قناة: الجوهرة المبارك 🌿
Статистика- Последний пост
- 3 авг.
- Последнее чтение
- 14 авг.
- Постов за неделю
- 0
- Всего постов
- 20
- Тип
- открытый
- Язык
- арабский
- Категория
- Религия (по похожим)
- В каталоге с
- 13 авг.
- 1/24сутки в ленте
- 434
- 1/48двое суток
- 497
- 1/72трое суток
- 536
Оценка по просмотрам недавних постов: пост набирает почти всё за первые сутки.
Посты
واجعلني من أهل التوبة مُقلعًا عن الذنوب جميعها، وتقبلني واجعل توبتي صحيحةً نافعة مَرضية عندك، وثبّتني عليها ولا تردني خائبًا. (واغسل حوبتي): الحوبة تعني الإثم والذنب والخطيئة، أي: يا ربي طهرني من ذنوبي وآثامي، وأزل آثارها عني. وقال (اغسل) ولم يقل (أزل)؛ لأن الذنوب تترك آثارًا في القلب من القسوة والظلمة والوحشة، فكان الدعاء لتطهير القلب بالكامل. (وأجب دعوتي) أي: استجب جميع دعواتي وحقِّق لي ما سألتك من خير، واصرف عني ما استعذتُ من شر، ولا تردني، وأعطني فوق ما أرجو وأتمنى. ووفقني لتحرِّي أوقات الإجابة، وللدعاء الصحيح الموافق لأدعية الكتاب والسنة وعدم التعدّي فيه. (وثبِّت حُجَّتي) أي: ارزقني الحجَّة القوية والأدلة الدامغة في القلب والعقل واللسان؛ لآمُرَ بالمعروف وأنهى عن المنكر، ففي الدنيا يلهمني الصبر والقوة لنصر الحق والذب عن الدين والرد على أعدائه. وفي القبر ثبتني بالأجوبة الصائبة عند سؤال الملكين مُنكر ونكير: مَن ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ وفي الآخرة ثبِّتني يوم ألقاك. (واهدِ قلبي) أي: أهده إلى معرفتك، وألهمه الصواب، واصرف عنه الشهوات والشبهات، ونوّره بمعرفة الحق وتثبيته على الهدى، فيكون القلب محبًا ومعظِّمًا ومُنيبًا يخافك ويرجوك؛ فالقلب الأساس فمتى اهتدى استقامت الجوارح صلح العمل واطمأنت النفس. (وسدِّد لساني) أي: وفّق لساني لقول الحق والصواب بعيدًا عن الزلل والخطأ والكذب والغيبة والنميمة، وكل عمل لا يرضيك. كما قال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا﴾. واللسان المسدد هو مَن وُفِّق لكل خير ونجا من تدنيس صحيفته بالذنوب والمعاصي. وسداد اللسان لا يكون بفصاحة الكلام فقط، بل بإصابة الحق واختيار أحسن الألفاظ في الوقت المناسب ﴿وقولوا للناس حُسنًا﴾. (واسللْ سَخيمةً قليي) (اسلل) أي: أخرجها بلُطف، وهو مثل: سلِّ السيف، إذا أُخرِج من غمده. و(السخيمة) السواد. أي: أخرجْ ما في قلبي من غش أو حقد أو ضغينة أو غل أو حسد أو كراهية لأحد من المسلمين، وانزعها من جذورها فلا يبقى فيه أثر؛ لأن ذلك يورث صفاء القلب وسلامته؛ فالأحقاد تتعِب صاحبها قبل أن تؤذي غيرَه، والقلب النقي من أعظم النعم.
الدعاء الرابع والعشرون/ قال رسول الله ﷺ: "رَبِّ أعِنِّي وَلَا تُعِنْ عليَّ، وانصُرني ولا تَنصُر عليَّ، وامكُر لي ولا تمكُر عليَّ، واهدني ويسر الهُدى إليَّ، وانصُرنِي على مَن بَغى عليَّ، ربِّ اجعَلني لكَ شكَّارًا، لكَ ذكَّارًا، لكَ رهَّابًا، لكَ مِطوَاعًا، إليكَ مُخْبِتًا أَوَّاهاً مُنِيبًا، ربِّ تقبَّل توبتي، واغسل حوبَتي، وأجِب دعوتِي، وثَبِّت حُجَّتي، واهْدِ قلبي، وسَدِّد لساني، واسْلُل سَخيمةَ قلبي". دعاء عظيم يجمع بين مرامي الخير ودوافع الشر في اثنين وعشرين مطلبًا هي من أهم مطالب العبد. ولو تأملنا حال العبد فإنه لا يمكن أن يثبت على الحق إلا بمعونة الله، ولن ينجو من الهلاك إلا بحفظ الله، لذلك بدأ الرسول ﷺ بطلب العون، ثم بدفع ما يُعيقه عن المضي في طريق الحقّ. (ربِّ أعنِّي) أي: أطلب منك العونَ والتوفيق لعبادتك على الوجه الأكمل الذي يرضيك، وامدُدني بقوةٍ من عندك؛ لأتمكن من ذِكْرك وشُكرك وحسن عبادتك، ولا أفتر عن ذلك. (ولا تُعِنْ عليّ) أي: لا تمد يدَ العون على مَن يمنعني عن طاعتك والقرب منك، من شياطين الإنس أو والجن أو النفس الأمارة بالسوء، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا تُغلِّب عليَّ مَن يمنعني عن طاعتك، أو الوصول إلى رضاك، وطريق جنتك. (وانصُرني): تكون لي الغلَبة والظفَر والثبات من الله على كل الأعداء الذين يصدون عن طاعتك، سواء أكان عدوًّا داخليًّا: وهي النفْسُ الأمَّارة بالسوء والهوى، أو خارجيًّا من أعداء الدين، أو من الشيطان ووساوسه. وإن العبد -مهما كان- لا يملك قوةَ النَّصر إذا لم تكن بتأييدٍ مِن الله وتوفيق. وفيه طلب النُّصرة من الله على كلِّ حاسدٍ وباغٍ ومتربِّصٍ. (ولا تنصُرْ عليَّ) أي: لا تجعل أحدًا يتسلَّط عليَّ من خلقك، فأتَّبعَ الهوى وأترك الهدى، فتكون هزيمتي بيدي حين ضعفت قوتي الداخلية فتسلط عليَّ أعدائي؛ لأنه كلما قوي إيمان العبد كانت قوته أعظم. (وامكُر لي) أي: أستعين بالله أن يصرف عني كيد الماكرين وحقد الحاقدين والحاسدين، ويصدَّه عنِّي، وأن يجري تدبيره في ردِّهم -سبحانه- بلُطفه وحكمته في صالحي، فاحرصْ على الدعاء به ليجريَ الله لُطفه الخفي بك ويدبر أمورك وأنت لا تشعر. (ولا تمكر عليَّ): لا تجعل مكر الماكرين يحيط بي وأنا لا أشعر فتأتيني الشرور من حيث لا أشعر. والله هو من يصدّ عنك مكرَ الماكرين وكيدهم برحمته وحكمته. وللمكر تدبيرٌ خفيٌّ يتضمن إيصال الضرر من حيث يُظن الخير بطريقة خبيثة وماكرة. (واهدني) أي: أرشدني، وثبّتني على طريق الهدى والحق وفيه طلب الهداية من الله، كما قال سبحانه: "فاستهدوني أهدكم"، فإن الهداية لا تُستجلَب إلّا بتوفيق الله تعالى. وجمع النبي ﷺ في هذا الدعاء طلب الهداية والثبات عليها، والدلالة على طريقها. (ويسِّر الهدى) أي: سهِّل اتباع طريق الهداية وأسباب الخير؛ كي لا أستثقل الطاعة، ولا أنشغل عن العبادة، وأرتقي في مراتبها العالية. (وانصُرني على مَن بغى عليّ): انصرني على مَن ظلمني، وتعدَّى عليَّ بقولٍ أو فعلٍ. وهذا فيه تخصيص بطلب العون والنصرة من الله لردّ ظلم من اعتدى عليّ بغير حق. (لك شكارًا): شكارًا صيغة مبالغة في الشكر، أي: اجعلني كثير الشكر في السراء والضراء، وعند المنع والعطاء وفي كل الأحوال بالقلب واللسان والجوارح. والشكر من أعظم النعم؛ لذلك كان الأنبياء يسألون الله الإعانة عليه، فيردّدون: ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ. (لك ذكَّارًا) أي: كثير الذكر في جميع الأوقات، قائمًا وقاعدًا، وعلى جَنب، في الصباح والمساء، وفي السر والعلن، والذِّكر من أقرب الطاعات، ومن أفضل الأعمال التي يحبها الله سبحانه، وأهل الذكر هم أهل السَّبْق في الدنيا والآخرة، كما قال الرسول ﷺ: "سبَق المفرِّدون". (لك رهابًا) أي: خائفًا منك في كل أحوالي، في ليلي ونهاري، وفي سفري وفي حضري، وفي الغيب وفي الشهادة، وفي السراء والضراء. (لك مِطواعًا) أي: كثير الطَّوع والانقياد والامتثال لجميع أوامرك، مُبتعِدًا عن نواهيك. (لك مُخبِتًا) أي: كثير الإخبات، وهو من أعمال القلوب. ومعناه: أن يذلَّ القلب بين يدي الله إجلالًا وتعظيمًا وتذلًلا، مُتواضعًا خاضعًا منكسرًا؛ فتسكن نفسُه ثم يرقّ قلبُه إلى ذِكره وطاعته. قال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون﴾. (أوَّاهًا) أي: مُتضرِّعًا خاشعًا خاضعًا داعيًا إلى الله سبحانه وتعالى في جميع الأوقات والأحوال، والأوَّاه دليل كمال رأفته ورقَّة قلبه وشفقته، وقد امتدح الله سبحانه إبراهيم عليه السلام فقال: ﴿إنَّ إبراهيم لحليمٌ أوَّاهٌ مُنيب﴾. (مُنِيبًا): المنيب الرجَّاع إلى الله سبحانه بمعرفته ومحبته، المقبِل على الله بقلبه، والمعرِض عمَّا سواه، المكثِر من التوبة والطاعة. (ربِّ تقبَّل توبتي) أي: يا ربي تقبل رجوعي إليك وندمي على ما بدر منِّي، وتفريطي في جنبك.
без подписи
الدعاء الثالث والعشرون/ قال تعالى: ﴿رَبِّ هَب لي حُكمًا وَأَلحِقني بِالصّالِحينَواجعَل لي لِسانَ صِدقٍ فِي الآخِرينَواجعَلني مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعيم﴾ هذا من دعاء إبراهيم الخليل -عليه السلام-، وقد استهلَّه بما يوصله إلى الله ابتداءً، قال: (هَبْ لي حُكمًا) أي: علمًا وحكمةً أعرف بها الأحكام وأميّز الحلال من الحرام، والحق من الباطل، والسُّنة من البدعة. فقد قدَّم طلب الحُكم على غيره؛ لأنه الطريق الموصل إلى الله ومعرفته؛ فصلاح الإنسان يبدأ من صلاح عِلمه وبصيرته، ومعرفتِه بخالقه، وهو ما يؤكّد سؤال اللهَ هذا الأمر بأن يرزقه العلم والحكمة ونور البصيرة. والعلم والحكمة هِبةٌ وفتحٌ من الله -سبحانه وتعالى- يهبها لمن يشاء من عباده الصالحين، وليست من الذكاء الفطريّ ولا الخبرة البشرية، فكَمْ مِن ذكيٍّ وعاقلٍ حُرِم التوفيق للعلم بالله تعالى. ثم ثنَّى -عليه السلام- بقوله: (وألحقني بالصالحين) أي: اجعلني في زُمرة الأنبياء الذين أنعم الله عليهم بنعمة الإيمان والصلاح؛ لأن الفوز والظفر برفقة الصالحين من أعظم نِعم الله سبحانه. (واجعل لي لسانَ صِدقٍ في الآخِرِين): ارزقني يا ألله ذِكرًا حسنًا وثناءً جميلًا طيبًا مستمرًا بعد موتي، فلا ينقطع عملي بانقطاع نفَسي، بل يمتد الخير إلى من يأتون بعدي ويستمر ذِكري عاطرًا في الأُمم. وقد استجاب الله دعوة إبراهيم -عليه السلام-: ﴿وتركْنا عليه في الآخِرِين ﴾، وأبقى له ذِكرًا جميلًا وثناءً حسنًا ولسانَ صدقٍ فيمَن أتى بعده من الأمم والأجيال حتى قيام الساعة. وقال تعالى: ﴿إنَّ إبراهيمَ كان أُمَّةً قانتًا لله﴾، أي: يُؤتمُّ به في الخير ويُؤخذ من حياته الدروس والعِبر. (واجعلني من ورثة جنَّة النعيم): ختم دعاءه بأن يكون من الوارثين لجنَّة النعيم ونعيمها المقيم. وإبراهيم -عليه السلام- إمام الحنفاء الذي أفنى عُمره في طلب رضا الله -سبحانه وتعالى-، يسأل اللهَ أن يجعله من ورثة جنَّة النعيم، ولم يغترّ بعَمله، وإذا كان هو كذلك فنحن إلى هذا الدعاء أشدُّ حاجةً. ولا ننسى أنه كلَّما كان العبدُ أكثرَ صلاحًا وعملًا زاد افتقارُه لله ودعاؤه -سبحانه وتعالى-.
الدعاء الثاني والعشرون/ قال رسول اللهﷺ: "ألِظُّوا ليا ذا الجلال والإكرام". صحيح الترمذي (ألظوا) أي: الزموا، وأكثروا، وكرِّروا. يوصي الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- بالإلحاح على الله -تعالى- وكثرة الدعاء بقوله: (ألظوا). أي أكثروا وألحُّوا وداوموا على هذا الدعاء؛ فهو من أعظم أسباب الإجابة لأنه يشتمل على تعظيم ودعاء؛ ففيه توسل باسمين كريمين عظيمين من أسماء الله -سبحانه وتعالى-. وهو دعاء يجمع بين ركُنَي العبودية؛ لأن معنى (الجلال): العظمة، أي: لله كمال نعوت العظمة، يستحق الإجلال والتعظيم من خَلقِه؛ فلا يُعصى، ويُشكر فلا يُكفر، ويُذكر فلا يُنسى؛ لأنه المستحق للتعظيم -سبحانه وتعالى-. (الإكرام) أي: أنه الكريمُ الذي يُكرم عبادَه في سعة عطاياه وعظيم فضله. فإذا امتلأ القلب تعظيمًا لله وخشيةً وإجلالًا لله يذِلُّ القلبُ، ويعلم يقينًا أنه بقدر تعظيمه لله يكرمه بواسع الفضل وجزيل الهِبَات. فإذا قال العبدُ: يا ذا الجلال والإكرام فإنه يجمع في دعائه بين الخوفَ والرجاء، وبين التعظيم والمحبة. ولا يكررها مجرَّدة، بل يجعلها بين يدي دعائه، فبعد تعظيم الله والثناء عليه بـ (يا ذا الجلال) يأتي موضع الطلب والعطاء بـ (والإكرام)، أي: يا ذا الجلال والإكرام أكرمني واغفر لي، ويا ذا الجلال والإكرام فرِّج لي، ويا ذا الجلال والإكرام اشفني .. وأخيرًا، فإنه بقَدر تعظيمك وإجلالك لله يعطيك إذا سألته -سبحانه جلَّ في عُلاه-.
الدعاء الحادي والعشرون/ قال الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم-: "اللهمَّ احفَظْني بالإسلام قائمًا، واحفَظْني بالإسلام قاعدًا ، واحفظني بالإسلام راقدًا، ولا تُشْمِتْ بي عدوًّا ولا حاسدًا، اللهمَّ إني أسألُك من كل خيرٍ خزائنُه بيدِك، وأعوذُ بك من كل شرٍّ خزائنُه بيدِك" صحيح الجامع. دعاءٌ عظيمٌ يسأل العبدُ فيه اللهَ أن يجعل الإسلام حارسًا له في كل لحظة من حياته، في حال قيامه وقعوده، وفي حال نشاطه وراحته، وفي صحته ومرضه، وفي يقظته ومنامه، وأن يعينه على التمسك بالإسلام في كل أحواله حتى يلقى الله -سبحانه وتعالى-. كما حث على ذلك في قوله سبحانه: ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾؛ فالإسلام من أعظم النعم التي منَّ الله بها على الإنسان من نعم الدنيا الزائلة. (ولا تشمت بي عدوًّا ولا حاسدًا) أي: لا تبتليني بمصيبةٍ أو ضعفٍ في ديني يجعل الأعداء يشمتون عند نزول البلاء بي، أو حين تزول نعمة مني -والعياذُ بالله-. (وأعوذ بك من كلِّ شرٍ خزائنُه بيدك) أي: يا ربي أستعيذ بكَ وأستجير من جميع أنواع الشرور، ما أعلمه منها، وما لا أعلمه؛ إذ لا نجاة للعبد ولا حفظ له من جميع الشرور صغيرها وكبيرها إلا بسؤال الله -سبحانه وتعالى- أن يجيره منها. وكلما قوي حفظ العبد لدينه وحرصه عليه بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، زاد حفظ الله -سبحانه وتعالى- له. (اللهم إني أسالك من كل خير خزائنه بيدك) أي: أسألك يا ربي أن تعطيني وتغدق عليّ وتمنحني أنواع الخير وأصنافه، ما أعلمه منها، وما أجهله. فخزائنُ الله -سبحانه- ملأى، ويدُه سحًّا ليل نهار، يغدق على عباده منها بقدر سؤالهم لله -سبحانه وتعالى- واستدرارهم لعطاياه. فلا نتكاسل عن الإلحاح بهذا الدعاء لأنفسنا وأبنائنا وشباب المسلمين وشابَّاتهم.
رابعًا: غفلة تناقض الذكر، بالإعراض عن ذكر الله ونسيان مراقبته. خامسًا: هوى يناقض التجريد والإخلاص، بالعمل لحظ النفس وطلب الشهرة بدلًا من إخلاص العمل لله وحده. والجوارح تابعة للقلب فإذا صلح القلب صلحت الجوارح كلُّها. 8/ (لسانًا صادقًا): وهو ثمرةُ القلب السليم، فمتى امتلأ القلب سلامةً وإيمانًا جرى الصدق على اللسان بلا تكلف، والصادق يصدق في قوله فلا يكذب ولا يُزوّر ولا ينافق ويقول الحق ولو على نفسه، وهو الذاكر الله الناطق بحمده وشكره سبحانه. واللسان الصادق يُصلح ولا يُفسد، ويهدي ولا يُضِل، بكلماته. وفي الحديث الصحيح: "من قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ. صادقًا من قلبهِ، دخل الجنَّةَ" وهذا دليل معنى أن الصدق في تواطؤ القلب مع اللسان. وكما قيل: "المرء بأصغريه: قلبِه ولسانِه". وهما أخطر ما فيه. وفي الحديث: "لا يستقيم إيمانُ عبدٍ حتى يستقيمَ قلبُه، ولا يستقيمُ قلبُه حتى يستقيمَ لسانُه" أخرجه أحمد. وخلافُ الصدق الكذبُ، وهو من آيات النفاق؛ لأن الكاذب يظهر ما لا يبطنه. والمسلم يتحرى الصدق في شأنه كله، حتى في المشاعر وفي النصح، وهذا يورث العبدَ ذلك ذكرًا حسنًا بين الناس. كقول إبراهيم -عليه السلام-: ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾ أي: ذِكرًا حسنًا وثناءً جميلًا يبقى بعدي. 9/ (وأسألك من خير ما تعلم): طلب العون ممن وسع كلَّ شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، بأن يعطيَه من خيري الدنيا والآخرة العاجل منه والآجل، يعلمه العبد أو يجهله. 10/ (وأعوذ بك من شر ما تعلم): أستجير وأتعوذ بالله من جميع الشرور المعلومة والمجهولة، العاجلة والآجلة في الدنيا وفي الآخرة، والقبر والنفس والمال والولد، وأتعوذ من شر الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء، ومن شر السمع والبصر والفؤاد، ومن شرور المخلوقات كلها. فنحن عبيدٌ لله لا حول لنا إلا الله بعلمه ورحمته وحكمته وإحاطته بخلقه سبحانه. 11/ (وأستغفرك لما تعلم): أطلب يا الله أن تبصِّرني بذنوبي، وأن تغفرها كلها صغيرها وكبيرها، قليلها وكثيرها، قديمها وحديثها، سرَّها وعلانيتها؛ فإنك تعلمها ولا أعلمها، منها ذنوب قد نسيناها ﴿أحصاه الله ونسوه﴾، أو استصغرناها واحتقرناها.
الدعاء العشرون/ أوصى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بوصية ثمينة، قال: "يا شدَّادُ بنُ أوسٍ! إذا رأيتَ النَّاسَ قد اكتنزوا الذَّهبَ والفضَّةَ؛ فاكنز هؤلاء الكلماتِ: اللَّهمَّ! إنِّي أسألُك الثَّباتَ في الأمرِ، والعزيمةَ على الرُّشدِ، وأسألُك موجباتِ رحمتِك، وعزائمَ مغفرتِك، وأسألُك شُكرَ نعمتِك، وحُسنَ عبادتِك، وأسألُك قلبًا سليمًا، ولسانًا صادقًا، وأسألُك من خيرِ ما تعلَمُ، وأعوذُ بك من شرِّ ما تعلَمُ، وأستغفرُك لما تعلَمُ؛ إنَّك أنت علَّامُ الغيوبِ". وهو كنزٌ عظيمٌ ينبغي أن يردده كل مسلم ويفهمه ويوصي به. (إذا رأيت الناسَ قد اكتنزوا): أي إذا تنافس الناس وانصرفوا لحيازة كنوز الدنيا الزائلة وانكبُّوا عليها، فإن هناك كنوزًا أجدر بالاكتناز؛ لأن بركتها تنفع المؤمن في دنياه وتلحقه في آخرته. فاجعلوا هذا الكنز ذخيرتكم؛ لأنه نصيحة الـمُحِب الناصح -صلَّى الله عليه وسلَّم- لأمته. بُدئ الدعاء بلفظة جليلة: (اللهمَّ) أي: باسم اللهِ ذي العبودية والألوهية على خلقه أجمعين: أبدأُ مطالبي الإحدى عشرة. 1/ (أسألك الثبات في الأمر): طلب الاستمرارية بلزوم الاستقامة على طريق الهداية، والثبات على الحق، وعدم النكوص والتراجع عن دين الله تعالى مهما زادت الفتن. (في الأمر) يعني: الثبات على دين الله والاستقامة عليه بلا انحراف، فالأمرُ هو الدين، قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "مَن أحدَثَ في أمْرِنا هذا ما ليسَ منهُ فهو ردٌّ". (أمْرنا): ديننا، وهو شرع الله. 2/ (العزيمة على الرشد): (العزيمة) هي إمضاء ما عَقد القلبُ عليه من الخير؛ فلا فائدة بمعرفة الخير وسماع المواعظ إذا لم يكن هناك عزيمة على فعله، وحرص على تطبيقه؛ ليكون من أهله. و(العزيمة) تقابل الكسل، والتسويف، والتأجيل. وعون الله للعبد يكون على قدر عزيمته قوةً وضعفًا. أما (الرُّشْد والرَّشَد): فالخير والصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة، بطاعة الله ورسوله. وخلافه (الغيّ). قال تعالى: ﴿ولكنَّ الله حبَّبَ إليكمُ الإيمانَ وزيَّنهُ في قلوبِكم وكرَّه إليكمُ الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ أولئك هم الراشدون﴾. ومن صور (العزيمة على الرشد): الدخول في الطريق الصحيح من بدايات الأمور، ثم العزم بالاستمرار على الطاعة والترقّي في درجات العبودية، كدخول الكافر في الإسلام، وخروج العاصي من معصيته ودخوله في الطاعة. ولهذا سمَّى الله تعالى خواصَّ الرُّسل بـ (أولي العَزْمِ). 3/ (موجبات رحمتك): الأعمال الصالحة من الأقوال والأفعال التي توجب لفاعلها رحمة الله، ومن أعظم الرحماتِ الجنَّة. قال تعالى: ﴿أما الذين ابيضَّت وجوهُهم ففي رحمةِ الله هم فيها خالدون﴾. 4/ (عزائم مغفرتك):جمع عزيمة وهي ما عقد القلب على إمضائه، أي: أسألك أن ترزقني الأعمال والأقوال التي تعزم بها مغفرتك عزيمةً صادقة، بالبعد عن الذنوب والتوبة والحذر منها. والفوز بمغفرة الله مقام عظيم لا يُنال إلا بعزيمة صادقة، فبعض الناس يعلم أنه مُذنِب ذنبًا يوجب العقوبة، ولكنه يفتقد العزيمة الصادقة التي تعينه على الإقلاع عنه. 5/ (شُكر نعمتك): طلب التوفيق إلى شكر الله على النعم ظاهرًا وباطنًا. وشكر النعمة يكون بأمور: - استحضارها في الذهن، والتيقن من أنها من عند الله تعالى، والتعرُّف بها عليه. - اعترافه بالنعمة في جميع حواسه، بقلبه إقرارًا، وبلسانه اعترافًا، قال تعالى: ﴿وأما بنعمة ربك فحدِّث﴾. أي: تحدَّث بها ثناءً وشكرًا لله وحده، وبتسخير جوارحه في طاعة المنعِم -عز وجل-: ﴿اعملوا آل داود شُكرًا﴾. 6/ (حُسن عبادتك): حُسن العبادةِ لا يتحقق إلا بأمرين، هما جوهر العبادة الحسَنة. - الإخلاص لله تعالى، فلا رياء فيها ولا سمعة. - المتابعة، بموافقة سُنَّة النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، أي أن فتُؤدَّى بقلبٍ حاضر وبالطريقة الصحيحة من حيث الأركان والشروط والسُّنن. وفي قوله تعالى: ﴿ليبلوكم أيُّكم أحسنُ عملًا﴾ قال الفضيل بن عياض: أي أخلصه وأصوبه. قيل: يا أبا علي، ما معنى أخلصه وأصوبه؟ قال: إنَّ العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل، حتى يكون صوابًا خالصًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السُّنَّة. 7/ (قلبًا سليمًا) أي: أسألك يا ربي قلبًا زكيًّا نقيًّا من جميع الأدواء والأسقام المحسوسة والمعنوية، كالشح والكبر والبدعة والرياء وحب الدنيا وكل آفة تُبعد القلب عن الله -عز وجل-. والقلب السليم هو المنيبُ المملوء حبًّا وإخلاصًا لله، وهو أعظم ما يلقى به العبدُ اللهَ يوم القيامة، ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله قلب بسليم﴾. وذكر ابن القيم أن سلامة القلب لا تتم حتى يَسلم من خمسة أشياء: أولًا: شرك يناقض التوحيد، كصرف الذبح والنذر والتوكل لغير الله. ثانيًا: بدعة تخالف السُّنَّة، كإحداث عبادة أو طريقة في الدين لم يأذن بها الله ولا رسوله. ثالثًا: شهوة تخالف الأمر، باتباع الهوى والوقوع في المحرمات.
الدعاء التاسع عشر/ كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "اللهمَّ جنِّبني مُنكَراتِ الأخلاقِ والأهواءِ والأعمالِ والأدواء" صحيح على شرط مسلم. يُستعاذ في هذا الدعاء من أربعة أمور تُبعِد عن طاعة الله -عزَّ وجلَّ-، وقد أنكرها الشرعُ والعقلُ. وطريق السلامة منها ابتداءً يكون بتكرار هذا الدعاء باستشعار معانيه العظيمة. (المنكرات): جمع (منكَر)، وهو ضد المعروف. فالمنكر ما قبَّحه الشرعُ وحرَّمه قولًا وفعلًا، ممَّا تنكره النفوسُ البشرية والفِطَرُ السليمة من الأقوال والأفعال والمعتقدات التي نهى الله ورسوله عنها، وحرَّمتها الشريعة الإسلامية. (جنِّبني): أي اجعلني في جانبٍ والمنكراتِ في جانبٍ آخرَ، وذلك بمباعدتي عن كل ما يخدش الدينَ والخُلُقَ والعملَ والقولَ مباعدةً تامةً عن الشرور. (مُنكَرات الأخلاق): أُضيفت الصفة إلى موصوفها، وهي تشمل الأعمال الباطنة من الرذائلِ ومساوئ الأخلاقِ السيئة الذميمة المستقبحة التي لا يُقرِّها العقلُ والشرع، كالحقد والحسد والبخل والجبن وسوء الظن والبذاءة والكِبر ... وإنَّ من كمال الشرع اهتمامَه بكمال المستعاذ منه في الأمور الظاهرة والباطنة، فكان التعوّذ من: (مُنكَرات الأعمال): وهي الأعمال الظاهرة من الرذائل التي يقترفها العبد بجوارحه، كالزنا والقتل والغيبة والسرقة والربا وإيذاء الخلق والبطش والظلم بغير حق والسب والشتم واللعن ... (الأهواء): جمع هوى، وهو ما تهواه النفس وتميل إليه وتتبعه محمودًا كان أو مذمومًا. أما الهوى المذموم فهو أصل الضلال والفتن والفساد، وذلك بميل النفس إلى المستلذَّات والزيغ عن الحق، والانهماك في الشهوات والشبهات. ودليله من القرآن قوله تعالى: ﴿أفرأيت مَن اتخذ إلهه هواه﴾. وقال تعالى: ﴿وإن كثيرًا ليُضلُّون بأهوائهم بغير علم﴾، وقال: ﴿ومَن أضلُّ ممَّن اتَّبع هواه﴾، وقال: ﴿فإنْ لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتَّبعون أهواءهم بغير علم﴾. وقد تنغمس النفس في الأهواء الباطلة وهي لا تشعر، قال تعالى: ﴿أفمن زُيِّن له سوءُ عملِه فرآهُ حسنًا﴾. وهذا أعظم الفساد؛ لأن فيه انطماس القلب وانتكاس الفِطَر وعمى البصيرة، وذلك برؤية الحقِّ باطلًا، والباطل حقًّا والفساد صلاحًا، وهو ما نراه في الحياة الواقعة الآن. لذا نُهيَ عن اتباع الهوى ابتداءً؛ لأنه سيهوي بصاحبه في النار. قال تعالى: ﴿فلا يصدّنك عنه مَن لا يُؤمن بها واتَّبع هواه فتَرْدى﴾. أما الهوى المحمود فهو على قول النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-: "لا يؤمنُ أحدُكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئتُ به"، والنتيجة: ﴿فأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾. ثم ختم الرسول -صلى الله عليه وسلم- دعاءه بالتعوّذ من: (مُنكَرات الأدواء): وهي الأسقام والأمراض الخطيرة التي قد لا يطيقها العبدُ ولا يحتملها ويعجز عن الصبر عليها. فيفقد أجرَ الصبر. مثل: الجذام والبرص والسرطان والإيدز ونحوها -نسأل الله السلامة والعافية-. فهذا الحديث فيه دعوات كريمات من الرسول-صلى الله عليه وسلم- سأل الله تعالى فيه أن يباعد بينه وبين أربعة أمور سيئة، لا ينفكُّ منها ابنُ آدم في تقلُّبه ليلًا ونهارًا، هي: الأخلاق الذميمة المستقبحة، والمعاصي والذنوب، والشهوات المهلكات التي تهواها النفوس، والأمراض المزمنة المستعصية، نعوذ بالله منها جميعِها.
Live stream finished (1 hour)
Live stream started
Live stream scheduled for Jun 28 at 13:30
https://youtu.be/Gfy2ZxkRQgc?si=JMyXCYke2LaIyddI
https://youtu.be/uBiRwa9J7c0?si=FYaiAEwG3TzzyILQ
الدعاء الثامن عشر/ ﴿قال ربِّ اشرح لي صدري، ويسّر لي أمري﴾. تسلَّح موسى -عليه السلام- بهذا الدعاء العظيم، وسأل ربَّه عندما أراد أن يدعوَ أطغى الملوك على وجه الأرض تمرُّدًا، وأشدَّهم كُفرًا وأكثرَهم جندًا بأن يزيحَ عنه العوائقَ الداخليةَ والخارجيةَ بصنوفِها. (اشرح لي صدري): سؤال اللهَ انشراحَ الصدرِ؛ لترتاحَ نفسُه فتحتملَ كلَّ أذًى داخليٍّ فتعيشَ في سلامٍ ونعيم. (ويسِّر لي أمري): طلب اللهَ تيسيرَ الأمر؛ ليحتمل الشدائدَ فتهونَ أمورُه مع أيِّ عائق. وعلى المسلم أن يلزم هذا الدعاء الجليل عند كل أمرٍ عظيمٍ أو خطرٍ جسيمٍ، أو همٍّ يصيبه أو يثقل عليه؛ فيطلب العون من الله سبحانه ظاهرًا وباطنًا دائمًا وأبدًا.
الدعاء السابع عشر/ قال الله تعالى: ﴿ربِّ أوزعني أن أشكرَ نِعمتَكَ التي أنعمْتَ عليَّ وعلى والديَّ وأنْ أعملَ صالحًا ترضاه وأدخلني برحمتِكَ في عبادِك الصالحِين﴾. هذا دعاء نبيِّنا سليمان -عليه السلام- وأدعيةُ الأنبياء من أجمع الأدعية وأشملها، وهي ليست خاصةً بالأنبياء؛ بل ينبغي على المسلم أن يسيرَ على نهجِهم ويدعوَ بأدعيتهم، فقد قال الله تعالى: {أولئكَ الذين هَداهُمُ اللهُ فبُهدَاهُم اقْتدِهْ}. معاني الدعاء/ (ربِّ أوزعْني أنْ أشكرَ) أي: ألهمْني ووفِّقني وأعنِّي، والعَون لا يُستمدُّ إلا من الله سبحانه وتعالى، وإذا لم يُعِنِ الله العبدَ لم يوفَّق للدعاء، وإذا أعانهُ اللهُ فلا تسَلْ بعدها عن وفرة الخير ولذَّةِ السَّير. (أنْ أشكرَ نِعمتَكَ) أي: اجعلني يا ألله لا أنفك عن شكر نِعَمك كلِّها الظاهرة والباطنة، بقلبي ولساني وجوارحي؛ فتكون في القلب إيمانًا وتصديقًا، وفي اللسان حمدًا وثناءً، وفي الجوارحِ عبادةً وطاعةً وذِكرًا؛ ليكتملَ بذلك الشكرُ. (التي أنعمتَ عليَّ) فيه اعتراف من العبد بأن ننسب هذه النعم إلى الله سبحانه وتعالى، فهو موليها ومعطيها ومسديها؛ فالشكرُ كلُّه لهُ سبحانه. وخصَّها بقوله: (عليَّ)؛ لأن كثيرين حُرِموا منها، وآخرون يتمنَّونها. (وعلى والديَّ): ثنَّى بمن كان سببًا في وجوده في هذه الحياة الدنيا، والنعم التي أسداها الله على الوالدين هي نِعمٌ على أولادهم، وأعظمها نعمة الإسلام التي طالت أبناءهم فأصابهم حظَّهم منها ونعِموا بها. فمن أعظم النعم التي ينعمها الله على الأولاد أن يكون أبواه صالحَين؛ ليحظى بالتربية الصالحة؛ فقد أحسنوا إليه بالدعاء والتربية، فيحسن إليهم بالدعاء الصادق المخلَص. (وأن أعمل صالحًا ترضاه) هذا دليل وإشارة إلى أن الشكر الحقيقي ليس بالمشاعر فقط؛ بل بتحويل النعم التي أسداها الله سبحانه إلى طاعةٍ وعبادةٍ وقُربٍ منه سبحانه، وفيه طلب التوفيق للعمل الصالح بالقلب والجوارح كلها. وقيَّد العمل الصالح ووصفه بقوله: (ترضاه)؛ فليس كلُّ عملٍ صالحٍ قد يرضاه الله، ولكن على المسلم أن يحرص على شرطَي قبولِ العمل: الإخلاص والمتابعة لرسول الله -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-؛ ليكون عمله خالصًا لله صوابًا على الطريق المستقيم، فتُقبَل هذه الأعمال -بإذن الله- ويُثابَ عليها. قال (وأدخلني برحمتك) ولم يقل: بعملي؛ لأنه لا يدخل الجنة أحدٌ بعمله، ولكن برحمة الله وفضله ومنِّه وكرمه. (في عبادك الصالحين) أي: وفِّقني في الدنيا للسَّيرِ على منهج الأنبياء والصالحين والشهداء واقتفاء آثارهم، واحشرني في زمرتهم في الآخرة، وهذا الدعاء من كوامل الدعاء الذي يشمل سعادة الدنيا والآخرة.
без подписи
الدعاء السادس عشر/ {وقُلْ ربِّ أعوذُ بكَ من هَمَزاتِ الشياطينِ وأعوذُ بكَ ربِّ أن يحضرونِ} في هذا الدعاء يأمر الله -سبحانه وتعالى- نبيَّه وأُمَّتَهُ من بعدِه بأن يستعيذَ ويتحصَّن ويحتمي ويلتجئ من أصل الشرور وهو الشيطان الرجيم الذي يرانا ولا نراه. (أعوذُ بك من همَزاتِ الشياطين) أي: ألتجئ، وهو الهروب من شيء يخافه المرءُ إلى مَن يَثق في قوته وقدرته، بأن يعصمَه من جميع الشرور، وعلى رأسِها أصل الشرور وهو الشيطانُ الرجيم، من أن يُلقي في قلب المؤمنِ الوساوسَ والإيراداتِ السيئة، وأن يُضلَّه في أفعاله وعباداته وطاعاته.؛ فأمرَنا الله -عزَّ وجلَّ- بالتحصن منه. (وأعوذ بك ري أن يحضرونِ): الشيطان يحضر في جميع الأحوال والأوقات، يحضر عند العبادات، وفي المسكن والملبس، وعند المأكل والمشرب، وعند الموت وهو أخطر حضورٍ له؛ لأنه يحرص على أن يُضلَّ العبدَ حال خروجه من الدنيا وإقبالِه على الآخرة التي هي مقرُّ الشقاء أو السعادة.
الدعاء الخامس عشر/ {ربِّ هبْ لي حُكمًا وألحقني بالصالحين، واجعلْ لي لسانَ صدقٍ في الآخرين، واجعلني مِن ورثةِ جنَّةِ النعيمِ} هذا الدعاء المبارك من قول إبراهيم عليه السلام، وأدعية الأنبياء من أشملِ الأدعيةِ وأكملها؛ فهُمُ الذين يُؤتّمُّ بهم في أقوالهم وأعمالهم الصالحة {واجعلنا للمتقين إمامًا}، وذلك لاشتمال أدعيتِهم على خير المطالب وأعلاها الدينية والدنيوية والأخروية. معاني الدعاء: (ربِّ هبْ لي حُكمًا) أي: علمًا كثيرًا، أعرفُ بهِ الأحكامَ والحلالَ والحرامَ، وأحكمُ بين الأنام. (وألحقني بالصالحين) أي: اجعلني مع الصالحين في الدنيا والآخرة، وألحقني بمن قبلي من النبيين في المنزلة والدرجة العالية. وقد استجاب الله له، قال تعالى: {وآتيناه أجرَهُ في الدنيا وإنه في الآخرةِ لمن الصالحين} ولا ننسى أنَّ الرسول -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- حين سُئل: "ما تقول في رجلٍ أحبَّ قومًا ولم يَلحق بهم؟" قال -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: المرْءُ مع مَن أحَبَّ". (واجعلْ لي لسانَ صِدقٍ في الآخرِين) أي: اجعل لي يا ألله بين الناس ذِكرًا جميلًا وثناءً حسنًا باقيًا فيمَن يجيء من بعدي أُذكَرُ بهِ، ويُقتَدَى بي في الخير إلى يوم القيامة. وقد استجاب اللهُ دعاءَ إبراهيم عليه السلام؛ فألحقهُ بإخوانه المرسلين، وجعله محبوبًا مقبولًا معظَّمًا مُثنًى عليه في جميع المللِ؛ فكُلُّ مِلَّةٍ تحبُّه وتتولاه. كما قال تعالى: {وتركنا عليه في الآخرين، سلامٌ على إبراهيم، كذلك نجزي المحسنين} (واجعلني مِن ورثةِ جنَّةِ النعيمِ) أي: ممن تعطيه الجنَّةَ وتمنُّ عليه بدخولها والنعيمِ فيها، نسألُ اللهَ الكريمَ من فضلهِ.
الدعاء الرابع عشر/ قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "مَن سأل اللهَ الجنَّة ثلاث مرَّات، قالت الجنة: اللهمَّ أدخِلْهُ الجنَّة. ومَن استجارَ من النار ثلاث مراتٍ. قالت النار: اللهمَّ أَجِرْهُ من النار" حديثٌ صحيحٌ لغيره. في هذا الدعاء حقائق عظيمة، ومنها: . أنَّ الجنة والنار داران عظيمان موجودتان الآن، لا تفنيان أبدًا. . أنَّ الله عزَّ وجلَّ أعد الجنة لعباده الموحدين المتقين؛ فهي دار رحمةٍ لهم وكرامة، وهي النعيم الكامل المقيم، فيها ما لا عين ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. يقول الله تعالى عن الجنة: {وسارعوا إلى مغفرةٍ من ربِّكم وجنَّةٍ عرضُها السمواتُ والأرضُ أُعِدَّتْ للمُتَّقين}. وقد حثَّنا الله تعالى على طلب الجنةِ وسؤالِه الفوز بها، والعمل من أجل دخولها والفوز بنعيمِها؛ ويكون ذلك بالجدِّ والتشميرِ والاجتهادِ والعملِ الدؤوبِ في ابتغاءِ مرضاتِ الله تعالى وعمل الصالحات. وعن النار يقول سبحانه: {واتَّقُوا النَّارَ التي أُعِدَّت للكافرين}؛ فبقدرة الله سبحانه وتعالى أن الجنةَ والنارَ تتكلمان؛ ففي الحديث الصحيح اشتكتْ النارُ إلى ربِّها، تقول: "أكَلَ بعضي بعضًا". يقول العلماءُ: إن اللهَ أنطقها بذلك نُطقًا حقيقيًّا كما يُنطِق سبحانه الأيديَ والجلودَ والجبالَ وغيرَها من الجمادات يوم القيامة؛ فاللهمَّ إنا نسألُك الجنَّة ونعوذ بك من النارِ.