شموسُ الأتقياء
Статистикаالقناة الرسميّة للباحث حسن صالح البدران. كاتب، وباحث، ومؤلف إسلامي. للتواصل @h255a الحساب الرسمي للكاتب على الإنستقرام : https://instagram.com/h255_a?igshid=Mzc0YWU1OWY= .
- Последний пост
- 14 авг.
- Последнее чтение
- 15 авг.
- Постов за неделю
- 5
- Всего постов
- 25
- Тип
- открытый
- Язык
- арабский
- Категория
- Религия
- В каталоге с
- 13 авг.
- 1/24сутки в ленте
- 14
- 1/48двое суток
- 16
- 1/72трое суток
- 17
Оценка по просмотрам недавних постов: пост набирает почти всё за первые сутки.
Посты
المرض: تهذيبُ نفسٍ، وتطهيرٌ من الذنوب، ورقيٌّ معرفي، واختبارٌ إلهي، وبلاءٌ سماوي، وتنبيهٌ خفي، ولطفٌ عظيم، ورزقٌ كبير. بالمرضٌ تعرفُ النفس عجزها وضعفها وقلّة حيلتها، وبالمرضِ يُكسر جبروتها ويُلجم طاغوتها، وبالمرضِ تعرف علتها، وتراجع نفسها حتى تقف على الأسباب التي أدت بها إلى الابتلاء به. المرضُ قد يكون الوجه الآخر للذنوب، والنعمة الخفية التي يفيضها الرحمن على عبده ليزكي نفسه ويطهره من الذنوب، ولكن النفس التي تجهل ذلك تراها منزعجةً مضطربة، لا تشكر الله على ما ابتلاها به تطهيرًا لها. فقد ورد بما معناه: «لا خير في بدنٍ لا يُبتلى مرةً كل أربعين يومًا». فباطن البلاء قد يكون رحمةً ونعمة، عكس ظاهره الذي يبدو عقوبةً وتأديبًا، وبكل حالاته قد يكون رحمةً إلهيةً ولطفًا خفيًا من الله تعالى بعبده. نسأل الله أن يرحمنا، ويلطف بنا، ويطهّرنا، ويجعل ما يصيب أبداننا سببًا لتطهير نفوسنا ورفعة درجاتنا، وأن يعظم لنا الأجر على عظيم ما ابتلانا به.
يا صاحب الروح إن الروح للقياك مشتاقة..
يا مَن تُحَلُّ به عُقَدُ المَكارِهِ وَيا مَن يُفثَأُ بِهِ حَدُّ الشَّدائِدِ وَيا مَن يُلتَمَسُ مِنهُ المَخرَجُ إلى رَوحِ الفَرَجِ، ذَلَّت لِقُدرَتِكَ الصِّعابُ وَتَسَبَّبَت بِلُطفِكَ الأسبابُ وَجَرى بِقُدرَتِكَ القَضاءُ وَمَضَت عَلى إرادَتِكَ الأشياءُ، فَهي بِمَشيَّتِكَ دونَ قَولِكَ مُؤتَمرَةٌ وَبِإرادَتِكَ دونَ نَهيِكَ مُنزَجِرَةٌ. أنتَ المَدعوُّ لِلمُهِمَّاتِ وَأنتَ المَفزَعُ في المُلِمَّاتِ لا يَندَفِعُ مِنها إلّا ما دَفَعتَ وَلا يَنكَشِفُ مِنها إلّا ما كَشَفتَ، وَقَد نَزَلَ بي يا رَبِّ ماقَد تَكَأّدَني ثِقلُهُ وَألَمَّ بي ما قَد بَهَظَني حَملُهُ، وَبِقُدرَتِكَ أورَدتَهُ عَلَيَّ وَبِسُلطانِكَ وَجَّهتَهُ إلَيَّ فَلا مُصدِرَ لِما أورَدتَ وَلا صارِفَ لِما وَجَّهتَ ولافاتِحَ لِما أغلَقتَ وَلامُغلِقَ لِما فَتَحتَ وَلا مُيَسِّرَ لِما عَسَّرتَ وَلا ناصِرَ لِمَن خَذَلتَ؛ فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَافتَح لي يا رَبِّ بابَ الفَرَجِ بِطَولِكَ وَاكسِر عَنّي سُلطانَ الهَمِّ بِحَولِكَ وَأنِلني حُسنَ النَّظَرِ فيما شَكَوتُ وَأذِقني حَلاوَةَ الصُّنعِ فيما سألتُ وَهَب لي مِن لَدُنكَ رَحمَةً وَفَرَجاً هَنيئاً وَاجعَل لي مِن عِندِكَ مَخرَجاً وَحِيّاً، وَلا تَشغَلني بالاهتِمامِ عَن تَعاهُدِ فُروضِكَ وَاستِعمالِ سُنَّتِكَ [سُنَنِكَ] فَقَد ضِقتُ لِما نَزَلَ بي يا رَبِّ ذَرعاً وَامتَلأتُ بِحَملِ ماحَدَثَ عَلَيَّ هَمّاً وَأنتَ القادِرُ عَلى كَشفِ ما مُنيتُ بِهِ وَدَفعِ ما وَقَعتُ فيهِ، فَافعَل بي ذلِكَ وَإن لَم أستَوجِبهُ مِنكَ يا ذا العَرشِ العَظيمِ وَذا المَنِّ الكَريمِ فَأنتَ قادِرٌ يا أرحَمَ الرَّاحِمينَ آمينَ رَبَّ العالَمينَ.
الشجاعة الحقيقية لا تتجلّى في عضلاتٍ مفتولة، ولا في قوةٍ بدنية؛ فهذه مظاهر مادية تزول بلحظاتٍ سريعة خاطفة كلمح البصر، إنما الشجاعة الحقيقية هي أن تخرج من قوقعة الظلام والجهل والتخلف العقائدي المنتشر في المجتمع، لتلتحق بركب النور، حيث الرقيُّ المعرفي، والعقائد الحقّة، والولاء النظيف للعترة الطاهرة، الذي يخلو من ملوِّثات النواصب، ونفثات شياطينهم الخفية، حتى تعيش في كنف العترة طيّبًا طاهرًا، موفَّقًا، قويًّا في دينك، سليماً في بدنك، راقيًا في فكرك، نظيفًا في عقيدتك.
منذ وصوله إلى يدي، بدأتُ بتصفُّح أوراقه، صفحةً بعد أخرى، ونظرتُ في الفهرسة الخاصة به، فشدَّني نحو موضوعاته، فعكفتُ على قراءته مدةً تقارب الشهر، فوجدتُ فيه ضالَّةً كنتُ أنشدها، ومعلوماتٍ لم تصل مسامعي من قبل، وأبوابَ علمٍ عجيبة، وتاريخًا وسيرةً وبيانًا وتوضيحًا لمفاصل أحداثٍ عقائديةٍ جسيمة. وجدتُ الدررَ واللآلئ والنفائسَ المعرفية فيه، كتابًا يشدُّك نحوه، ويجذب فكرك، ويجعلك تركِّز في كل كلمةٍ فيه. نعم، فقد كشف اللثام عن أخطر موضوعٍ غاب عنا طيلة العقود المنصرمة، ولم يُصنَّف كتابٌ خاصٌّ به، حدَّ علمي، وأعتبره من ضمن الكتب التحف التي قرأتها في حياتي. لذا نصحتُ سابقًا، وأكرِّر النصح مجددًا، باقتنائه وقراءته؛ فالكتاب دسمٌ وضخم، فقد تجاوز ثمانمئة صفحة، والباحثُ اللبيب يفهم معنى ضخامة العمل وتعدُّد المصادر، وكم يتطلب ذلك من جهد، لذلك جاء بصورةٍ جميلة، مفهومة، واضحة، لا غبار عليها، مع سردٍ جذاب، وأدلَّةٍ دامغة، وشرحٍ وبيانٍ يُفهَم من قِبل أبسط قارئ. أسأل الله أن يوفِّقنا لقراءة ما جرى من ظلم، وما وقع من جورٍ على سادتنا الأطهار، صلوات الله عليهم، لننجو بأنفسنا من نارٍ وقودها الناس والحجارة.
فريضةٌ واجبةٌ لا عادةٌ سنوية زيارةُ سيدِ العترة، ووالدِ الأئمة، فريضةٌ واجبةٌ على كلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ مُقِرٍّ للإمام الحسين عليه السلام بالإمامة، فهي تجديدُ عهدٍ في كلِّ وقتٍ يقصد فيه المؤمنُ زيارةَ سيده، وأداءُ فريضةٍ أوجبها الشارعُ المقدس. وتُعدُّ زيارةُ الأربعين من أبرز الزيارات الموسمية التي تهفو فيها القلوبُ نحو كربلاء المقدسة، فيجتمع المؤمنون من شتى الأقطار أداءً لفريضتها المقدسة، وإحياءً لشعائر الحبِّ والولاء، وشوقًا لقتيل الفرات، وحبًّا لرسول الله صلى الله عليه وآله، ومشاركةً لصاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه الشريف في العزاء والمواساة. هي زيارةٌ يعرف فيها الزائرُ حقَّ المزور عليه، ويفقه معنى كلِّ كلمةٍ يقولها في مسيره نحوه، ويفهم كلَّ عبارةٍ يقرؤها في زيارته، ويعيش أجواءها الروحانية، ويتطهَّر من كلِّ درنٍ أصابه، ومن كلِّ شائبةٍ عكَّرت صفو إيمانه، بماء الفرات الطاهر الطيب، ثم يغتسل بدموع الشوق التي يذرفها بحرقةٍ وآهٍ شديدة، تورث غضبًا إيمانيًّا يسري مع الدم في الشرايين، وتولد انتظارًا صادقًا لبقية العترة الطاهرة، ذلك الإمام المدخر لإحياء الحدود والسنن، والطالب بذُحول الأنبياء وأبناء الأنبياء، والثائر بغضب الجبار المنتقم طلبًا لدم المقتول بكربلاء. كلُّ ذلك، وغيره من المعاني السامية، يتجسد على هيئة مشاهد تُبكي دمًا، يراها الزائر المؤمن بعين قلبه التي فتحها الله ببركة البكاء على سيد الشهداء عليه السلام، فيعيش بعقله وقلبه وروحه ونفسه أجواء الزيارة بحقيقة معناها، وبمصاديق وقائعها، فلا ترقأ له دمعة، ولا تهدأ له صرخة، ولا تسكن له آهة، بل يبقى في حالٍ من الاضطراب، مهللًا، مسبحًا، نادبًا، حتى يغادر الأرض التي سُفكت فيها دماءُ ساداته الأطهار. ثم يرحل باكيًا حزينًا، مشتاقًا إلى العودة إلى موطن روحه، ليجدد عهد الولاء والمحبة، وليؤدي فريضةً واجبة، وليكون مصداقًا حقيقيًّا للمؤمن المستبصر الذي يقضي عمره كلَّه زائرًا لسيد الشهداء عليه السلام.
آخرُ ليلةٍ في كربلاء العينُ ترنو نحو الحسين، وتذرف دموعَ الفراق، راجيةً قربَ تجديد اللقاء، محاطةً بهالةٍ من الحزن القاتم، والقلبُ يهفو ويتحسَّر بحرقةٍ وآهٍ على فراق التربة التي خُلِق منها، والعقلُ متحيِّر: كيف يخرج من الجنة؟! وكيف يزجُّ نفسه من جديدٍ في معترك الحياة بعد أن كان في رحلة تطهيرٍ وتنويرٍ شديد؟! قد نزلت بي مصيبةٌ عظيمة، وقامت قيامةُ قلبي، فهذه آخرُ ليلةٍ في رحاب الحبيب. ما الحلُّ يا حسين؟! إنها آخرُ ليلةٍ لعبدك في كربلاء، حيث جنةُ الدنيا، وعالمُ المعنى الكبير، وساحةُ النور الفسيحة، ومركزُ الكون التكويني، ومنبعُ القداسة، ومسكنُ هياكل التوحيد. أفارقك حزنًا وحبًّا، أفارقك والغصَّةُ في قلبي. والله، يا ابنَ رسول الله، لو كان الأمر بيدي لسكنتُ بجوارك ما دمتُ حيًّا، ولكنه ليس بيدي. آهٍ بحرقةِ صدرِ محبٍّ لك، وآهٍ بحرقةِ عبدٍ يرجو لطفك به. وما زرتك، يا سيدي، إلا شوقًا إليك، ولا أريد العودةَ لحاجةٍ أو طلب، فإن هذه تمنحها من دون أن أطلبها، فأنت أعلمُ بما يصلح حالَ عبدك المسكين، وإنما أريد العودةَ والمكوثَ عندك مشتاقًا. إن الشوق قد بدأ من الآن يشقُّ طريقه في صدري، ويحرق فؤادي حرقًا، ويكويه بناره كيًّا. آهٍ على فراق بقعتك الطاهرة، آهٍ على فراق قبرك الشريف، آهٍ على فراق الحائر العظيم، آهٍ على فراق حرمك المقدس، آهٍ، يا سيدي، على فراق باب الرأس الشريف، الباب الذي أدمنتُ الدخولَ إليك منه؛ لتهييج أحزان قلبي، ولِما فيه من نورٍ عظيم، ولِباطن معناه الكبير. آهٍ وألفُ آهٍ على فراق كربلاء. لا أفارقك، يا مولاي، فأنت ساكنٌ في أعماقي، ومخيِّمٌ بكلِّك على وجودي، وإنما أفارق بقعتك الطاهرة التي استُشهدت فيها. وا ويلتي! سأخرج من جنتك الطيبة الطاهرة العظيمة، فهل من عودٍ قريب؟ يا حسين، حنانيك، حنانيك، اللطفَ بعبدك، فلا طاقةَ له على فراق كربلاء. ولا صبر لهُ على البعدِ عن رحابك، فلا تجعلها آخر العهد من زيارتك، وأعدني إليها مرارًا، حتى أختم عمري بين يديك
لسانُ حالِ كل منتظرٍ في كل حين يتوجه فيه لإمام زمانه متوسلًا: " يَٰٓأَبَانَا ٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَٰطِـِٔينَ "
وقعُ حوافرَ خافت، وهمهمةُ ركبٍ يسير ببطء، عيونٌ متورمة، وقلوبٌ حَرّى، وعقولٌ مصابةٌ بالذهول. التعبُ بادٍ على ملامح العيال، والجزعُ جليٌّ في نفوسهم. تجلّى صبرُ أهل الله فيهم طوالَ المسير، ولكنهم ما إن وصلوا حتى حلَّ محلَّه الجزع، فلُطمت الخدود، وشُقَّت الجيوب، وارتفعت الأصوات صارخةً، باكيةً، ناعيةً قتيلَ الفرات. تأمل... وأبحر بخيالك إلى يوم العشرين من شهر صفر سنة إحدى وستين للهجرة. أطفالٌ يتامى، ونساءٌ ثواكل، وبقيةُ العترة، يتقدمهم حجةُ الله، يسوق ركبَ عيال أبيه نحو مصرعه الشريف. رؤوسٌ عادت إلى أجسادها، وقلوبٌ كادت تخرج من صدورها لهول المصاب. عقيلةُ الطالبيين تنعى أخاها، والصغارُ من حولها يبكون بحرقة، وآهاتُ الفقد تملأ الأرجاء. وحجةُ الله يدفنُ رؤوسَ أجسادِ إخوته وبني عمومته، وجابرٌ واقفٌ ينادي بصوتٍ شجيٍّ مبحوح: آهٍ يا حسين... ومصابه! ثم قف إزاء القبر الشريف، وتمتم بكلمات الندبة والثأر: أين الطالب بُذحُول الأنبياء وأبناء الأنبياء؟ أين الطالب بدم المقتول بكربلاء؟ ثم التفت يمينًا وشمالًا، لترى إمامَ زمانك حافيَ الرأس، باكيًا، نادبًا، وهو يقول: «ولئن أخرتني الدهور، وعاقني عن نصرك المقدور، ولم أكن لمن حاربك محاربًا، ولمن نصب لك العداوة مناصبًا، فلأندبنَّك صباحًا ومساءً، ولأبكينَّ عليك بدل الدموع دمًا، حسرةً عليك، وتأسفًا على ما دهاك، وتلهفًا، حتى أموت بلوعة المصاب وغصة الاكتئاب.» فإن كُشِف عن قلبك الغطاء، ورُفعت الحجب عن عينيك، وشاهدته بهذا الحال، فاهرع إليه راكضًا، صارخًا، مواسيًا: وا حسيناه... وا غريباه... وا مظلوماه... وا إماماه... وا سيداه... ليت السماء انطبقت على الأرض، وليت الموت أعدمنا قبل أن نراك مقتولًا مظلومًا. ثم توجَّه نحو الحبيب قائلًا: يبو اليمة كلحنه فداياك أخذنا للگبر يحسين وياك ثم عد، واقرأ زيارة الأربعين، وأنت تشاهد بعين قلبك ذلك المصرع المفجع الذي هزَّ أركان العرش، واضطربت من إثره الأفلاك، وناحت الملائكة، ولطمت الحورُ العينُ في الجنان. ثم ادعُ لإمام زمانك، منتظرًا صرخةَ جبرئيل في الخافقين: يا لثارات الحسين.
شاهدتُ رجلًا يوزِّع الأصنامَ على الزائرين، فاستغربتُ ذلك، وقلتُ له: لِمَ توزِّع الأصنام؟! أما تعلم أنَّ محمدًا نبينا صلى الله عليه وآله قد حطَّمها؟ فضحك وقال: بلى، لقد حطَّم الأصنامَ المنحوتةَ من الحجر، أما أصنامُ البشر فما زلنا لها عابدين، ولأقوالها مطيعين، ولأشخاصها خاضعين، ولبيعاتها مجددين. فركضتُ نحو الحسين صارخًا: يا حسين... يا حسين... يا حسين.
ما هي إلا سنونٌ معدودة، وأيامٌ قلائل، وسويعاتٌ نقضيها في هذه الدنيا الفانية، ولا ينفع فيها إلا ذلك الإكسيرُ المطهِّرُ من الذنوب، والمُرقِّي في الدرجات، والرافعُ للمنزلة، الذي يتجلَّى بأوضح صوره في الدموع الغزيرة المنسكبة على سيد الشهداء عليه السلام. فانهض، ولنبكِ الحسين بحرقةٍ؛ فقد حان موعدُ الأربعين.
مشهدٌ تقشعرُّ له الأبدان، وتضطرب له الجوارح، وتُصاب به العقول بالذهول. مشهدٌ لا أقول عنه جنوني، بل هو فوق ذلك بمراحل ومراحل، مشهدٌ تجسَّد فيه الحبُّ الحقيقي، وتجلى فيه الوفاءُ والإخلاصُ بأسمى معانيهما. أسيرُ في دربِ النجاة، دربِ الحياة والطهارة، دربِ الحبِّ الحسينيِّ العظيم، فأشاهد التسابقَ نحو أبواب الجنة، فتصل إلى مسامعي أصواتُ أطفالٍ تنضح بالولاء، قائلين بصوتٍ تملؤه بُحَّةُ الحبِّ الصادق: هلا بزوار الحسين، عساكم ما تعبتوا! ثم تهزُّني براءةُ طفلٍ لم يتجاوز عامه الثاني أو الثالث، يحمل بكلتا يديه البريئتين كؤوسًا من الماء، ليروي بها ظمأ العطاشى من الزائرين. ثم أزداد دهشةً وأنا أرى رجلًا طاعنًا في السن، قد حفَّ الشيبُ رأسَه المبارك، يحثُّ الخطى نحو قبلة الحبيب، متوكئًا على عصاه، وقد أحدبَ ظهرُه من ثقل السنين. ثم أرى امرأةً مسنَّةً تذرف دموعَ الشوق واللهفة، وتمضي في المسير بخطًى ثابتة لتعانق الطهر. ثم تبكيني حرقةُ طفلٍ يصرخ بلهجته البريئة قائلًا: «أبچي التعب الحسين... أريد أنطيه ماي!» أشهدُ أنَّ بمقتلك يا حسين قد أحييتَ قلوبَ شيعتك، وأخرجتَهم من قعر الظلمات إلى فناء النور، فهاموا بك حبًّا، وسعوا إلى مرضاتك، وبذلوا مهجهم في خدمتك وزيارتك، رجاءَ أداء شيءٍ من حقك العظيم عليهم.
أهديتُ 2315 خطوة في طريق يا حسين لمشتركي قناتنا المباركة. ليكون نصيب كل مشترك موجود حاليًا 5 خطوات وكل خطوة بألف حسنة.. وتمحي ألف سيئة.. وترفع ألف درجة.. اسأل الله أن يتقبلها بأحسن القبول.
إنَّ في قلوب المؤمنين جمرةً متقدة، وحرارةً لا تنطفئ أبدًا لسيد الشهداء عليه السلام، وهي ليست كحرارة نارٍ مشتعلةٍ لها وقتٌ تخمد فيه، بل هي حرارةُ قتلٍ وظلمٍ وجورٍ وقع على والد العترة الطاهرة، فقد قتلوه بغير جريرةٍ ارتكبها، فهي متقدةٌ ما بقي الليل والنهار، ولا يمكن أن تنطفئ بأيِّ حالٍ من الأحوال ما دام الثأر لم يؤخذ بعد، وما دام الدمُ الحسينيُّ الشريف يغلي طلبًا للقصاص من قتلته اللعناء. ومن هنا، ولِما لهذه الحرارة المتقدة من أثرٍ عظيم في حياة المؤمن، وجب توظيفها التوظيف الصحيح بما ينسجم مع المبادئ التي وردت عن أهل البيت عليهم السلام. ومن أعظم ما ينبغي أن تُصرف إليه: معرفةُ صاحب الزمان عليه السلام، وتعميقُ الارتباط به؛ فإنَّ الحرارة تُورث الحرقة، والحرقة تُورث سيلًا من الدموع، ودموعُ الجزع على سيد الشهداء عليه السلام هي ذلك الإكسير العظيم الذي يطهِّر النفس والروح والعقل والقلب، فكلما بكى المؤمن بحرقةٍ وجزعٍ على الحسين عليه السلام، ازداد طهارةً، وخلص من شوائب النفس والدين، فازداد بذلك قربًا من إمام زمانه عليه السلام. ثم إنَّ هذه الحرارة تدفعه إلى قراءة سيرة من احترق قلبه عليه، وسيرتُه محفوظةٌ في أحاديث العترة الطاهرة، كما تدفعه إلى معرفة إمام زمانه؛ لأنه صاحب الثأر الموعود، الذي بظهوره وقيامه يقتصُّ من قتلة جدِّه، فتقرُّ بذلك عينُ الزهراء عليها السلام، وتُسرُّ قلوبُ المؤمنين. والحديث في هذا ذو شُعَبٍ كثيرة، وتفاصيلَ دقيقة، لا ينالها كلُّ أحد، فمن أراد أن تُفتح له أبوابُ المعرفة، ويذوق لذةَ القرب المهدوي، فليذرف الدموع بحرقةٍ صادقة، وجزعٍ نابعٍ من المعرفة؛ فإنَّ لذلك آثارًا عظيمة، ومن علم الله تعالى صدق نيته، نوَّره بنور وليِّه، وأفاض عليه شيئًا من علمه، ورزقه الحكمة والبصيرة. فتأمل.
من لا يفقه حديثَ الحبِّ سيستوحشُ كلَّ فعلٍ يقوم به المحبُّ لسيدِ الشهداءِ عليه السلام، ذلك المؤمن الذي بلغ أعلى مراتبِ الإنسانية، فترقَّى في سُلَّمِ المعرفة، فذاب حبًّا، ومعرفةً، وطاعةً، وتسليمًا لغريبِ الغرباءِ. فعندما يذرفُ المحبُّ دموعَه بغزارةٍ على حبيبِه، وسيدِه، ومولاه، فتصدرُ منه أفعالٌ؛ من لطمِ الوجه، إلى جزِّ الشعر، إلى الصراخِ حتى تكاد تنفجرَ حبالُه الصوتية، لا يستسيغُ ذلك عامةُ الخلقِ ممن فاتهم فقهُ الحبِّ حقَّ الفقه، وتذوقُ حلاوتِه. فلا تَلُمْ محبًّا على جزعِه؛ فقد أدرك ما لم تُدركه، وشاهد ما لم تُشاهده عيناك، وسمع ما لم تسمعه أذناك. نعم، شاهد رأسَ سيدِه مرفوعًا على القنا، فجزع وبكى حتى أغميَ عليه، وسمع صوتَ مولاه ينادي بالنصرة فلا يجيبه أحد، فجزع لعجزِه عن تلبيةِ ندائِه، وأدرك الحقيقةَ الكامنةَ وراء مقتلِ سيدِه بتلك الطريقةِ المروعة. فكان جزعُه نابعًا من معرفةٍ دقيقة، ودموعُه ثمرةَ خلوصِ إيمانٍ عميق، ورسوخِ فقهِ حبٍّ شديد، لا مجردَ عاطفةٍ عابرةٍ أو انفعالٍ مؤقت؛ فإن الدموعَ على قدرِ المعرفة، والجزعَ على قدرِ المحبة.
يوم الدار/497
في ليلةٍ حالكةِ الظلام، تسيرُ في سمائِها سحبٌ محتشدة، وبرقٌ يضربُ فيُحدِثُ دويًّا عظيمًا، وفي بحرِها أمواجٌ مضطربةٌ بشدة، واصطفافُ كواكب، وصراخُ ملائكة، وأنينُ جنّ، ونياحٌ في بيتِ الرسالة، ودموعٌ تهطلُ كالمطر، وصوتُ أقدامٍ تهرول، وضجيجٌ في الملإ الأعلى، وعويلٌ شديدٌ لنفوسٍ طاهرةٍ طيبة، ومنادٍ رفع صوتَه صائحًا: قُتِلَ سيدُ المسلمين، واستُشهد كريمُ آلِ محمد. فخرجتِ الأيتامُ راكضةً نحو بيتِ الوحي، فشاهدوا هيكلَ القداسةِ النوريَّ مُسجًّى على فراشِه، يتقيأ كبدَه من شدةِ السم، فاعتلت أصواتُهم بالبكاء، ولطمِ الوجوه، وهم ينادون: وا سيداه! وا مظلوماه! وازداد المصابُ عِظَمًا، إذ رُشق نعشُ الطهرِ بمطرٍ من السهام، فأصابت بدنَه الشريف، وقالت المرأةُ الملعونة: أخرجوا الرجلَ من بيتي! فشهر الهاشميون سيوفَهم، وأخذتْهم الغيرةُ الحيدرية؛ أمِثلُ مولاهم يُرمى بالسهام وهم صامتون؟! كلَّا وربِّ الراقصات، ليقلبنَّ عاليها على سافلها، ولكن الإرادةَ الإلهيةَ سبقتهم، فهدَّأ المظلومُ من روعِهم، وطلب منهم الكفَّ عن ذلك، فلم يكن أوانُ قتالٍ ولا سفكِ دماء، بل لهم يومٌ قد ادخرهم اللهُ له، فامتثلوا أمرَ سيدِهم. وخرج الشهيدُ برفقةِ عشيرتِه وبني عمومتِه، حاملًا جنازةَ سبطِ والدِه، وريحانةِ قلبِه، على كتفيه، مناديًا: وا أخاه! وا إماماه! فبكتِ الهاشمياتُ، ولطمن وجوهَهن، وناحت الحورُ العين، وفرح الشيطان، وانتشر الظلام، وعمَّ الاضطرابُ شرقَ الأرضِ وغربَها، ونادى جبرئيلُ عليه السلام بصوتٍ عالٍ في الخافقين: قُتِلَ معزُّ المؤمنين، قُتِلَ خليفةُ إلهِ العالمين، قُتِلَ ابنُ سيدِ المرسلين.
في كلِّ مفصلٍ من مفاصلِ الحياةِ ينتشرُ الظلامُ والبؤسُ، وترتفعُ الكآبةُ العالميةُ بدرجةٍ كبيرةٍ جدًا، فقد بثَّ إبليسُ الخبيثُ جنودَه في الآفاق، ووضع في أيديهم بواعثَ الظلام، ونوافذَ الشيطنة، وفتح لهم أبوابَ الضلال، فنشروا الفسادَ المتمثلَ بالعقائدِ الباطلة، والأحكامِ الشيطانية، والبدعِ الدينية، وأثاروا في المجتمعِ الواحدِ النعراتِ القبلية، والمشكلاتِ الاجتماعية، وأحدثوا من الأحكامِ ما لم يردْ في الدين، وذلك من خلالِ شياطينِه من الإنس، حتى خرج بعضُ الناسِ من الدينِ أفواجًا، واختلط الحابلُ بالنابل، وجلس على قمّةِ هرمه يراقبُ عن كثب. ولكن في قباله رجالُ الحق، وجيوشُ النور، وبواعثُ الخير؛ فبثَّ وجهُ اللهِ الكريمُ جنودَه في الآفاق، فعلَّموا الناسَ، وأرشدوهم إلى طريقِ الرحمنِ الرحيم، طريقِ السعادةِ الأبدية، والسرورِ الأزلي. فمنهم رجالٌ مؤمنون نورانيون، يُنيرون غيرَهم بنورِ عقولِهم المستقى من نورِ سادةِ الوجود، فتشعرُ بالراحةِ والطمأنينةِ عند مرافقتِهم والحديثِ معهم، بل تشعرُ وكأنك تعرفُهم منذ القدم، ولكنك لم تلتقِ بهم إلا الآن. إنهم جنودُ اللهِ الذين يُناجيهم في أعماقِ عقولِهم، ويُحدِّثهم في أعماقِ قلوبِهم، فينشرُ عليهم من رحمتِه، ويُنزلُ عليهم من بركاتِه، ويدفعُ بهم البلاءَ عن أهلِهم، وخاصتِهم، وسكانِ قراهم، كرامةً لهم، وتعظيمًا لمنزلتِهم. فمهما أحدثَ إبليسُ من بدعٍ، ومهما فتحَ من أبوابِ الضلال، ومهما نشرَ شياطينَه من الإنسِ والجنِّ الخبثاءِ الملعونين، فإنَّ الحقَّ ينشرُ في قبالهم رجالَه وجنودَه المخفيين بين عبادِه المؤمنين، المعروفين في السماءِ، المجهولين في الأرض. أولئك العبادُ الذين يستنقذون ضعفاءَ شيعةِ أهلِ البيتِ عليهم السلام من فخاخِ الشيطان، ويرشدون المؤمنين إلى طريقِ الحق، ويثبتون المستبصرين عليه، فيفيضون عليهم من نورِ الله، وينثرون عليهم من لطائفِ رحمته، ويفيضون عليهم بما أفاضه عليهم بارئُ نفوسِهم، فيعالجون أسقامَ العقول، وأعلالَ الأبدان، ويقيدون طغيانَ النفوسِ بأغلالِ النور، حتى تهدأَ، وتستقرَّ، وتسكن. إنهم النورانيون الحواريون من المؤمنين، الذين صدقوا الحقَّ وأهلَه، وسلموا لإمامِ زمانِهم تسليمًا مطلقًا، ففازوا برضا سيدِهم، وعاشوا في كنفِه عيشةَ الملوك، فسقاهم شرابًا طهورًا، فاختلط بدمائهم، وأطعمهم من الجنة، فنبت لحمُهم من الطيب، فتحولت أبدانُهم الناسوتيةُ الكثيفةُ إلى أبدانٍ ملكوتيةٍ لطيفة، فترقَّى حسُّهم، فسمعوا صريرَ الأفلاك، وتسبيحَ الأملاك، وفهموا لغةَ المخلوقات، ففازوا فوزًا عظيمًا.
إي والله إن لم أذهب أمت... اللهم ارزقنا زيارة سيدي ومولاي الحسين عليه السلام في الدنيا والآخرة..
كان إمامنا السجاد عليه السلام يبكي دمًا على والده😭💔