tgindex
أمين التميمي

أمين التميمي

Статистика
@ameentamimiКнигиарабский

‏أَرَدتُ وجْهَكَ فخَالطَ قلبي ما قد عَلِمت

Последний пост
13 авг.
Последнее чтение
15 авг.
Постов за неделю
3
Всего постов
21
Тип
открытый
Язык
арабский
Категория
Книги (по похожим)
В каталоге с
13 авг.
Подписчики
524
0 за 1 дн.
Сутки
0
0,00%
Неделя
 
Месяц
 
Просмотров на пост
97
21 постов
Вовлечённость
18,5%
к подписчикам
Постов в день
0,4
всего 21
Упоминаний
0
каналов
Охват размещения
оценка
1/24сутки в ленте
31
1/48двое суток
35
1/72трое суток
38

Оценка по просмотрам недавних постов: пост набирает почти всё за первые сутки.

Посты

  • نصيحةٌ لكلِّ من جُبل على المظاهر أو تشربها لاحقاً من زوجته، أو منصبه، أو ماله، أو قرينه! زيارةٌ واحدةٌ إلى المقبرة، والمشي بين القبور، وتأمُّل ذلك المسكن القريب، سيوقظك حتماً من غرورك. ستعلو الأقدام يوماً فوق رفاتك، فتواضع اليوم وعش من غير تصنعٍ على فطرتك، لعلَّك تُرحم غداً تحت ترابك!

  • نحاول أن نوصّل الفكرة بأبسط صورة: نحن لم نُخلق إلا لعبادة الله؛ أي إن الأصل الذي ينبغي أن تقوم عليه حياتنا هو أن نعيش على مراد الله. وقد يُقاطعك أحدهم: ومن قال لك إن ما نفعله ونقوم به ليس عبادة؟ وهنا ربما يكون الاعتراض قد أخطأ موضع السؤال؛ فالقضية ليست في حصر العبادة في بعض الشعائر، ولا في تسمية هذا الفعل عبادةً وذاك غير عبادة، وإنما في السؤال الأعمق: هل تعيش وتحاول أن تعيش على مراد الله؟ هل ما تريده، وما تسعى إليه، وما تقبله وترفضه، وما تفعله حين تختلي بنفسك، يجري في الاتجاه الذي أراده الله منك؟ هذا سؤال لا يستطيع أحد أن يجيب عنه نيابةً عنك. فقد تجادل طويلًا في معنى العبادة وحدودها، لكنك لن تستطيع أن تخدع نفسك إذا وقفت أمام السؤال مجردًا من كل جدال: هل أعيش لله، أم أعيش لنفسي، ثم أبحث عن تأويل يجعل ما أريده موافقًا لمراد الله؟

  • ربما مرّ على أحدكم أن جواب أطول قسم في القرآن جاء عن النفس: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. وقد لا يتوارد إلى أذهاننا عند سماع الآيتين إلا ضرورة تزكية النفس؛ ففي تزكيتها الفلاح. لكننا قد نغفل عن النصف الآخر: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. فماذا يعني أن أدسّي نفسي؟ أي ليس فقط أن أترك تزكيتها، بل أن أخملها، وأضعف فيها صوت الحق، حتى يصبح الهوى أقدر على توجيهي من الحق، وتصبح المصلحة مقدّمة كلما تعارضت مع ما ينبغي أن يكون. وهنا تكمن الخيبة! فقد يظن الإنسان أنه يحفظ مصلحته حين يسكت عن حق، أو يبرر لنفسه ما لا يبرره لغيره، أو ينتصر لهواه؛ بينما هو في الحقيقة يخسر نفسه شيئًا فشيئًا. والأخوف أن التدسية لا تأتي دائمًا في صورة انحراف ظاهر؛ قد تبدأ بتبرير صغير، ثم يتكرر، حتى يألف القلب ما كان يستثقله، ويصبح ما كان ينكره بالأمس أمرًا عاديًا اليوم. فأخوف ما في دسّ النفس أن تُسكت صوت الحق فيها مرة بعد مرة، حتى يأتي يوم لا تعود تسمعه. وحينها تفهم لماذا قال الله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. فالخيبة ليست أن تخسر مصلحة وأنت مع الحق؛ الخيبة أن تربح مصلحة، ثم تكتشف أنك كنت تخسر نفسك في كل مرة!.

  • بعد دفن الميت، تكون هناك عادةً موعظة قصيرة، ودعاء له، وتذكيرٌ بالحياة الآخرة وبالمنزل الذي ينتظر كل واحدٍ منا. لكن الأحاديث الجانبية، منذ سنوات قليلة، بدأت تزداد حتى في مثل هذه المواقف، حتى أنني سمعت، وفي مرتين منفصلتين، الشيخ يطلب صراحةً من الناس التوقف عن الأحاديث الجانبية. وفي المرتين لم يستجب أحد، إلى أن اضطر في النهاية إلى أن يقول لهم: «نرجوكم، فقط الهدوء قليلًا والدعاء للميت». قد نستهجن الكلام عن الدنيا في مثل هذه المواقف، لكننا سرعان ما نتذكر أننا أصلًا لا نفتح مواضيع الآخرة في حياتنا البتة؛ فكيف فجأةً نتوقف عن حديث الدنيا ونتكلم عنها؟ لكن في آخر جنازة تبعناها، حدث شيء مختلف. قام أحدهم بقراءة دعاء دخول المقبرة بصوت مرتفع: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». كان هو أيضًا كلامًا، لكن وقعه كان شديدًا. سكت الجميع. لم أسمع يومها أي أحاديث جانبية. لم يحتج أحد إلى أن يطلب الهدوء. كأن هذه الكلمات لم تكن مجرد كلام يُسمع، بل حقيقةً تقف أمام الجميع ولا يمكن الهروب منها. تقبَّل وواجه هذه الحقيقة، ولو لمرة واحدة، وسترى الدنيا فجأةً على حقيقتها، فشئنا أم أبينا، لا دار لنا بعد الموت نسكنها إلا التي كنا في حياتنا نبنيها.

  • تنتشر مقاطعُ التوعيةِ والوعظِ في كلِّ مكان، لكنَّ أكثرَها يشتركُ في سِمَةٍ تستوقفني؛ فهي كثيرًا ما تنصرفُ إلى وعظِ بُسطاءِ العامّة، أو مَن يَغلبُ عليهم حُسنُ القَبولِ وسُهولةُ الاستجابة. وليسَ الاعتراضُ على وعظِ بُسطاءِ العامّة، فهم بحاجةٍ إلى التذكيرِ كما غيرِهم، وإنّما الاعتراضُ على أن يُصبحوا وحدَهم ميدانَ الوعظ، بينما يغيبُ الخطابُ الذي يُواجهُ الظالمين، والمتكبّرين، وآكلي حقوقِ العباد، والمنافقين، وكلَّ مَن أغرَّه جاهُه أو منصبُه أو مالُه حتى ظنَّ أنَّه بمنأىً عن الحساب. متى كانت آخرَ مرّةٍ سمعتَ فيها موعظةً تتناولُ عاقبةَ الظالمين، أو سوءِ مُنقَلَبِ المنافقين، أو خطرَ أكلِ حقوقِ الناس، أو التسلّطِ على الخلقِ باسمِ الدينِ أو الجاهِ أو المنصب؟ بل متى كان آخرُ خطابٍ يُرسّخُ في النفوسِ أنَّ الجميعَ عبيدٌ لله، فلا جاهَ يرفع، ولا منصبَ يعصم، ولا هيبةَ تنفعُ بين يدي الله؟ لقد كَثُرَ الخطابُ في منطقةِ المسموح، حتى غدَتِ الميدانَ الذي يتنافسُ فيه الجميع، بينما نُصِبَ في منطقةِ اللامفتوحِ صَنَمٌ لا يُقتربُ منه؛ فلا يُواجَهُ صاحبُ جاهٍ أو منصب، ولا تُمسُّ مواطنُ الظلم، ولا تُقالُ كلمةُ الحقِّ حيثُ تكونُ كُلفتُها أعظم. وكأنَّ المحظورَ لم يَعُدِ الظلمَ، وإنّما الاقترابَ من الظالم. إنَّ قيمةَ الكلمةِ لا تظهرُ حينَ تُقالُ لِمَن لا يملكُ إلّا أن يسمع، وإنّما حينَ تُقالُ لِمَن يملكُ أن يغضبَ أو يُعاقبَ أو ينتقم. أمّا أن يَكثرَ الوعظُ حيثُ يُؤمَنُ الجانب، ويغيبَ حيثُ تُخشَى العواقب، فذلكَ يبعثُ على التساؤل: هل أصبحَ ميزانُ الخطابِ هو سلامةُ المتكلّم، أم إقامةُ الحق؟ إنَّ الأُمّةَ بحاجةٍ إلى خطابٍ يُذكّرُ الجميع، لا المستضعفينَ وحدَهم؛ خطابٍ لا يُفرّقُ بين صاحبِ جاهٍ أو منصبٍ وغيرِه في وجوبِ النصيحةِ والإنكار، ولا يجعلُ النفوذَ حاجزًا يحولُ دونَ قولِ الحق. نُكثرُ من توجيهِ الخطابِ إلى مَن لا يضرُّنا نصحُهم لأنّنا نأمنُ جانبَهم، ونتجنّبُ وعظَ مَن لا نأمنُ جانبَهم. وهنا يكمنُ الخلل؛ إذ تتحوّلُ الجرأةُ إلى انتقائيّة، ويغدو الصمتُ عندَ مواطنِ القوّةِ انتكاسةً في ميزانِ الحق، وهزيمةً لا تمحوها كثرةُ ما يُقالُ في مواطنِ الضعف.

  • يبدو أن أقصى ما يستطيع الإنسان أن يبلغه على الصعيد الشخصي ليس نجاحًا ولا شهرةً ولا نفوذًا، وإنما أن يُحافظ على فطرته السليمة بينه وبين نفسه. فأنت، شئت أم أبيت، ستُدفع إلى العيش داخل أنماط مصطنعة، تتشربها شيئًا فشيئًا حتى تستقر فيك، ثم لا تلبث أن تظنها ذاتك، مع أنها لم تكن يومًا إلا قناعًا طال ارتداؤه حتى التصق بالوجه. ويبقى الصادقون - وما أقلهم - أولئك الذين يحافظون على الصدق بينهم وبين أنفسهم، فلا يسمحون لضجيج الناس أن يطمس صوت الفطرة، ولا لبريق الزيف أن يحجب نور الحق، على أمل أن تفيق البشرية يومًا من هذا السيل الجارف من التمثيل، والثرثرة، والتفاهة، التي زيّنها الشيطان حتى غدت فضيلة في أعين كثير من الناس. أما أكثر الخلق، فلم يعودوا صادقين حتى مع أنفسهم؛ فقد اختلط عليهم الأصل بالطارئ، والفطرة بالاكتساب، والحق بالهوى، حتى لم يعد أحدهم يدري من أين جاء، وعلى أي معتقد استقر، وإلى أي مصير يسير، بل صار يخدع نفسه قبل أن يخدع غيره، ويبرر لها ما لا يصدقه قلبه في قرارة نفسه. وهكذا يمضي ملايين البشر عن هذه الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وما دروا أنهم ربما كانوا من الأخسرين أعمالًا؛ لأن أخطر أنواع الضلال هو ذلك الذي يلبس ثوب الهداية، حتى لا يشعر صاحبه أنه قد ضل أصلًا. نعوذ بالله من سرابٍ يخدع الأبصار والبصائر، ومن ظلماتٍ يبلغ فيها الإنسان حدَّ أن يمد يده، وهي أقرب الأشياء إليه، فلا يكاد يراها.

  • يمر كل واحدٍ منا في حياته بمفترق طرق، بين زواجٍ أو دراسة، أو غربة، أو وظيفة، أو تجارة، أو غيرها من القرارات المصيرية. نجلس نقارن بين الخيارات، ونزن المكاسب والخسائر، ثم تميل نفوسنا إلى ما يبدو أكثر نفعًا لمعيشتنا، وأوفر حظًا في دنيانا. وربما نستشير من نثق برأيه، طلبًا لأدق تحليل وأصوب تقدير، لكنه غالبًا ـ مثلنا ـ ينظر إلى الميزان المادي: أيُّ الخيارات أجدى نفعًا؟ وأعظم عائدًا؟ وأقرب إلى تحقيق المصلحة الدنيوية. لكن يغيب عن كثيرٍ منا، وعن كثيرٍ ممن نستشيرهم، ميزانٌ هو أعظم من كل الموازين: أيُّ هذه الخيارات أقرب إلى الله؟ وأرجح في ميزان الآخرة؟ فقد يكون الخيار الذي يبدو لي أكثر نجاحًا في الدنيا، هو نفسه الذي يضعف ديني، أو يفتن قلبي، أو يباعدني عن ربي. وقد يكون الخيار الأقل بريقًا، والأقل ربحًا، هو الأبرك لديني، والأعظم أثرًا في آخرتي. كم مرة استشرنا الناس، فسمعنا مقارنة بين الراتب، والمكانة، والفرص، والمكاسب... ثم لم يلتفت أحد إلى سؤال واحد: أيُّ الخيارين أنفع لدينك؟ وأقرب لنجاتك يوم تلقى الله؟ إن القضية ليست أن نختار ما يحقق لنا أفضل حياة في الدنيا، بل أن نختار ما يورثنا أفضل مقام في الآخرة، ولو فاتنا من الدنيا بعض ما نشتهي. ولعل السؤال الذي ينبغي أن نسبق به كل قرار، وأن نوجهه لأنفسنا قبل أن نوجهه لغيرنا هو: إذا تعارضت مصلحة الدنيا مع مصلحة الآخرة، فهل أنت مستعد أن تقدم ما هو أنجع لآخرتك، ولو كان أقل نفعًا لدنياك؟ فهناك تبدأ حقيقة الإيمان، وهناك يظهر صدق تقديم ما عند الله على ما ستناله أيدينا.

  • بورقةٍ صغيرةٍ يتقدَّمُ أحدُهم لإيصالِها إلى الإمام، فيُذيعُ الإمامُ أنَّ أحدَهم قد انتقلَ إلى رحمةِ الله. ويبقى السؤالُ الذي لكلِّ واحدٍ منَّا جوابُه عند نفسِه: ماذا تعني كلمةُ الانتقال؟ مَن مِنَّا إذا كان لديه موعدُ سفرٍ، لا يتهيَّأ له، ويُجهِّز نفسَه، ويُرتِّب أمورَه حتى يمضي سفرُه على خير؟ إنَّه سفرٌ عظيم، وانتقالٌ مهيب، لن يفوتَك مهما استنكفتَ، أو أجَّلتَ، أو امتنعتَ عن حجزِ تذكرةٍ له.

  • الحمدُ للهِ الذي جعلَ المؤمنَ لا ينظرُ إلى الأحداثِ بعينِ السياسةِ والتطوُّراتِ وحدها، بل بعينِ الإيمانِ أيضًا. فهو يعلمُ أنَّ ما يجري ليس خارجًا عن قَدَرِ الله، وأنَّ سُنَنَه ماضيةٌ في الأمم، وأنَّ الأيامَ يُداولُها بين الناس. وواللهِ، لو علمَ الإنسانُ معنى قيُّوميَّتِه، والتي هي قيامُه سبحانه على كلِّ نفسٍ، وتدبيرُه لكلِّ أمرٍ، وأنَّه لا يخرجُ شيءٌ في هذا الكونِ عن علمِه وإرادتِه وحكمتِه، لما شغلَ بالَه وفكرَه ووجدانَه إلا رضا خالقِه عنه. ولكنَّ كثيرًا منَّا أصبح ينظرُ إلى الأمورِ بمنظارٍ دنيويٍّ، حتى كأنَّ الإنسانَ هو الذي يملكُ تدبيرَ المصائر. وهيهاتَ هيهاتَ؛ فما للعبدِ إلا أن يتضرَّعَ إلى ربِّه، ويتذلَّلَ بين يديه، فهو وحدَه المدبِّرُ الحكيم.

  • وبعد رحيل الجبابرة، يتجلى معنى قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾. تتلاشى في لحظةٍ قيمةُ كلِّ ما تملك: من أرصدة، وعلاقات، ومكانات. وكلُّ ما كنت تراه مُلكًا لك، لم يكن إلا عهدةً أُودعت بين يديك، أو صلاحياتٍ مُنحت لك إلى أجل. لكن الفزع الحقيقي أن تنكشف لك هذه الحقيقة بعدما تترك كلَّ شيءٍ وراء ظهرك، فلا تملك أن تستردَّ منه شيئًا. هكذا الرجوعُ فرادى؛ عزلةٌ مطلقة، لا أهلَ، ولا عشيرةَ، ولا أصحابَ، ولا جاهَ، ولا سلطان. تقف أعزلَ أمام الحقيقة الكبرى: أنك مخلوقٌ ضعيف، لا حولَ لك ولا قوةَ إلا بخالقك. وكلُّ ما كنت تظنه حصنًا يحميك، قد بقي وراء ظهرك، في عالمٍ انقطعت صلتُك به، ولم يَعُد لك إليه سبيل.

  • قد تكثر قائمة معارفك، أو من تسميهم أصدقاء أو أصحابًا، وإن شئت تنقية هذه الدائرة واصطفاء القلة، فالزم صحبة من تعلم أنه كثير الصدقات والإنفاق. أما إن بلغك، من غير قصد، أن أحدًا كثير الصدقات في الخفاء، فحريٌّ بك أن تُعلمنا به؛ فمثل هذا تُشد إليه الرحال طلبًا لصُحبته. فالكرم، والإخلاص، والإيثار على النفس، خصال لا تجتمع في قلبٍ مريضٍ ألبتة. اللهم هيئهم لنا، وارزقنا الاقتداء بهم، والتشبه بنبل قلوبهم.

  • لا يزال مشهد مُصادفة جِنازة عند دخول المسجد من أكثر المواقف التي تترك أثراً عميقاً وممتداً في النفس. تدخل بيت الله تلبيةً للنداء، وتسير بخطاك مستحضراً عظمة الخالق وفضله، وأمامك من يُحْمَل على الأكتاف بلا حولٍ ولا اختيار، في آخر عهدٍ له ببيوت الله قبل الوداع. ويقطع هذا المشهد المهيب نداء الإمام متسائلاً عمّن يتكفل بديون الراحل، فيبادر أحد أبنائه بالالتزام بها. ثم يلتفت الإمام إلى المصلين طالباً منهم العفو والمسامحة الخالصة من القلوب. هنا تتجلى رهبة الموقف وتتكشف الحقائق؛ فما أثقل الحِمْل على مَن ارتحل ومعه مظالم للناس، أو ديونٌ عالقة، أو حقوقٌ لم تُرَدَّ لأصحابها. إنها رحلة حتمية ومحطة تنتظرنا جميعاً بلا استثناء، ولن تطمئنّ في استحقاقاتها إلا بصحيفة بيضاء سليمةٍ من حقوق العباد.

  • سبحانَه، ما أبلغَ بيانَه! بآيةٍ واحدةٍ قصيرةٍ، لا يدعُ مجالًا بعدَها لمزيدٍ من التحليل: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ أي إنَّ هروبَك من تقبُّلِ حقيقةِ أنَّ هناك حياةً أُخرى تحتاج إلى تقديمٍ وعملٍ، لتتجنَّبَ الندمَ فيها، إنما هو من اتِّباعِ هوى النفس. وكأنَّ الآيةَ تُنبئُ بأنَّ الندمَ سيكون حالَ كثيرين يومئذٍ، وأنَّك ما دمتَ اليومَ في دارِ العمل، فلا بُدَّ أن تُقدِّمَ ما يقيكَ ذلك الندم. هكذا هي معانٍ واضحةٌ، يُدركها قلبُك، ويعي ما تقتضيه من قرارٍ وعمل، ولكنَّك لا تريدُ إلا أن تمرَّ عليها مرورًا عابرًا، وكأنَّك لستَ أوَّلَ المعنيِّين بها!

  • إنَّ في تنصيبِ النَّفسِ وصيًّا على الحقيقةِ المطلقةِ آفةً أخذت تتزايدُ في الآونةِ الأخيرة. وليستِ المشكلةُ في بيانِ الخطأ، أو التنبيهِ إلى السهو، أو مناقشةِ موطنِ الإشكال؛ فذلك من تمامِ النصحِ والحوار. وإنَّما الإشكالُ حين يتحوَّلُ النِّقاشُ من نقدِ الفكرةِ إلى التشهيرِ بصاحبِها، ويُستبدَلُ تقويمُ الطرحِ بالطعنِ في الشخص. وإعادةُ نشرِ طرحٍ، أو فكرةٍ، أو رأيٍ، بقصدِ تحجيمِ شخصٍ له نفعٌ ظاهرٌ في ميادينَ أخرى، ليست من سماتِ المؤمن، بل تُخالفُ ما أرشدنا اللهُ إليه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. ولو كان القصدُ صادقًا، وإن ادَّعى صاحبُه ذلك، لانصبَّ الاهتمامُ على تصحيحِ المفاهيم، لا على تضليلِ الأشخاصِ أو النيلِ منهم. فإذا كان الفضاءُ الرَّقميُّ قد امتلأ بهذا القدرِ من الغِلِّ، والحقدِ، والتربُّصِ، فكيف يُرجى للفضاءِ الواقعيِّ أن يلتئمَ ويجتمع؟ ولو خلصتِ النوايا حقَّ الإخلاص، لما حملتْ أصحابَها على هذا التَّحامل؛ فالرسالةُ هي هدايةُ الناسِ بالحكمة، لا تشتيتُهم بالانقسامِ الذي لا غايةَ له، ظنًّا من المرءِ أنَّه المُصلِحُ المُنتظَر. وقبلَ أن تكتبَ كلمةً، أو تنشرَ رأيًا، وأنت في هيجانِ نفسٍ، أو تغلبُ عليك شهوةُ الانتصار؛ تذكَّرْ أنَّ نفسَكَ أمانةٌ بين جنبيك، وأنَّك مسؤولٌ عنها. وستُسألُ عن نيَّتِكَ قبل أن تُسألَ عن كلماتِكَ؛ فلأيِّ شيءٍ نشرتَها؟ ولأيِّ قصدٍ كتبتَها؟

  • لو لم يكن في مواقعِ التَّواصلِ من المواعظِ إلا فُجاءةُ رحيلِ الشَّبابِ، لكفَتْنا. ولكنَّنا ننشغلُ بسعادةِ هذا، ووصولِ ذاك، وسفرِ آخر، واستمتاعِ غيرِه هُناك. ثم إنَّنا لا نغضُّ أبصارَنا عمَّن رحلوا فحسب، بل نُعرِضُ بقلوبِنا عمَّا يعنيه ذلك، وكأنَّ الواحدَ مِنَّا ليس المعنيَّ الأوَّلَ بمثلِ هذا الرَّحيل. ويستمرُّ الهروبُ، حتى يصيرَ الواحدُ مِنَّا قصَّةً للهروب.

  • «أكثروا ذكر هادم اللذات». هذا أمر نبوي صادر عمّن لا ينطق عن الهوى، ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾. قد يظن بعض الناس أن الإكثار من ذكر الموت يورث الاكتئاب، لكن الأمر ليس كذلك. ألم يكن نبينا ﷺ يكثر من الدعاء: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن»؟ فإذا كان ﷺ قد أمر بالإكثار من ذكر الموت، واستعاذ في الوقت نفسه من الهم والحزن، عُلم أن ذكر الموت المشروع ليس دعوة إلى الكآبة، بل حياة للقلب، وتصحيح للبصيرة، واستقامة للسير. ومن هنا، فإن دوام استحضار هذا الهدي هو المصلحة المحضة، والتسليم له هو الأسلم. غير أن المنعطف الحاسم يكون حين لا يطيق المرء التسليم لهذا الأمر، أو يرده تحت أي ذريعة؛ فهنا تكون الانتكاسة عن الحقيقة الواضحة، والأمر الجلي. اللهم ارزقنا التسليم لنهج نبيك ﷺ، ثم ارزقنا دوام استحضار هديه، وحسن الانتفاع به.

  • التقيتُ بأحد أخصائيي التغذية المطّلعين، وتحدثنا عن موضوع "الطيبات". أخبرني أن إحدى أبرز مشكلاتنا هي رفضنا لسماع أي حقيقة تخالف رغباتنا الشخصية، فمن يتبنى نظرية المؤامرة يبحث عنها في كل موقف، ومن يضعف أمام رغباته يرفض الاعتراف بضررها ولا يرى السوء إلا في الأشياء التي لا يحبها. وتكمن المشكلة الحقيقية أحيانًا في أن التفكير بحد ذاته قد يكون سليمًا، ولكنه ينبع من قلب غير سليم يرفض تقبل الحقيقة إذا تعارضت مع هواه. وفي الختام، أهداني نِعْمَ النصيحة؛ بأن الأولى دائمًا أن يراجع الإنسان نفسه، وأن يفترض أنه الأكثر عرضة للوقوع في أخطاء الكبر والهوى والجشع والسطحية مقارنة بمن حوله. لذلك، فإن ترديد دعاء "نعوذ بالله من شرور أنفسنا" هو استحضار قلبي مستمر يذكرك بحاجتك الدائمة لخالقك حتى يحميك من سلبيات نفسك.

  • وقفوا دقيقةَ صمتٍ على ضحايا الزلزال قبل بدء المباراة، ثم ما هي إلا دقائق حتى عاد الضجيج كما كان. وهكذا نحن جميعًا، بلا استثناء؛ نملأ الدنيا ضجيجًا، ثم تمضي الأيام، فيأتي يومٌ يسكن فيه صوتُنا، ويستمر ضجيجُ الحياة من بعدنا. فاللهم ارحمنا حين ينقطع صوتُنا، وتمضي الدنيا من دوننا، وتطوينا الأيام كما طوت من قبلنا.

  • علّق أحدهم على الفعالية وما صاحبها من ضجّة ب: "ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمۡ فِي بَعۡضِ ٱلۡأَمۡرِۖ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِسۡرَارَهُمۡ" وكأنها تُوقظ معنىً في أنفسنا يلامس الحيرة بين الثبات والتساهل، وكأنها تُقرأ للمرة الأولى. تكشف الآية أن الانحراف لا يبدأ دائماً برفض الحق كله، بل قد يتسلل عبر التنازلات الجزئية، وهو ما اختصره قول: "فِي بَعۡضِ ٱلۡأَمۡرِ". فقد لا يكون الإنسان مبغضاً لما أنزل الله، لكن قد تدفعه المصلحة أو الخوف أو طلب القبول إلى تنازلات يستهين بها في البداية. وقد بيّن العلامة السعدي أن الآية تصف حال المنافقين الذين وَعَدوا من كَرِهوا ما أنزل الله بالموافقة في بعض الأمور طمعاً في رضاهم. وهنا تكمن خطورة الخداع النفسي؛ إذ يُزيَّن للإنسان أن التفريط في بعض الثوابت مجرد حكمة أو تكتيك، بينما يكون بداية انحدار إذا تعلق الأمر بما لا يجوز التنازل عنه. ولهذا كان الثبات ليس مجرد شعار، بل فقهٌ يميز بين الثوابت التي لا تقبل المساومة، وبين المرونة المشروعة في الوسائل وتحقيق المصالح. وفي النهاية، يبقى الميزان الذي لا يخطئ هو مراقبة الله تعالى؛ فمهما خفيت النيات أو الوعود أو التنازلات : "وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِسۡرَارَهُمۡ".

  • قد أتعب وأُصاب بالصداع، والجوُّ حارٌّ واليوم طويل وسأشعر بالعطش! ورغم كل هذا التردد الذي يسبقني فإنني سأحاول يوم الخميس! لعلَّ هذه التحديات وهذه الوقفات مرَّت عليك يومًا أو تمرُّ بك الآن، ففي كثير من الأحيان نستسلم قبل أن نحاول، مع أن طبيعتنا في غير ذلك هي دوام المحاولة وتكرارها. فلماذا لا نأخذ القرار من غير أن نُثقله بكثرة التردد، ولماذا لا أقول ببساطة إنني سأصوم تاسوعاء وعاشوراء؟ ولماذا لا أتقبَّل شيئًا من الصبر وأُحسن ترتيب أولوياتي، بدل أن أُعطي الأعذار مساحةً أكبر مما تستحق؟ هل لأني أُدمن القهوة التي أقاوم بها النعاس مع أنني أستطيع النوم مبكرًا وأمنح جسدي ما يحتاج إليه من راحة، أو لأنني أشعر بأني لن أقوى على أداء عملي وأنا جائع، مع أنني أستطيع أن أُهيِّئ نفسي وأُشبعها عند السحور وأتأقلم مع ساعات الصيام. إنَّ الخطوة التي تسبق أيَّ محاولة ليست القدرة ولا المثالية، بل تقبُّل فكرة المحاولة نفسها والإيمان بأن الأمر ممكن. لذا، ربما تصعب علينا بعض الاجتهادات بسبب ارتباطات الدنيا وشواغلها، لكنني أرى أن الأصعب من ذلك كلِّه أن تؤديها وحدك، ليس لأن كثيرًا من الناس يرون في بعض العبادات مشقةً فيتذرَّعون بصعوبتها، بل لأن معاني الأجر والثبات واحتمال المشقة لم تعد حاضرةً في أذهان الكثيرين كما كانت. لذلك، لا مُعين على أي عبادة إلا التوكُّل على ربِّ العبادة، ثم ألَّا تُصغي إلى أصوات المترددين مهما كثرت من حولك. ولكأنني أسمع صدى قوله ﷺ يتردد في نفسي: "لَئِنْ بَقِيتُ إلى قابلٍ لأصومنَّ التاسع".