبا للفتح وكثرتهم عددا قياسا إلى عدد سكان إدلب وفيه دلالة على أن أكثر أهلها مهاجرين وأنصارا من أهل الحرب والجهاد، وهي نا تزال قبلة أهل العلم والعمل ولا زالت نظر فرأى أن الفتح أعظم في نفسه من أن يصفه شعر أو نثر كما قال الأول: فتح الفتوح تعالى أن يحيط به نظم من الشعر أو نثر من الكتب. فقال ليس الشعر على جلالة قدره ولا النثر على انفكاك قيده واصفا هؤلاء القوم في حال ارتقائهم في أرض الحرب إن شئت في البطش فهم أسرع القوم إلى في حينه وإن شئت في الإحسان فهم أكرم الناس وأصفحهم. ثم قال يتابع في معناه: سرّوا عداة، وسرّوا في الإخاء، فقل: يا أنصف الناس أعداء وإخوانا! وصف القوم وهو القوم البرّون السرّون بأنهم سروا إخوانهم في إخائهم وسرّوا في أعدائهم إن شئت بطشا يسر الموتور المثؤور، وإن شئت غير ذلك مما ورد، والإنصاف مطلب دونه خرط القتاد، وطالب الإنصاف أصعب الناس طريقا وأبعدهم غاية وأقربهم رضى بالإياب غنيمة، ولوجدك الغول والعنقاء وأخذك النفس تحت الماء أسهل من أن تجد منصفا في الناس، إذ هم كإبل مئة، قل أن تجد فيها راحلة. كل نفس في فئة، عن فعلها مقاتلة، إن رضيت ظلمها أقاما وإلا فمزايلة.. ثم قال: ها أنت والفاتحون الصيد؛ مثلكما لم يعرف الدهر سمّارا وندمانا ها حرف تنبيه ينبي بكلام يأتي من بعده له شأن فينصت له السامع. الصيد قال ابن فارس الصاد والياء والدال أصل صحيح يدل على معنى واحد، وهو ركوب الشيء رأسه ومضيُّه غير ملتفت ولا مائل! يا لله ما أحسن هذه الكلمة في هذا الموضع وقد ضمت إلى ما سبق من وصف! ولله در الشاعر، قد والله سبق فيها فما ترك لآخر. وصف ائتلافهما وحسن اجتماعهما وأن في أحدهما لصاحبه حبّا أجل من رضوى، فما لهما في هذه المودة شروى. والبيت كما ترى! لو قام شرف المعنى من فراش مرضه فتمثل في بيت لكان هذا. ثم قال: قد ألبسوك ثيابا سندسا خضرا والروض أحسنه المخضر ألوانا قال ابن عاشور في تفسير قول ربنا تعالى وتقدس: يلبسون ثيابا خضر من سندس.. وَاللَّوْنُ الْأَخْضَرُ أَعْدَلُ الْأَلْوَانِ وَأَنْفَعُهَا عِنْدَ الْبَصَرِ، وَكَانَ مِنْ شِعَارِ الْمُلُوكِ. قَالَ النَّابِغَةُ: يَصُونُونَ أَجْسَادًا قَدِيمًا نَعِيمُهَا بِخَالِصَةِ الْأَرْدَانِ خُضْرِ الْمَنَاكِبِ والسندس الثوب الرقيق يلبس مباشرا الجلد وقاية من خشونة الإستبرق. وهو عنى هنا رسم الفتوحات إذ كان يشار إلى المجاهدين باللون الأخضر إتباعا للراية التي هم تحتها، وهي من أربع ألوان الأخضر والأبيض والأسود والأحمر، اختير منها الأخضر لكونه أساس فيها، ثم قرر أن أحسن الروض مخضره لونا، وهو كذلك، إذ الأخضر مما يصفي النفس ويريح العين، وهو هنا يخاطب حماة والسبب في ذلك أنه ابتدأ القصيدة والحرب قائمة، وحماة غرض السهام إذّاك! فلما كان الفتح كطرفة العين وحررت الأرض المباركة عدّل، ومطلعها كان هل تذكرين حماة الأمس طغيانا. إشارة إلى ما فعله المجرم حافظ في حماة في الثمانينات. ثم عدّل إلى ما ترى؛ فقد تجد شيئا من اختلاف الترتيب في الوجهة، وذلك لما بيّنتُ لك على أنه لا يعيب القصيدة ولا يزري بها، وهي في المحل الأسمى، ما قيل في الفتح أجود منها سبكا وأحلى لفظا وأوجز عبارة مع سعة معنى وحسن بيان! ثم قال: ثم انثنوا يركبون الريح، ما حملت أماجدا مثلهم إنسا ولا جانا. ثم ذهبوا يقصدون غير حماة على ما قلنا أو دمشق على حالها، يركبون أفراسا كأنهن الريح، لم تحمل قط مثلهم من الإنس ولا من الجان، وخفف الجان إذ لا يجوز التقاء الساكنين في العروض إلا في بحر المتقارب مدوّرا وشاهده: فرمنا القصاص وكان التّقاصُّ حكما وعدلا على المسلمينا. وما في ما بين أيدينا إلا هذا البيت وبيت للأخفش: ولولا خداشٌ أخذتُ دوابّ سعد، ولم أعطه ما عليها. وليس هذا موضع بسط الكلام في المسألة. ثم قال: يسوقهم نحو حمص الروضُ مبتسما والشوقُ مضطرما والثأر نيرانا حكى سبب انثنائهم، وقسمه على ثلاث، وأحسن. والبيت حسن غير أن فيه لفظة أعوزه وزنها ومكانها أن يأتي بها، على أن في وسعه خيرا منها. انتهى الفصل الرابع منها، وهو كما ترى، في العيوق، لو وعت الجوزاء لكانت له نعلا، أو قيس بالثريا لكان له عليها فضلا، يا عجبا من تأخير هذه وتقديم سواها، فتعسا لنفس ساقها على عمى هواها.
(٩) أتوكِ من إدلبَ الخضراء قد ملأوا ما بين مَشرقِها والغربِ مُرَّانا أتوكِ في البرِّ أُسداً لا انتهاءَ لها وفي السماءِ "شواهيناً" وعُقبانا والحربُ تُرعبُ ذا سَمعٍ وذا بَصَرٍ لكنْ إليكِ سَعَوا صُمَّاً وعُميانا أتوكِ يَطوونها طيَّاً تخالهُمُ على بُراقِ نبيِّ اللهِ فرسانا ما الشعرُ ما الخُطبُ العُصماءُ واصفةٌ رُقيَّهم في الوغى بطشاً وإحسانا سَرُّوا عُداةً وسَرُّوا في الإخاءِ فقُلْ يا أنصفَ الناسِ أعداءً وإخوانا ها أنتِ والفاتحون الصِّيدُ؛ مثلَكما لم يعرفِ الدهرُ سُمَّاراً ونُدمانا قد ألبسوكِ ثياباً سُندساً خُضُراً والرَّوضُ أروعهُ المُخضَرُّ ألوانا ثم انثَنوا يَركبونَ الريحَ ما حَمَلتْ أماجِداً مِثلَهم إنساً ولا جانا يَسوقُهُم نَحو حِمصَ الرَّوضُ مُبتسماً والشَّوقُ مضطرِماً والثأرُ نيرانا هذا الفصل الرابع من قصيدة الجابري على ما قسمت. قال مخاطبا دمشق التي ذكرها في البيت الثالث من الفصل الثالث في قوله: إيه دمشق.. قال: أتوكِ من إدلب الخضراء قد ملأوا. ما بين مشرقها والغرب مُرّانا. جزنا أتى، وقلنا إن الإتيان يكون لشيء، فقد حسنت اللفظة في موضعها. من إدلب الخضراء: وهي دار الشرفاء ومعقل الإباء، اجتمع إليها أهلُ الجهاد والحرب، بنو الكتب في السلم، وهم إذا صعر جبار خدا بنو الضرب. والمران: رماح صلبة لدنة، وأصلها شجر منه عملت فسميت به، واستعارها هنا للسلاح الذي نحارب به اليوم. (: ثم قال: أتوكِ في البرّ أسدا لا انتهاء لها وفي السماء شواهينا وعقبانا قابل البر بالسماء والأحسن أن يقابل البر بالجو أو الأرض بالسماء ليتم له الأمر. لا انتهاء لها: لفظة ما زلت أبحث عنها فبلغت أن أول من استعمل "لا نهاية له" بهذا اللفظ أبو بكر الخوارزمي (ت٣٨٣) في كتابه مفيد العلوم ومبيد الهموم، وابن الرومي من الشعراء في قوله: يا من له صفوات الحسن والخير ومن تصاغر عنه الشمس والقمر أحُسنُ وجهك ينمي لا انتهاء له أم هل تعاقبه في ساعة صور. والظن عندي أنهما منحولان لأسباب: الأول: أن الرواية في الديوان على هذا الوجه: هل الملالة إلا منقضى وطر من لذّة يُطّبى من غيرها وطر؟ وفيكِ أحسن ما تسمو النفوس له فأين يرغب عنك السمع والبصر؟ لا شيء إلا وفيها منه أحسنه فأين يصرف عنها القلب والنظر؟ ما كان ضرَّ سماءً تستظل بها لو امّحى نيراها الشمس والقمر. ثم قال ويروى (كأنما ألحقا إلحاقا) ... وذكر البيتين: يا من له.... وانظر إلى السبك في البيتين تجد اختلافا عن السبك في ما روي في الديوان، وعادة ابن الرومي أن يكون نفَسه في الأبيات واحدا. الثاني أن تكرار الكلمة نفسها في العروض والضرب وإن اختلف إعرابها عادة الشعراء، فإن قلت إن التصريع ربما رجح أن البيتين هذين هما أول الأبيات ثم لحقهما الأربعة بعد قلت: لا تجد الشعراء يلحون في طلب التصريع للنتف والقطع، إنما يفعلون إذا قصّدوا. الثالث: أنه في الأربعة الأبيات خاطب بالتأنيث، وذكر في البيتين الملحقين. الرابع: أن أول من رواهما له السريّ الرفاء في كتابه المحب والمحبوب والمشموم والمشروب (ت٣٦٦). وعنده بيت على نفس الوزن والنفَس: فاحذر من الشعر كسرا لا انجبار له الخامس: أن الأبيات إذا جمعت كان فيها إيطاء، وابن الرومي طويل النفس في قصائده وألفاظه كثيرة، فلا يعوزه جهل ليكرر لفظة القمر مرتين في ستة أبيات، وانظر أيَّ انتباه في بيتيه اللذَين ذكر فيهما السمع والبصر والقلب والنظر، تجد صحة القول. السادس: أني تتبعت ديوان السري الرفاء فوجدته يصرّع البيت والبيتين والثلاثة والخمسة، ويكثر أن يخاطب بالتذكير في غزله، وخاصة في البيت والبيتين وما دون القصيدة؛ فغلب على ظني أنهما له؛ ولم أجدهما في ديوانه فأثبت ذلك. ونعود لكلام الجابري: قال: وفي السماء شواهينا وهي طائرة سميت بالشاهين، كانت فخر صناعة المجاهدين على قلة الإمكان وعوز الجماعة. قابل ما في السماء أيضا بما في الأرض؛ الطير والوحش، وهذا حسن. وقوله وعقبانا مما أعوز إليه للقافية. وللأصمعي رأي في هذا لا نبسطه لطول الكلام فيه. والبيت سمط در! ثم قال: والحرب ترعب ذا سمع وذا بصر لكن إليك سعوا صمّا وعميانا. البيت في العيوق، حسنا وسبكا وانسيابا! وهو في موقعه خير من قول العرجي: البندقية حل لا أفضّله، إذ الموضع موضع الفخر والاعتزاز بالنصر، فقد قصر العرجي وسبق الجابري. ثم قال: أتوكِ يطوونها طيًّا تخالهم على براق نبيّ الله فرسانا. صوّر في البيت سرعة الفتح وسرعة المجهادين، إذ جعلهم يطوون الأرض طيّا، وفي حديث الصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه عدد ما كتبت كلامه الأقلام: عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل.
"كفى المرء نبلا أن تعد معايبه"
.
(٨) ثم قال: لو لم يكن ثَمَّ ما يدعو لثورتنا لكان حقا علينا فكّ من سجنوا ثَمّ وثُمَّ: هنالك. وفي التنزيل: أثُم إذا ما وقع آمنتم به. قال مجاهد: أهناك إذا وقع عذاب الله بكم أيها المشركون صدقتم به في حال لا ينفعكم فيها التصديق. والثور في أصله انبعاث الشيء، والثورة انبعاث المظلوم ليطلب حقّا. ونا هذه حسنة في موضعها. لكان حقا علينا فكّ من سجنوا. وهو كلام حسن. ثم قال: ألم أقل لكم والنار تلفحنا لكل وجه قبيح آخر حسن؟ يذكر بشطر من قصيدته التي عارضها "ما لم يقله المتنبي" وهي خير قصائده أو من خيرها، وفيها أبيات سارت مثلا، كقوله: إذا انقضى أجلي ما تنفع الحقن؟. ومنها هذا الشطر، وغيره. والبيت: ولست أقطع آمالي بثورتنا لكل وجه قبيح آخر حسن. قوله والنار تلفحنا على الحال، يصف حال أهل الثورة في ذلك الزمن، وقد كانت في ضعف، ثم من الله على المسلمين بأن أدال لهم الدولة؛ والحمد لله ناصر المستضعفين. انتهى فصله الثالث، وهو كما رأيت يعلو ويسفّ. ونشرع إن شاء الله بالفصل الرابع من قصيدة الجابري استكمالا للكلام.
(٧) دمشقُ لسنا دعاةَ الحربِ، هُم بدأوا وهم بها اتَّجروا، حتى بها سَمِنوا.. لا عذرَ.. لا عذرَ.. ما في الدمِّ معذرَةٌ كلُّ امرئٍ بالذي يأتيهِ مُرتَهَنُ والعفو عن قاتلٍ من بعدِ مقدرةٍ أشدُّ شيءٍ بهِ الإنسانُ يُمتَحَنُ البندقيّة حلٌّ.. لا أُفضِّلهُ يأتيكَ بالسِّلمِ، في أعقابهِ السَّكنُ وللشآمِ حقوقٌ كيفَ نُهمِلُها؟ وكلُّ فرضٍ لهُ من بعدهِ سُنَنُ.. لو لم يكن ثَمَّ ما يدعو لثورتنا لكانَ حقّاً علينا فكُّ مَن سُجِنوا ألم أقل لكمُ والنارُ تلفحُنا لكلّ وجهٍ قبيحٍ آخرٌ حسنُ؟ _ هذا الفصل الثالث مما قسمه الشاعر، وجوُّه: دفع الاتهام ببيان سبب الحرب ويحمل في طيه اعتذارا لدمشق على الحرب؛ وهي البكر الرقيقة التي لا يحسن بها إلا الدل والغنج، ورد العذر بأن الدم لا يعذر فيه، ثم أظهر الحجة بأن النفس رهينة ما كسبت، وبين سبب امتناع العفو، ثم أنحى على ذكر السلاح وأنه لو أمكن الحلم ما كان جهل، وجعل فاتحة السلمِ الحربَ، وبين حق الشام على الناس، واحتج للثورة بالأسارى وحقهم على غيرهم وهو فك العاني؛ ثم ختم فصله بتذكريهم بقول له سبق في قصيدته التي يعارضها وهو أن وجه الأمر القبيح وهو الحرب أوصلهم إلى وجه الأمر الحسن وهو السلم. قال: دمشق لسنا دعاة الحرب، هم بدأوا وهم بها اتجروا؛ حتى بها سمنوا. بدأه مناجيا دمشق الدعاة مفردُها داع: والداعي إلى الشيء طالب اتباعه. بدأ: أصلها اقتتاح الشيء. وهي حسنة هنا لأنهم هم من افتتحوا بالحرب وكانت قبل سلما، انظر في المبحث الخامس من كتاب "الثورة السورية ملحمة العصر ودرب النصر" للدكتور عبد المنعم زين الدين. والشطر الثاني بيان لسوآتهم، والبيت أشبه بالنثر؛ ولولا قوله ابتدأوا لكان البيت ساقظا بكله. واعلم أن إسقاط بيت لا يعني إسقاط قضية، إذ النقد نقد، ونحن بنوها ما حيينا فإن نمت، نلاق الذي أهدى لها النصر أبناها!. قال: لا عذر لا عذر، ما في الدمّ معذرة كل امرئ بالذي يأتيه مرتهن. حسُن تكرار لا عذر، تنويها بها وتنبيها عليها؛ وهذا رفع البيت، وتضعيف ميم الدمّ مما لم أقف عليه بمعنى الدم غير مضعف الميم، وهو عند الخليل الفعل من دمام، وهو كل دواء يلطخ به على ظاهر العين. وقال غيره هو طلاء من طحال ورماد يظلى به القدر.. وهي واضحة في سياقها فتكون ضرورة شعرية والله أعلم. وقوله: كل امرئ بالذي يأتيه مرتهن ارتهن وهي ومن الرهن وأصلها إمساك الشيء بحق أو غيره، وقد حسنت في موضعها، إذ الواحد ثمة يمسك بما كسبت يداه، والشطر مأخوذ من كلام ربنا: كل امرئ بما كسب رهين. ثم قال: والعفو عن قاتل من بعد مقدرة أشدّ شيء به الإنسان يمتحن. العفو في أصله: ترك الشيء. وهو هنا ترك الحقّ، وكل مستحق عقوبة تُرِك فقد عُفي عنه. نكّر المقدرة ضرورة، وفرق بين تنكيرها وتعريفها، إذ لو عرفها لبلغ بالبيت منزلة؛ وهذا شبيه بكلام عمر بن عبد العزيز رحمه الله: أفضل العفو عند المقدرة. وهو يبين لك أن من الامتحان العفو مع المقدرة إذ كان الانتقام في الجبلة أقرب من العفو، وهو مما يثقل على النفوس، ولذلك تجد له من الأجر ما له! والبيت حسن الفكرة غير أن سبكه لم يسعف.. ثم قال: البندقية حل لا أفضّله يأتيك بالسلم في أعقابه السكن. البندقية معروفة، وأصل التسمية فيما أذكر غير تحقيق أن أول اختراع هذا السلاح كانت طلقاته كالدحل، شبهت بالبندق فاشتق اسمها منه، وكذلك سمية بارودة نسبة إلى البارود. ولفظ البندقية لا يخص به السلاح المعروف بالكلاشن كوف، بل يطلع على سلاح الصيد وغيره. والحل قال ابن فارس: الحاء واللام وله فروع كثيرة ومسائل، وأصلها عندي كلها فتح الشيء لا يشذ عنه شيء. وقد وقعت الكلمة بموقع حسن على هذا. يأتيك بالسلم السلم معظم بابه في الصحة والعافية، وقد نزلت هذه الكلمة من معناه منزل العقد من جيد الحسناء! والبيت حسن طيب في الحكمة، إذ الإسلام وفيه رأس الحكمة يدعو إلى السلم، ألم تر أن أول ما يلقى جيش المسلمين جيش الكفر يدعوهم إلى الإسلام أو الجزية ويجعل آخر أمره القتال، إذ ليست الغاية أصلا إراقة الدم. وهذا في باب الدين، أما في باب الشعر فالأحسن عندي أن يجتنب ذكر محبته السلام، بل أن يذكر حبّه أن يسقي من دمهم حد السيف والأرض وما أشبهه. ثم قال: وللشآم حقوق كيف نهملها؟ وكلّ فرض له من بعده سنَنُ وقع في روعي أن الترك ثمة لفظ أحسن من الإهمال، والهمل أصل يدل على التخلية بين الشيء ونفسه، والترك: التخلية عن الشيء. فأحسب قولك ترك ما هو حق أجود من أهمل، وقد قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: أنا زعيم بييت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا. وفي الحديث: من تركها فقد كفر. وقوله: وكل فرض له من بعده سنن، استشهاد لكلامه في غير موضعه، إذ ليست السنة حقا؛ فإن قلت إنما عنى الثأر وهو في سعة بين العفو والقصاص قلنا إنه كان أولى به أن يأتي بالبيت بعد الأبيات التي سبقت وقبل هذا الذي صدره بالحقوق، ولا يلوى الكلام على الإرادة.
(٦) وهذا الفصل الثالث وهو عندي فصلان أجعلهما في واحد؛ وقد أخذتُ قصيدة العرجي على تقسيمه هو؛ وقسمت قصيدة الجابري على ما رأيت لغاية ربما أفصحت عنها آخر الأمر. لما رأى الجيشَ "زينُ العابدينَ"رأى بالجَيشِ نوحاً وبالأيامِ طوفانا فقامَ يَحجِلُ حتى كادَ من طَرَبٍ به ، ومن فَرحٍ يَنهَدُّ نَشوانا إيهِ دمشقُ وكم قد زَلزلوكِ وكم قد كنتِ أثبتَ أرضِ اللهِ أركانا وكم رأى الظالمُ الملعونُ مِنكِ إباً فعوَّضَ الذلَّ في جَنبيهِ عُدوانا وأنتِ صابرةٌ دهراً ووَاعِدَةٌ بَنيكِ مطلعَ هذا الفجرِ إيمانا الله أكبرُ هذا الفتحُ سِيءَ به أبناءُ كِسرى وسَرَّ الفتحُ مروانا ما في الكرملينَ ذو بَطشٍ يُؤازِرُكم وليس إيرانُ بعدَ اليومِ إيرانَا شاهت وجوهٌ ، وزاغت أعينٌ ، وهَوَتْ حصونُهمْ حينَ حلَّتها سرايانا. __ قال: لما رأى الجيش زين العابدين رأى بالجيش نوحا وبالأيام طوفانا قد حسن عندي ذكره الجبل في قصيدة الفتح لما لاقى منه عباد الله من شدة، فهو من مشارف الأرض. وقوله بالجيش نوحا... الخ مما لا حاجة إلى شرحه وبيانه. ثم قال: فقام يحجل حتى كاد من طرب به ومن فرح ينهد نشوانا يقال حجل في مشيته يحجِلُ: تبختر! والطرب: الخفة تصيب الرجل لشدة سرور أو حزن. والبيت فيه ما فيه من البديع من نسبة الحجل والطرب والفرح إلى الجبل، وأحسن إذ قال حتى كاد، وكاد هذه كثيرا ما تنجي صاحبها وترفع عنه، ولله در الحاذق. ثم قال: إيهِ دمشقُ وكم قد زلزلوك وكم قد كنت أثبت خلق الله أركانا وإيه أمر معناه الاستزادة من الحديث الذي أنت في سياقه وتنوينها استزادة من حديث أي حديث، وقوله إيهِ (بكسرة) أحسن من قول (إيهٍ) فيكون استزادة الطرب من حديث الفتح لا من أي حديث، إذ المعهود هو في الكلام. وسائر البيت لا في الثرى ولا في الثريا. ثم قال: وكم رأى الظالمُ الملعونُ مِنكِ إباً فعوَّضَ الذلَّ في جَنبيهِ عُدوانا ثم شرع يعدد فضلها بإبائها وامتناعها، وقوله إباً مما لم أقف عليه؛ والذي أعرفه إباءً وإباءةً، وكذلك في لسان العرب، وأما إبا فلم أجد لها، ولعله استثقل المد ثمة بعد حذفه الهمزة فقال إباً، فنقل تنوين الهمزة إلى الألف. قال الأول: يراه الناس أخضر من بعيد وتمنعه المرارة والإباءُ. وهو كسابقه منزلة. ثم قال: وأنتِ صابرةٌ دهراً ووَاعِدَةٌ بَنيكِ مطلعَ هذا الفجرِ إيمانا. استكمل كلامه، ومعنى البيت أنها وعدت أبناءها بمطلع هذا الفجر إيمانا منا بالنصر الذي به ينبلج هذا الفجر. ثم أخذ في فصل آخر في ذكر حسنات هذا الفتح لأهله؛ وما لحق بعدوه من سبة وضعة. قال: الله أكبرُ هذا الفتحُ سِيءَ به أبناءُ كِسرى وسَرَّ الفتحُ مروانا. والحمد لله على الفتح مرتين؛ مرة أن سر مروان ومرة أن أخرج لنا قصيدة الجابري هذه؛ قال مكبّرا استبشارا واستعلاء بربه سبحانه يصف حالتين حالة أبناء كسرى من السوء والسوأة التي لحقت بهم؛ وحال بني مروان يكني به عن بني أمية الغر الميامين، وحفدتهم له تُبّع! والبيت في العيوق سبكا ورصفا، خلا من كل حشو مقيت. ومن ملامح الشكر فيه بناء الفعل لما لم يسم فاعله، وهو معلوم جل في علاه إذ هو النصير، سبحانه إنه على ما يشاء قدير. ثم قال: ما في الكرملينَ ذو بَطشٍ يُؤازِرُكم وليس إيرانُ بعدَ اليومِ إيرانَا البطش: أخذ الشيء غلبةً. وآزر أي أعان وأسعد وأصلها من الأزر: وهو القوة والشدة وفي الخبر عن أبي الحسنين رضي الله عنه: نعم المؤازرة المشاورة، وبئس الاستعداد الاستبداد. وفي قول الأول: جادت سواريه وآزر نبته نفأ من الصفراء والزبّاد. والآن تأمل التشفي هذا ووازن هذا بذاك أيهما أسلب للب وأطرب لأذن؟ وهما أمامك فاحكم لنفسك. ثم قال: شاهت وجوهٌ، وزاغت أعينٌ، وهَوَتْ حصونُهمْ حينَ حلَّتها سرايانا زاغت أعين: مالت عن مكانها خوفا وفزعا، والزيغ أصله الميل وفي الكتاب الحكيم ربنا لا تزغ قلوبنا. شاهت وجوه أي قبحت، وتكون دعاء وإنباء؛ وهي هنا الثانية؛ وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حنين حين أدبر الناس إلا ثلة أقبل على المشركين على بغلة له بيضاء فحثا في وجوههم التراب وقال شاهت الوجوه؛ وكان بأبي هو أشجع الناس صلوات ربي عليه. السرايا جمع سرية، سميت سرية لأنها تسري في الليل، وهو ما يعرف اليوم في العسكرة التسلّل. وإن هذا لتقسيم حسن لو تم له فقال وهوت حصون بيد أن الوزن أعيا؛ فجاء كما ترى، وهو مع ذلك سمط در!
(٥) ثم قال: دارت رحى الحرب والشاهين حائمة وقد أقاموا وظنوا أنهم أمنوا قلت: لو جمع البيتين لأحسن، فالرحى مع الطحن مما يستأنس به. الحائمة التي تطير مستديرة حول الشيء، وأصلها يرجع للعطش. الشاهين الطائرة المعروفة ثم قال: فر الجبان وهم في ذلهم سقطوا فما تماسك إلا الخوف والجبُنُ عنى بالجبان بشار بن حافظ -زعموا- وإن شئت قل ابن صلاح! وقوله: وهم أي جنود الطاغية الملعون من بلسان السماء والأرض. وسائر البيت كما ترى، وقد أسفّ في هذا الفصل إسفافا ظاهرا كما رأيت وسترى. ثم قال: جاؤوا إلى الشام.. لا دين ولا شرف لحى يقطّر منها البغض والضغن. وهو كما ترى، ليس بشيء، لا هجاء ولا قصصا! قال: من كل حدب وصوب، لا تسل أبدا من هم، وما دينهم؟ أزكاهم النَتِنُ حدب مما يحرك أوسطه. قال ربنا عز وعلا: من كل حدَب ينسلون. وقوله لا تسل أبدا من هم وما دينهم أزكاهم النتن هجاء بحتري! ولربما كان مشروفا فيه إذا وازنت بين هجاءيهما. في كل نار لشيطان لهم شرر وحيثما يمموا تتبعهم الفتن وهو بيت كما ترى، لا يحسن بك أن تنثره، إذ النثر لا يُنثر!. ثم قال: يأتون باللطم سوداءٌ ملابسهم ويرجعون عراة ما لهم كفن! انتهى الفصل الثاني من شعر العرجي، وأكثره مما برئ الشعر منه براءة الذئب من دم يوسف ابن يعقوب عليهما السلام، وآخرَه أخص. ثم نشرع في الفصل الثالث من شعر الجابري راجين السداد من رب العباد، والفتح من الفتاح الواهب البيان والفلاح.
(٤) قال: يا فاتحَ الشامِ نصرٌ بعدَ مَهلَكةٍ أودت بقومٍ أُبيدوا بعدما لُعنوا أينَ العُداةُ؟ وطئناهم بأرجُلنا وأينَ سادتُهم؟ للآنَ ما دُفنوا! خلَّفتَهُم جيَفاً لا الطيرُ تَقربُهم ولا الترابُ يواريهم، ولا العَفَنُ جاؤوا إلى الشامِ آساداً مُزمجِرةً كأنّهم مُلكَ أرضِ الشامِ قد ضَمِنوا جاؤوا وحوشاً، ولا أُنبيكَ مُذ وصلوا طحناً وربِّكَ في أرجائها طُحِنوا! دارت رحى الحرب والشاهينُ حائمةٌ وقد وأقاموا، وظنّوا أنَّهُم آمِنوا فرّ الجبانُ، وهم في ذُلِّهم سَقَطوا فما تماسكَ.. إلا الخوفُ والجُبُنُ! جاؤوا إلى الشامِ لا دينٌ ولا شرَفٌ لحىً يُقطِّرُ منها البُغضُ والضَغَنُ من كلِّ حدبٍ وصوبٍ، لا تسل أبداً مَن همْ، وما دينُهم؟ أزكاهُمُ النَّتِنُ! في كلِّ نارٍ لشيطانٍ لهُم شَررٌ وحيثما يَمموا، تتبعهُمُ الفتَنُ! يأتونَ باللطم سوداءٌ ملابسُهُم ويرجعونَ عُراةً ما لهم كفنُ! قوله: يا فاتح الشام نصر بعد مهلكة أودت بقوم أبيدوا بعدما لعنوا كان يحسن به أن يتخلص بأحسن من هذا، وليس في هذا عيب، خاطب فاتح الشام وهو أحمد بن حسين الشرع الجولاني، وكان أمير هيئة تحرير الشام، وهي أكبر سلطة كانت في المحرر قبل الفتح، وعلى يده كان الفتح؛ سدده الله وبصره الحق وهيأ له البطانة الصالحة المصلحة الناصحة الأمينة. أما قوله مهلكة فإنها حسنة في بابها إن كان عناها، أما ما يعرف بالهلك وهو الموت فليس بحسن ههنا أن يقول بعد ذلك: أودت بقوم. وأصل هلك الكسر والسقوط قاله ابن فارس في كتابه الذي طبق الآفاق وملأ الدنيا وضربت إليه آباط الإبل. فإذا كانت المهلكة ثمة عائدة إلى أصلها اللغوي فهو حسن، وإلا فإن قوله أودت بقوم خطأ فاحش، وللبيت حالات فمنها أن أودت تعود على مهلكة إن قصد بها ما تقدم، وإما أنه أراد أودى فزلّ فأنّث، فيكون ساعتئذ أراد أودى النصر بقوم أبيدوا. وقوله أبيدوا حشو، إذ البيد هو الوَدى، وأما قوله بعدما لعنوا فظريف غير متكلف؛ قريب من لسان العامة، وغير ساقط في ميزان الخاصة. ثم قال: أين العداة؟ وطئناهم بأرجلنا وأين سادتهم للآن ما دُفنوا! استفتح البيت بسؤاله عن العدو سؤال غير الجاهل، وهو بمنزلة التشفّي، وأما جوابه على سؤاله فيدخل في هذا الباب، وأما قوله: بأرجلنا فحشو حسن؛ فيه زيادة الإصغار لهم والتشفي منهم.. ثم قال: وأين سادتهم للآن ما دُفنوا. وهو حسن، إذ تكرمة الميت دفنه، وأولاء قوم لا كرامة لهم لعنهم الله. على أنه حسن لو لم يتبعه آبدة العصر! وانظر. قال: خلّفتهم جيفا، لا الطير تقربهم ولا التراب يواريهم ولا العفن. وهو إنما أراد المبالغة فوقع في مغالطة قبيحة، وهو بيت لو وقع في البحر لكدّر على الأسماك، ولو علقّ في السماء لأطأفأ وهج السماك، ولو وضع في ماء فسقيت به شجرة الأراك لخبث الأراك! ثم إن العرب تقول جافت الجيفة أي أنتنت، والجيفة جثة الميت إذا أنتنت، فكيف لا يقرب العفن الجسد الذي صار جيفة لأنه أنتن؟! والذي أراده الشاعر المعنى الذي عرفه القاصي والداني، العراقي واليماني ومنه قول النابغة: إذا ما غزوا بالجيش حلّق فوقهم عصائب طير تهتدي بعصائب. وقال أبو نواس: تتأيّى* الطير غُدوته ثقة بالشبع من جزره *أي تتوخى ومسلم: قد عود الطير عادات وثقن بها فهن يتبعنه في كل مرتحل! وأبو الطيب: يطمّع الطير فيهم طول أكلهم حتى تكاد على أحيائهم تقع. فانظر كيف بالغ أبو الطيب فأتى بعجيب، ولم يسقط بيته سقوط بيت صاحبنا وفقه الله. وأختم لك بقول الآمدي: وكلّ ما دنا من المعاني من الحقائق كان ألوط بالنفس، وأحلى في السمع، وأولى بالاستجادة. ثم قال: جاؤوا إلى الشام، آسادا مزمجرة كأنهم ملك أرض الشام قد ضمنوا. وهذا حسن، فيه تقديم وتأخير من غير تعويص. وإن قلت إن مدحه إياهم خطأ قلت لك إن العربي ليذكر شجاعة خصمه وشدة بأسه تنويها بمن ظفر عليه وعلا (ومن عرف القوم وجد في بني فارس ذاك) ، وفي ذلك قصائد سميت المنصفات، قال صاحب الخزانة: وللعرب قصائد قد أنصف قائلوها أعداءهم فيها، وصدقوا عنهم وعن أنفسهم فيما اصطلوه من حر اللقاء، وفيما وصفوه من أحوالهم في إمخاض الإخاء، قد سموها المنصفات. ويروى أن أول من أنصف في شعره مهلهل بن ربيعة، حيث قال: كأنَّا غُدْوَةً وبَنِي أبِينَا بجَوْفِ عُنَيْزَةٍ رَحَيَا مُدِير. ثم قال: جاؤوا وحوشا، ولا أنبيك مذ وصلوا طحنا وربّك في أرجائها طُحنوا. ثم عاد فكرر فجعلهم وحوشا، وهو أعم، وهو حسن لما في أصل كلمة وحش. وقوله طحنوا طحنا من ذلك القبيل، وهو شائع، قال عمرو بن كلثوم: قريناكم فعجلنا قراكم قبيل الصبح مرداة طحونا. وهذا أبدع استعارة وأحسن وصفا. وقال القائل: ولا نوم حتى تشجر الخيل بالقنا ويشفى من القوم الغواة غليل ونطحَنَهم طحن الرحى بثفالها وذاك بما أسدوا إليك قليلُ.
(٣) وأيُّ شيءٍ به العاصي أرى سَخطاً في ماءِه يَجعلُ الأمواهَ نيرانَا جُزنا عليه فحيَّيناهُ في وَجَلٍ فغضَّ من وَجَلٍ مِنَّا وحيَّانا وكان خَمسينَ عاماً ماؤُهُ ظَمِئاً حتى رآنا فعادَ اليومَ ريَّانا هذه جملة الأبيات فيما نسميه الفصل الثاني كما قسمتها من قصيدة الجابري، قال: وأي شيء به العاصي أرى سخطا في مائه يجعل الأمواه نيرانا البيت يحمل وجهين في تأويله أما الأول: فهو بأي شيء حمله أو رآه هذا العاصي أرى العاصي سخطا يجعل الأمواه نيرانا؟ والثاني: تساؤل عما به، وحله عندي: وأي شيء به هذا العاصي، إني أرى سخطا في مائه يكاد يجعل الأمواه نيرانا، والبيت على كلا معنييه في العيّوق! وحسبه من علوه ألّم يكتفِ بجعل ماء العاصي وحده نيرانا بل كل ماء! ماءه وماء غيره! ويكون ضمير أرى في التأويل الأول عائد إلى العاصي؛ ومضارعه يُرِي، والضمير في التأويل الآخر عائد على الشاعر قدس الله سره فيكون هو المضارع وماضيه رأيت.! وأرجحهما عندي الأول، ولك أن تأخذ ما شئت! ثم قال: جزنا عليه وحييناه في وجل فغضّ من وجل منا وحيّانا! قوله جزنا فالجوز قطع الشيء، وهو المرور عليه، وهو متعد بنفسه، فلا حاجة للتعدية، فإن قلت: إنما حمله على معنى المرور وبيان السرعة في طلب غيره. قلنا: إنك ما صنعت بتأويلك هذا شيئا؛ إذ جوزك الشيء مرورك عليه. ومما يجمع بين الوجل والجوز أو الاجتياز قول الأول: ثم انشمرت عليها خائفا وجلا والخائف الوجل المجتاز ينشمر. وحييناه: والتحية مما اشتهر في الشعر ومنه تحية الرجل وتحية النهر وتحية البيت وتحية الطلل، وهي أعم من السلام. قال الشاعر: خليلي عوجا منكما اليوم أو دعا نحي رسوما بالقبيبة بلقعا. وغيره: عليك سلام الله منا تحية. وغيره: حييت دارك عن بعد فحييني. في وجل: أي في فزع وخوف، فإن قلت مم يخاف أولئك وهذا؟! قلت: إن دقة البيت عجيبة! فقوله جزنا يعني المرور عليه إلى غير مكان؛ وهو القصد إلى ما بعده طلبا لاستكمال الفتح وهذا ملحظ دقيق جليل افتن فيه الشاعر وأخذ ما شاء من حسن! فتحيتهم إياه كانت على تخوف منهم أن يفوتهم الفتح فيكون من حظ غيرهم وهذا دأب الرجال الأشداء، فإن قلت هبه كذلك فمم خاف النهر؟ قلت: إنه حين نسب إليه الخوف جعله إنسانا، فلما كان كذلك كان من دأب من عاش تحت حكم الطاغية أن يخاف إذا أتت فرقة أخرى حتى يستيقن دخولها، فهو خائف أن يكون هذا الفتح وهما! وإن شئت فللبيت تأويل آخر أتركه لك تعمل فيه فكرك. ومجمل القول أن البيت بلغ أجله لولا على التي بعد جزنا! وقد قيل: جمح الزمان. ثم قال: وكان خمسين عاما ماؤه ظمئا حتى رآنا فعاد اليوم ريانا وهذه إشارة منه إلى مدة حكم الطاغية قبل الفتح، والبيت يؤكد لك قولي في سابقه، ولي على قوله ماؤه ظمئا مآخذ. تم الفصل الثاني من شعر الجابري، وأنا شارع إن شاء الله في الفصل الثاني من شعر العرجي، راجيا السداد.
أوائلُ إن عيرتني أنني فتى وحيد فإن الأسد قل نتاجها وأمك أم المعز يكثر نسلها وهل يتساوى أسدها ونعاجها؟ وأمي التي شادت دعائم بيتها وأمك مثل العنكبوت نساجها
(٢) ولكنه قصر فيه، وإنما أراد أنه ظفر بعد طول الصبر ورجع بعد طول انتظار، فكان هذا البيت. ثم قال قرّت وربك فينا وانتشت فرحا عينا معاوية، واستبشر الزمن. ثم صور المشهد بنظرة الأموي؛ وقوله انتشت عيناه فرحا مأخوذ عليه، لأن العرب لا تقول انتشت عينه فرحا. بل تقول قرت قرورا وبردت، وأصلها من القَرور وهو الدمع البارد يخرج مع الفرح. ثم قال: وعاد منتصبا من بعد مصرعه مجدٌ تهاوى على أقدامه الوثن. وانتصب الشيء إذا قام مستقيما، جعل الزمان منتصبا بعد أن صرعه الظلم، وهو حسن جيد، غير أن الانتصاب لا يقابل بالصرع، وإن كان في الصرع شيء من الاستلقاء أو شبهه. وأما قوله تهاوى على أقدامه الوثن فحسن بسن، إذ إن التهاوي سقوط الشيء إثر الشيء، وجعله للمجد أقداما مع ما سبق من جعله إياه منتصبا في محل من الحسن، ثم إردافه تهاوي الوثن؛ فهو بيت مثل الكمالُ له لو قابل الانتصاب بضده! ثم قال: ترى الوجوه وقد رُدت ملامحها كأنها لم تُشتت شملَها المحنُ وهذا بيت وسط، أما قوله الملامح فقد سبق تعريفها، فلو أتى بغيرها لأجاد، لأنها إنما أراد أنه رد عليها سرورها، ولا صلة بين محاسن وجه الرجل وانبساط أساريره! فقد يكون الوجه قبيحا وهو منبسط الأسارير. وقوله لم تشتت شملها المحن فهو لم تشتت شمل أصحابها وهو كثير في الشعر. ثم قال: مستبشرون بوعد الله تحرسنا ملائك النصر ما كلّوا وما وهنوا وهذا بيت ساقط في محله، ولو قال مستبشرات بوعد الله، أي الوجوه، لكان كمل له اتصال الأبيات وحسن هذا في موضعه، وقوله الملائك جائز: وكأن برقع والملائِك تحتها سدر تواكله قوائم أربع. أما الإضافة إليه فمما عييت بحثا عنه فلم أهتد سبيلا!. ثم قال: رجعت يا حمص لو تدرين كم قتلت بنا المنافي، وكم أودت بنا المدن قوله قتلت بنا لحن جلي، والأصل أن إطلاقك لفظ قتل بالشيء أنه ضربه به فقتله تقول قتلته بسيفي ، أو قتل به أي نفسا بنفس، وقوله أودت بنا المدن أي أهلكتنا، من الوَدى، وأما قتل فتتعدى بغير الباء فتقول قتلتُ فلانا، قال الأول: قتلنا قتيلا مهديا بمُلبّد جمار منى وسط الحجيج المصوّت وقال ربنا تبارك وتعالى: قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم. ثم قال الشاعر: أسير فيك بعقل لا يصدق ما تراه عيني وحب سره علن. وهذا للنثر أقرب منه للنظم، وهو ليس بشيء، وهو من جملة ما لو سرقه سراق الشعر لارتاح منه صاحبه، وفاز بخسارته إياه. ثم قال: مزعزعَ القلب، مخنوقٌ ومنبسطٌ أبكي وأضحك بي حرب وبي هدن وهذا عجيب، ولو نصب قوله مخنوق ومنبسط لكان أهون، وأولى به النصب على الحال إذ هي حال على كل حال. وهو لو فعل فكيف تكون مخنوقا ومنبسطا؟ أتكون ممتدا على ظهرك وفيك خنقة؟! أم ماذا؟ وأما ضرب الشطر الثاني فساقط تساقط نفس امرئ القيس أنفسا. ثم قال: عجزتُ والله أن ألقاك متّزنا كيف المشاعر في المشتاق تتزن؟! لا أدري! قد انتهى الفصل الأول من قصيدة العرجي، هو كما رأيت، يعلو ويسفل ويغور وينجد. ثم نشرع إن شاء الله استكمالا لما بدأناه في الفصل الثاني من قصيدة الجابري، والله نسأله السداد والإنصاف، وهو المستعان. #يتبع
(١) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي علم البيان وخلق الإنسان رب الأرباب مسبب الأسباب الجاعل لكل أجل كتاب. والصلاة والسلام على رسوله المجاهد الشهيد الواهب على الشعر الحسن الهبات، صلاة تملأ الآفاق ما سالت الموق وحنت النوق. وبعد فإن الشعر يجري من العربي مجرى الدم في العروق، وقد قيل لا يدع العربي الشعر حتى تدع الإبل الحنين؛ وهيهات وقد جرت عادة الشعراء أن يكتبوا في كل عظيم وقع “وإن أعظم ما يعظم أن يفتح الله لعباده أرضا طالما كان فيها للباطل الصولة. ولا يخفى على أحد ما ذاقت البلاد المباركة من ظلم الطغاة, ثم من الله على عباده بالنصر فكان, فتسابق الشعراء في الكتابة فيه, وقد ارتأيت أن أكتب في قصيدتين جمع بينهما السبب والوزن والقافية وفرق بينهما شرف المعنى وجودة الوصف وحسن السبك. وأنا مطلعك عليهما وناظر فيهما فأما الأولى فهي لحذيفة الجابري الشاعر المفتن الرقي المولد وأما الثانية فهي لحذيفة العرجي, الحمصي المولد وأنا ناظر في القصيدتين نظرة إنصاف إن شاء الله تعالى وقد رأيت أن أقسم القصيدة فصولا ليسهل النظر؛ وليس كل فصل يقابل الفصل الآخر في القصيدة؛ فلا يكون الكلام موازنة بمعناها المعلوم، بل هي تبيين لحق وجب تبيينه، وإسكات لباطل كثر تزيينه قال الجابري: هل تذكرين دمشق الأمس طغيانا تخيّري أيّ ثأر شئته الآنا بدأ مخاطبا دمشق, ومخاطبة المدن في الشعر مما ملئت به بطون الكتب، فمنه قول الإمام المحدث محمد بن جابر: لك يا دمشق على البلاد فضيلة أيامك الأعياد لازمها الصفا. وقول الآخر: أدمشق طال إلى رباك تشوقي وحننت منك إلى المقر المونق وإذا ذكرتك أي قلب لم يطر طربا وأي جوانح لم تخفق. ومنه: أدمشق إن طال المزار فإن لي قلبا تخلف فيك عن جثمانه. وغيره كثير مما لا يسعنا ذكره كله. أما المطلع الذي بدأ به فانظر إليه كيف عجل البشرى، فكأنه آسى الجراح ولم يطل في وصف الطغيان الذي كان لما فيه من حزن، فعجل إلى البشرى تعجيلا فلم يقم إلا شطر بيت على ذكر الطغيان وكذلك حق الطغيان! فإنه يذكر للعبرة، ويخلد ملعونا مذموما. وإن هذا براعة ودقة نظر من الشاعر في تعجيل البشرى وترك إطالة الكلام عن الطغيان والطغاة ولو شاء لأطال فيهم فذمهم. ثم قال: هل تفهمين الغمام الحرّ كيف همى ولِمْ يحدّقُ ذاك النجم حيرانا. ثم عاود فسألها - أي دمشق - وفي سؤاله إضمار أن كل طرب يخف عقله في طربه، فكأنه جعلها إنسانا بلغ منها السرور مبلغا تسأل فيه كيف همى الغمام الحر، فكأنه جعل الثورة غمامة والأحرار ماءها، يهمون على دمشق، فكانوا غيثها، وري ظماها. وأما تحديق النجم حيرانا فتصوير لحاصل أن الأرض كلها حررت في ثلث شهر، وقد اندهش لذلك كل قاص ودان، والنجم! وهلك الفتى ألا يراح إلى الندى وألا يرى شيئا عجيبا فيعجبا! ثم إنه سكّن لِمْ للضرورة الشعرية، وهو كثير يطلب في مظانه. ثم قال: وكيفَ أبرق برقُ الشَّرق فاصطخبت أفلاكُه واستحال الرعدُ ألحانا. والبيت في مجمله حسن، وعلى كثرة القاف فيه وثقل الحروف إلا أنه سلس النطق سهل لا يرى عليه أثر التكلّف. والبيت إكمال لاستفهامه، وهو واضح لا يحتاج إلى كبير إعمال ذهن فيه. وقوله اصطخبت فالصاد والخاء والباء أصل صحيح يدل على صوت عال. وهو إنما أراد إبراق البرق واصطخاب الأفلاك غضبا أول الأمر ثم استحال رعد ذلك الجيش وجلبته ألحانا حين سر بالنصر! وهو بيت بديع، لو صور لرأيته رجلا عابسا فجأه سرور فانبسطت أساريره! انتهى الفصل الأول من القصيدة. ثم ننتقل إلى قصيدة العرجي، وهي قصيدة عارض فيها قصيدة له كان عارض فيها قصيدة المتنبي بم التعلل. وكانت القصيدة الأولى قبل الفتح بأعوام بدأها بقوله: لم يبق شط إليه ترجع السفن ولا مطار عليه يهبط الشجن لا شيء إلا أمانينا تصبرنا الحمد لله لا أهل ولا وطن. وهي أحسن شعره. قال: لك الشواطئ والأمواج والسفن لك المطارات فاهبط أيها الشجن. وهو حسن، أعوزه الوزن أن يحذف واو العطف، فلم يظهر اتصال الشطرين، وفي افتتاحه حسنة؛ إذ قوله لك المطارات بشرى لمن كان بالأمس لا وطن له ولا بحر ولا سفن. وأما قوله والأمواج فهو حشو لا فائدة فيه، إذ الموج مما لا حاجة لك به ولا نفع لك منه في التبشير. فإن قلت إنه به تجري السفن قلت لك كلا، بل بالرياح، وانظر ذلك في لسان العرب: حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة. تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. ثم قال: من بعدما أكل المنفى ملامحنا الحمد لله لي أهل ولي وطن. الملامح ما يظهر على وجه الرجل من محاسنه ومساويه، وأما المنفى فهي كلمة يكثر استعمالها في شعر المعاصرين في مجاز أكثره قبيح وفي حقيقة كما استعمل هنا؛ على أنني لم أجد في شعر الأقدمين هذا اللفظ، وهو مشتق من نفى، أي مكان النفي، وقد أحسن استعمال الكلمة في موضعها إذ كان منفيا إلى بلد غير بلده كما كان حال أكثر السوريين الأحرار، ثم قال إن له أهلا ووطنا، يبشر بذلك، وكان يحسن أن يغرض المعنى بأحسن من هذا السبك، #يتبع
.
ومن جهله في نفسه متأصل يرى الخلوَ ممن أترع العلمُ أملأَ فلا لامني - من أحسن الشعر عنده يد غضة! - في أن أذُمّ مبذَّأ يقول صحابي صم عنهم فإنما نفخت رمادا، قلت حتى أبرّئ وأين بيان الحقّ في ترك مفسدٍ لسانَ بيانٍ لا يبيت محلّأ؟