مختصر صحيح البخاري
Статистика- Последний пост
- 13 авг.
- Последнее чтение
- 15 авг.
- Постов за неделю
- 2
- Всего постов
- 20
- Тип
- открытый
- Язык
- арабский
- Категория
- Религия (по похожим)
- В каталоге с
- 13 авг.
- 1/24сутки в ленте
- 70
- 1/48двое суток
- 80
- 1/72трое суток
- 86
Оценка по просмотрам недавних постов: пост набирает почти всё за первые сутки.
Посты
https://youtu.be/qw_m0CQBW1s?si=Lm_6Fj5bB0ShD1ST
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا ورسولنا محمد وعلى آله الطيبين وصحبه أجمعين 🔸باب : تزويج النبي ﷺ عائشة وقدومها المدينة وبناؤه بها . عن عائشة رضي الله عنها قالت : تَزَوَّجَني النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأنا بنتُ سِتِّ سِنينَ، فقدِمنا المَدينةَ فنَزَلنا في بَني الحارِثِ بنِ خَزرَجٍ، فوُعِكتُ فتَمَرَّقَ شَعَري، فوفى جُمَيمةً، فأتَتني أُمِّي أُمُّ رومانَ وإنِّي لَفي أُرجوحةٍ، ومَعي صَواحِبُ لي، فصَرَخَت بي، فأتَيتُها لا أدري ما تُريدُ بي، فأخَذَت بيَدي حتَّى أوقَفَتني على بابِ الدَّارِ وإنِّي لَأَنهَجُ حتَّى سَكَنَ بَعضُ نَفَسي، ثُمَّ أخَذَت شيئًا مِن ماءٍ فمَسَحَت به وجهي ورَأسي، ثُمَّ أدخَلَتني الدَّارَ، فإذا نِسوةٌ مِنَ الأنصارِ في البَيتِ، فقُلنَ: على الخَيرِ والبَرَكةِ، وعلى خَيرِ طائِرٍ، فأسلَمَتني إليهنَّ، فأصلَحنَ مِن شَأني، فلَم يَرُعْني إلَّا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ضُحًى، فأسلَمَتني إليه وأنا يَومَئذٍ بنتُ تِسعِ سِنينَ. المحدث : البخاري 🔸الشرح : ما تَزوَّجَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بِكرًا إلَّا أمَّ المؤمِنينَ عائشةَ رَضيَ اللهُ عنها، وقدْ كانت أحَبَّ أزْواجِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى قَلبِه. وفي هذا الحَديثِ تُخبرُ أمُّ المؤمِنينَ عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها بقِصَّةِ زَواجِها مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تَزوَّجَها وهي بنتُ ستِّ سنينَ، أي: عقَد عليها، ولم يَدخُلْ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بها وهي في هذا السِّنِّ، ثمَّ وُعِكَتْ، أي: مرِضَتْ مَرضًا تَقطَّعَ منه شَعرُها، حتَّى وَفَى جُمَيْمةً، تَصغيرُ جُمَّةٍ، وهي ما سَقَطَ على المنكبينِ مِن شَعرِ الرَّأسِ، فجاءتْها أُمُّهما أمُّ رُومانَ -واسمُها زَينبُ بنتُ عامرِ بنِ عوَيْمِرٍ رَضيَ اللهُ عنها- وهي تَلعَبُ مع صَاحِباتِها على أُرْجوحةٍ، وهي نَوعٌ مِن لُعَبِ الصِّغارِ، وهي خَشَبةٌ يُوضَعُ وسَطُها على مكانٍ مُرتفِعٍ، ويَجلِسونَ على طرَفَيْها ويَتحرَّكونَ بها، فتَرتفِعُ جِهةً، وتَنزِلُ الأُخْرى، ويَميلُ أحدُهما بالآخَرِ. فنادَتْها أمُّها، فجاءَتْها عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها وهي تَنهَجُ، أي: تَتنفَّسُ تَنفُّسًا عاليًا، ويَغلِبُها التَّنفُّسُ مِن الإعْياءِ، والنَّهَجُ: تَتابُعُ التَّنفُّسِ مِن شدَّةِ الحَرَكةِ، أو فِعلٍ مُتعِبٍ، فمسَحَتْ رَأسَها ووَجْهَها بالماءِ، ثمَّ أدخَلَتْها الدَّارَ، وكان فيها نِسوةٌ مِن الأنْصارِ، وهنَّ نِساءُ أهلِ المَدينةِ، فقُلْنَ: «على الخَيرِ والبَرَكةِ، وعلى خَيرِ طائرٍ»، وهو دُعاءٌ بالسَّعادةِ على أفضَلِ حظٍّ وبَرَكةٍ، والطَّائرُ: الحظُّ مِن الخَيرِ والشَّرِّ، ثمَّ جعَلْنَ يُمشِّطْنَها ويُزيِّنَّها، قالت: «فَلَمْ يَرُعْنِي إلَّا رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ضُحًى»، أي: لم تُفاجأْ -ويُقالُ هذا في الشَّيءِ الَّذي لا يُتوقَّعُ فيَأْتي فَجأةً- إلَّا برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ آتيًا في وَقتِ الضُّحى، فانصَرَفَتْ معَه، ودخَل بها صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وكان عُمرُها حينَئذٍ تِسعَ سِنينَ، وكان ذلك في شوَّالٍ مِن السَّنةِ الأُولى مِن الهِجْرةِ، أوِ الثَّانيةِ. وفي الحَديثِ: الدُّعاءُ بالخَيرِ والبَرَكةِ لكلِّ واحدٍ مِن الزَّوجَينِ. وفيه: تَنظيفُ العَروسِ، وتَزيينُها لزَوجِها، واجتِماعُ النِّساءِ لذلك. وفيه: الدُّخولُ بالعَروسِ نَهارًا.
🔻 وسأوقف الدرس الجديد لمدة يوم حتى تستوعبي ما طرح من الأخاديث ثم. نعود بعدها بمشيئة الله رزقني الله وإياكم العلم النافع والعمل الصالح .
تنبيه ‼️: احبتي دراسة هذا العلم وبذل الجهد في الأستيعاب لرد الشبهات والطعن في حديث نبينا ﷺ من اعظم المهمات وكما دافع الصحابة عن تبليغ الرسالة في بدايات عهد الرسالة لايختلف عن الدفاع عن السنة في أواخر عهدها. فأقرءو هذا الباب بتمعن وافهمو الأحاديث وأقوال العلماء احتساباً للدفاع والذب عن سنة رسول الله ﷺ .
без подписи
ولا يتمارى في هذا عاقل؛ أن من عادةِ الولاة والخلفاء والملوك والأمراء أن يبعثوا بمكاتيبهم إلى من شاؤوا من عُمَّالهم يأمرونهم فيها بما شاؤوا. فإن قاموا بفعل ما وردهم ثم سُئلوا عنه، فسيقولون: هذا ما أمرني به الوالي أو الأمير. فإن قيلَ له: كيف؟ أوَ قد حضرته؟! فسيقول: لا؛ بل وردَ إليَّ مكتوبه! ما يدلُّ على أن وجودَ مكتوبِ الوالي وأمرِهِ كوجود شخصِهِ وأمرِهِ سواء بسواء، لا فرق إلا في انعدامِ الرؤية والحضور والمشاهدة. ولذلك لما مزَّق الشقيُّ كِسرى كتابَ رسولِ الله إليه، دعا عليه صلى الله عليـه وسلم بتمزيقِ مُلكه؛ إذ انتهاكُ الأدبِ مع كتابه صلى الله عليـه وسلم، كانتهاكِهِ في حضرته سواء بسواء. وختامًا؛ فإن مما تطمئنُّ إليه النفوس وتسكن وتركن وترتاح؛ أن يتعهَّد القويُّ الأمين بحفظِ ما ترومُ له حفظًا وتعهدًا ورعاية، وهو مخلوقٌ مثلها!- ولله المثلُ الأعلى- فكيف بما تعهَّد الخالقُ جلَّ وعلا بحفظه؛ واللهُ أجلُّ وأعظمُ وأقوى، وهو العليمُ الخبير والقويُّ العزيزُ الغالب، والقديرُ القادرُ المقتدر الذي لا يمتنعُ عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ﴾ [فاطر: 44]، فما الظنُّ بحفظِهِ ورعايته تبارَك وعَزّ؟! نسأل الله أن يثبت قلوبنا على دينه وطاعته حتى نلقاه.
المحور الرابع: سُنتُهُ فينا كشخصهِ الكريم في زمنهِ صلى الله عليه وسـلم: وقد دلَّ النقلُ والعقلُ على هذه الحقيقة الشرعية؛ وهي أن وجودَ سنَّتهِ صلى الله عليـه وسلم فيمن بعدهُ من أُمَّتِهِ كوجودِ شخصِهِ الكريم في عصرِ بعثته الشريفة؛ ولذلك أُثِرَ عن الإمام الترمذي رحمهُ الله قولُهُ لما أتمَّ تدوين الجامع: "من كان في بيته هذا الكتاب، فكأنما في بيته نبي يتكلم"[25]؛ حيثُ اشتمل على سُننِ رسولِ الله صلى الله عليـه وسلم القولية والفعلية والتقريرية جميعًا وسيرته وحياته صلى الله عليه وسـلم، ولا ينافي ذلك وجود بعض مالم يبلغ درجة الصحة أو الحُسن- وكل ذلك قد محَّصَهُ أهل العلم وبيَّنوه- وإنما اشتمل في مُجمَلِهِ على ما يتعلق بسيرةِ النبي الكريم وحياتِهِ الشريفة، كما لو كان بين ظهراني من اطَّلع على السُّنن، فإذا كانت هذهِ الفضيلة في السنن فكيف بالصِّحاح؟! وكيف بكتب الشيخَيْنِ منهما؟! يقول شيخ الإسلام في معرض كلامه عن قول الله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ﴾ [النساء: 61]: ".. وَالدُّعَاءُ إلَيْهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ هُوَ الدُّعَاءُ إلَى سُنَّتِهِ"[26]. وقال الشوكاني: "قَوْلُهُ: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ [النساء: 59].. والرَّدُّ إلى اللَّهِ: هو الرَّدُّ إلى كِتابِهِ العَزِيزِ، والرَّدُّ إلى الرَّسُولِ: هو الرَّدُّ إلى سُنَّتِهِ المُطَهَّرَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وأمَّا في حَياتِهِ فالرَّدُّ إلَيْهِ سُؤالُهُ، هَذا مَعْنى الرَّدِّ إلَيْهِما"[27]. فتلك أمثلةٌ لدلالة النقل، ومن ذلك أيضًا أن الله تعالى تكفَّل بحفظِ وحيه؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]، وذلك يشمل الكتاب والسنة المطهرة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 3، 4]، وإذا كان كذلك -وهو كذلك- فمن ردَّ حديثًا ثابتًا عنهُ صلى الله عليـه وسلم، كان كمن ردَّ آيةً من كتابِ الله تعالى لا فرق بينهما. ومن جحد حديثًا ثابتًا عنهُ صلى الله عليـه وسلم في دواوين السُّنَّة العَطِرَة كان كمن جحدهُ في مجلسِ النبوَّةِ ورسولُ اللهِ يُخبرُ به، لا فرق بينهما إلا في شهودهِ ورؤيتهِ صلى الله عليـه وسلم وانعدامهما! قال ابن حزم: "فأخبر تعالى أن كلام نبيه صلى الله عليه وسلم كله وحي، والوحي بلا خلاف ذِكر، والذكرُ محفوظ بنص القرآن. فصح بذلك أن كلامَه صلى الله عليه وسلم كله محفوظ بحفظ الله عز وجل، مضمونٌ لنا أنه لا يضيع منه شيء؛ إذ ما حفظ الله تعالى فهو باليقين لا سبيل إلى أن يضيع منه شيء، فهو منقول إلينا كله"[28]. وقال ابن القَيِّم: "فعُلِمَ أن كلام رسول الله صلى الله عليـه وسلَّم في الدين كُلُّهُ وحيٌ من عند الله، وكلُّ وحيٍ من عند الله فهو ذِكرٌ أنزلهُ الله. وقد قال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ [النساء: 113] فَالْكِتَابُ: الْقُرْآنُ، وَالْحِكْمَةُ: السُّنَّةُ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ))[29]، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أُوتِيَ السُّنَّةَ كَمَا أُوتِيَ الْكِتَابَ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ ضَمِنَ حِفْظَ مَا أَوْحَاهُ إِلَيْهِ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ؛ لِيُقِيمَ بِهِ حُجَّتَهُ عَلَى الْعِبَادِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ"[30]. وأما دلالة العقل؛ فما جاء في كتاب الله تعالى من الأمر باتباعه وطاعته صلى الله عليـه وسلم والاقتداءِ به والرد والتحاكم إليه، وذلك كثير في النصوص الشرعية، وهو مقتضٍ لحتمية اعتقاد حفظ السنة الشريفة؛ إذ لو لم تُحفظ لكانت تلك الأوامر والتعليمات الربانية بطاعة رسول الله واتباعه أمرًا بما لا يُطاق فيما تلا من الأجيال– تعالى الله علوًا كبيرًا- وهذا يُنافي حكمته ورحمته عز وجل، خاصة وأنَّ ببعثته صلى الله عليـه وسلم خُتمت الرسالات. كما أن التاليَ لكتاب الله تعالى يجد الآيات تخاطبُهُ؛ من مثل قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: 21]، وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ [النساء: 59]، وغيرهما كثير. فلو لم يكن التأسي إلا برؤيةِ شخصهِ الكريم وشهوده، دون سنته المطهرة المحفوظة في دواوينها الشريفة، لتعطَّلت الشريعة وتضعضع الدين؛ فعُلِم أن لزوم سنتهِ بعد وفاته في وجوبها، كلزومها في حياته لا فرق بينهما إلا في الرؤية والمشاهدة والحضور. ولم يزل من عادةِ الأمم والممالك انتقالُ تراثها وآدابها وأخلاقها وعاداتها عبر الكتابةِ والتدوين[31].
المحور الثالث: رحلتا الإسراءِ والمعراجِ حق: سيقتصر الحديث في هذا المحور على جزئية تتعلق بهذهِ الحقيقة الشرعية، والتي اختلف أهل العلم حولها في جوابهم على تساؤل: هل أُسريَ وعُرِجَ بروحِهِ صلى الله عليـه وسلم أم بالروحِ والجسَدِ معًا؟ وقد أوردَ صاحب قصة الإسلام ما ذكرهُ أهلُ العلم القائلون بأن الإسراءَ والمعراج كانا بالروحِ والبدنِ معًا، وجمعهُ جمعًا بديعًا مختصرًا، فقال: أما جمهور علماء المسلمين فقد جزموا بأن الإسراء كان بالرُّوح والجسد يقظةً لا منامًا، معتمدين على أدلَّة كثيرة منها: 1- أنه ثبت أنَّ قريشًا كذَّبوه في الإسراء واستبعدوا وقوعه، ولو كان منامًا لما كذَّبوه ولا استنكروه؛ لجواز وقوع مثل ذلك وأَبْعَد منه لآحاد الناس. 2- أن التسبيح والتعجُّب في قوله تعالى: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ﴾، إنما يكون في الأمور العظام، ولو كان ذلك منامًا لذكره الله تعالى كما ذكره عن إبراهيم وولده إسماعيل في قصَّة الذبح المعروفة، ولمَا كان له كبير شأن. 3- أن الله تعالى أثبت رؤيا القلب بقوله: ﴿ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ﴾ [النجم: 11]، ورؤيا العين بقوله: ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴾ [النجم: 17، 18]. وأمَّا قولهم أن الرؤيا-بالقصر- مختصٌّ برؤيا المنام، فيمكن ردُّ هذا الاستدلال عليهم بأنَّ هذا الاستعمال هنا في رؤيا العين دليل على أنَّ هذا اللفظ ليس خاصًّا بالمنام. 4- قوله تعالى: ﴿ بِعَبْدِهِ ﴾ [الإسراء: 1] يدلُّ على مجموع الروح والجسد. 5- أن التعبير القرآني جاء بلفظ ﴿ أَسْرَى ﴾ الذي يدلُّ على الستر والخفاء، وجعل هذا الستر والخفاء في مضمون سترٍ آخر هو الليل. 6- أنَّ عمليَّة الإسراء بهذه السرعة ممكنة في نفسها، بدليل أنَّ الرياح كانت تسير بسليمان عليه السـلام إلى المواضع البعيدة في الأوقات القليلة؛ قال تعالى: ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ﴾ [الأنبياء: 81]. 7- أن في قوله تعالى: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ﴾ تصريحًا بالإسراء، وتوضيحًا في أنه وقع بالفعل للنبي صلى الله عليـه وسلم، وليس رؤيا مناميَّة، وإلا لما استحقَّ أن يذكره القرآن الكريم بكلِّ ما يحيطه من تنزيهٍ وتسبيح لله العلي القدير، وأيضًا لما استحقَّ هذا الحادث أن يختص بسورة من القرآن تُسَمَّى باسمه بين دفَّتي المصحف الشريف. 8- أن ما استندوا إليه من ظاهر بعض الروايات، كرواية البخاري: ((بينا أنا عند البيت مضطجعًا بين النائم واليقظان...))، و((إذ أتاني..)). أو رواية: ((بينا أنا نائم..)) أن هذه الروايات محمولة على ابتداء الحال، ثم صار إلى اليقظة الكاملة صلى الله عليه وسـلم. يقول ابن حجر رحمهُ الله: "وقد اختلف السلف بحسب اختلاف الأخبار الواردة؛ فمنهم من ذهب إلى أن الإسراء والمعراج وقعا في ليلة واحدة في اليقظة بجسد النبي صلى الله عليـه وسلم وروحه بعد المبعث، وإلى هذا ذهب الجمهور من علماء المحدِّثين والفقهاء والمتكلِّمين، وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة، ولا ينبغي العدول عن ذلك؛ إذ ليس في العقل ما يحيله حتى يحتاج إلى تأويل"[21]. قال الإمام الآجرِّي رحمهُ الله: "والذين نقلوا إلينا هذه الأخبار همُ الذين نقلوا إلينا الأحكام من الحلال والحرام، وعلم الصلاةِ، والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، فكما قَبِلَ العلماء عنهم ذلك كذلك قَبِلوا منهم هذه السُّنن، وقالوا: من ردَّها فهو ضالٌّ خبيث، يحذرونه ويحذرون منه"[22]. وما أحسن ما قالهُ التابعي الجليل عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة[23]: "عليك بلزوم السنة فإنها لك بإذن الله عصمة، فإن السنة إنما جعلت ليستن بها ويقتصر عليها، وإنما سنها من قد علم ما في خلافها من الزلل والخطأ والحمق والتعمق، فارض لنفسك بما رضوا به لأنفسهم؛ فإنهم عن علم وقفوا وببصر نافذ كفوا، ولَهُم كانوا على كشفها أقوى، وبتفصيلها لو كان فيها أحرى، وإنهم لهم السابقون وقد بلغهم عن نبيهم ما يجري من الاختلاف بعد القرون الثلاثة; فلئن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم حدث حدثٌ بعدهم فما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، واختار ما نحته فكره على ما تلقوه عن نبيهم; وتلقاه عنهم من تبعهم بإحسان"[24].
وشذى العَرْفِ يشهدُ لتلكم السِّيَر الزكيَّة، رُضوان الله عليهم أجمعين؛ لذا فالواجبُ على المسلمِ التسليم والانقياد كما سَلَّمَ وانقادَ الأوَّلون من خيرِ القرون، ليكون المؤمن الحق؛ قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة: 119]. فأمَّا المسلكُ الأول؛ وهو كيفية التعامل مع الوحي وأنباء الغيب؛ فيُعلمنا إيَّاهُ رسولُ الله صلى الله عليـه وسلم الذي قال: ((أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنِّي رسولُ اللهِ))[9]، فقد أخرج الإمام مسلم رحمهُ الله في صحيحهِ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليـه وسلم: ((بينما رجلٌ يسوق بقرة له قد حمل عليها، فالتفتت إليهِ البقرةُ، فقالت: إني لم أُخلق لهذا، ولكني إنما خُلقتُ للحرث))، فقال الناس: سبحان الله! - تعجبًا وفزعًا- أبقرةٌ تكلَّم؟! فقال رسولُ الله: ((فإني أومن به، وأبو بكرٍ وعُمر))[10]. ففي هذا الحديث إخبار النبي صلى الله عليـه وسلم عن إيمانِهِ بذلك الغيب الذي أطلَعَهُ الله عليه، وإخبارُهُ صلى الله عليـهِ وسلم عن حالِ أبي بكر وعمر تجاه ذلك رغم تعجُّب الناس، وأنهما على يقينٍ بما أخبر به صلى الله عليـه وسلم، لا يُزلزِلُهُ تعجُّبُ الناس، ولا عدم إدراكهم حقيقة المخبِر عنه[11]. وغيرها من الأمثلة. وأما المسلكُ الثاني؛ وهو الثقةُ في خبرِهِ صلى الله عليـه وسلم وتيَقُّنِ صِدقه؛ فنستفيدُهُ من مواقِفِ سَلَفِ الأمة رضوان الله عليهم، وأوَّلهم الصدِّيق رضي الله عنه، وكلمتُهُ الأدبية الحكيمة حين جاء ناسٌ من قريشٍ إليهِ، فقالوا: "هل لك في صاحبك يزعمُ أنهُ أتى بيت المقدس ثم رجع إلى مكة في ليلةٍ واحدة، قال أبو بكر: "أوَ قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لقد صدق"[12]. وهذهِ من أعزِّ قواعِدِ الإيمان. ولما سأل رجلٌ الإمام الزُّهْري: يا أبا بكر، قول النبي صلى الله عليـه وسلم: ((ليس منا من شق الجيوب))[13]، ما معناه؟ فقال الزُّهْري: من الله العلم، وعلى رسُولِهِ البلاغ، وعلينا التسليم"[14]. ولما سألَ رجلٌ عبد الله بن المبارك رحمهُ الله عن حديثِ نزول الربِّ عز وجل، قال: "إذا جاءك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخضع له"[15]. فالواجب على المسلم الإيمان والتصديق والإذعان والتسليم لما أنزل اللهُ على لسانِ رسولهِ صلى الله عليه وسـلم، دون مُماراةٍ أو جدل، سواء فَهِمَ معناهُ أو لم يفهم[16]. لا سيَّما وأنَّ الله سبحانهُ وتعالى قد قيَّضَ جهابذة العلماء، لتمحيص أسانيد[17] تلك الأخبار والمرويات ونقدها، وتمييز صحيحها من سقيمها، فنشأ علمُ الجرح والتعديل، وعلم تاريخ الرجال، وعلم مصطلح الحديث الذي يُعنى بالمرويات سندًا ومتنًا؛ فحفِظَ الله بذلك للأمةِ سُنَّة نبيِّها صلى الله عليـه وسلم وأيَّامه وآثاره بأبي هو وأمي. وصدق الله إذ يقول: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]. فالله عز وجل تكفَّل بحفظِ وحيهِ الشريف؛ وما الجهود والإمكانات الفطرية والمادية[18] التي هيأها سبحانهُ وتعالى لعلماء الأمة، من ذلكم الجيل الفريد، الذين كانوا بحق أُمناء الشريعة، وحُماة المِلَّة، فليس ذلك كُله إلا دليلًا باهرًا على قُدرته تبارك وعلا. فحقق الله بهم- وبأمثالهم من الخُلَّص العاملين ومن سارَ على منوالهم وطريقهم- وَعْدَهُ في حفظ وحيه الكريم، فكانت أناجيلهم صدورهم كما جاء وصفهم في الكتب السابقة، وكانوا في ذاتِ الوقت أُمَّةَ (اقرأ)؛ ليتبيَّن الإعجاز في العلائق الوثيقة بين أوِّلِ ما نزل وبين أداةِ العِلمِ وحفظهِ -وهي القلم- وأن تُراث الأُمَّةِ الخاتمة ودينها محفوظ بحفظ من خلق الإنسان؛ قال تعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: 1 - 5]، فكما لا ارتياب في أنَّهُ الخالق جلَّ جلالُهُ، فكذلك لا ارتياب في قدرتهِ على حفظِ وَحيهِ مهما تطاولت القرون والدهور واشتدت بالأمةِ الخُطُوب[19]، فإنما أمرهُ إذا أراد شيئًا أن يقولَ له كن فيكون، وإن الله إذا أراد شيئًا هيَّأ أسبابه. قيل لعبد الله ابن المبارك: هذه الأحاديث؟ فقال: تعيشُ لها الجهابذة، ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]. وعنهُ أيضًا وعن غيره من الأئمة رحمهم الله جميعًا؛ الإسناد من الدين: "ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء"[20]. وقال سفيان الثوري: "الإسناد هو سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟".
فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا، فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعتُ أشياء أعرفها وأعرف ما يُراد بها، وأشياء لا أعرفها ولا أعرف ما يراد بها، فقال الأخنس: وأنا والذي حلفت به. ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: ماذا سمعت؟! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نسمع به أبدًا ولا نصدقه. فقام عنه الأخنس بن شريق[5]. فإن قال قائلٌ: فإننا لا نكذِّبُ رسولَ الله صلى الله عليـه وسلم، وإنما نتمارى في نَقَلَةِ الحديث والرواة الذين نقلوا لنا تلكم الآثار والسُّنن! قيل لهم: أتؤمنون أن الله إذا أرادَ أمرًا هيَّأ أسبَابَهُ؟! أوَ تؤمنون بأن الله على كُلِّ شئٍ قدير؟! وأن القويّ القدير القادر سبحانهُ وتعالى الذي حفِظَ بئرَ زمزم التي مَنَّ بها على إسماعيل وأُمّه عليهما السـلام منذ الزمانِ الأبعد من مبعثِهِ صلى الله عليـه وسلم، إنَّهُ لقديرٌ على حِفظِ وحيه؟! وأن الكُلَّ عليـهِ هيِّنٌ سبحانه وتعالى؟! فإن قالوا: نعم؛ فقد أجابوا عن أنفسهم فيما تماروا فيه! وإن قالوا: لا؛ فقد عَرَّضوا أنفسهم لما لا طاقَةَ لهم به عند لقائهِ عز وجل بعد خروجِ هذهِ الأنفاس والعياذ بالله. هما جوابان لا ثالث لهما! إذ ليست في الشريعةِ مساحاتٌ رماديَّة إزاءَ ما يتعلَّقُ بالتصديقِ والتوحيد والعبودية الحقَّة الخالصة؛ لأن شجرة الإيمان لا تقومُ إلا على ساق التسليم والإذعان والانقياد؛ فإما البيضاء وإما الأخرى! كما يُبينُ حديثُ الهادي الصادق المصدوق صلى الله عليـه وسلم، قال: ((خلق الله آدم حين خلقه، فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذَّرُّ، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحُمَم، فقال للذي في يمينه إلى الجنة ولا أبالي، وقال للذي في كتفه اليسرى إلى النار ولا أبالي))[6]. وأمَّا النَّقَلَة والرواةُ أصحاب الحديث من سلف الأمة رضوان الله عليهم؛ بدءًا من صحابةِ رسولِ الله صلى الله عليـه وسلم ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين؛ فقد دلَّ العقلُ والنقلُ على صدقهم وعَدَالتهم أيضًا، إذ هم حواريُّو رسولِ الله صلى الله عليـه وسلم وصحبه الكرام الذين زكَّاهم المولى عز وجل في كتابِهِ الكريم، فقال تعالى: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الفتح: 29]، وقال سُبحانه: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 100]. وقال صلى الله عليـه وسلم: ((خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ))، قالَ عِمْرانُ: "لا أدْرِي: ذَكَرَ ثِنْتَيْنِ أوْ ثَلاثًا بَعْدَ قَرْنِهِ"[7]، وغيرها من النصوص الشرعية الكريمة. وإنما العلمُ عِلمان: علمُ غيبٍ وعلمُ شهادة، ولكلٍ منهما أدواتُهُ وآلاتُهُ؛ فأما علمُ الغيب فأداتُهُ الوحيُ الإلهي، وهو يمثِّلُ الصدق المطلق مُطلَقًا؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ﴾ [النساء: 87]، ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ﴾ [النساء: 122]. وأما علمُ الشهادة فأدواتُهُ الحِس والمشاهدة والتجربة، وغايةُ أمرِ العقل أن يدُلَّ على صدق النبيِّ صلى الله عليـه وسلم، فيؤمِن، ثم يُحسِن الأخذ والتلقِّي والاستسلام والانقياد دونَ أن يتقحَّمَ أو يخوض فيمَا لم يؤمر أو يُؤذَن له بالخوضِ فيه، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ [الإسراء: 36]. ثم يدُلُّ أخرى على عَدالةِ خيرِ صحبٍ وخيرِ أجيالِ الأمَّةِ وقرونها، التي مَثَّلت المقامات الرفيعة من عبوديات الظاهر والباطن؛ من الخشية والتقوى والورَع والتفاني في خدمةِ دينِ الله تعالى، امتثالًا لأمرِ رسولِ الله صلى الله عليـه وسلَّم: ((بلغوا عني ولو آية))[8]، واقتداءً بسيرته العَطِرة، وحُبًّا وتعظيمًا للهِ تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا ورسولنا محمد وعلى آله الطيبين وصحبه أجمعين . 🔸تابع باب : المعراج عن ابن عباس رضي الله عنهما، قوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ﴾ قال: هو ما أُري في بيت المقدس ليلة أُسري به[1]. وعن قتادة ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ﴾ يقول: الله أراه من الآيات والعبر في مسيره إلى بيت المقدس. ورد الحديث بألفاظ شتى ورواية منها بالبخاري 🔸الشرح : ذُكر لنا أن ناسًا ارتدُّوا بعد إسلامهم، حين حدثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسيره، أنكروا ذلك وكذَّبوا له، وعجبوا منه، وقالوا: تحدِّثنا أنك سرت مسيرة شهرين في ليلة واحدة، فكانت تلك فتنةً للكافر[2]. وقال البغوي: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ﴾ فالأكثرون على أن المراد منه ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج من العجائب والآيات[3]. قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول سعيد بن جبير والحسن ومسروق وقتادة ومجاهد وعكرمة وابن جريج والأكثرين، والعرب تقول: رأيت بعيني رؤية ورؤيا، فلما ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس أنكر بعضهم ذلك وكذبوا فكان فتنة للناس[4]. المحور الثاني: الأدبُ مع الوحي الإلهي: إن من أصول الإيمان العظمى التي امتدحَ اللهُ بها الصادقين من عبادِهِ؛ الإيمان بالغيب، فقال جلَّ جلالُهُ: ﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [البقرة: 1 - 3]، فمن تشكَّكَ في ذلك قيد أُنمُلةٍ أو تمارى فيما هو الحقُّ من عندِ الله عز وجل، كان هو وإيمانُهُ على خطرٍ عظيم، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ [الحجرات: 15]، وقال: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة: 119]. وهل كان إيمانُنا برسولِ الله صلى الله عليـه وسلم إلا غيبًا بالنسبةِ إلينا بل وإلى كُلِّ مَن جاء بعد زمنهِ الشريف بأبي هو وأمي! فمن العُجاب أن يدَّعي امرئٌ الإيمانَ به صلى الله عليـه وسلم ثم يجحدُ خَبَره! هذا لا يستقيم البتة! بل الحقُّ أن ذلكم الجاحد كأنهُ بمجلِسِ رسولِ الله صلى الله عليـه وسلم، ورسولُ الله يُخبِرُ عن ربِّه تعالى ويُخبرُ عن أنباءِ الغيب مما أطلَعَهُ عليهِ ربُّهُ العظيم تبارك وتعالى، ثم ما كان من هذا الجالس في ذلكم المجلس الشريف إلا أن يرُدَّ على رسولِ الله صلى الله عليه وسـلم قولَهُ وخَبَرَه، فما الظنُّ بإيمانِه؟! والحقُّ أنهُ لا يبعُدُ عمن كذَّب رسالةَ النبي صلى الله عليـه وسلم؛ إذ الإيمانُ ببعثتهِ ورسالتهِ صلى الله عليـه وسلم مستلزمٌ للإيمان بخبرِهِ وكل ما يقول بأبي هو وأمي، ما دامَ أن العقل قد دلَّ على صدقِهِ ابتداء؛ وهذا مقتضى شهادة (أن محمدًا رسولُ الله). فقد لُقِّب بالصادق الأمين بين قومِهِ قبل بعثته الشريفة صلى الله عليـه وسلم، ولم يجرؤ أحدٌ من كُفارِ قريش على أن يصفَهُ بالكذب؛ وإنما قالوا: ساحر، وقالوا: كاهن، وقالوا: مجنون، وقالوا: صابئ، وهمُ الذين كانوا أحرَصَ الناس وأكثَرهم تحريًّا لردِّ ما جاء به من عِندِ ربِّهِ عز وجل، وهمُ الذين كانوا كُفارًا صُرحاء! وهمُ الذين كانوا يندفعون بذواتِهم لا من مؤثرٍ خارجيٍّ عنهم؛ كمختلَفِ المذاهب والتيارات الماثِلة في زماننا اليوم والتي يقودُ زمامَها أعداءُ محمدٍ صلى الله عليه وسـلم وأعداءُ ربِّهِ وأعداءُ دينِهِ والكتابِ الذي جاءَ به. وقد قال الله: ﴿ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ [الأنعام: 33]، بل أبو جهل فرعون هذهِ الأمةِ يعترف بصدقِ رسولِ الله صلى الله عليـه وسلم؛ فقد أورد أهل السِّيَر والتاريخ أن أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليسمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بالليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلسًا ليستمع منه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا أصبحوا وطلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئًا، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، قال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ثم انصرفوا، فلما كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسَهُ فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، فقالوا: لا نبرح حتى نتعاهد أن لا نعود.
شرح الحديث " إستماع " 🎧: https://youtu.be/chSGHfkVb8w?si=HxQodoIMhexdq8lW
شرح الحديث " إستماع " 🎧: https://youtu.be/2vEv_p8wMhk
ثمَّ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «ثمَّ فُرِضَتْ علَيَّ الصَّلَواتُ خَمسينَ صَلاةً كلَّ يَوْمٍ»، أي: أمَرَه اللهُ عزَّ وجلَّ بعدَما بلَغ في صُعودِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في السَّمَواتِ ما بلَغ بالصَّلاةِ، وعَددُها خَمسونَ صَلاةً في اليَومِ الواحِدِ، ويُخبِرُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه بعدَما أخَذ عنِ اللهِ ما فرَضَه عليه وعلى أُمَّتِه مِن صَلاةٍ، رجَع، فمَرَّ على نَبيِّ اللهِ مُوسى عليه السَّلامُ، فقال مُوسى عليه السَّلامُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «بمَ أُمِرتَ؟» قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «أُمِرتُ بخَمسينَ صَلاةً كلَّ يَومٍ»، قال مُوسى عليه السَّلامُ: «أُمَّتُكَ لا تَستَطيعُ خَمسينَ صَلاةً كلَّ يَومٍ»، أي: لا تَقْوى عليها، ولنْ تَقدِرَ أنْ تَقومَ بها، «وإنِّي واللهِ قد جرَّبْتُ النَّاسَ قبْلَكَ»، يَقصِدُ قَومَه مِن بَني إسْرائيلَ، وما كان مِن دَعوتِه فيهم، «وعالَجْتُ بَني إسْرائيلَ أشَدَّ المُعالَجةِ»، أي: حاوَلَ بكُلِّ جَهْدٍ ومَشقَّةٍ أنْ يُغيِّرَ فيهم، ويَحمِلَهم على أنْ يؤَدُّوا ما فُرِضَ عليهم، «فارجِعْ إلى ربِّكَ، فاسأَلْه التَّخْفيفَ لأُمَّتِكَ»، أي: مِن عَددِ الصَّلَواتِ، وأخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه رجَع إلى ربِّه يَسأَلُه التَّخْفيفَ على أُمَّتِه، فنقَصَ اللهُ له مِنَ الخَمسينَ عَشْرَ صَلَواتٍ، فكانت أربَعينَ صَلاةً في كلِّ يَومٍ، وحدَثَ ذلك ثَلاثَ مرَّاتٍ أيضًا، في كلِّ مرَّةٍ يَنقُصُ اللهُ عزَّ وجلَّ عشْرًا، وفي المرَّةِ الخامسةِ والأخيرةِ نقَصَ اللهُ له مِن العَشْرِ خَمسَ صلَواتٍ، فبَقيَ له خَمسٌ كلَّ يَومٍ، فعاد صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى نَبيِّ اللهِ موسى، فسَأَلَه مُوسى عليه السَّلامُ: «بِمَ أُمِرْتَ؟» فأخبَرَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه أُمِرَ بخَمسِ صَلَواتٍ كُلَّ يَومٍ، فقال له مُوسى كما قال قبْلَ ذلك، وطلَبَ منه أنْ يَرجِعَ فيَسألَ ربَّه التَّخْفيفَ، فقال له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «سألْتُ ربِّي حتَّى اسْتَحيَيْتُ»، أي: أسْتَحي أنْ أطلُبَ مَزيدًا مِن التَّخْفيفِ بعْدَما خُفِّفَتْ مِن خَمسينَ إلى خَمسٍ؛ فإنِّي إذا رجَعْتُ كُنتُ غيرَ راضٍ ولا مُسلِّمٍ، «ولكنْ أَرْضى وأُسلِّمُ». ومُراجَعةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في بابِ الصَّلاةِ إنَّما جازَت مِن رَسولِنا محمَّدٍ ومُوسى عليهما السلام؛ لأنَّهما عَرَفا أنَّ الأمرَ الأوَّلَ غيرُ واجبٍ قَطعًا، فلو كان واجبًا قَطعًا لمَا قبِلَ التَّخْفيفَ، وقيلَ: في الأوَّلِ فرَضَ اللهُ خَمسينَ، ثمَّ رحِم عِبادَه ونسَخَها بخَمسٍ. وأخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه بعدَما جاوَز نَبيَّ اللهِ موسى -أي: تخَّطاهُ- ورَضيَ بما فُرِضَ مِن الصَّلَواتِ الخَمسِ، «نادى مُنادٍ: أمضَيْتُ فَريضَتي»، أي: أنفَذْتُها، «وخَفَّفتُ عن عِبادي»، أي: في عَددِ الصَّلَواتِ، وزِيدَ في رِوايةٍ أُخْرى في صَحيحِ البُخاريِّ: «وأَجْزي الحَسَنةَ عَشْرًا»، أي: إنَّ كلَّ صَلاةٍ مِن الخَمسِ بعَشْرِ درَجاتٍ، فتَعدِلُ الصَّلواتُ الخَمسُ خَمسينَ صَلاةً في الأجْرِ، وقيلَ: إنَّ هذا الكَلامَ قد احتُجَّ به على أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد كلَّمَ الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ليلةَ الإسْراءِ. وهناك رِواياتٌ تَزيدُ على ذلك، وتُصرِّحُ بأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قد رُفِعَ إلى أعْلى مِن هذا المَقامِ؛ منها ما ورَد في الصَّحيحَينِ مِن قولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «حتَّى ظهَرْتُ لمُستَوًى أسمَعُ فيه صَريفَ الأقْلامِ»، ومنها ما جاء في صَحيحِ البُخاريِّ: «حتَّى جاء سِدْرةَ المُنْتَهى، ودَنا للجبَّارِ ربِّ العِزَّةِ فتَدَلَّى، فكان قابَ قَوسَيْنِ». وفي الحَديثِ: بَيانُ فَضلِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على الأنْبياءِ والعالَمينَ. وفيه: بَيانُ فَضْلِ أُمَّةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وبَيانُ رَحمةِ اللهِ تعالَى بها، وتَفْضيلِه لها على سائِرِ الأُمَمِ. وفيه: فَضلُ ماءِ النِّيلِ والفُراتِ. وفيه: بَذلُ النَّصيحةِ لمَن يَحتاجُ إليها، وإنْ لم يَحتَجِ النَّاصِحُ إليها، ولم يَطلُبْها المَنصوحُ.
ثمَّ أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه رأَى أرْبَعةَ أنْهارٍ، وفي رِوايةٍ أُخْرى في الصَّحيحَينِ: أنَّ هذه الأنْهارَ تَخرُجُ مِن أصْلِ شَجرةِ سِدْرةِ المُنْتَهى، «نَهْرانِ باطِنانِ»، أي: لخَفاءِ أمْرِهما، فلا تَهتَدي العُقولُ إلى وَصفِهما، أو أنَّهما خافِيانِ عنِ الأعْيُنِ؛ فلا يُرى إلى أين مَصَبُّهما، «ونَهْرانِ ظاهِرانِ»، فسَأَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جِبريلَ عليه السَّلامُ عنهم، فقال جِبريلُ: «أمَّا الباطِنانِ: فنَهْرانِ في الجنَّةِ»، قيلَ: هما السَّلْسَبيلُ والكَوْثَرُ، وقيلَ في اسْمَيْهما غيرُ ذلك. «وأمَّا الظَّاهِرانِ: فالنِّيلُ والفُراتُ»، ونَهرُ النِّيلِ: يَنبُعُ ويَسيلُ مِن رافِدَيْنِ: النِّيلِ الأبيَضِ، وهو أقْصى رَوافِدِه، يَأْتي مِن جَنوبِ القارَّةِ الإفْريقيَّةِ عندَ هَضْبةِ البُحَيراتِ (بُحَيرةِ فِكْتورْيا)، والنِّيلِ الأزرَقِ، وَيَنبُعُ من هَضْبةِ الحَبَشةِ (بُحَيرةِ تانا بأَثْيوبْيا)، يَأْتيانِ مِن الجَنوبِ مُرورًا على طولِ البِلادِ إلى أنْ يَجتَمِعا بأرضِ السُّودانِ، ثمَّ أرضِ مِصرَ، فيَفيضَا في البَحرِ الأبيَضِ المُتوسِّطِ، ويَبلُغُ طولُه: 6 .853 كم، ونَهرُ الفُراتِ: يَنبُعُ مِن تُرْكيا، ويَسيرُ في أراضيها، ويُتابِعُ طَريقَه في الأراضي السُّوريَّةِ، ومِن ثَمَّ في الأراضي العِراقيَّةِ، ويَنتَهي به المَطافُ إلى الخَليجِ العَربيِّ بعْدَ أنْ يتَّحِدَ معَ نَهرِ دِجْلةَ، ويَبلُغُ طولُه: 2 .781 كم؛ فهذانِ النَّهرانِ -النِّيلُ والفُراتُ- يَخرُجانِ مِن أصلِ سِدْرةِ المُنْتَهى، ثمَّ يَسيرانِ حيث أرادَ اللهُ تعالَى، ثمَّ يَخرُجانِ مِن الأرضِ، ويَسيرانِ فيها. وذكَر النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه بعدَ ذلك ظهَرَ له البَيْتُ المَعْمورُ، قيلَ: هو بَيتٌ في السَّماءِ السَّابعةِ كحالِ الكَعْبةِ في الأرضِ، وقيلَ: إنَّه فَوقَها، ومُقابِلٌ لها، وفي رِوايةٍ أُخْرى في الصَّحيحَينِ: يُصلِّي فيه كُلَّ يَومٍ سَبعونَ ألفَ ملَكٍ، إذا خرَجوا لم يَعودوا إليه. وذكَر النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه قُدِّمَ له ثَلاثةُ آنيةٍ ضِيافةً له، إناءٌ فيه خَمرٌ، وإناءٌ فيه لَبنٌ، وإناءٌ فيه عَسَلٌ، فشرِبَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن إناءِ اللَّبنِ، فقال جِبريلُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «هي الفِطْرةُ أنتَ عليها وأُمَّتُكَ»، والفِطْرةُ: أصْلُ الخِلْقةِ الَّتي يكونُ عليها كُلُّ مَوْلودٍ؛ إذ يكونُ اللَّبنُ أوَّلَ ما يَدخُلُ جَوْفَه، وقيلَ: فِطْرةُ الإسْلامِ، وفي رِوايةٍ أُخْرى في الصَّحيحَينِ: قيلَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «لو شرِبْتَ الخَمرَ لَغَويْتَ، وغَوَتْ أُمَّتُكَ»؛ ولعلَّ ذلك لأنَّه لمَّا كان اللَّبنُ غِذاءَ الأجْسامِ، ومَصلَحةً لهم مُجرَّدةً عنِ المَضارِّ غالبًا في دُنْياهم؛ دلَّ أخْذُه له على تَوْفيقِه، وسَدادِ أمَّتِه لِما فيه مَصلَحتُهم في أحْوالِهم، وهِدايتُهم للحقِّ، ولمَّا كانتِ الخَمرُ تُذهِبُ العُقولَ، وتُثيرُ الفَحشاءَ والعَداوةَ والبَغْضاءَ، دلَّ على خِلافِ ذلك، وعلى كلِّ حالٍ، فإنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالَى لَطيفٌ بنَبيِّه وأُمَّتِه، وقدْ هَداه إلى سُبلِ الرَّشادِ، واخْتارَ أُمَّةَ الإسْلامِ لتَكونَ مَحلَّ رِسالتِه ونُبوَّتِه، فأبعَدَ اللهُ عنه الغَوايةَ، وهَداهُ إلى سَواءِ السَّبيلِ.
ولَمَّا تَجاوَزَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نَبيَّ اللهِ مُوسى عليه السَّلامُ -أي: تَخطَّاه- بكَى موسى عليه السَّلامُ، فقيلَ له: «ما يُبْكيكَ؟» قال مُوسى عليه السَّلامُ: «أبْكي لأنَّ غُلامًا بُعِثَ بَعْدي»، يَقصِدُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، «يَدخُلُ الجنَّةَ مِن أُمَّتِه أكثَرُ ممَّن يَدخُلُها مِن أُمَّتي»، وبُكاءُ مُوسى عليه السَّلامُ ليس حسَدًا، وإنَّما كان يَبْكي على ما فاتَه مِن الأجْرِ؛ وذلك أنَّ لكُلِّ نَبيٍّ دَرَجتَه على عدَدِ مَن معَه مِن الأتْباعِ، وممَّا يدُلُّ أيضًا على أنَّه ليس حسَدًا: نُصحُ نَبيِّ اللهِ مُوسى عليه السَّلامُ للرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأنْ يَسأَلَ ربَّهُ تَخْفيفَ الصَّلاةِ على أُمَّتِه، كما سيَأْتي؛ فهذا أَدْعى أنْ يَنفيَ عنه عليه السَّلامُ أنَّه بَكى حسَدًا لبُلوغِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ دَرَجةً أعْلى منه بما له مِن أتْباعٍ. ثمَّ صعِدَ جِبريلُ عليه السَّلامُ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى السَّماءِ السَّابعةِ، فطَلَبَ جِبريلُ فتْحَ البابِ ففُتِحَ، ورحَّبَتِ الملائكةِ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلمَّا دخَلَها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وَجَد فيها إبْراهيمَ عليه السَّلامُ، قال جِبريلُ: «هذا أبوكَ فسلِّمْ عليه»؛ وذلك أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن نَسلِ إبْراهيمَ عليه السَّلامُ، فسلَّمَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عليه، فرَدَّ إبْراهيمُ على النَّبيِّ السَّلامَ، قال: «مَرحَبًا بالابنِ الصَّالحِ والنَّبيِّ الصَّالحِ»، وفي رِوايةٍ أُخْرى في صَحيحِ مُسلِمٍ: أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وجَد خَليلَ الرَّحمنِ إبْراهيمَ مُسنِدًا ظَهرَه إلى البَيتِ المَعْمورِ. وقيلَ في الحِكْمةِ مِن الاقْتِصارِ على هؤلاء الأنْبياءِ المَذْكورينَ فيه دونَ غَيرِهم؛ للإشارةِ إلى ما سَيقَعُ له صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مع قَومِه مِن نَظيرِ ما وقَع لكلٍّ منهم؛ فأمَّا آدَمُ فوَقَعَ التَّنبيهُ بما وَقَعَ له مِن الخُروجِ مِن الجنَّةِ إلى الأرضِ، بما سيَقَعُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن الهِجرةِ إلى المدينةِ، والجامعُ بيْنهما ما حَصَلَ لكلٍّ منهما مِن المشقَّةِ، وكَراهةِ فِراقِ ما ألِفَه مِن الوَطَنِ، ثمَّ كان مآلُ كلٍّ منهما أنْ يَرجِعَ إلى مَوطنِه الذي أُخرِجَ منه، وبعِيسى ويَحْيى على ما وقَعَ له مِن أوَّلِ الهِجْرةِ مِن عَداوةِ اليَهودِ، وتَمادِيهم في البَغيِ عليه، وإرادتِهِم وُصولَ السُّوءِ إليه، وبيوسُفَ على ما وقَعَ له مع إخْوتِه؛ فكذلك النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما وقَعَ له مِن قُرَيشٍ في نَصبِهمُ الحَربَ له وإرادتِهِم هَلاكَه، وكانت العاقبةُ له، وبإدْريسَ على رَفيعِ مَنزِلتِه عندَ اللهِ، فكذلك النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وبهارونَ على أنَّ قَومَه رجَعوا إلى مَحبَّتِه بعْدَ أنْ آذَوْه، فكذلك النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأكثَرُ قَومِه رجَعوا إليه بعْدَ العَداوةِ، وبمُوسى على ما وقَع له مِن مُعالَجةِ قَومِه، فكذلك النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عالَجَ قُرَيشًا وغَيرَهم أشدَّ المُعالَجةِ، وبإبْراهيمَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في اسْتِنادِه إلى البَيتِ المَعْمورِ بما ختَم اللهُ له في آخِرِ عُمرِه مِن إقامةِ مَناسِكِ الحجِّ وتَعظيمِ البيتِ، فكذلك النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أقامَ مناسِكَ الحجِّ، وعظَّمَ البَيتَ، وأمَر بتَعْظيمِه. ثمَّ رُفِعَت للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سِدْرةُ المُنْتَهى وظهَرَت له، وقيلَ: إنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قدِ ارْتُقيَ به فظهَرَت له، وهي: شَجَرةٌ عَظيمةٌ جدًّا، وسُمِّيَت بذلك لأنَّه يَنْتَهي إليها ما يَصعَدُ مِن الأرْضِ، ويَنزِلُ إليها ما يَنزِلُ مِن اللهِ؛ مِن الوحْيِ وغيرِه، أو لانتهاءِ عِلمِ الخلْقِ إليها مِن الملائكةِ والإنسِ، أي: لكونِها فوقَ السَّمواتِ والأرضِ، فهي المُنْتهى في عُلوِّها، ولم يُجاوِزْها أحَدٌ إلَّا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. ويَصِفُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سِدْرةَ المُنْتَهى، فيُخبِرُ أنَّ نَبِقَها -أي: ثِمارَها- مِثلُ قِلالِ هَجَرَ، وهَجَرُ: قَرْيةٌ مِن قُرى المَدينةِ، وقيل: هي ما يُعرَفُ بمدينة الأحساءِ حاليًّا، ووقَعَ التَّشْبيهُ بحَجْمِ قِلالِها؛ لأنَّها كانت مَعْروفةً عندَ المُخاطَبينَ، والقِلالُ: أَوْعِيةٌ مِن الفَخَّارِ كَبيرةُ الحَجمِ، كانتْ تُملأُ بالماءِ، والمُرادُ أنَّ ثِمارَ الشَّجرةِ كانت كَبيرةً. وأخبَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ وَرَقَ شَجرةِ سِدْرةِ المُنْتَهى حَجْمُها مِثلُ آذانِ الفِيَلةِ، والفِيَلةُ: جَمعُ فيلٍ، وهو بَيانٌ لكِبَرِ حَجمِها. وقال جِبريلُ عليه السَّلامُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «هذه سِدْرةُ المُنْتَهى».
فركِبَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وانطلَقَ جِبريلُ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتَّى أتَى السَّماءَ الدُّنْيا، وهي السَّماءُ الأُولى، وعندَ مُسلِمٍ مِن حَديثِ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قبْلَ مِعْراجِه إلى السَّماءِ كان قد أُسْريَ به إلى بَيتِ المَقدِسِ، فصلَّى به رَكعَتَينِ، ثمَّ عُرِجَ به إلى السَّماءِ الأُولى، فطَلَبَ جِبريلُ عليه السَّلامُ مِن الملائكةِ المُوَكَّلةِ ببابِ السَّماءِ أنْ تَفتَحَهُ، فسَألَتْ مَلائكةُ السَّماءِ: مَن هذا؟ أي: مَنِ المُستَفتِحُ؟ قال جِبريلُ عليه السَّلامُ: «جِبريلُ»، وهذا بَيانٌ لأدَبِ الاستِئْذانِ بيْنَ المَلائكةِ، قيلَ: ومَن معَكَ؟ قال: مُحمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قيلَ: «وقدْ أُرسِلَ إليه؟»، أي: هلْ أرسَلَ اللهُ بأمْرِ عُروجِه إلى السَّماءِ؟ وليس المَقصودُ السُّؤالَ عنِ الإرْسالِ إلى النَّبيِّ بالرِّسالةِ والنُّبوَّةِ، قيلَ: الحِكْمةُ في قَولِهم هذا: أنَّ اللهَ أرادَ إطْلاعَ نَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على أنَّه مَعْروفٌ عِندَ المَلأِ الأعْلى؛ لأنَّهم قالوا: أُرسِلَ إليه، فدلَّ على أنَّهم كانوا يَعرِفونَ أنَّ ذلك سيَقَعُ، وإلَّا لكانوا يَقولونَ: مَن مُحمَّدٌ؟ قال جِبريلُ عليه السَّلامُ: نَعمْ، فقالتْ مَلائكةُ السَّماءِ مُرَحِّبينَ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «مَرحَبًا به، فنِعمَ المَجيءُ جَاءَ»، أي: إنَّ مَجيئَه مُبارَكٌ مَحمودٌ، ففُتِحَ له بابُ السَّماءِ الأُولى، وأخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه بعْدَ ما وصَل، وانْتَهى مِن دُخولِها وجَد فيها أبا البشَرِ آدَمَ عليه السَّلامُ، فقال جِبريلُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: هذا أبوكَ آدَمُ، فسَلِّم عليه، فسلَّمَ عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وردَّ آدَمُ السَّلامَ، ثمَّ قال للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «مَرحَبًا بالابنِ الصَّالحِ والنَّبيِّ الصَّالحِ». وذكَره بالبُنوَّةِ؛ لافْتِخارِه بأُبوَّتِه للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ووصَفَه بالصَّالحِ؛ لأنَّ الصَّالحَ صِفةٌ تَشمَلُ خِلالَ الخَيرِ جَميعَها؛ ولذلك ذكَره كلٌّ مِن الأنْبياءِ الَّذين لَقِيَهم في السَّمَواتِ بهذا الوصْفِ واقْتَصَروا عليه، والصَّالحُ هو الَّذي يَقومُ بما يَلزَمُه مِن حُقوقِ اللهِ وحُقوقِ العِبادِ، فمِن ثَمَّ كانت كَلمةً جامعةً لِمَعاني الخيرِ. ثمَّ صعِدَ جِبريلُ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى السَّماءِ الثَّانيةِ، فدَخَلَها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ووَجَد فيها نَبيَّ اللهِ يَحْيى بنَ زَكَريَّا، ونَبيَّ اللهِ عيسى ابنَ مَريمَ عليهما السَّلامُ، وقولُه: «وهما ابْنا الخالةِ»؛ وذلك أنَّ أُمَّ يَحْيى أُختُ أُمِّ مَريمَ. ثمَّ صعِدَ جِبريلُ عليه السَّلامُ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى السَّماءِ الثَّالثةِ، فلمَّا دَخَلَها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وجَدَ يوسُفَ بنَ يَعْقوبَ عليهما السَّلامُ، ثمَّ صَعِدَ جِبريلُ عليه السَّلامُ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى السَّماءَ الرَّابعةَ، فلمَّا دَخَلَها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وجَدَ فيها إدْريسَ عليه السَّلامُ، ثمَّ صعِدَ جِبريلُ عليه السَّلامُ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى السَّماءِ الخامِسةَ، فلمَّا دَخَلَها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وَجَدَ بها هارونَ عليه السَّلامُ، ثمَّ صعِدَ جِبريلُ عليه السَّلامُ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى السَّماءِ السَّادسةِ، فلمَّا دَخَلَها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وجَدَ فيها مُوسى عليه السَّلامُ. وفي كلِّ سَماءٍ حدَثَ مِثلُ ما حدَثَ في السَّماءِ الأُولى؛ مِن طَلَبِ فتْحِ البابِ، وسُؤالِ الملائكةِ، والتَّرحيبِ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وإلْقاءِ السَّلامِ مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على مَن يَلقاهُ مِن الرُّسلِ، لكنْ كان رَدُّهم عليه: «مَرحَبًا بالأخِ الصَّالحِ والنَّبيِّ الصَّالحِ»، وليس «مَرحَبًا بالابنِ...»، كما قال آدَمُ عليه السَّلامُ.
🔸الشرح : رِحلةُ الإسْراءِ والمِعْراجِ منَ المُعجِزاتِ الكُبْرى الَّتي تَجلَّى فيها فَضْلُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وظهَر عُلوُّ مَقامِه عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ، وأَراهُ فيها مِن آياتِه الكُبْرى. وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ الصَّحابيُّ مالِكُ بنُ صَعْصَعةَ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ نَبيَّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حدَّثَهم عن لَيلةِ أُسْريَ به، والإسْراءُ هو السَّفرُ لَيلًا، والمَعنى: حدَّثَهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن مُعجِزةِ سَفرِه في لَيلةٍ واحِدةٍ مِن المَسجِدِ الحَرامِ إلى المَسجِدِ الأقْصى، ثُمَّ العُروجِ به إلى السَّماءِ ثم إلى سِدْرةِ المُنْتَهى. فأخبَرَهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه بيْنَما كان في الحَطيمِ -ورُبَّما قال: في الحِجرِ- مُضطَجِعًا، أي: مُستَلقيًا على جَنْبِه، والحَطيمُ والحِجرُ بمَعنًى واحدٍ، وهو: الحائطُ المُستَديرُ إلى جانِبِ الكَعبةِ، وهو جُزءٌ مِن الكَعْبةِ لم يُستَكمَلْ بِناؤُه، وقد أرادَتْ قُرَيشٌ تَجْديدَ الكَعْبةِ قبْلَ بَعْثةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقَصَّرَت بها النَّفَقةُ عن إكْمالِ هذا الجُزءِ، فترَكَتْه ووَضَعَت عليه عَلاماتٍ تُميِّزُه، أتاهُ آتٍ مِن ربِّه، قيلَ: هو جِبريلُ عليه السَّلامُ، فشَقَّ ما بيْن ثُغْرَةِ نَحْرِهِ -وهو المَوضِعُ الواصِلُ بيْنَ أسفَلِ العُنقِ وأعْلى الصَّدرِ- إلى شِعْرَتِه، وهو مَنْبَتُ شَعرِ العانةِ، وفي رِوايةٍ: «مِن قَصِّهِ إلى شِعْرَتِه»، والقَصُّ: رَأسُ الصَّدرِ. وذكَر النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ هذا الملَكَ أخرَجَ القَلْبَ مِن جَوفِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ووضَعَه في طَسْتٍ مِن ذهَبٍ مَمْلُوءةٍ إيمانًا، فغَسَله بالإيمانِ، وفي اتِّخاذِ الإناءِ مِن الذَّهبِ معَ حُرْمةِ ذلك؛ قيلَ: لعلَّ ذلك قبلَ التَّحْريمِ، أو إنَّ التَّحريمَ مَخْصوصٌ بأحْوالِ الدُّنْيا، وما وقَعَ في تلك اللَّيلةِ يَلحَقُ بأحْكامِ الآخِرةِ؛ لأنَّ الغالِبَ على أحْوالِ الآخِرةِ الغَيبُ، وكلُّ ما حدَث في هذه الرِّحْلةِ هو منَ الغَيْبيَّاتِ. قيل: وخُصَّ الذَّهبُ لكونِه أعْلى الأواني الحسِّيَّةِ وأصْفاها، ولأنَّ للذَّهبِ خَواصَّ لَيستْ لغيرِه؛ وهي أنَّه لا تَأكُلُه النَّارُ، ولا يُبْلِيه التُّرابُ، ولا يَلحَقُه الصَّدى، وهو أثقَلُ الجواهرِ، فناسَبَ ثِقَلَ الوحْيِ. ثمَّ حَشا الملَكُ قَلبَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بذلك الإيمانِ، وذلك كان حَقيقةً، أو المرادُ أنَّ الطَّسْتَ كان فيه شَيءٌ تَحصُلُ به زيادةٌ في كَمالِ الإيمانِ، وكَمالِ الحِكْمةِ، وفي رِوايةٍ أُخْرى في الصَّحيحَينِ: «ثمَّ غسَلَه بماءِ زَمزَمَ، ثمَّ جاء بطَسْتٍ مِن ذهَبٍ مُمتَلئٍ حِكْمةً وإيمانًا، فأفرَغَه في صَدْري». ثمَّ وَضَعَ الملَكُ القلْبَ بعْد ذلك في صَدرِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. ثُمَّ ذكَر النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه بعْد ذلك أُتيَ له بالدَّابَّةِ الَّتي سيَركَبُها في رِحْلةِ الإسْراءِ إلى المَسجِدِ الأقْصى، وهي البُراقُ، وهي دابَّةٌ أقلُّ في حَجمِها مِن البَغْلِ، وأكبْرُ مِن الحِمارِ، «يضَعُ خَطْوَه عندَ أقْصى طَرْفِه»، أي: إنَّ خُطْوتَه الواحِدةَ بمِقْدارِ ما يَنتَهي إليه بَصَرُه، وفي ذلك إشارةٌ إلى شدَّةِ سُرعتِه.
موسى، فقال: بمَ أُمِرتَ؟ قُلتُ: أُمِرتُ بخَمسِ صَلَواتٍ كُلَّ يَومٍ، قال: إنَّ أُمَّتَكَ لا تَستَطيعُ خَمسَ صَلَواتٍ كُلَّ يَومٍ، وإنِّي قد جَرَّبتُ النَّاسَ قَبلَكَ، وعالَجتُ بَني إسرائيلَ أشَدَّ المُعالَجةِ، فارجِعْ إلى رَبِّكَ فاسألْه التَّخفيفَ لأُمَّتِكَ، قال: سَألتُ رَبِّي حتَّى استَحيَيتُ، ولَكِنِّي أرضى وأُسَلِّمُ، قال: فلَمَّا جاوزتُ نادى مُنادٍ: أمضَيتُ فريضَتي، وخَفَّفتُ عن عِبادي. المحدث : البخاري .
[وفي رِوايةٍ]: مِن قَصِّه إلى شِعرَتِه- فاستَخرَجَ قَلبي، ثُمَّ أُتيتُ بطَستٍ مِن ذَهَبٍ مَملوءةٍ إيمانًا، فغُسِلَ قَلبي، ثُمَّ حُشيَ ثُمَّ أُعيدَ، ثُمَّ أُتيتُ بدابَّةٍ دونَ البَغلِ، وفَوقَ الحِمارِ أبيَضَ -فقال له الجارودُ: هو البُراقُ يا أبا حَمزةَ؟ قال أنَسٌ: نَعَم- يَضَعُ خَطوه عِندَ أقصى طَرفِه، فحُمِلتُ عليه، فانطَلَقَ بي جِبريلُ حتَّى أتى السَّماءَ الدُّنيا فاستَفتَحَ، فقيلَ: مَن هذا؟ قال: جِبريلُ، قيلَ: ومَن معكَ؟ قال: مُحَمَّدٌ، قيلَ: وقد أُرسِلَ إليه؟ قال: نَعَم، قيلَ: مَرحَبًا به؛ فنِعمَ المَجيءُ جاءَ، ففَتَحَ، فلَمَّا خَلَصتُ فإذا فيها آدَمُ، فقال: هذا أبوكَ آدَمُ، فسَلِّمْ عليه، فسَلَّمتُ عليه، فرَدَّ السَّلامَ، ثُمَّ قال: مَرحَبًا بالِابنِ الصَّالِحِ والنَّبيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بي حتَّى أتى السَّماءَ الثَّانيةَ، فاستَفتَحَ، قيلَ: مَن هذا؟ قال: جِبريلُ، قيلَ: ومَن معكَ؟ قال: مُحَمَّدٌ، قيلَ: وقد أُرسِلَ إليه؟ قال: نَعَم، قيلَ: مَرحَبًا به؛ فنِعمَ المَجيءُ جاءَ، ففَتَحَ، فلَمَّا خَلَصتُ إذا يَحيى وعيسى -وهما ابنا الخالةِ- قال: هذا يَحيى وعيسى فسَلِّمْ عليهما، فسَلَّمتُ فرَدَّا، ثُمَّ قالا: مَرحَبًا بالأخِ الصَّالِحِ والنَّبيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بي إلى السَّماءِ الثَّالِثةِ، فاستَفتَحَ، قيلَ: مَن هذا؟ قال: جِبريلُ، قيلَ: ومَن معكَ؟ قال: مُحَمَّدٌ، قيلَ: وقد أُرسِلَ إليه؟ قال: نَعَم، قيلَ: مَرحَبًا به؛ فنِعمَ المَجيءُ جاءَ، ففُتِحَ، فلَمَّا خَلَصتُ إذا يوسُفُ، قال: هذا يوسُفُ فسَلِّمْ عليه، فسَلَّمتُ عليه، فرَدَّ ثُمَّ قال: مَرحَبًا بالأخِ الصَّالِحِ والنَّبيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بي حتَّى أتى السَّماءَ الرَّابِعةَ، فاستَفتَحَ، قيلَ: مَن هذا؟ قال: جِبريلُ، قيلَ: ومَن معكَ؟ قال: مُحَمَّدٌ، قيلَ: أوقد أُرسِلَ إليه؟ قال: نَعَم، قيلَ: مَرحَبًا به؛ فنِعمَ المَجيءُ جاءَ، ففُتِحَ، فلَمَّا خَلَصتُ إلى إدريسَ، قال: هذا إدريسُ فسَلِّمْ عليه، فسَلَّمتُ عليه، فرَدَّ ثُمَّ قال: مَرحَبًا بالأخِ الصَّالِحِ والنَّبيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بي، حتَّى أتى السَّماءَ الخامِسةَ فاستَفتَحَ، قيلَ: مَن هذا؟ قال: جِبريلُ، قيلَ: ومَن معكَ؟ قال: مُحَمَّدٌ، قيلَ: وقد أُرسِلَ إليه؟ قال: نَعَم، قيلَ: مَرحَبًا به، فنِعمَ المَجيءُ جاءَ، فلَمَّا خَلَصتُ فإذا هارونُ، قال: هذا هارونُ فسَلِّمْ عليه، فسَلَّمتُ عليه، فرَدَّ، ثُمَّ قال: مَرحَبًا بالأخِ الصَّالِحِ والنَّبيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بي حتَّى أتى السَّماءَ السَّادِسةَ فاستَفتَحَ، قيلَ: مَن هذا؟ قال: جِبريلُ، قيلَ: مَن معكَ؟ قال: مُحَمَّدٌ، قيلَ: وقد أُرسِلَ إليه؟ قال: نَعَم، قال: مَرحَبًا به؛ فنِعمَ المَجيءُ جاءَ، فلَمَّا خَلَصتُ فإذا موسى، قال: هذا موسى فسَلِّمْ عليه، فسَلَّمتُ عليه، فرَدَّ ثُمَّ قال: مَرحَبًا بالأخِ الصَّالِحِ والنَّبيِّ الصَّالِحِ، فلَمَّا تَجاوزتُ بَكى، قيلَ له: ما يُبكيكَ؟ قال: أبكي لأنَّ غُلامًا بُعِثَ بَعدي يَدخُلُ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِه أكثَرُ مِمَّن يَدخُلُها مِن أُمَّتي، ثُمَّ صَعِدَ بي إلى السَّماءِ السَّابِعةِ فاستَفتَحَ جِبريلُ، قيلَ: مَن هذا؟ قال: جِبريلُ، قيلَ: ومَن معكَ؟ قال: مُحَمَّدٌ، قيلَ: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: نَعَم، قال: مَرحَبًا به؛ فنِعمَ المَجيءُ جاءَ، فلَمَّا خَلَصتُ فإذا إبراهيمُ، قال: هذا أبوكَ فسَلِّمْ عليه، قال: فسَلَّمتُ عليه، فرَدَّ السَّلامَ، قال: مَرحَبًا بالِابنِ الصَّالِحِ والنَّبيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ رُفِعَت لي سِدرةُ المُنتَهى، فإذا نَبِقُها مِثلُ قِلالِ هَجَرَ، وإذا ورَقُها مِثلُ آذانِ الفيَلةِ، قال: هذه سِدرةُ المُنتَهى، وإذا أربَعةُ أنهارٍ: نَهرانِ باطِنانِ ونَهرانِ ظاهِرانِ، فقُلتُ: ما هذانِ يا جِبريلُ؟ قال: أمَّا الباطِنانِ فنَهرانِ في الجَنَّةِ، وأمَّا الظَّاهِرانِ فالنِّيلُ والفُراتُ، ثُمَّ رُفِعَ لي البَيتُ المَعمورُ، ثُمَّ أُتيتُ بإناءٍ مِن خَمرٍ، وإناءٍ مِن لَبَنٍ، وإناءٍ مِن عَسَلٍ، فأخَذتُ اللَّبَنَ، فقال: هي الفِطرةُ التي أنتَ عليها وأُمَّتُكَ، ثُمَّ فُرِضَت عليَّ الصَّلَواتُ خَمسينَ صَلاةً كُلَّ يَومٍ، فرَجَعتُ فمَرَرتُ على موسى، فقال: بما أُمِرتَ؟ قال: أُمِرتُ بخَمسينَ صَلاةً كُلَّ يَومٍ، قال: إنَّ أُمَّتَكَ لا تَستَطيعُ خَمسينَ صَلاةً كُلَّ يَومٍ، وإنِّي واللهِ قد جَرَّبتُ النَّاسَ قَبلَكَ، وعالَجتُ بَني إسرائيلَ أشَدَّ المُعالَجةِ، فارجِعْ إلى رَبِّكَ فاسألْه التَّخفيفَ لأُمَّتِكَ، فرَجَعتُ فوضَعَ عَنِّي عَشرًا، فرَجَعتُ إلى موسى فقال مِثلَه، فرَجَعتُ فوضَعَ عَنِّي عَشرًا، فرَجَعتُ إلى موسى فقال مِثلَه، فرَجَعتُ فوضَعَ عَنِّي عَشرًا، فرَجَعتُ إلى موسى فقال مِثلَه، فرَجَعتُ فأُمِرتُ بعَشرِ صَلَواتٍ كُلَّ يَومٍ، فرَجَعتُ فقال مِثلَه، فرَجَعتُ فأُمِرتُ بخَمسِ صَلَواتٍ كُلَّ يَومٍ، فرَجَعتُ إلى