- Последний пост
- 9 авг.
- Последнее чтение
- 14 авг.
- Постов за неделю
- 0
- Всего постов
- 20
- Тип
- открытый
- Язык
- арабский
- В каталоге с
- 13 авг.
- 1/24сутки в ленте
- 19
- 1/48двое суток
- 21
- 1/72трое суток
- 23
Оценка по просмотрам недавних постов: пост набирает почти всё за первые сутки.
Посты
الحمد لله.. صدر في هذه الأيام هذا الكتاب الجديد لي، ويقع في (936 صفحة). وسيتوفر -إن شاء الله- عند الناشر في الأسابيع المقبلة. وللاطلاع على شرح موجز لطبيعة هذا الكتاب يُنظر الرابط التالي: https://www.facebook.com/share/p/1DD8ZCofbb/ والرسالة التالية محتويات هذا الكتاب. والحمد لله الذي وفق وسدد ويسر. عبد الله الـغِـزِّي الرياض، المملكة العربية السعودية صيف عام: (1448هـ/2026م)
تحقيق التراث في زمن الكوليرا : كثير من الكتب أو الرسائل التي يوجد فيها "تحقيق"، للأسف هي عبارة عن جرائم علمية و منهجية و شرعية: لأنها خيانة أمانة عن سبق قصد و تبرير/تسويغ ديني عقائدي. و لفظ الجريمة هنا حقيقة لا مجاز : تخيل أنني اطلعت في عجالة على تحقيق رسالة في المنطق من باب جرد ما هو منشور، وجدت الذي يسمي نفسه "محققا" يفعل كل شيء سوى التحقيق، يتناقض في صفحتين فقط، تعليقات بالجملة خارج موضوع الرسالة، يتهم، يشنع، ينتقص ما شاء كيف شاء، يفسر كلام مقصود صاحب الكتاب بمقصود آخر يخدم صاحب التحقيق و توجهه، ينتهز كل لفظ أو إشارة لقول مقولاته دون اكتراث بقصد الكتاب علميا و منهجيا، و فوق كل ذلك، تحقيق سطحيّ لا يليق بطالب علم مبتدي، بل يهين صاحب الكتاب. فكيف بمن يسمي نفسه الدكتور أو الشيخ وهما و زورا. ما أردت قوله للقراء المهتمين بالتراث خصوصا - و قل مثله في الترجمات الفكرية الحديثة- أن ينتقي القارئ المطلع أو الباحث، تحقيقات الكتب من المتخصصين و يبذل جهده قبل القراءة، بدل تضييع فكره و وقته في أمراض المحققين اليوم. فيخرج و قد تسربت إليه جهالات معرفية و أمراض نفسية أخلاقية في العلم. لأن التحقيق ليس مجرد مهمة علمية، بل هو مهمة أخلاقية قبل كل شيء : أن تحفظ مقاصد الكاتب و سياقاته و تلتزم بموضوعه و رؤيته المعرفية و حقوله الدلالية و ترتيبه المنهجي، ولا يهمنا رأيك و لا شرح أفكارك و لا إبراز مذهبك، فهذا اعتداء و ظلم و تزوير لكلمة "التحقيق". الملحظ من كل هذا أن التحقيق اليوم صار هواية طائشة في كثير منه و تجارة علمية جيدة، و في احسن أحواله : صار طريقة فنية مرضية و مجرد تعليقات جزافية لتسجيل الحضور في كتب السابقين.
يؤسفني اليوم ما يحدث بين المتصدرين من كل مذهب من نقاش علمي دقيق جهارا نهارا، و طرحه أمام الجمهور و شحن الأتباع و تحريضهم و تفريق المفرق و التشويش على الناس، حتى أذهب هذا هيبة العلم و خصوصياته المعرفية و الأخلاقية و العرفية، و لهم حجة وهمية تغمط حق العلم و الدين و الناس : [ بيان الحقيقة زعما ]. حتى صار ضعاف العقول ذوي منابر هنا، و المعضلة و الجريمة أنهم لا يجدون زجرا من رؤوسهم و شيوخهم، لأنهم جميعا يقتاتون على طرح هذه المسائل بين الناس حتى ينالوا حظوة الدين و العقل باطلا، فالناس لا تقبل التعقيد في العلم، ولا يقبلون التفصيل، فيكون الرمي جزافا بيع المتصدرين . و لولا أني أخذت عهدا على نفسي أن لا أطرح ولا أنشر هذه المسائل هنا في الفايسبوك خصوصا، لكان حديث آخر، و لكن كل الأسف حين تجد طلبة العلم يتسابقون في النشر في مسائل والله ليست من نصوص الدين ولا السلف، لنيل الأتباع و جلب الموافقين و حشدهم و نيل الحظوة بينهم و الإشارة إليهم. لدي اعتقاد علمي راسخ - لي فيه أيمة أعلام من كل مذهب إن شئت - أن كثيرا الخلاف في ما يسمى خلافا عقديا خلاف اعتباري كلامي فلسفي زائد عن النصوص و مأثور السلف المجمع عليه، و بعضه حقيقي ضيق دقيق النظر لا يخطر على بال الناس، بل لم يخطر على بال السلف أنفسهم، لأن عباراتهم كانت بعيدة عن الدلالة الكلامية للخلف، والخلف هنا هم كل من بعد السلف من أي المدارس كانوا، أشعرية أو حنبلية متقدمة أو متأخرة ، و وصف "الكلامي" هنا هو كل ما زاد عن نصوص الوحي و مأثور السلف المجمع عليه، و لو كان استطرادا لغويا مجردا. و هذا الكلام يزعج جميع المتعصبة من كل مذهب ربما، لكنك تجده بفصه و نصه و معانيه عند إمامين علمين -مثلا لا حصرا- كحجة الإسلام الغزّالي و شيخ الإسلام ابن تيمية، بل كان هؤلاء يمنعون طرح هذه القضايا أمام الناس، و كلام الغزالي شهير في الإلجام، و كذا ابن تيمية -في كتاب التسعينية- أنه لم يفاتح عاميا قط في هذه المسائل عدا ما كان في مباحثة أو سياق علمي أو رد شبهة عمت بها البلوى في قطعيات الدين لا ظنياته . لذلك، تعودت في البحث و ألزمت نفسي بمنهج لا أحيد عنه إن شاء الله، و هو أن لي في كل مسألة و قناعة علمية إمام ريّان مجمع على إمامته أو أيمة من كل نحلة، و قد أدبني هذا المبدأ على تنظيم مسائل الخلاف و أدب المخالف و الاستماع لما يقوله قبل أن أحكم و أقيم لمجرد أن كلامه يثير عدم الود في نفسي ابتداء. و هذا المنهج سببه أمران : عرفي-علمي و إلزامي ، الأول و هو عدم الخروج على مذاهب العقلاء فيما عمت به بلوى العلوم، و هو ما يسمى في الاصطلاح المعاصر بالمجتمع العلمي فلا يعقل دحض كل ما قيل في أمر قديم أصلا ، و الثاني هو الإلزام من أجل دفع التشنيع من الجهال، لأنك إذا قلت رأيك مجردا رأيت النفور و التكذيب و الرد السطحي دون فهم أصلا، و إذا قلت : كذا قاله فلان بنصه و فصه في كتاب كذا، رأيت سحنة الوجه تغيرت و عبارات الاعتذار تتلى كقرآن و حسن الظن يشتغل فجأة و لعل و عسى قاله في سياق كذا. رزقنا الله علم الحق بالحق و كفانا شر أنفسنا.
نقطة حول الإلحاد : هناك إلحاد معرفيّ، سببه الوقوع في إشكاليات معرفية و مغالطات منطقية و التباس في الاستدلال و عدم وعي و استيعاب للأدلة . و هناك إلحاد نفسي، سببه مشاكل نفسية أو اجتماعية أو شهوانية، و يكون النقاش مجرد ملء لفراغ وجودي ضروري في النفس. حسب استقراء واسع : أغلب الإلحاد المنتشر في العالم العربي خصوصا، هو إلحاد نفسيّ غير معرفي و غير علمي، فيكون هذا الإلحاد تعبيرا عن السخط من الواقع أو الكبت الاجتماعي أو انتقاما من الذات و المجتمع. مع ذلك، و حسب استقراء واسع أيضا : فإن مشكلة الإلحاد(المعرفي) عند بعض من له صدق في البحث، تعود إلى ثلاثة أوجه متعلقة بالمبادئ العقلية الفطرية البديهية [ الهوية-عدم التناقض- السببية] : إما جحود بتلك المبادئ العقلية أصلا[السفسطة] أو تشوه فطري و عقلي حولها. أو مكابرة في تطبيقها و تعميمها .
من أسباب غُموض بعض مسائل العلم في المؤلفات: ------- وما سبب ذلك إلَّا أنَّ المصنِّفين تارةً ينقلونه كما رأوه من غير تحقيقٍ له، وكثيراً ما ينقل الإنسان كلاماً بمعناه المُجمَل غير مُعرِّج على تفصيله، وتارةً يُحقٍّقونه لكنهم يتركون كشفه البليغ ظنَّاً أنَّ الناظر فيه يفهم منه ما فهموا. وسبب ذلك : أنَّ الإنسان يغلب عليه تصوُّرُ ما في ذهنه فيظنُّ أنَّ الناس شركاؤه فيه، ومن ثَمَّ يؤخذ الموهوم ويُطَّلع على سرِّه المكتوم. وليس هذا برأيي في وضْع الكتب، بل ينبغي أن يُعتنى منها بما هو مَظنَّة الإشكال فيُكشف ويُسلك فيه سبيل الإيضاح ولا يُتعسَّف، ويُنظر الناس بحسب قُواهم، ولا يُقاس الضَعْفَى على مَن سواهم. - نجم الدين الطوفي -
يمكن القول أن أكثر قراءات الدين و النصوص الدينية، تخضع في انعطافات حادة لمزاج نفسيّ مسبق-بشكل متفاوت- يوجه/يؤثر على فهم و استيعاب النصوص . هذا الانطباع المعرفي مبني على استقراء ناقص و كافي في تشكلات المقالات الأساسية للمذاهب و كتب الردود و الاستدراكات و في عدة مستويات معرفية : فقهيا و كلاميا-عقديّا و حديثيا و تفسيريا. ولا يعني بطبيعة الحال -من باب توضيح الواضحات- أن هذا الانطباع مبني على تفسير نفسي اختزالي، بل عوامل الترجيح و الاقتناع الذاتية والموضوعية كثيرة، لكن الإشارة إلى العامل النفسي هنا - كونه جوهريا و مثل انعطافات لافتة في تشكيل/توجيه/ تاريخ المقالات و الأفكار- لأنه مغفول عنه في قراءة تاريخ المقالات في جميع المذاهب، ولا يوجد قراءات جادة إلى يومنا سوى بعض الجهود المتفرقة، و التي هي نفسها تلاقي انتقاصا ممن تعوّدوا التفكير المغلق ضمن أطر محددة جعلوها تساوي في عصمتها الوحي - حالا لا مقالا، أو مقالا أحيانا- ، أعني الأطر المعتزلية قديما، و الأشعرية و التيمية أو الحنبلية -بتوجهاتها- حديثا. و التركيز إلى المستوى الكلاميّ كونه اكثر مستوى استنزف الأمة الإسلامية عبر التاريخ من خلال المزايدات التي تتلبس الذات، و تداخله مع مسائل التكفير و التبديع بشكل مباشر بسبب حساسية موضوعه العقدي و ما يورثه في نفَس المشتغلين به من منطق دفاعي يصير عادة فكرية في التعامل مع كل مخالف.
الباعث للأكثرين على نشر العلم لذة الاستيلاء والفرح بالاستتباع، والاستبشار بالحمد والثناء، والشيطان يلبّس عليهم ذلك ويقول: غرضكم نشر دين الله، والنضال عن الشرع الذي شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وترى الواعظ يمن على الله تعالى بنصيحة الخلق ووعظه للسلاطين ويفرح بقبول الناس قوله وإقبالهم عليه، وهو يدَّعي أنه يفرح بما يسِّرَ له من نصرة الدين ولو ظهر مِن أقرانه مَن هو أحسن منه وعظا وانصراف الناس عنه وأقبلوا عليه ساءه ذلك وغمّه، ولو كان باعثه الدين لشكر الله تعالى إذ كفاه الله تعالى هذا المهم بغيره. [أبو حامد الغزّالي|| الإحياء].
يقول الغزالي رحمه الله في الرسالة اللدنية: "اعلم أن العلم على قسمين: أحدهما شرعي، والآخر عقلي. وأكثر العلوم الشرعية عقليةٌ عند عالمها، وأكثر العلوم العقلية شرعيةٌ عند عارفها. ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور". قلت: وهذا التفاتٌ نفيس من الغزالي، عبّر عنه بعبارات أخرى في كتبه. فالشرعيات لدى العالم المحقق، المحيط بجزئيات الشريعة ومداركها وعللها ومعانيها ومقاصدها؛ تكون في قوة العقليات، حتى إنه ليدرك كيف يتصرف الشارع في الشرعيات، ولا يأخذها تعبدًا محضًا. والعقليات عند العارف بها غير المحقق لها، تكون كالشرعيات، يأخذها تقليدًا عن معلميه او رؤساء الكلام والفلسفة، وإن ترقى حفظ نظمًا لبعض الأدلة، فيكون مقلدًا في الدليل والمدلول، ولا يخرجه ذلك عن ربقة التقليد، فتبقى العلوم العقلية التي ينبغي ويدعي أن يكون مبناها النظر والبرهان؛ شرعيات مأخوذة بالوضع والتقليد. ومن أنصف علم أن أكثر الناس الناظرين في العقليات من هذا الصنف، وإن تبجحوا بخلافه.
كلمة للباحثين في علم الكلام و المقالات و العقائد. دراسة الاختلاف الكلاميّ عند الباحثين بين المعرفي و النفسي : مشكلتنا في دراسة الفرق الإسلامية خصوصا تاريخيا ، و أمام زيادة الجماعات اليوم و المذاهب و المدارس ، أننا ندرس الاختلاف من جانب معرفي محض، أي : المقالات و الأقوال و المواقف دون لحاظ الجانب النفسي الفردي و الجماعاتي ( نفسية المذهب في سياق الجدل و العلاقة بالآخر) ، و دون اعتبار - او باعتبار شكلي لا يؤثر في مضمون الدراسة و فهم بناء المواقف - قلت : مشكلتنا أننا نتعامل مع المقالات و المذاهب الكلامية خصوصا دون اعتبار الجانب النفسي و أثره في صناعة الموقف المعرفيّ ، سواء : - للفرد في ذاته و تكوينه و بيئته ، أو في سياق علاقته بالآخر معرفيا . - أو طبيعة الموضوع (خلفيته و مجاله و أثره)، كتعلق الخلاف الكلاميّ الحادث بالاعتقاد. و هذا ينشئ شعورا نفسيا خاصا عند المشتغلين به، أكثر من غيرهم. - أو طبيعة المذهب نفسيا بسبب التراكمات و العلاقة مع المخالف نفسيا و تاريخيا و حتى سياسيا . و هذا يشمل جميع المذاهب دون استثناء مهما ادعت القرب من العقل و السنة. لأننا إزاء التعامل مع ظاهرة إنسانية مقرونة بخلاف حادث، يُنمي كل منهم أصوله إلى الحقيقة العقلية المطلقة أو الحقيقة الشرعية القطعية. و هذا تنبيه للباحثين في المجال الكلامي و الفلسفي الإسلامي، أكثر من المشتغلين به على أساس التمذهب و التقليد للرؤوس ، فهؤلاء قلما يسلم من هذه المشكلة، فالموقف عنده وفق ثنائية حدية binaire : إما 1 أو 0. بل أغلب هؤلاء المشتغلين في الواقع يرى الحديث عن المشكلة النفسية، جهلا أو تجهيلا او تسطيحا. فهؤلاء غلب عليهم ولاء المذهب و عصبية الشيخ و هوى المتبوع، إضافة إلى أن هذا البحث يزعج بناءهم المعرفي-النفسي الذي يتلبس بالاعتقاد و الوحي. و الناس متفاوتون في ذلك، حسب قدرتهم النقدية للذات و مقاربتهم للموضوع خارجيا. و لك في الخلاف الأشعري-الحنبلي خير مثال، و الذي تطور في العصر الحديث إلى مدارس مختلفة سواء مثل السلفية التي تسمي مواقفها الكلامية : عقيدة. بالمعنى و الأثر التي توجد في النصوص و نشرها بين الناس، أو الأشعرية التي لم تسلم من هذا أيضا في تقريراتها تاريخيا من خلال بعض المتون التعليمية. و اللافت، أن الغزالي أبا حامد كان ممن واجه هذا الخلط بين المقالات في إلجام العوام عن علم الكلام،و لابن تيمية كلام واضح أنه ( يمنع العوام من الدخول في هذا و ليس مما يصلح لهم و لم يُفاتح عاميا قطّ في هذه المسائل... )، فكانوا يضبطون الخلاف و يحصرونه في جدال نخبوي لا علاقة للعامة به، و لكن في عصرنا تم إخراج هذا الخلاف إلى العامة عبر المطويات و الإعلام، فحدثت ردود أفعال مساوية من المخالفين،و صارت ساحات و معارك تحشد فيها الأتباع و التعليقات و تستعرض فيها الخصومات . عموما، للمتخصص ، حاول توسيع دراستك و مداركك لاختلاف المسلمين و الطوائف و المدارس، و ادرس مقالاتهم تاريخيا بعيدا عن الانتماء المؤدلج و التبرير لمذهبك أو قناعاتك، يعني بدل تركيزك فقط على المقالة المجردة، ركز على الجانب النفسي والاجتماعي و الانثروبولوجي الذي يصنع/يُكون النفسية التاريخية للمذهب/العالم أو المنخرط في الجدل الكلاميّ، و التعامل معه علائقيا لا مجردا. توظيف علم النفس و علم النفس الاجتماعي و علم نفس الجماعات يساعد في فهم المشكلة تاريخيا و واقعيا اليوم، و يساعد في كشف طبيعة المواقف و تفكيك كثير من الخلاف. و هذه إشارة فقط إلى المعضلة، و إلا فالموضوع يحتاج تفصيلا طويلا و أمثلة تاريخية، هي ضمن مشاريعي البحثية المستقبلية. و لعل ما يبعث أكثر على "التفاؤل" المعرفي هو وجود بعض الباحثين من توجهات مختلفة و أشعرية و تيميّة و غيرها ، يهتمون بدراسة هذه المشكلة ، و هذا لقدرتهم نسبيا دون الكثير، على الخروج من سلطة التيار نفسيا و تاريخيا. و تحجيم طبيعة/قيمة/تصنيف المقالات في سلم المعرفة العقلية و الدينية.
🔴 المشكلة أن من يقع في هذه المغالطة هم دارسون متميزون بل علماء في مجالات علمية تقنية، و قد أشرت لهذه المعضلة التي يقع فيها أمثالهم، بسبب تعودهم على نمط محدد من التفكير بفعل سلطة التخصص+ و سلطة المناخ الأكاديمي الغربي أو المناهج العلمية في الأكاديميا الغربية خصوصا، التي رسخت أطرا محصورة في التفكير الإنساني و التي تم تصديرها لنا أنها نماذج وحيدة و ضرورية للعقل الإنساني، يصير هذا هو النمط/الطريقة المنطقية لفهم العالم و التعامل معه، ولا يمكن القيام بأي خطوة نقدية، لأن أي تفكير خارج تلك المناهج/النمط المعرفي/الاستدلالي/الفكري= هو أمر لا مفكَّر أصلا. الكلام طويل و التفصيل كثير في الموضوع لكن حسبنا هنا بعض الإشارات الجوهرية.
حتى تنبهت إلى أمر ضروري في الاستدلال على النبوة من خلال حديث ابن عباس رضي الله عنهما، و هو أن الأدلة جميعها لا يمكن أخذها إلا على سبيل التضافر و التكامل و التعضيد، بعضها لبعض، و إلا لو أخذنا كل دليل متفردا وحده، لما سلم من المعارضة، لأن أي دليل في نبوة النبي صلى الله عليه و سلم هو دليل واقعي غير تجريدي، و الواقع مصدر مدخول المعارضات و الاحتمالات النظرية و الواقعية و لو بأضعف الاحتمالات، لكن العقل العملي--ليس بالمفهوم الكانطي، بالمفهوم الوظيفي الذي يعني الأدوات و السلوك الطبيعي للعقل في تعامله مع الظواهر الواقعية العملية المعتادة-- يعمل براغماتيا و على سبيل العادة و التغليب ، و اليقين العقلي الواقعي ليس مبنيا -ضرورة و حصرا- على الصياغة و الاستدلال النظري الرياضي أو المنطقي الصوري، بل هو أوسع، بل الاستدلال العقلي الواقعي أوسع بما لا يقارن مع العقل النظري التجريدي. هذا يجعلنا نلتفت إلى أمر ضروري عند من يطلب الأدلة على النبوة الخاتمة : هناك خلط منهجي في التعامل مع الظواهر، نعلم في بديهيات الابستموجيا و علم المناهج أن لكل ظاهرة منهجا، و الظواهر قد تتداخل فيها بعض العلوم، لكنها تنفك في الجهة و الزاوية، مثاله : المنهج التجريبي لا يمكن تفعيله ولا يعمل إلا ضمن الظاهرة المادية فقط، و هنا تتفرع و تتأطر المناهج التجريبية حسب ظواهر أخص، فالمنهج الفيزيائي سيعمل في إطار خاص في العالم المادي، كذلك المنهج الرياضي، لا يمكن إلا أن يعمل ضمن الظاهرة الرياضية و العددية، مع تداخله طبعا مع مناهج/ظواهر أخرى بالضرورة خصوصا في بعض بديهياته التي تشكل بنية التفكير الإنساني أصلا، و التي تصنف ضمن البديهيات الفطرية عموما. الخلط، حين يطبق أحدهم- دون وعي بالمغالطة- منهجا ينتمي لإطار معرفي خاص، في إطار آخر، غير مبال بالعنف التصوري و الاستدلالي الذي يقوم به، فلا يمكن تطبيق المنهج التجريبي الفيزيائي مثلا على العلاقات الإنسانية لأنها لا تنتمي للظواهر المادية الصماء/الفارغة من المعنى و القيمة و الوعي عموما. وفق ما سبق، نعود إلى حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أسئلة هرقل لأبي سفيان رضي الله عنه، كلها كانت واقعية تتبع منهجا يوافق ظاهرة النبوة نفسها و خصائصها الواقعية/الوجودية ، بالتالي فالأسئلة تشكل منهجا خاصا يعمل به الإنسان في حياته اليومية حين يطلب اليقين، لكنها أكثر توجها و صرامة و ترتيبا من أجل طلب اليقين الواقعي في الأدلة على النبوة الخاتمة، ولاحظ أننا لو فصلنا سؤالا عن آخر، فتطرأ عليه احتمالات كثيرة لا تؤدي إلى إثبات النبوة، فمثلا لو أخذنا -فقط- سؤال [ فأشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟] لكانت الإجابة التي قالها هرقل فيما بعد [و هُمْ أتْبَاعُ الرُّسُلِ] دليلا لا يثبت النبوة، لأنه وجد رجال صالحون عبر التاريخ، اتبعهم ضعفاء قومهم. هنا نلاحظ أن انفراد دليل لوحده قد يعتبر سطحيا أصلا فلا يعتبر دليلا منطقيا/لا يؤدي إلى المدلول. لكن هرقل، يعلمنا هنا، أن تلك الأسئلة، هي منهجيا أسئلة تختص بظاهرة النبوة، و التي هي أسئلة من صلب العقل العملي، فحين يسأل عن : صدقه في قومه+نسبه+من يتبعه+ بماذا يأمر و ينهى ماذا و ما علاقة الامر و النهي بمصلحته و شخصيته+هل سبقه أحد في قوله+هل له آباء ملوك+هل جُرب عليه كذبا قط+هل يزيد أتباعه+ هل يغدر+ هل يرتد أتباعه سخطا على الدين +كيف القتال معه.... قلت : حين نجمع كل هذه الأسئلة، نجدها تحصل يقينا جازما بنبوة محمد صلى الله عليه و سلم، و هذا اليقين-راجع إجابات هرقل بالتفصيل في الحديث أعلاه- هو ما جعل هرقل يذعن و يستيقن من ختام النبوة و يقول قوله : [...فإن كان ما تَقولُ حَقًّا فسَيَملِكُ مَوضِعَ قدَمَيَّ هاتَينِ، وقد كُنتُ أعلَمُ أنَّه خارِجٌ، لَم أكُنْ أظُنُّ أنَّه مِنكُم، فلو أنِّي أعلَمُ أنِّي أخلُصُ إليه لَتَجَشَّمتُ لقاءَه، ولو كُنتُ عِندَه لَغَسَلتُ عن قدَمِه..] و لولا الهوى و الخوف من أصحابه و على ملكه، لجعل دولته طوعا تخضع للإسلام. اليقين من مجموع الأدلة يهجم على النفس مباشرة و يجعلها تخضع و تنقاد دون تردد، هذه هي طبيعة اليقين العملي . لكن من تعود على منهج خاص أو طريقة معينة في التفكير، ستجعله يقع في مغالطات مثل هذه، فتجده يعامل الرياضيات بمنهج تجريبي، و يعامل الظاهرة البيولوجية بمنهج رياضي، و يعامل الظاهرة التاريخية و النفسية و الإيمانية بمنهج تجريبي أو رياضي محض، دون استيعاب للحدود المنهجية و الخصوصيات المعرفية لكل إطار .
حول دليل نبوة محمد صلى الله عليه و سلم : عن عبد الله بن عباس، أنَّ أبَا سُفْيَانَ أخْبَرَهُ: [ أنَّ هِرَقْلَ أرْسَلَ إلَيْهِ في رَكْبٍ مِن قُرَيْشٍ، وكَانُوا تُجَّارًا بالشَّأْمِ في المُدَّةِ الَّتي كانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَادَّ فِيهَا أبَا سُفْيَانَ وكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فأتَوْهُ وهُمْ بإيلِيَاءَ، فَدَعَاهُمْ في مَجْلِسِهِ، وحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ ودَعَا بتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ: أيُّكُمْ أقْرَبُ نَسَبًا بهذا الرَّجُلِ الذي يَزْعُمُ أنَّه نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أبو سُفْيَانَ: فَقُلتُ أنَا أقْرَبُهُمْ نَسَبًا، فَقَالَ: أدْنُوهُ مِنِّي، وقَرِّبُوا أصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لهمْ إنِّي سَائِلٌ هذا عن هذا الرَّجُلِ، فإنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ. فَوَاللَّهِ لَوْلَا الحَيَاءُ مِن أنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عنْه. ثُمَّ كانَ أوَّلَ ما سَأَلَنِي عنْه أنْ قَالَ: كيفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلتُ: هو فِينَا ذُو نَسَبٍ، قَالَ: فَهلْ قَالَ هذا القَوْلَ مِنكُم أحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟ قُلتُ: لَا. قَالَ: فَهلْ كانَ مِن آبَائِهِ مِن مَلِكٍ؟ قُلتُ: لا قَالَ: فأشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقُلتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. قَالَ: أيَزِيدُونَ أمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلتُ: بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ: فَهلْ يَرْتَدُّ أحَدٌ منهمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلتُ: لَا. قَالَ: فَهلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بالكَذِبِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ ما قَالَ؟ قُلتُ: لَا. قَالَ: فَهلْ يَغْدِرُ؟ قُلتُ: لَا، ونَحْنُ منه في مُدَّةٍ لا نَدْرِي ما هو فَاعِلٌ فِيهَا، قَالَ: ولَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شيئًا غَيْرُ هذِه الكَلِمَةِ، قَالَ: فَهلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَكيفَ كانَ قِتَالُكُمْ إيَّاهُ؟ قُلتُ: الحَرْبُ بيْنَنَا وبيْنَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ مِنَّا ونَنَالُ منه. قَالَ: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلتُ: يقولُ: اعْبُدُوا اللَّهَ وحْدَهُ ولَا تُشْرِكُوا به شيئًا، واتْرُكُوا ما يقولُ آبَاؤُكُمْ، ويَأْمُرُنَا بالصَّلَاةِ والزَّكَاةِ والصِّدْقِ والعَفَافِ والصِّلَةِ. فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ له: سَأَلْتُكَ عن نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أنَّه فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، فَكَذلكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ في نَسَبِ قَوْمِهَا. وسَأَلْتُكَ هلْ قَالَ أحَدٌ مِنكُم هذا القَوْلَ، فَذَكَرْتَ أنْ لَا، فَقُلتُ: لو كانَ أحَدٌ قَالَ هذا القَوْلَ قَبْلَهُ، لَقُلتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بقَوْلٍ قيلَ قَبْلَهُ. وسَأَلْتُكَ هلْ كانَ مِن آبَائِهِ مِن مَلِكٍ، فَذَكَرْتَ أنْ لَا، قُلتُ فلوْ كانَ مِن آبَائِهِ مِن مَلِكٍ، قُلتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أبِيهِ، وسَأَلْتُكَ، هلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بالكَذِبِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ ما قَالَ، فَذَكَرْتَ أنْ لَا، فقَدْ أعْرِفُ أنَّه لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الكَذِبَ علَى النَّاسِ ويَكْذِبَ علَى اللَّهِ. وسَأَلْتُكَ أشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أمْ ضُعَفَاؤُهُمْ، فَذَكَرْتَ أنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وهُمْ أتْبَاعُ الرُّسُلِ. وسَأَلْتُكَ أيَزِيدُونَ أمْ يَنْقُصُونَ، فَذَكَرْتَ أنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وكَذلكَ أمْرُ الإيمَانِ حتَّى يَتِمَّ. وسَأَلْتُكَ أيَرْتَدُّ أحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَذَكَرْتَ أنْ لَا، وكَذلكَ الإيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ. وسَأَلْتُكَ هلْ يَغْدِرُ، فَذَكَرْتَ أنْ لَا، وكَذلكَ الرُّسُلُ لا تَغْدِرُ. وسَأَلْتُكَ بما يَأْمُرُكُمْ، فَذَكَرْتَ أنَّه يَأْمُرُكُمْ أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ ولَا تُشْرِكُوا به شيئًا، ويَنْهَاكُمْ عن عِبَادَةِ الأوْثَانِ، ويَأْمُرُكُمْ بالصَّلَاةِ والصِّدْقِ والعَفَافِ، فإنْ كانَ ما تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، وقدْ كُنْتُ أعْلَمُ أنَّه خَارِجٌ، لَمْ أكُنْ أظُنُّ أنَّه مِنكُمْ، فلوْ أنِّي أعْلَمُ أنِّي أخْلُصُ إلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، ولو كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عن قَدَمِهِ...] رواه البخاري. ----------------------------------------- كنت منذ سنوات في مجموعة أتناقش مع بعض الأصدقاء المسلمين من دول أخرى و حتى غير المسلمين، حول دليل نبوة النبي صلى الله عليه و سلم، و كان المطلوب فيها هو الإتيان بالدليل البرهاني السالم من المعارضة، و كنت حينها -دون قصد- أُعضد الأدلة ببعضها، لكني أطيل النفس في النقاش في دليل واحد دون قصد، و دون أن أنتبه إلى أساس المعضلة، و هي أن العقل البرهاني -في نسخته الأرسطيّة- تعوّد طلب العلم/المدلول/المعلوم من الكليّ و العام/المقدمات المجردة المستقلة في أشكال القياس المعروفة،
[... وَلِذَا تُورَدُ عَلَى بَعْضِ الْعَوَامّ مَسْأَلَةٌ عَقْلِيَّةٌ جَلِيلَةٌ فَيَقْبَلُهَا، فَإِذَا قُلْتَ هَذَا مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ أَوْ الْحَنْبَلِيِّ أَوْ الْمُعْتَزِلِيِّ نَفَرَ عَنْهُ إنْ كَانَ يُسِيءُ الِاعْتِقَادَ فِيمَنْ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ. وَلَيْسَ هَذَا طَبْعُ الْعَامِّيِّ خَاصَّةً بَلْ طَبْعُ أَكْثَرِ الْعُقَلَاءِ الْمُتَسَمِّينَ بِالْعُلُومِ ... ] - أبو حامد الغزّالي - المستصفى-
عموما 👆 عبقرية الإمام الشاطبي تُكتشف مع الاطلاع أكثر على الإنتاج الذي قبله و بعده، إعجابي بالشاطبي-مثل كثيرين- في بنائه الأصولي و المقاصدي أول الأمر كانت بسبب دقة ترتيبه مسائل الاستدلال و القضايا العلمية بسلاسة غير معهودة، مراوحة بين ما يعسر جمعه غالبا : التدقيق و التفصيل و البيان و الترتيب . لكني لا أخفي أنني حين وقع ناظري يومها على عبارته في الإجماع، لم أتمالك دهشتتي من فطنته الشديدة إلى مضايق العلم، المتجاوزة لحذاقة الأصول و المقاصد و فلسفة التشريع، عبارة كتلك، جعلتني أرى الشاطبي الفيلسوف، الذي يفكر في فلسفة الأصول نفسها و يلتفت بسلاسة واضحة إلى مناط الإشكال دون تكلف عبارة و دون حاجة منا لاستنطاق عباراته بتكلف، و هذا عزيز إلا عند الراسخين. لكن لم ينقضي عجبي من أحد علماء مصر الذي وصفه بأنه مجرد صحفيّ في العلم، لو قالها غيره لهانت و لفهمنا، و لكن أن يقول ذلك متمكن في علم الأصول، فهنا معضلة لا أفهمها.
видео или голосовое, без подписи
بالعودة إلى الإجماع الدلالي : فالفهم الأوّلي للإجماع بمعناه المعروف عند الأصوليين - قد يكون فيه نوع مصادرة - يحتاج تدقيقا لم يلتفت إليه أكثرهم- ما عدا الغزّالي الذي استفاد منه الشاطبيّ كثيرا - . و سبب عدم التفات المتقدمين لتفصيل الإجماع الدلالي -في تقديري- ليس لأنه من باب الغفلة العلمية عندهم ولا الجهالة -و هم أولو النظر أو هم المجتمع العلمي بتعبير معاصر- بل لعدم وجود الداعي الواقعي أو محرك النظر الذي يحيل إلى التدقيق و إيراد التفصيل، و لأن المسألة كانت بديهية عندهم فلا يخطر لهم طرح فكرة الإجماع الدلالي أنها مدخل استشكال أصلا، و لعل هذا ما جعل الغزّالي خصوصا، أبرز من أشار لهذه المشكلة لأنه صدامه المباشر مع الحركة الباطنية أثار قريحته المعرفية مما جعله في كل مناسبة نقاشية في تآليفه يتنبه إلى مكامن و خفايا الاستدلال التي ترِد في نظريات أهم المخالفين، أعني الباطنية. من خلال كل ذلك، نجدنا نؤكد -مع وجود مؤكدين سابقين- أن الإجماع الصريح في الضروريات الدينية، في حقيقته مبحث يقع ضمن فلسفة اللغة، و لكن وضعه في أصول الفقه ليس من قبيل العبث أو المصادرة أو اتفاقا، بل يجعلنا ندرك قيمة علم أصول الفقه أنع في جوهره جدار دفاع فلسفي عن نظام اللغة السليقيّة [ضمنا]، و عن حالتها العلائقية مع السلطة اللغوية للوحي [أساسا] ، ضد القراءات السائلة المجردة التي تنطلق من مرجعيات/خلفيات تحاول تفكيك المعنى إلى احتمالات مفتوحة.
فالنظر يتحول من تعامل حدي مذهبي مع المواقف، إلى نظر مرجعي عام أولا مترفع عن الوقوع في فخ النماذج المعاصرة -التي تنتمي إلى رؤى وجودية مختلفة- ، ثم نظر نقديّ ثانيا يكشف نقاط الضعف و القوة-في الجزئيات و الكليات- بالنسبة لذلك النظر المرجعي العام/الرؤية الوجودية العامة في البناء المعرفي، ثم نظر توليفيّ ثالثا بين ما يقبل التركيب و التكامل و التناسق بين عناصر تلك النماذج التفسيرية المختلفة، وصولا لنموذج/نماذج ممكنة، أو خلق الإمكانات المتاحة/المتنوعة ضمن المرجعية الوجودية العامة التي يحتملها إطار الرؤية الكونية/الإسلامية. هذا يجعلنا نتجاوز أيضا تلك الأزمة -التي يستثمر فيها الأتباع المذهبيون- بين نظريتي المجاز و الاستعمال في تراثنا خصوصا، بل يجعلهما ينتميان لمدرسة واحدة جامعة و هي إطار اللغة المرجعية. فكلاهما يعترف بضرورة الفاعل اللغوي و بنية اللغة، لكن تختلفان في ترتيب عملية إنتاج الدلالة داخل ذلك النظام المرجعيّ. موقفي الذي أصر عليه : أن نظرية المجاز عند الجمهور و الاستعمال عند ابن تيمية خصوصا -كونه اكثر من أبدع فيها مع وجود محاولات سابقة-، موقفان فلسفيان لا يتناقضان جوهريا بالنظر إلى مرجعية الرؤية الوجودية التي تؤطر اللغة ما نصفه هنا بأنطولوجيا اللغة، لكن مناط الاختلاف يكمن في ديناميكية اللغة أو عملية حركة الدلالة في نظام اللغة : كلاهما يعترف بأنطولوجيا اللغة، و اللفظ يعتبر مركزا دلاليا عندهما : سواء بالحركة الدلالية بين الحقيقة و المجاز، أو السياق الاستعمالي الذي يعتبر من باب التنويع الدلالي للألفاظ. كلاهما يضمن مرجعية المعنى حدوده و يرفض سيولة الدلالة و العبث العشوائي بها، فلا نظرية المجاز تبيح أي قرائن، ولا نظرية الاستعمال تبيح أي تنويع دلالي. كلاهما يعترف بضرورة الإجماع الدلالي و يحيل للفاعل اللغوي/الجماعة ، فنظرية المجاز ترى العربي استعمله و لم يسمه لأنه آلية كامنة ضمن لغته الطبيعية و علمنا بها اعتبارا/انطلاقا من دراسة/تنظيم/تقسيم تفاعل الألفاظ مع الأشياء، و نظرية الاستعمال ترى العربي مادام فهمها هكذا فهي حقيقتها السياقية أصلا ولا وجود للفظ مجرد في ذهنه و علمنا هذا اعتبارا/انطلاقا من تفاعل الذات مع الألفاظ. فالاعتبار مختلف بينهما مع اتفاقهما في مرجعية الفاعل اللغوي. واللافت المهم ، الذي لا يريد أن يتعلمه الإسلاميون و أعني هنا -خصوصا الأشعرية و التيمية- المنخرطين خصوصا في السجال الفلسفي اللغوي، أنهم يصرون على توريط مواقف السابقين التي كانت في سياقات و تفاعلات مختلفة معقدة لها خصوصياتها التاريخية و المعرفية، قلت : يصرون على توريطهم في ثنائيات مستحدثة ناتجة من صراعات مختلفة كليا عن تلك السياقات العربية الإسلامية، بالتالي، يتم إقحامهم في صراعات لا ينتمون إليها و غير مفكرٍ فيها ولا مقصودة و لا يتحملها سقفهم و وعيهم و إطارهم المعرفي. المقصود : أنه يمكن لإحداهما الاستفادة من الأخرى من خلال ممارسة النقد الخلاق الذي يكشف نقاط الضعف و القوة، بعيدا عن النقد المذهبي الاستئصالي. ما سبق عموما، يجعلنا ضرورة، نصنف مثلا القراءات الشحرورية المعاصرة للقرآن الكريم=أنها قراءات سوفسطائية بمنطق اللغة-أو تشغيب كما يصفه الشاطبي-، لأنها تقفز فوق مفهوم الإجماع الدلالي و هذا قفز خارج اللغة نفسها. السفسطة هنا- او التشغيب- هو التوجيه الذهني الاحتمالي المجرد الذي يتجاهل نظام اللغة و أدواته الداخلية التي تشكل بنيته، فيمكن أن يقول القائل : "و أقيموا الصلاة" أمر قد يفيد الندب فقط لا الوجوب. أو يقول أن كلمة "البنين" في الآية، مقصود به البناء. و أن كلمة " فاجتنبوه " لا تعني حرمة الخمر ، كما يقول شحرور و أتباعه: بالنظر المجرد للآية : يسهل عليهم قول ذلك لأن السيولة اللغوية تبيح ذلك، لكن باستيعاب بسيط لبنية اللغة و الإجماع الدلالي و حدود المجال التداولي الذي أشرنا له =يظهر الموقف السوفسطائي اللغوي للتيار الشحروري. فنظام اللغة -كفاءته الذاتية- هو ما يحدد ما ينتمي إليه و ما لا ينتمي إليه. هو ما يحدد الممكن و الضروري و المستحيل في نظامه الدلالي.
الإجماع ...أو السفسطة ؟! منذ سنوات في مرحلة الليسانس تحديدا، كنت أدرس "باب الإجماع" في أصول الفقه، و كنت أجد في نفسي شيئا من الإبهام و فجوات في النظر بسبب الترتيب المنهجي في الاستدلال به على المسائل الأصلية خصوصا. ناهيك عن مفهوم الإجماع الصريح و السكوتي و الفرق بينهما ، فمع أنه يتم تعريف الإجماع الصريح تعريفا نظريا - بينما في تطبيقه الفقهي نجد نظار الفقه يجعلون الصريح سكوتيا في الأثر و البناء- و إن اختلف الرسم و التعريف نظريا و أصوليا- فيكون لدينا قسم واحد في الحقيقة ! و المهم هنا، أنه لماذا -مثلا- يتم ذكر الإجماع دليلا مستقلا بعد إيراد النص القطعي -أصلا- على وجوب الصلاة ؟ و يقال عادة للتأكيد مع أن النص قطعي لا يحتاج استدراكا أو يقبل نظرا أو ظنونا كما جاء في باب الدلالات. كانت عادتي -ولازالت- هي التحفظ العلمي و تعليق الحكم مبدئيا، مع إثارة المسألة مع أهل العلم و النظر، اعترافا بالقصور أولا عن الاطلاع و الإلمام بكتابات الفحول و النُظار، و حفظا أيضا لسؤال علمي قد يخطر على بال أي باحث، بعدها بمدة يسيرة من البحث و الانهمام، وجدتني أطلع دون إحالة مسبقة أو مقصودة على موافقات الشاطبي، و في باب الإجماع، وجدته حرفيا يورد الإشكال بل يشير إلى مثار المشكلة بدقة، و يورد الإجابة باقتضاب و يستطرد في ذكر أثر هذه المشكلة بسلاسة معهودة منه و ترتيب أفكار مألوف لا إغراب فيه ولا تشدق. يؤكد الشاطبي هنا أنه لو تمّ الاقتصار في أدلة وجوب الصلاة، على دليل الآية "و أقيموا الصلاة" مُجرَّدا، لكان هذا الاستدلال مطروق الاحتمال بوجه ما في دلالته. لذلك تكون قطعية الأمر بالوجوب من الآية -باعتبارها تركيبا لغويا- مستفادة من قرائن أخرى، و عند تفكيك هذه القرائن نفسها نجدها تدخل في بنية الدلالة اللغوية. بتعبير آخر : تلك القرائن تنتمي إلى ما نصفه بأنطولوجيا اللغة، أي- اللغة بما هي وجود و بنية و نظام-، نستطيع أن نرى - مع و من خلال الشاطبي- أن الإجماع الحاصل على الدلالة هو ما يجعل الوجوب قطعيّا في الآية، لأنه يخلع على الأمر دلالته اللغوية السياقية = = فيكون اتفاق الجماعة البشرية على معنى معين وفق لغتهم المرجعية : من جهة : يُعتبر فاعلا أساسيا من فواعل حركة اللغة - و هذا يتداخل -جزئيا لا كليا- مع مفهوم "شكل الحياة" عند فتجنشتاين، الذي يقضي بكون اللغة لا تدرك جوهريا في دلالاتها و نشاطها إلا من خلال الاستعمال و التداول البشري. من جهة أخرى : يُعتبر مُرَكَّبا ثاويا في بنية اللغة نفسها، حيث إن الإجماع البشري لأهل اللغة هنا، لا يعتبر عاملا خارج البنية اللغوية، بل هو أساس في هيكلها الداخلي، بما أن أنطولوجيا اللغة لا تنفك عن عملية الفكر و حركة المعنى إزاء الواقع و الذات البشرية، فإن البشر يدركون المعنى و الدلالة من خلال ضرورة اللغة و بنيتها الداخلية، في نوع من الدور المنطقي أو التعقيد غير القابل للاختزال : - لغة - تفاعل ذوات - لغة - ، و هذا الجانب يستدعي بشكل كبير مفهوم الحدس اللغوي عند تشومسكي، فالفرد لديه قدرة فطرية وكفاءة ذاتية على تحديد الدلالات و التمييز بين المعنى الممكن و المستحيل و الضروري في التراكيب اللغوية المعروضة له و منه. و هذا الأخير، يحيلنا -بشكل عرضي لكن يسهم في عملية فهم الإجماع- إلى مقاربة إيزوتسو للسلطة اللغوية في القرآن ، كونه ينتج دلالة علائقيّة للكلمة لا يمكن أن تخرج عن نظام اللغة و لكنها تتجاوزه، و في نفس الوقت تفرض سلطتها الدلالية على المخاطَبين . لذلك مما يجب الالتفات إليه هنا، أن المجتمع اللغوي الذي أنزل فيه القرآن، كان يمثل مجالا تداوليا مشبعا بالقرائن، فأهل اللغة السليقيّة/الطبيعية استقبلوا النص -متماهين مع بنيته -كونه وحدة دلالية متكاملة [البنية-السياق-الاستعمال] . هذا يجعل فهم النص بدلالة احتمالية معجمية تختار من الدلالة من القواميس المجردة= يعتبر ممارسة سوفسطائية خارج نظام اللغة، بل هذا الفهم يتضمن الاعتراف بلغة مجردة لا وجود لها في الواقع أصلا. و لعلنا أيضا بهذه المقاربة، نخرج من ورطة الصراعات الحدية الثنائية بين التداولية و البنيوية و التوليدية...، و لا أقصد هنا الجمع بين المتناقضات، بل الكشف عن التناقض الموهوم بين النماذج التفسيرية، و للتبسيط : مثل الصراع الساذج الذي وقع في أيام مضت ربما...عن كون الاسلام رأسماليا أو اشتراكيا بلا إجابة ثالثة .
مما يوصف به ابن حزم حدّته في النقد وكلامه الشديد فيمن ينقدهم من مخالفيه، إلا أنَّ تركيز الناسِ على إشاعة تلك السمة عنه أو ذكر الأمثلة المستشنعة من حرفيّته/ظاهريته في التزام النص كأنها هي المنتج الحزمي الظاهري حصرًا أخفى كثيرًا من سمات تميزه في النقدِ حيثُ اهتمامه بالأدلة النقليّة والأحاديث ونقدها، والتزام الصحة فيها، ودقة نظره في إشكالات استدلال مخالفيه كتناقضهم وعدم اطرادهم. فابن حزم -مع ما قد يؤخذ عليه- يُقدِّم للمتفقه مادة نقدية نافعة، وتفتح له أعينًا على ثغراتٍ قد تخفى في طرائق الاستدلال الفقهي، بما يجعل قراءة ابن حزم – إذا حسن التعامل معها – ذات قيمة علمية تتجاوز الصورة النمطية الشائعة عنه.
في تنمية ملكة الفقه و النظر و الفكر عموما، حين قراءة المخالف و استلهام قوته التحليلية و النقدية دون شرط الموافقة في التفاصيل. و من ضيع هذا ضاع عليه أساس العلم.