tgindex
[ محمدعلي بن السيد عادل العلوي ]

[ محمدعلي بن السيد عادل العلوي ]

Статистика
@malawy_irКнигиарабский

www.mAlawy.ir موقع دروس ومقالات وآثار محمدعلي بن السيد عادل العلوي التواصل في برنامج تلغرام؛ @altabliq

Последний пост
14 авг.
Последнее чтение
15 авг.
Постов за неделю
6
Всего постов
28
Тип
открытый
Язык
арабский
Категория
Книги (по похожим)
В каталоге с
13 авг.
Подписчики
572
+2 за 2 дн.
Сутки
0
0,00%
Неделя
 
Месяц
 
Просмотров на пост
68
28 постов
Вовлечённость
11,9%
к подписчикам
Постов в день
0,9
всего 28
Упоминаний
0
каналов
Охват размещения
оценка
1/24сутки в ленте
15
1/48двое суток
17
1/72трое суток
18

Оценка по просмотрам недавних постов: пост набирает почти всё за первые сутки.

Посты

  • قال تعالى: ﴿يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ (المدثر: ٤٠-٤٣)، فيفهم منه أن الصلاة هي التي سلكت بالمؤمنين إلى الجنان. المبحث الثالث: تفسير "ما رأيت إلا جميلاً" وفي ذروة هذا المعنى، تبرز كلمة السيدة زينب الكبرى عليها السلام وهي في قمة المصيبة: «مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلاً». هذه الكلمة ليست تسلية نفسية، بل هي إخبار عن حقيقة مقام التوحيد. فالعبد إذا فنى عن إرادته في إرادة مولاه، رأى كل ما يصدر منه سبحانه عين الجمال. وهذا سر قوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (يوسف: ١٨)، وقوله: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ﴾ (لقمان: ١٧). وهذا هو حال الإمام الحسين عليه السلام وهو يذبح ابنه الرضيع، فيقول: «يَهُونُ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللَّهِ». إنها الصعوبة القصوى في نظر البشر، والسهولة القصوى في نظر الإمام، لأنه لا يرى في الوجود إلا تجليات المحبوب. وقد روي عنه عليه السلام أنه كان يقول في تلك الحال: «إِلَهِي رِضاً بِقَضَائِكَ، تَسْلِيماً لِأَمْرِكَ، لَا مَعْبُودَ سِوَاكَ». إنه مقام "إلهي رضاً بقضائك"، الذي يردده العبد وهو تحت سنابك الخيول، فلا يرى إلا الجميل المطلق. وهذا هو مصداق قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: ١٥٥-١٥٧). --- خاتمة: النور الجامع وغاية السير إن النور الذي وعد الله به عباده ليس مجرد ضوء حسّي يوم القيامة، بل هو حياة طيبة يعيشها المؤمن في الدنيا قبل الآخرة. قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: ٩٧). هذه الحياة هي نور العلم، ولذة المناجاة، وحلاوة الطاعة، التي من ذاقها تاق، ومن تاق إليها لاق. وختام المسير هو الوصول إلى الإمام الحجة عجل الله فرجه، فهو صاحب النور الأعظم، الذي يسعى بين يدي الخلائق، وهو "السبب المتصل بين الأرض والسماء"، المنقطع عن كل ما سوى الله، والمتصل بكل ذرة من ذرات الوجود. وهو الذي يحقق الفناء في الله والبقاء به، وهو الغاية التي إليها يسعى السالكون. قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: ٥). وقال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور: ٥٥). فنسأل الله العلي القدير أن يجعلنا من السائرين في ركاب هذا النور، المقتفين لآثار العلماء العاملين، وأن يحشرنا مع محمد وآله الطاهرين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله الطاهرين، ورحمة الله ورضوانه على والد المؤلف الجليل السيد عادل العلوي (رحمه الله) وعلى جميع علمائنا ومشايخنا الذين أناروا دروبنا، والحمد لله رب العالمين. النجف الأشرف مسجد الحنانة صفر الخير عام ۱۴۴۸ هجري والله العالم بحقائق الأمور محمد علي بن السيد عادل العلوي

  • المبحث الأول: الجمع بين الخوف والرجاء في كلام لقمان (عليه السلام) إن من أعاجيب وصايا لقمان الحكيم رحمه الله لابنه، التي رواها الإمام الصادق عليه السلام ووصفها بـ"الأعاجيب"، قوله: «يَا بُنَيَّ، خَفِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خِيفَةً لَوْ جِئْتَهُ بِبِرِّ الثَّقَلَيْنِ لَعَذَّبَكَ، وَارْجُهُ رَجَاءً لَوْ جِئْتَهُ بِذُنُوبِ الثَّقَلَيْنِ لَرَحِمَكَ». لقد تعجب الابن كيف يجتمعان، وهما متناقضان! لكن أباه علمه أن هذه هي عين البصيرة. فالعبد عندما ينظر إلى عمله الضئيل، يستصغره ويخشى أن لا يُقبل منه، ولو كان عمل الثقلين، لأنه محفوف بالآفات. وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (المؤمنون: ٦٠). وإذا نظر إلى سعة رحمة الله، يستعظمها ويرجو أن تغمره، ولو أتى بذنوب الثقلين. وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: ٥٣). قال الإمام الصادق عليه السلام: «كَانَ فِيمَا وَعَظَ بِهِ لُقْمَانُ ابْنَهُ... وَكَانَ أَعْجَبُ مَا فِيهَا أَنْ قَالَ لَهُ... خَفِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خِيفَةً...». إنه أعجب الأعاجيب. ولكن الكاملين من آل محمد عليهم السلام هم في مقام أسمى، حيث يجتمع الخوف والرجاء يقيناً في آن واحد، فيرون أنفسهم في أعلى الجنان بفضل الله، ويرونها في النيران من تقصيرهم، وهذا هو الخوف والرجاء اليقيني الذي لا يناله إلا المعصوم. وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام في وصفهم: «فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ». وقال تعالى في وصفهم: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (الإنسان: ٨)، وفي الوقت نفسه يخافون: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ (الإنسان: ١٠). المبحث الثاني: حكاية البلاء والعشق من ذاق حلاوة القرب، صار البلاء أحب إليه من العافية. وهذا سر من أسرار العشق الإلهي. قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: ٢). فالبلاء علامة المحبة. وقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «الصَّبْرُ عَلَى الْبَلَاءِ نَوْعَانِ: صَبْرٌ مَعَ كَرَاهَةٍ، وَصَبْرٌ مَعَ تَرْحِيبٍ». الأول كالرجل الذي وقع في البئر فيصبر لأنه لا خيار له، والثاني هو أن يستقبل البلاء بالبشر، بل يذهب للقائه! وهذا هو شأن المحبين، الذين يرون في المشقة أنساً، وفي الجراح قرباً، وفي كربلاء كرباً وبلاءً يتحول إلى أعظم فرح. فقد قال الإمام الصّادق علیه السلام؛ فَمَنْ صَبَرَ کُرْهاً وَ لَمْ یَشْکُ إِلَی الْخَلْق وَ لَمْ یَجْزَعْ بِهَتْکِ سِتْرِهِ فَهُوَ مِنَ الْعَامِّ وَ نَصِیبُهُ مَا قَالَ اللَّـهُ عَزَّوَجَلَّ وَ بَشِّرِالصَّابِرِینَ أَیْ بِالْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَ مَنِ اسْتَقْبَلَ الْبَلَاءَ بِالرُّحْبِ وَ صَبَرَ عَلَی‌سَکِینَةٍ وَ وَقَارٍ فَهُوَ مِنَ‌الْخَاصِّ وَ نَصِیبُهُ مَا قَالَ اللَّـهُ عَزَّوَجَلَّ إِنّ‌اللهَ مَعَ الصَّابِرِینَ.) (بحارالأنوار، ج۶۸، ص۹۰/ مصباح الشریعة، ص۱۸۵/ مستدرک الوسایل، ج۲، ص۴۲۷) ومن لطائف التعبير، ما روي عن الحال الذي يسميه البعض "الخبال" أو الوله. قال أمير المؤمنين عليه السلام في وصف المتقين في خطبة همام: «قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى وَ مَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ وَ يَقُولُ لَقَدْ خُولِطُوا وَ لَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ لَا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِيلَ وَ لَا يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ». إنه العشق الذي يسلب العقول الظاهرية ليعطي العقول الرحمانية. فمن يمشي مئات الكيلومترات إلى كربلاء، وتتورم قدماه وتدمى، إلا من مسه هذا الأمر المقدس؟ إنه ذاته ما حدث للسيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، وهي شابة في مقتبل العمر، إذ تورمت قدماها من طول القيام. وقد قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (الذاريات: ١٧). هذا هو العمل الذي يُفتخر به في الجنة، حيث يتساءل أهل الجنة فيما بينهم: بم بلغتم هذه المنازل؟ فيقول كل واحد منهم: (وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلی‌ بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ) فهم مشفقون بعملٍ كان يُعد في الدنيا ضرباً من الخبال، كالمناجاة ليلاً، أو كثرة تلاوة القرآن، أو خدمة الفقراء.

  • وقال تعالى أيضاً: ﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ (النساء: ٧٨)، فالخير والشر بقضاء الله، ولكن الأدب يقتضي نسبة الجميل إليه سبحانه. وفي دعاء كميل: «وَهَبْ لِيَ الْجِدَّةَ فِي خَشْيَتِكَ». إنه مقام "الوهب" و"البيعة". وفي هذا المقام ورد قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (الفتح: ١٠). وهنا لطيفة في معنى البيعة: فالبيعة تصير من وراء العنق، فيأخذ المولی برقبة العبد من ورائه ويسحبه نحو الخير. تماماً كما تحمل الهرة صغارها من الرقبة، فلا يبقى للعبد حول ولا قوة، بل يسري فيه الحول والقوة الإلهية سرياناً كاملاً. وهذا هو سر الوصول إلى "الإجبار بالاختيار"، حيث يتمنى العارف أن يصبح كالآلة في يد الفاعل المطلق، فلا يتحرك إلا به. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾ (الأنفال: ١٧)، وقال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الصافات: ٩٦). وهذا هو مقام الخشية الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: ٢٨)، وقال تعالى: ﴿وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ (الأحزاب: ٣٩). --- الفصل الرابع: القرض الإلهي وأبعاده الباطنية قال الله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (البقرة: ٢٤٥). إن كلمة "القرض" هنا تحمل من الأسرار ما هو أعمق بكثير من مجرد إعطاء المال. إنها مأخوذة من "القرض" بمعنى القطع، ومنه "المقراض" (المقص). وقال تعالى في آية أخرى: ﴿إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ (التغابن: ١٧). وقال سبحانه: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ (الحديد: ١١). المبحث الأول: القرض بمعنى تقريض الوجود "القرض الحسن" ليس دفعاً للمال فقط، بل هو "شلع" من الوجود كله: من الجسد، ثم من الروح، ثم من صميم الذات. إنه تقريض بالمقاريض الروحانية. وقد ورد عن أصبغ بن نباتة قال: فأتيت أمير المؤمنين عليه السلام، فأخبرته بمقالة الأسود، فتبسّم و قال عليه السلام: (يا أصبغ، أما علمت أنّ لنا محبّين لو سمّرنا أعينهم بالمسامير، و قرضنا لحومهم بالمقاريض، و نشرناهم بالمناشير، ما ازدادوا لنا إلّا حبّا). فإن القرض هنا ربما هو عبارة عن قطع أجزاء النفس والوجود وإعطاؤها لله. وهذا المعنى يتجسد في مراتب ثلاثة، هي ذاتها مراتب دعاء كميل: 1. القرض الجوارحي: وهو أن تقطع من راحة بدنك وشهواتك، فتجوع وتصلي وتسهر وتجاهد. وهذا هو "خرق السفينة" و«قَوِّ عَلَى خِدْمَتِكَ جَوَارِحِي». 2. القرض الجوانحي: وهو أن تقطع من حظوظ نفسك الأمارة، فتذلها وتقتلها. وهذا هو "قتل الغلام" و«وَاشْدُدْ عَلَى الْعَزِيمَةِ جَوَانِحِي». 3. القرض الوجودي (الخشية): وهو أن تفنى عن وجودك الموهوم، وتُسلم رقبتك لله بالكلية. وهذا هو "بناء الجدار" والبيعة الإلهية و«وَهَبْ لِيَ الْجِدَّةَ فِي خَشْيَتِكَ». ثم يستمر دعاء كميل إلى مراتب أعلى: «وَالدَّوَامَ فِي الِاتِّصَالِ بِخِدْمَتِكَ»، وهو مقام الخلود في العبودية. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ (المعارج: ٢٣). ثم يرتقي إلى مراتب السابقين والمشتاقين والخائفين والموقنين، ثم إلى مقام الجوار الإلهي والمعية الإيمانية: «فِي جِوَارِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ»، وهو غاية الغايات. وهذه المراتب كلها من فيوض القرض الإلهي؛ فمن أقرض الله من جوارحه وجوانحه ووجوده قرضا حسنا وصبر صبرا جميلا، ضاعف الله له النور أضعافاً كثيرة. المبحث الثاني: مراتب الشكر والعجز عنه على ضوء هذا، يتضح سر عجز العبد عن الشكر. فالشكر الحقيقي ليس كلمة تقال، بل هو شهود أن لا شاكر إلا الله. قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سبأ: ١٣). وقال عز وجل: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (إبراهيم: ٧). وقد عبر عن هذا المقام الإمام الحسين عليه السلام في دعاء عرفة، حيث كرر الشهادة أربعين مرة بأن العبد لا يستطيع أداء شكر نعمة واحدة. قال عليه السلام: «لَوْ حَاوَلْتُ وَاجْتَهَدْتُ مَدَى الْأَعْصَارِ وَالْأَحْقَابِ لَوْ عُمِّرْتُهَا... مَا اسْتَطَعْتُ ذَلِكَ إِلَّا بِمَنِّكَ... شُكْراً أَبَداً جَدِيداً». فإذا شكرت الله على نعمة، فهذه نعمة جديدة تحتاج إلى شكر، وهلم جرا إلى ما لا نهاية. فإذا شهد العبد هذا العجز، كان شهوده للعجز هو عين الشكر، لأنه رأى أن الكل من الله، حتى شكره هو من الله. وهنا يكمن سر قوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سبأ: ١٣). فالشكور من يشهد أنه لا يشكر أبدا وهذا هو الفقر المطلق. --- الفصل الخامس: تجليات الخوف والرجاء ومقامات العشق

  • ولم يستعن بشئ من جسده على شئ في ركوع ولا سجود، كان مجنحا، ولم يضع ذراعيه على الأرض. فصلى ركعتين على هذا. ثم قال: يا حماد، هكذا صل: ولا تلتفت، ولا تعبث بيديك وأصابعك، ولا تبزق عن يمينك، ولا عن يسارك، ولا بين يديك. ولكي يعلمه، قام الإمام عليه السلام يصلي صلاة كاملة، فطفق حماد يصف أدق تفاصيل هيئة الإمام: · القيام: وقف الإمام وسد أصابع قدميه نحو القبلة، في إشارة إلى أن كل ذرة من الجسد تتجه بكليتها إلى الله. وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (البقرة: ١٤٤)، لا بالوجه فقط بل بالكيان كله. · الركوع: "حتى استوى ظهره حتى لو صب عليه قطرة من ماء أو دهن لم تزل لاستواء ظهره."، في دلالة على كمال الخضوع والطمأنينة التي تعكس خضوع القلب. · السجود والجلوس: أصابع يديه مسدودة نحو القبلة، لا يفتحها إلا في الركوع. هذا كله ليس خشوعاً جسدياً فحسب، بل هو ترجمة عملية لذكر الجوارح. فإن الذكر ليس لسانياً فقط، بل هو ذكر بالعين (بالنظر إلى موضع السجود)، وذكر باليد، وذكر بالرِجل. وإذا تحرك شرك واحد من هذه الشرك الجسدية في طريق العبادة كاللسان فقط، فإن السيارة الإيمانية لا تمشي بقوة. هذه هي مرحلة "خرق السفينة"؛ أن تجرح سفينة بدنك بالمجاهدة، فتخرم هواها بالصلاة والصيام، كما خرق الخضر السفينة ظاهراً ليحميها من الملك الغاصب. المبحث الثاني: المنزل الثاني: "أردنا" (قتل الغلام) – جهاد الجوانح والنفس يمثل هذا المقام الانتقال من الجوارح إلى الجوانح، أي من ترويض البدن إلى قتل النفس الأمارة بالسوء. وقد عبر عنه دعاء كميل بقوله: «وَاشْدُدْ عَلَى الْعَزِيمَةِ جَوَانِحِي». فإنه "العقد" في دعاء العهد المعروف وهو الارتباط القلبي الذي يسمی بالعقيدة. لقد قتل الخضر عليه السلام الغلام، وهذا ما حكاه القرآن الكريم: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ (الكهف: ٨٠-٨١). وهنا قال: ﴿فَأَرَدْنَا﴾ بصيغة الجمع، ولم يقل "فأردت" كما في السفينة. والغلام في باطن المعنى هو النفس الأمارة. فالغلام هذا يجب قتله وهو صغير... فإذا كبر فلا نقدر عليه... وإذا كبر يأذي أمه وأبوه... فيطغى ويخرج العبد عن الدين". فالنفس إذا تُركت وشأنها حتى تكبر وتقوى، استعصى قتلها وأفسدت على العبد دينه. أما إذا قُتلت في طفولتها، عوّضك الله عنها بالنفوس الزكية. وقد ورد ذكر هذه النفوس في القرآن الكريم، قال تعالى: · في النفس الأمارة: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ (يوسف: ٥٣). · في النفس اللوامة: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (القيامة: ٢). · في النفس المطمئنة والراضية والمرضية: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ (الفجر: ٢٧-٢٨). وهذه "النفوس السبعة" لكل منها نداء، ولكن نداء النفس الأمارة يطغى على النداءات الستة الإلهية وإن كانت أدنی الندائات السبعة وأضعفها. وهنا لطيفة مهمة، وهي أن النفس الأمارة لا تُقتل بمفردك. قال الخضر: ﴿فَأَرَدْنَا﴾ ولم يقل "فأردت". إنها تحتاج إلى معية إلهية. فالعبد وحده لا يستطيع أن يذبح نفسه، كما احتاج إبراهيم عليه السلام إلى إسماعيل، وإسماعيل إلى إبراهيم. وقد حكى القرآن ذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ (الصافات: ١٠٢-١٠٣). يقول: فلابد أن يعينك شخص علی قتل النفس وذبحه لله تبارك وتعالی. هذه شركة بين إرادة العبد ومدد الرب، وهو مقام التخلية والتحلية. المبحث الثالث: المنزل الثالث: "أراد الله" (بناء الجدار) – الفناء والخشية وهي أعلى المراحل، حيث يغيب فعل العبد في فعل الرب، فلا يبقى فاعل إلا الله. قال الخضر عن بناء الجدار وهو عمل خيّر محض: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ (الكهف: ٨٢). فلم ينسبه إلى نفسه مطلقاً، بل قال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾، بعكس خرق السفينة ﴿فَأَرَدتُّ﴾ وقتل الغلام ﴿فَأَرَدْنَا﴾. فكل ما هو جميل وخير، نسبه إلى الله وحده تأدباً وتوحيداً. وهذا هو منطق القرآن مع النبي الأعظم صلى الله عليه وآله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ (النساء: ٧٩).

  • من دقائق المعاني في قوله تعالى حكاية عن المنافقين يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ (الحديد: ١٣)، أن هذا الأمر ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ﴾ هو عينه ما يقوله العالم الرباني للناس في الدنيا عندما يطلبون منه النور: "انظروا وراءكم". أي ارجعوا إلى أنفسكم وحاسبوها، وتفقدوا أعمالكم، فإن النور يُلتمس من هناك. ففي الدنيا، مَن التمس النور من نفسه بالمحاسبة والتوبة، استطاع أن يمشي مع أهل النور. لأن الدنيا لا يزال فيها وقت للرجوع والتوبة، أما في الآخرة فيقول العبد: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ (المؤمنون: ٩٩-١٠٠)، فيأتيه الجواب الحاسم: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون: ١٠٠). فلا رجعة هناك، لأن الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء. ولذلك، فمن لا يطبق معاني القرآن على نفسه في الدنيا، لن ينتفع بها في الآخرة. وهذا سر شكوى النبي صلى الله عليه وآله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (الفرقان: ٣٠)، لأن هجر القرآن هو ترك تطبيقه على الحياة قبل أن يكون ترك تلاوته. --- الفصل الثالث: قصة الخضر وموسى (عليهما السلام) ومنازل السلوك الثلاثة تُعدّ قصة موسى والخضر عليهما السلام، الواردة في سورة الكهف، ركيزة أساسية في فهم منازل السير والسلوك إلى الله. قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ (الكهف: ٦٥). فهي ليست مجرد حكاية تاريخية، بل هي دستور عرفاني، يوضح العلاقة بين "نبي الظاهر" (موسى عليه السلام) الذي يمثل الشريعة والعمل الجوارحي، و"نبي الباطن" (الخضر عليه السلام) الذي يمثل الحقيقة والعمل الجوانحي والملكوتي. المبحث الأول: المنزل الأول: "أردت" (خرق السفينة) – ترويض الجوارح يمثل هذا المقام نسبة الفعل إلى العبد اختياراً وتكليفاً. إنها مرحلة "أدب الجوارح" والمجاهدة البدنية التي هي المدخل الضروري للسلوك. وقد عبر عنها دعاء كميل بقوله: «قَوِّ عَلَى خِدْمَتِكَ جَوَارِحِي». وهذا المعنى يتجلى في قوله تعالى حكاية عن الخضر عليه السلام: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (الكهف: ٧٩). فالخضر عليه السلام نسب الفعل إلى نفسه فقال: ﴿فَأَرَدتُّ﴾. ولتوضيح هذا الأدب الجوارحي، نستحضر الموقف المهيب بين الإمام الصادق عليه السلام وتلميذه العظيم حماد بن عيسى (رحمه الله). فقد كان حماد في الستين من عمره، حافظاً لكتاب حريز في الصلاة بكل تفاصيله. فسأله الإمام عليه السلام: "تحسن أن تصلي، يا حماد؟" فتعجب حماد من سؤال الإمام عليه السلام. فقال له الإمام عليه السلام: "لا عليك قم صل.". فلما صلى حماد صلاة لا يرى فيها خللاً ظاهرياً، التفت إليه الإمام عليه السلام وقال له قولة ثقيلة: «يا حماد، لا تحسن أن تصلي، ما أقبح بالرجل أن يأتي عليه ستون سنة أو سبعون سنة، فما يقيم صلاة واحدة بحدودها تامة!؟!». إن الإمام لم ينقد صلاة حماد من جهة فقهية بحتة، بل من جهة "أدب الجوارح" الذي هو ثمرة حضور القلب. فقال حماد: فأصابني في نفسي الذل، فقلت: جعلت فداك، فعلمني الصلاة. فقام أبو عبد الله (عليه السلام) مستقبل القبلة منتصبا، فأرسل يديه جميعا على فخذيه، قد ضم أصابعه، وقرب بين قدميه حتى كان بينهما قدر ثلاث أصابع منفرجات، واستقبل بأصابع رجليه جميعا، لم يحرفهما عن القبلة بخشوع واستكانة، وقال: الله أكبر. ثم قرأ الحمد بترتيل، و (قل هو الله أحد)، ثم صبر هنيئة بقدر ما تنفس وهو قائم. ثم قال: الله أكبر. وهو قائم. ثم ركع وملأ كفيه من ركبتيه منفرجات، ورد ركبتيه إلى خلف حتى استوى ظهره حتى لو صب عليه قطرة من ماء أو دهن لم تزل لاستواء ظهره. ومد عنقه، وغمض عينيه، ثم سبح ثلاثا بترتيل، فقال: سبحان ربي العظيم وبحمده. ثم استوى قائما، فلما استمكن من القيام قال: سمع الله لمن حمده، ثم كبر وهو قائم، ورفع يديه حيال وجهه، ثم سجد، ووضع كفيه مضمومتي الأصابع بين ركبتيه حيال وجهه، فقال: سبحان ربي الأعلى وبحمده، ثلاث مرات، ولم يضع شيئا من بدنه على شئ. وسجد على ثمانية أعظم: الجبهة، والكفين، وعيني الركبتين، وأنامل إبهامي الرجلين، فهذه السبعة فرض، ووضع الانف على الأرض سنة، وهو الارغام. ثم رفع رأسه من السجود، فلما استوى جالسا، قال: الله أكبر. ثم قعد على جانبه الأيسر، قد وضع ظاهر قدمه اليمنى على باطن قدمه اليسرى، وقال: استغفر الله ربي وأتوب إليه. ثم كبر وهو جالس، وسجد السجدة الثانية، وقال كما قال في الأولى.

  • النور الساري بين الدنيا والآخرة مقالة في تفسير أهل البواطن في قصة موسی وخضر عليهما السلام، منازل السلوك الثلاثة الجوارح والجوانح والخشية، وأسرار القرض الإلهي وإستقراض الجوانح والجوارح تأليف محمد علي بن السيد عادل العلوي --- بسم الله الرحمن الرحيم تمهيد: في بيان أن القرآن ذو ظاهر وباطن من الأصول المسلمة في مدرسة أهل البيت عليهم السلام أن لكل آية من آيات القرآن ظاهراً وباطناً، بل لكل حرف منه حدود ومطالع لا تتناهى. وهذه المعاني ليست جامدة في عالم الآخرة فحسب، بل هي جارية في كل عوالم الوجود. فمن اقتصر في فهمه لآيات الله على ظواهرها المتعلقة بيوم القيامة فحسب، فقد حرم نفسه من حياة قرآنية في الدنيا لأنها هي مزرعة الآخرة. إن الآيات التي تتحدث عن النور، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم﴾ (الحديد: ١٢)، لا يصح حبسها في مشهد القيامة وحده. نعم، هذا مصداقها الأتمّ، ولكن مقدماته ومبادؤه تتحقق في قلوب المؤمنين في هذه الدنيا. وإلا فكيف يسعى الناس وراء العلماء والصالحين طالبين منهم الدعاء والنور، إن لم يكن لهم في الدنيا نور يسعى؟ فما الدنيا إلا مزرعة الآخرة، وما الآخرة إلا حصاد ما زرع هنا. ومن هنا وجب علينا أن نتدبر الآيات تدبراً يحيي قلوبنا قبل أن يحشر أجسادنا. --- الفصل الأول: أهل البواطن وسر النور الساري في الدنيا المبحث الأول: تعريف "أهل البواطن" ومراتب الكشف إن "أهل البواطن" هم أولئك الذين فتح الله بصيرتهم ليشهدوا ما وراء حجب الظواهر. ليس الأمر مقصوراً على وجود ظاهر واحد وباطن واحد، بل كلما انكشف للعبد باطن، صار هذا الباطن ظاهراً لما هو أعمق منه، وهكذا في سلسلة لا نهائية، لأن التجليات الإلهية لا نهاية لها، وهو المطلق سبحانه. وهذا هو مصداق قوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: ١١٤)، وقوله سبحانه: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: ٧٦). لقد مثل أحد العارفين هذه الحقيقة بإشارة حسية بيده قائلاً: إذا كان هذا هو الظاهر، فإن العارف ينفذ منه إلى باطنه. ثم إذا صار ذلك الباطن ظاهراً، انكشف له من ورائه باطن آخر. وهكذا "آناً بعد آن، ومكاناً بعد مكان، وزماناً بعد زمان"، في سير لا يقف ولا ينقطع. وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: ١١٤)، فطلب الزيادة يعني أن العلم لا ساحل له، وكلما ازداد العبد علماً، ازداد شهوداً لأسرار جديدة في الوجود والقرآن والنفس. وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: «كُلُّ وِعَاءٍ يَضِيقُ بِمَا جُعِلَ فِيهِ إِلَّا وِعَاءَ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ يَتَّسِعُ بِهِ». المبحث الثاني: حكاية النور القرآني وشهوده لا يقتصر النور على كونه مفهوماً مجرداً، بل هو حقيقة يشهدها أهل البصائر بأعين قلوبهم. وفي هذا المقام تُروى قصة ذلك الرجل الأمي الذي حظي بفيض من الإمام وهو المرحوم كربلائي كاظم الساروقي رحمه الله. فصار يبصر النور في الحروف والكلمات. وهذه الموهبة لم تقتصر على القراءة، بل صارت له قوة تمييز بين الكلام الإلهي والكلام الإنساني، فكانوا يجيئونه بأوراق مكتوبة فيها آيات قرآنية وكلمات من كلام البشر، فيميز بينها. إنها حقيقة النور الذي يسعى، والذي يجعل الصلاة لا تحتمل كلاماً آدمياً لأنها كلها نور إلهي. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ». فالصلاة نور، والقرآن نور، وحتى الدعاء في القنوت بأي لغة كان يصير نوراً لأنه مناجاة لله، بينما كلمة واحدة إنسانية في غير موضعها تبطل الصلاة كلها. --- الفصل الثاني: بداية السلوك ونهايته، وقاعدة "افعل ولا تفعل" المبحث الأول: الوصية الأولى في السير إلى الله إن للسير والسلوك بداية واضحة لا غنى عنها، وهي ذاتها النهاية التي يرجع إليها الكاملون في كل لحظة، وتلخصها قاعدة: العمل بالواجبات وترك المحرمات. وقد تجلت هذه الحقيقة في كلمتين: افعل ما أمرك الله به، واترك ما نهاك عنه. وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (الحشر: ٧). وهذا بعينه ما أكد عليه جميع العلماء العاملين، إذ جعلوا العمل بالفرائض واجتناب الكبائر هو أول أقدام السير وآخرها. فمن سأل أحد السادة العارفين قال له: "علمني"، فقال: "اثنين: ترك المحرمات، وفعل ما استطعت من الخيرات". فهذا هو منطق العقل والشرع، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: ٧-٨). المبحث الثاني: سر الأمر بـ "النظر إلى الوراء"

  • السؤال؛ السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته... فتاة رجعت إلى الله تعالى وتعلقت بصاحب الزمان روحي فداه بسببب سماحة السيد الراحل السيد عادل العلوي قدس سره الشريف ماذا تقولون لها بعد رجوعها وحبها لسيد عادل العلوي قدس سره الشريف الذي رجعنا. الجواب؛ عليكم السلام ورحمة الله نحمد الله ونشكره علی هذه النعمة العظيمة وهي نعمة الهداية والولاية. فلابد من الشكر ثم الشكر ثم الشكر ثم … علی هذه النعمة. ولم نتوقف عن الشكر فقد قال الله تبارك وتعالی في كتابه الكريم؛(وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ) . فاشكروا الله كثيرا ولا تيئسوا من رحمة الله جل جلاله. ولكن ما هو الشكر الذي قال الله تبارك وتعالی؛ (وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ)؟ وما الفرق بين الشاكر والشكور؟ ومن يكن شاكرا لله وكيف يكون شكورا له جل جلاله؟ ولماذا سمی الله نفسه بالشكور؛ (وَ اللَّـهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ‌)؟ وكيف يتصف الإنسان بهذه الصفة الإلهية ويتخلق بهذا الأخلاق الربوبي؟ وما معنی الآيات التي تقارن بين الشكر لله والشكر للوالدين؛ (أَنِ‌ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ‌)؟ وما جزاء الشاكرين (وَ سَنَجْزِي‌ الشَّاكِرِينَ‌)؟ ومن الذي ينتفع من الشكر (وَ مَنْ‌ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ‌)؟ وما هي مراتب الشكر؟ وما هي مصاديق الشكر في الحياة؟ ومئات بل آلاف الأسئلة المطروحة حول هذا الموضوع وفروعاته. فالمهتدي الذي يهتدي، لابد أن يشكر الهادي. والهداية هنا إن كانت بسبب سماحة السيد الوالد روحي له الفداء ورحمه الله، فأشكريه بهدية مستقرة مستمرة مباركة في طول الحياة وبعد الموت وفي البرزخ وفي القيامة وفي الجنة إن شاء الله. كقرائة سورة ياسين أو مئة صلاة علی محمد وآل محمد عليهم السلام أو الإستغفار سبعين مرة أو ذكر يا وهاب بعد كل صلاة في سجدة الشكر أربعة عشر بنفس واحد أو ما شابه ذلك من الأذكار اللسانية فهو كالشكر اللساني. أو أشكريه بشكر عملي كزيارة المراقد المشرفة نيابة عنه أو إستقبال القبلة يوميا نيابة عنه ولو دقيقة واحدة أو السجود علی تربة سيد الشهداء سلام الله عليه نيابة عنه أو المشي في الأربعين الحسيني ولو بأقدام نيابة عنه أو… أو أشكريه بالذكر القلبي كالبكاء والحزن علی سيد الشهداء سلام عليه نيابة عنه أو الفرح والنشاط في العبادة نيابة عنه أو محبة الوالدين نيابة عنه أو بغض أعداء الدين نيابة عنه أو ما شابه ذلك. فكما ورد في الروايات الشريفة؛ قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يشكر الله من لا يشكر الناس. وقال صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر: من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله ، التحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر ، والجماعة رحمة والفرقة عذاب . وقال صلى الله عليه واله و سلم: من لم يشكر الناس لم يشكر الله. وقال الإمام الرضا عليه السلام: من لم يشكر المنعم من المخلوقين لم يشكر عز وجل. وقال الإمام زين العابدين عليه السلام: يقول الله تبارك وتعالى لعبد من عبيده يوم القيامة : أشكرت فلانا؟ فيقول : بل شكرتك يا رب، فيقول: لم تشكرني إذ لم تشكره. فاشكري الهادي حتي يرزقك الله أن تشكري المهدي عجل الله تعالی فرجه الشريف وروحي وأرواح العالمين لتراب مقدمه الفداء. النجف الأشرف ۱۲ صفر ۱۴۴۸ والله العالم بحقائق الأمور محمد علي بن السيد عادل العلوي

  • المؤمن أيضاً يصير في حدود ظرفه «عزيزاً حكيماً»: تفور الحكمة من أعماقه. حينئذٍ تعجز موازين الناس عن تقييمه. وهنا ينكشف سرّ الغيبة والشهادة: ربّما كانت عزّة أولياء الله ثمينة إلى درجة أنّها لا تُعرض للأنظار إلّا في غلاف الذلّة الظاهريّة. هل كان رأس أبي عبد الله الحسين عليه السلام في مقتله ذلّة أم عزّة؟ عند أولئك الذين صاروا اعزاء، تلك اللحظة هي عين الشموخ والعزّة. الرأس على الرمح ليس ذلّة، بل هو غاية العصمة عن النفوذ في مواجهة الباطل. هل كان سبي النساء والأطفال في الصحراء خزيّاً وذلّة؟ بلا شكّ هو عين الفتح والعزّة لأولئك الذين بقوا أعزاء في معسكر الحقّ. سبي آل بيت الوحي غطاءٌ على تلك العزّة العظيمة حتّى لا يراها إلّا أهل البصيرة. هل غيبة وطول اغتراب صاحب العصر والزمان روحی له الفداء وعجّل الله فرجه الشريف خسران وذلّة؟ لا، بل عين العزّة؛ عزّةٌ صانها الله بغيرته عن أيدي غير أهلها، ليجد العطشى للحقيقة وحدهم حرارة هذه الشمس خلف الغيم. وهذه الكلمة قنديل يضيء طريق السالك: «مَن أَصلَحَ ما بَينَهُ وبَينَ اللهِ، أَصلَحَ اللهُ ما بَينَهُ وبَينَ النَّاس». يكفي أن تُصلح تلك الخلوة الباطنيّة، أن تُنقّي ذلك الحريم من نفوذ الأغيار؛ والله بنفسه يُصلح ما بينك وبين قلوب الناس. لأنّ الله سبحانه يجعل الخلق كلّهم محتاجين إلى ذلك الذي استغنى عن الخلق كلّهم. كما أنّه يجعل الخلق كلّهم في غنى عن ذلك الذي صار ــ لضعفه وطلبِه الدنيا ــ محتاجاً إلى الخلق كلّهم. النجف الأشرف ۱۰ صفر ۱۴۴۸ والله العالم بحقائق الأمور محمّد علي بن السيّد عادل العلوي

  • سرّ العزة تأمّل في حقيقة العزّة والذلّة بسم الله الرحمن الرحيم مقدّمة: من بين الكلمات التي جلست على مائدة القرآن والعرفان، تبقى كلمة «العزّة» من أغربها. ربما فهمنا العزّة بمعنى الانتصار والقوّة والجاه، بينما هي في أصلها شيء آخر. هذا المكتوب يحاول أن يكشف الوجه الآخر للعزّة؛ عزّة لا تُختزَل في التيجان والعروش، بل في كون القلب لا ينفذ إليه الأغيار. لكي نفهم جيّداً، علينا أوّلاً أن نعرف معنى كلمة العزّة في أصلها. عندما يقول العرب: «أرض عَزاز» أو «أرض عزيزة»، يقصدون أرضاً صلبة لا ينفذ فيها الماء. أرضاً كلّما حاولت أن تسقيها لا تتشرّب الماء. وهذه الصلابة ليست ناتجة عن فراغ، بل بالعكس؛ من شدّة الامتلاء والتراصّ يسدّ طريق النفوذ. الامتلاء هو الذي يأتي بالعصمة عن الاختراق. والآن نأتي إلى الله سبحانه. حين نصفه بأنّه «عزيز» فما المعنى؟ المعنى أنّه ذات لا ينفذ إليه شيء من الخارج. لا من فراغ، بل من شدّة الامتلاء الوجودي. حتّى علمه ليس شيئاً يأتيه من نافذة تُفتح إليه، بل هو نفس العلم. العلم ليس صفةً له، بل هو هو العلم. هذا هو معنى «العزيز الحكيم»: الممتنع عن النفوذ، الممتلئ علماً وحكمة. والسؤال الأساسي هنا: كيف يصل العبد الترابي إلى هذا الأفق؟ المؤمن أيضاً يمكنه أن يصير «عزيزاً». لكنّها عزّة تابعة مُفاضة، لا ذاتيّة. فإذا كانت «الأرض العزيزة» تمنع الماء بصلابتها الذاتيّة، فإنّ المؤمن بصلابة توكّله ويقينه يصدّ سيول التعلّقات عن ساحة قلبه. يجد قلباً لا تنفذ فيه المظاهر والزخارف؛ لا التشجيعات ولا التهديدات، ولا الأطماع ولا المخاوف، ولا الشهوات ولا كلّ وساوس العالم الظاهرة والمستورة. هذه بداية الطريق. لكنّ سرّ الحكاية يكمن في أنّ طرد الأغيار ليس إلّا النصف الآخر من الامتلاء بمحبّة الحقّ. القلب إذا فاض بالمعرفة والعشق الإلهيّ، يخلو من تلقاء نفسه لغير الله. المؤمن لا يصارع مشقّة التخلية، بل تجذبه جاذبيّة الامتلاء بالحبيب فيُقصي الأغيار إلى الهامش. أمّا ذروة هذه العصمة عن النفوذ ففي موضع آخر؛ هناك حيث يبلغ السالك مقاماً لا يسمح حتّى لأنا نفسه أن تدخل إلى داخله. تصوّر: الأنانيّة، حبّ النفس، الانشغال بالنفس الصغيرة، كلّها تبقى خارج الباب. هذه هي اللحظة التي يجد فيها «الفقر بالله» معناه الحقيقيّ: ليس مجرّد الإحساس بالحاجة، بل فقدان أيّ وجود مستقلّ. كأنّ الفرد يهمس: «أنا لستُ شيئاً، كلّ ما هناك هو هو». حينئذٍ يتحوّل باطنه إلى خلوة لا يسكنها إلّا الله، كما قال الإمام الصادق عليه السلام: «القلبُ حَرَمُ الله، فلا تُسكِنْ حَرَمَ الله غيرَ الله»، وكما قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «قلبُ المؤمن بين إصبَعَين من أصابع الرحمن»، وفي حديث آخر: «قلبُ المؤمن عرشُ الرحمن». في هذه المرتبة، لا يكون المؤمن عزيزا فقط، بل يصير هو نفسه حصناً لله. لا يمنع فقط المياه العكرة من الدخول إلى باطنه، بل يصير حافظاً للأمانة الإلهيّة. هذه هي العزّة ذو الوجهين: لا شيء من الخارج ينفذ إليه، ولا ما في داخله يصل إلى غير أهله. هنا يتحقّق الوعد الإلهيّ: إنّ الله أقرب إليه من نفسه. ولم يعد هذا كلاماً نظريّاً جافّاً، بل صار تجربة يعيشها. السالك يدرك أنّه لم يكن بينه وبين الله «نفسٌ» حتّى تُرفع. هو الآن يسبح في محيط الغنى. هنا يتّحد «الفقر بالله» و«الغنى بالله»: الفقر أن تدرك أنّك لست شيئاً، والغنى أن تدرك أنّك كلّ شيء. مثل هذا الإنسان يستغني عن العالم كلّه، وفي هذه اللحظة بالذات يُلبسه الله رداء العزّة. الله هو العزيز، والمؤمن السالك، بطيّه وادي الفقر والغنى، يتخلّق بهذا الخُلق الإلهيّ. يجد في مرتبته عزّة ليست من جنس القوى الأرضيّة، بل من جنس النور؛ نورٌ إذا سكن القلبَ لا تقدر أيّ ظلمة على النفوذ إليه. فما عليه بعدها لو أدبر عنه العالم كلّه؟ ولكنّ الغريب أنّ هذا الذي استغنى عن العالم، صار في الوقت نفسه محتاجاً إلى العالم كلّه! لماذا؟ لأنّ أصبحت عينه ترى ما وراء قشرة العالم. صار يرى كلّ ذرّة نافذةً تطلّ على المحبوب. لكنّ هذا الاحتياج من جنس احتياج المرآة إلى النور، لا من جنس احتياج الأعمى إلى العصا. المرآة بلا نور مظلمة لا معنى لها، لكنّ احتياجها هذا عين كمالها. كذلك السالك يصير محتاجاً إلى الخلق، ولكن بوصفهم مظاهر عناية الحبيب. يهمس بكلّ كيانه: «مَن لي غيرُك». هذه الكلمة تحتمل تفسيرين: الأوّل: «مَن يكون لي سواك؟» أي لا أريد غيرك، والثاني: «مَن يكون لي سواك؟» أي لا أرى غيرك. وانظر مرّة أخرى أيّ جوهرة يجلبها هذه العزة للمؤمن. هو الذي أغلق قلبه عن الواردات الخارجيّة، صارت الإفاضة تأتيه من المنبع الإلهيّ مباشرة. علمه لم يعد مستورداً، بل صار ينبع من داخله. هذا هو مصداق قوله تعالى: «كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ».

  • الفناء هو محو الأنانية والذاتية، والبقاء هو البقاء بالحق. وهذان المقامان اللذان يمثلان نهاية السير إلى الله وفي الله، وهما في الوقت نفسه بدايته، من خصائص الأولياء الكمّل. وينبغي أن يعلم أن الفناء والبقاء ليسا مقامين طوليين، بل هما مقام واحد يلحظ من جهتين. فالفاني باقٍ، والباقي فانٍ. فالعبد ليس بباقٍ حتى يفنى، وليس بفانٍ حتى يبقى. وفي هذه المرتبة من السير والسلوك، يكون الفناء عين البقاء، والبقاء عين الفناء. والفقر عين الغنى، والغنى عين الفقر. --- خاتمة: من الصلاة الظاهرية إلى كمال العبودية رواية حماد بن عيسى هذه هي خارطة طريق للسلوك إلى الله تعالى، تمتد من أدنى المراتب (الذكر اللساني والعملي) إلى أعلى المقامات (الفناء والبقاء). ويمكن إجمال مراتب هذا السلوك على النحو التالي: المرتبة الأولى: الذكر اللساني — التوسل بالأذكار والأوراد، مع الترتيل وحضور القلب. المرتبة الثانية: الذكر العملي — تحويل العمل الظاهري إلى ملكة باطنية بالاستقامة والمراقبة. المرتبة الثالثة: ذكر الجوارح والجوانح — اشتغال جميع الأعضاء والقوى الظاهرية والباطنية بذكر الحق. المرتبة الرابعة: الخشية — حال باطني ناشئ عن المعرفة؛ وهو موهبة إلهية ينبغي أن تطلب منه تعالى. المرتبة الخامسة: دوام الاتصال — استدامة الحضور في محضر الحق، من دون أن يحدث أدنى غفلة. المرتبة السادسة: اليقين والشوق — دخول العوالم الباطنية وتذوق مراتب اليقين الثلاث. المرتبة السابعة: الإخلاص والمعية — تنقية العمل من كل شائبة، والوصول إلى المعية الدائمة مع الحق. المرتبة الثامنة: الخوف والرجاء، والفقر والغنى، والفناء والبقاء — اجتماع الأضداد في مقام التوحيد الأفعالي والذاتي. واعلم أن بداية هذا الطريق الطويل تبدأ من عمل صغير وذكر عملي بسيط: من قدم تقف بها باتجاه القبلة، ومن أصابع يد تضمها على فخذك، ومن حزام أمان تربطه في سيارتك، ومن قمامة لا تلقيها على الأرض. هذه الأعمال إذا قارنتها النية الصادقة والاستمرار، فستفتح لك تدريجياً أبواب الملكوت العظيمة على قلبك. وكما قال الإمام الصادق عليه السلام: «هكذا صلِّ» — هكذا صلّ. ولم تكن هذه «الهكذا» مجرد تعليم لظاهر الصلاة؛ بل كانت دعوة إلى سلوك غايته لقاء الله. --- النجف الأشرف ١٠ صفر ١٤٤٨ والله العالم بحقائق الأمور محمد علي بن السيد عادل العلوي

  • ففي هذه المرتبة، لا يعود الإيمان مجرد اعتقاد ذهني، بل يسري في نسيج وجود السالك كله ولا ينفك عن لحظة من لحظات حياته الملكية والملكوتية. ٤-٢. الخشية موهبة إلهية إذا طوى السالك مراحل ذكر الجوارح والجوانح ورسخت فيه ملكات العبودية، جاء الدور على الخشية. غير أن الخشية ليست أمراً اكتسابياً محضاً؛ بل «هي عمل الله نفسه». قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً» — لو كنتم تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً. وفي كتاب التوحيد للشيخ الصدوق رحمه الله، في تفسير معنى الأذان عن أمير المؤمنين عليه السلام: «كنا جلوساً في المسجد إذ صعد المؤذن المنارة فقال: الله أكبر الله أكبر، فبكى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وبكينا ببكائه، فلما فرغ المؤذن قال: أتدرون ما يقول المؤذن؟ قلنا: الله ورسوله ووصيه أعلم، فقال: لو تعلمون ما يقول لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً» — كنا جلوساً في المسجد حين صعد المؤذن المنارة فقال: الله أكبر الله أكبر، فبكى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وبكينا لبكائه، فلما فرغ المؤذن قال: أتدرون ما يقول المؤذن؟ قلنا: الله ورسوله ووصيه أعلم، فقال: لو كنتم تعلمون ما يقول لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً. ولهذا نجد أمير المؤمنين عليه السلام، على الرغم من مقام الولاية العظيم، يتضرع في دعاء كميل قائلاً: «هب لي الجدّ في خشيتك» — اللهم امنحني الجد والاجتهاد في خشيتك. أي أن الخشية نفسها ينبغي أن تطلب منه تعالى. وهنا حتى الإمام يتعلق بأذيال الله تعالى؛ فالفاعل الحقيقي هو الحق نفسه. --- المرحلة الخامسة: دوام الاتصال — استدامة الحضور في محضر الحق بعد الخشية تأتي مرحلة «دوام الاتصال». والاتصال الدائم معناه أن لا يغيب السالك عن الحق في آنٍ من الآنات، وألا يبقى بينه وبين المحبوب أي حجاب. وهذا المقام هو ما أشير إليه في القرآن بتعابير مثل «صلاة دائمة» و«ذكر كثير». وفي هذه المرحلة، بالإضافة إلى الصلاة الظاهرية، تقوم صلاة باطنية هي «صلاة الوصال» بشكل دائم؛ صلاة تبقى فيها روح السالك راكعة ساجدة في محضر الحق على الدوام. ودوام الاتصال مقدمة لدخول عوالم أعلى؛ عوالم يرد فيها «اليقين» و«الخوف» و«الرجاء» و«الشوق» و«الإخلاص» و«المعية» واحداً تلو الآخر على قلب السالك. كما جاء في دعاء كميل: «حَتَّى أسرَحَ إلَيكَ في مَيادينِ السَّابِقينَ، وأُسرِعَ إلَيكَ في البارِزينَ، وأشتاقَ إلى قُربِكَ في المُشتاقينَ، وأدنُوَ مِنكَ دُنُوَّ المُخلِصينَ، وأخافَكَ مَخافَةَ المُوقِنينَ، وأجتَمِعَ في جِوارِكَ مَعَ المُؤمِنينَ» — حتى أنطلق إليك في ميادين السابقين، وأسرع إليك في البارزين، وأشتاق إلى قربك في المشتاقين، وأدنو منك دنوّ المخلصين، وأخافك مخافة الموقنين، وأجتمع في جوارك مع المؤمنين. --- المرحلة السادسة: مراتب اليقين والفناء في الله ٦-١. مراتب اليقين في عرفان القرآن وأهل البيت عليهم السلام، لليقين ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: علم اليقين — وهو المعرفة عن طريق الأدلة والبراهين العقلية. ومثاله أن تصف لإنسان خواص طعام ما فيقبله بعقله. ومثاله القرآني احتجاج إبراهيم عليه السلام مع النمرود حيث قال: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّـهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّـهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ» (البقرة: ٢٥٨). المرتبة الثانية: عين اليقين — وهو العلم الحضوري والشهود القلبي. ومثاله أن يأكل الإنسان ذلك الطعام بنفسه ويذوق طعمه. ومثاله القرآني قصة عزير النبي حيث قال بعد أن أماته الله ثم أحياه: «فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّـهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (البقرة: ٢٥٩). المرتبة الثالثة: حق اليقين — وهو شهود الملكوت والوصول إلى حقيقة الإحياء والإماتة. ومثاله أن يصنع الإنسان ذلك الطعام بنفسه من البداية ثم يأكله. ومثاله القرآني قصة إبراهيم عليه السلام وإحياء الموتى: «وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي...» (البقرة: ٢٦٠). ٦-٢. الخوف والرجاء في السلوك العرفاني الشيعي، الخوف والرجاء جناحان يحلّق بهما السالك إلى الحق. لكن الخوف في هذا المقام ليس بمعنى احتمال العذاب والعقاب، بل بمعنى اليقين بالعذاب وجهنم للسالك المقصّر. وكذلك الرجاء، ليس بمعنى مجرد الأمل في عفو الحق والطمع في الجنة، بل بمعنى اليقين بعفو الحق واليقين بالحضور في الجنة. وهذان الحالان، في المراتب العالية من السلوك، يحضران معاً في قلب السالك ويمنعانه من السكون والغرور. ٦-٣. الفناء والبقاء

  • وروي عنه صلى الله عليه وآله أيضاً: «أفضل الناس من عشق العبادة فعانقها، وأحبها بقلبه، وباشرها بجسده، وتفرغ لها، فهو لا يبالي على ما أصبح من الدنيا على عسر أم على يسر» (الكافي، ج ٢، ص ٨٣، ح ٣). وفي حديث المعراج، ينقل الإمام الصادق عليه السلام عن الله تعالى قوله: «يا أحمد! هل تدري متى يكون لي العبد عابداً؟ قال: لا يا رب، قال: إذا اجتمع فيه سبع خصال: ورع يحجزه عن المحارم، وصمت يكفه عما لا يعنيه، وخوف يزداد كل يوم من بكائه، وحياء يستحي مني في الخلاء، وأكل ما لابد منه، ويبغض الدنيا لبغضي لها، ويحب الأخيار لحبي إياهم» (إرشاد القلوب، ص ٢٠٥). وقال صلى الله عليه وآله: «نظر الولد إلى والديه حباً لهما عبادة» (تحف العقول، ص ٤٦). وفي رواية أخرى: «النظر إلى العالم عبادة، والنظر إلى الإمام المقسط عبادة، والنظر إلى الوالدين برأفة ورحمة عبادة، والنظر إلى أخ توده في الله عز وجل عبادة» (أمالي الطوسي، ص ٤٥٤، ح ١٠١٥). وعلى هذا الأساس، يستطيع السالك أن يشترط على نفسه: أن أقدم رجلي اليمنى عند الخروج من البيت مع ذكر «بسم الله»؛ وأن أدخل البيت عند العودة مع ذكر «الحمد لله»؛ وأن أفتتح كل لقمة باسم الله؛ وأن أتوجه إلى القبلة عند النوم. --- المرحلة الثانية: الذكر اللساني والتسبيح — من لقلقة اللسان إلى حضور الجنان يؤدي الإمام الصادق عليه السلام في هذه الرواية أذكار الصلاة ﺑ «الترتيل»: «ثم قرأ الحمد بترتيل»؛ «ثم سبح ثلاثاً بترتيل فقال: سبحان ربي العظيم وبحمده»؛ «فقال: سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاث مرات». الترتيل في اللغة بمعنى التنظيم والتنسيق في البيان. وفي العرفان العملي، يعني ترتيل الذكر: التأني والطمأنينة (عدم العجلة في أداء الكلمات، حتى لكأنه يتذوق كل كلمة بكل وجوده)؛ وحضور القلب مع اللفظ (لا مجرد حركة اللسان، بل انعكاس المعنى في أعماق القلب)؛ وتناسب الصوت والمعنى (أن يكون لحن الكلام متناسباً مع عظمة المذكور؛ فيكون ذكر «سبحان ربي العظيم» بلحن يحيي عظمة الحق في قلب السامع). الذكر اللساني في بدايته لقلقة لسان؛ لكنه إذا قارنته المراقبة تسلل شيئاً فشيئاً إلى السرّ والروح، وجرى في جميع شؤون السالك الوجودية. --- المرحلة الثالثة: ذكر الجوارح والجوانح — اشتغال الوجود كله بالمذكور ٣-١. ذكر الجوارح في الصلاة التعليمية للإمام الصادق عليه السلام، ينشغل كل عضو من البدن بذكر خاص: العينان مأمورتان بالتركيز على موضع السجود كي تنقطعا عن تفرق النظر ودخول الخواطر؛ واليدان موضوعتان على الفخذين في القيام مع ضم الأصابع، وتأخذان في الركوع بالكفين المفتوحتين على الركبتين كاملتين؛ والظهر والكمر مأموران باستواء واعتدال حتى قال الإمام عليه السلام في وصفه: «حتى لو صب عليه قطرة من ماء أو دهن لم تزل» — بحيث لو صُبّت عليه قطرة ماء أو دهن لما زلّت إلى أي جهة؛ والعنق مأمور بالامتداد والمد: «ومد عنقه»، حتى ينخفض الرأس أمام عظمة الحق ويبتعد عن التكبر؛ وأصابع الرجلين مأمورة بأن تبقى مستقبلة القبلة طوال الصلاة من دون أن تنحرف عنها. ٣-٢. ذكر الجوانح الجوانح هي القوى الباطنية للإنسان: العقل، والقلب، والخيال، والوهم، وكذا صفات كالتواضع والسخاء والرحمة... وذكر الجوانح هو أن يكون السالك غريقاً في باطنه بذكر المحبوب أيضاً. وهذا المقام يتحقق حين لا يغفل السالك عن ذكر الحق طرفة عين أبداً؛ كما يناجي الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ربه قائلاً: «سَجدَ لك سوادي وخَيالي، وآمن بك فؤادي» — لقد سجد لك سوادي الظاهر وخيالي الباطن، وآمن بك قلبي. وفي هذه المرحلة، تصبح كل جارحة وكل جانحة مشغولة بذكر خاص في جميع ساعات الليل والنهار. وهذا المقام هو وصف أولياء الله الذين صارت حركاتهم وسكناتهم كلها عبادة. والوصول إلى هذه المرتبة لا يتيسر إلا بدوام المراقبة والاستمرار على الآداب. --- المرحلة الرابعة: الخشية — من الذكر إلى الخشية، ومن الملكة إلى الحال ٤-١. ماهية الخشية في عرفان أهل البيت عليهم السلام، الخشية حال تسري وتجري في كيان السالك وروحه كلها. يقول القرآن الكريم: «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ» — لا يصل إلى مقام الخشية إلا العباد العالمون العارفون. فالخشية ثمرة العلم الحقيقي والمعرفة الشهودية، لا مجرد خوف سطحي من العذاب. ويستفتح الإمام الصادق عليه السلام صلاته كلها ﺑ «الخشوع والاستكانة» في هذه الرواية. والخشوع والاستكانة هما المرتبة النازلة من الخشية. والفارق بينهما أن الخشوع والاستكانة يتعلقان بالباطن والظاهر (الجوانح والجوارح)، بينما تنفذ الخشية إلى أصل وجود السالك ونفسه وذاته. وذلك حيث يخاطب رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين عليه السلام قائلاً: «والإيمان مخالط لحمك ودمك كما خالط لحمي ودمي» — لقد خالط الإيمان ذرات لحمك ودمك كما خالط لحمي ودمي.

  • من الذكر العملي إلى الخشية الإلهية: مراتب السلوك في بيان الإمام الصادق (عليه السلام) مقدمة: سؤال كالصاعقة «يا حماد! تحسن أن تصلي؟» لم يكن هذا السؤال الموجز من الإمام الصادق عليه السلام مجرد استفهام عادي، بل كان كالصاعقة نزلت على قلب حماد بن عيسى؛ ذلك المحدّث الذي كان يحفظ كتاب حريز عن الإمام الباقر عليه السلام في الصلاة عن ظهر قلب، وقد أمضى ستين أو سبعين عاماً من عمره في الصلاة. صلى حماد بن عيسى صلاته، لكن جواب الإمام لم يؤيده البتة: «ما أقبح بالرجل أن يأتي عليه ستون سنة أو سبعون سنة فما يقيم صلاة واحدة بحدودها تامة!» هذه الرواية التي ينقلها حماد بن عيسى بقلب مكسور، ليست مجرد درس فقهي في آداب الصلاة؛ بل هي نافذة تطلّ على عوالم الذكر العملي، ومراتب حضور القلب، ومقامات السلوك إلى الله تعالى. وما سيأتي هو شرح لهذه الرواية الشريفة في إطار عرفان أهل البيت عليهم السلام ومراتب السير والسلوك العملي. --- المرحلة الأولى: الذكر العملي — من العمل الظاهري إلى ملكة الجوارح ١-١. ماهية الذكر العملي في عرفان أهل البيت عليهم السلام، لا يقتصر الذكر على جريان اللسان فحسب؛ بل الذكر العملي هو أن تنشغل كل جارحة من جوارح الجسم بوظيفتها العبودية. الذكر العملي يعني أداء حق العبودية بجميع الأعضاء والجوارح. ذلك أن الاقتصار على الذكر اللساني المجرد وعدم تقوية سائر الأعضاء والجوارح ينتج عنه صورة غير متوازنة من الذاكر والسالك. وربما كانت تقوية أعضاء البدن وجوارحه سبباً في تقوية اللسان، وتقوية اللسان بدورها تقوي سائر الأعضاء والجوارح. كما أن تقوية الأعضاء والجوارح الظاهرية تمدّ الجوانح الباطنية بالقوة، وتقوية الجوانح الباطنية تمدّ الأعضاء والجوارح الظاهرية بالقوة كذلك. والإمام الصادق عليه السلام في هذه الرواية يجعل البدن كله في محضر الحق: · انتصاب القامة (ذكر البدن العملي): «فقام أبو عبد الله مستقبل القبلة منتصبا» · ضم الأصابع (ذكر الأصابع العملي): «قد ضم أصابعه» · قرب القدمين (ذكر القدمين العملي): «قرب بين قدميه» · عدم تحريف أصابع الرجلين عن القبلة: «لم يحرفهما عن القبلة» · الخشوع والاستكانة (ذكر الجوانح الباطنية العملي إلى جانب الجوارح الظاهرية): «بخشوع واستكانة» — تواضع القلب وسكون الظاهر، مما يدل على اقتران الباطن والظاهر في العبودية. ١-٢. الاستقامة في الذكر العملي والتحول إلى ملكة النكتة الأساسية في هذا المقام هي أن الذكر العملي، ما دام باقياً في دائرة الوعي والإرادة الظاهرية، فإنه يظل ناقصاً هشّاً. ولا بد للسالك من أن يواظب عليه بحيث يرتقي من مرتبة «التكلّف» إلى مرتبة «الملكة». إن أولى خطوات بناء الملكة في الأعمال الجوارحية والجوانحية هي أن يصدر العمل عن اعتياد ملكي وبلا تكلّف، لا عن كدّ الإرادة الظاهرية وتصنّع. على أن السالك سيبلغ في مرتبة أعلى مرحلة بناء الملكة الملكوتية؛ حيث تمسي الجوارح الظاهرية والجوانح الباطنية ـ بإرادتها وقرارها ـ هي التي تهدي السالك وتقوده نحو الأعمال الظاهرية والباطنية التي تريدها. وفي هذه المرحلة، تتحول أعضاء السالك وجوارحه الظاهرية أو الباطنية ـ كيده مثلاً ـ في عمل معين وزمان معين ومكان معين، إلى «يد الله» وتصير هي القائد للإنسان. ومن الواضح أن هذه الحالة قابلة للجريان والانطباق في الأعضاء والجوارح والجوانح الشيطانية أيضاً ـ والعياذ بالله من الشيطان الرجيم. ولهذا ينبغي للسالك إلى الله أن يبدأ من موارد يسيرة؛ منها على سبيل المثال: · في الصلاة: استقامة القدمين نحو القبلة؛ بقاء مسافة ثلاثة أصابع مفرّجات إلى شبر واحد بين القدمين طوال الصلاة؛ ضم أصابع اليدين ووضعهما على الفخذين طوال الصلاة؛ عدم إسناد عضو على عضو آخر في الركوع والسجود؛ وتركيز النظر على موضع السجود. وينبغي للذكر العملي ـ بل لا بد له ـ أن يتجاوز الصلاة ليجري ويسري في حياة السالك كلها: كربط حزام الأمان عند ركوب السيارة؛ ومراعاة هيئة الجلوس والقيام والنوم باتجاه القبلة؛ والالتزام بآداب خاصة في الأكل والشرب، كشرب الماء على ثلاثة أنفاس، أو التسمية في أول الطعام وعند كل لقمة. وهذه الأمور وإن بدت صغيرة، لكنها إذا اقترنت بنية القربة والاستمرار صارت تدريجياً ملكات نفسانية وهيأت السالك للمراتب الأعلى. ١-٣. الذكر العملي في الأمور غير العبادية لا ينحصر الذكر العملي في العبادات المصطلحة. فكل فعل من أفعال الحياة اليومية، إذا قارنته نية الذكر والتذكر، صار عبادة. وفي عرفان أهل البيت عليهم السلام، تتسع دائرة العبادة لتشمل الحياة الإنسانية كلها. روى رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث شريف: «العبادة سبعون جزءاً، وأفضلها جزءاً طلب الحلال» (معاني الأخبار، ص ٣٦٧، ح ١). فكل حركة وسكون، إذا وقع بقصد القربة وفي إطار الشريعة، كان ذكراً عملياً بذاته.

  • السؤال؛ السلام عليكم تقبل الله طاعاتكم سيدنا العزيز ما هي المراقبات المعنوية التي يستحضرها من يريد أن يقدم محاضرة ودرس إلى أشبال أو شباب وكيف يجني الثمار لسرعة سيره في طريق الله تعالى الجواب؛ عليكم السلام ورحمة الله وبركاته هناك مستحبات وواجبات بالنسبة إلى مجالس العلم وآدابها للمعلِّم والمتعلِّم، وهي مذكورة في الآيات القرآنية والروايات الشريفة والكتب الأخلاقية بالتفصيل، ككتاب "منية المريد" للشهيد الثاني رحمه الله. أمّا ما سمعته من بعض الأساتذة، أو ما رأيته بعيني في حياتهم المباركة وسيرتهم العلمية، أو ما وجدته في القرآن الكريم والروايات الشريفة، فيمكن أن يُقال من الناحية الفردية الشخصية: فلا بد من أمرين قبل الدرس أو المحاضرة، وهما: بالنسبة للمعلِّم: البكاء والتواضع، وهما من نتائج العلم الرحماني. وبالنسبة للمتعلِّم: العبودية أولاً، والطلب والسؤال العلمي والعملي ثانياً. فمن لم يصل إلى البكاء أو التباكي، والتواضع والخضوع، فقد كان عالماً بالعلم الشيطاني، والعياذ بالله من الشيطان الرجيم. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر رحمة الله عليه: "يا أبا ذر، من أوتي من العلم ما لا يبكيه، لحقيقٌ أن يكون قد أوتي علماً لا ينفعه؛ لأن الله نعت العلماء فقال جلّ وعزّ: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا}. يا أبا ذر، من استطاع أن يبكي فليبك، ومن لم يستطع فليشعر قلبه الحزن وليتباكَ، إن القلب القاسي بعيد من الله تعالى ولكن لا تشعرون." وهناك أمران في أثناء الدرس أو المحاضرة، وهما: للمعلِّم: الصبر والاستنطاق. وللمتعلِّم: التركيز والكتابة. فلابد للمعلِّم أن يصبر مع طالب العلم صبراً جميلاً، ويجيب عن أسئلته العميقة والسطحية، والصحيحة وغيرها، ولا يملّ منها أبداً، بل يستنطق الطالب ويهديه إلى المسألة والسؤال؛ فالدرس من دون السؤال كالمائدة من دون الخبز. وكما أن الخبز هو بركة السفرة، فالسؤال بركة الدرس، ويجعل الدرس مستقرّاً ومستمرّاً. وهناك أمران بعد الدرس: للمعلِّم: المتابعة والشكر. وللمتعلِّم: الممارسة والشكر. هذه خلاصة ما يمكن أن يُقال في هذا المجال، وهناك أمور متعددة أخرى لم أذكرها طلباً للاختصار. والله العالم بحقائق الأمور محمد علي بن السيد عادل العلوي

  • بعد أن رأى سماحة السيد الوالد روحي له الفداء أن محاولات الأطفال لم تُجدي نفعاً، قام بنفسه وذهب إلى السائق (وكان السائق في ذلك الوقت يستمر في القيادة، والناس جالسون في الحافلة). قال له سماحة السيد الوالد: "هذه الموسيقى أطفئها". فقال السائق: ما أطفئها. فردّ الوالد: "إذا لم تطفئها، فإننا قاعدون ونتأذى". لكن السائق كان متعنتاً وقال: "ولو تتأذون، أنا بدون موسيقى لا أستطيع أن أقود السيارة"! عندها لم يتردد سماحة السيد الوالد رحمه الله، وكان موقفه حاسماً وحازماً، قال للسائق: "إذاً أنا سأنزل من الحافلة". ظنّ السائق أنه يمزح أو يتشاقى، لكن سماحة السيد الوالد روحي له الفداء قال له: "أوقف السيارة ودعني أنزل أنا وأولادي". وبالفعل، أوقف السائق الحافلة في وسط الطريق الصحراوي، ونزل سماحة السيد العلوي مع الأهل والعيال في قلب الصحراء، وتركوا تلك الحافلة وموسيقاها خلفهم. هذا الموقف حدث قبل أكثر من ثلاثين سنة، ولا يزال عالقاً في ذهني، ليعلم الجميع أن الحفاظ على الحرمة والمبدأ أهم من أي راحة أو عُرف اجتماعي. --- ملاحظة: هذه القصص الثلاث موثقة، وهي تُستخدم كشواهد عملية على أن حساسية أولياء الله تجاه المحرمات ليست مجرد فتوى نظرية، بل هي سلوكٌ عمليٌ يُربّون عليه أنفسهم وأهليهم ومجتمعاتهم، حتى في أصعب الظروف، كالموسيقى الخفيفة التي قد يستهين بها الكثيرون. الخاتمة إنّ دين الله هو دينٌ واحدٌ متكامل، يجمع بين الفقه والأخلاق والتوحيد والتوسل. ولا يُفلح العبد إلا إذا أقام ظاهر الشريعة مع باطنها، وأخلص الولاء لأهل البيت (ع)، واتخذ من مجالس العزاء الحسيني محطاتٍ لتجديد إيمانه، وبكى على مصائبهم ليجلو صدأ قلبه. ونسأل الله تعالى أن يجعلنا من عباده المستقر إيمانهم، الذين لا تخيفهم العديلة، وأن يرزقنا حسن الخاتمة في ظل ولاية مولانا صاحب العصر والزمان (عجّل الله فرجه الشريف)، إنه سميع مجيب. مدينة القاسم / الحلة هيئة غريب سوری ۲۹ محرم الحرام ۱۴۴۸ هجري والله العالم بحقائق الأمور محمد علي بن السيد عادل العلوي

  • لسماحة السيد عادل العلوي (طاب ثراه) سمتين أساسيتين: · التواضع الشديد: لم يكن يرى لنفسه فضلاً على أحد، وكان يتعامل مع الجميع بلطف. · البكاء المستمر: وكان البكاء عنده يوجب التواضع، والتواضع يوجب البكاء، وهما متلازمان. وهذا هو العلاج العملي للعديلة: دمعة الحسين عليه السلام والتذلل بين يديه. --- ٧. المحور السادس: الهيئة الحسينية وسفينة النجاة أ. الهيئة كمركز لتصحيح الإيمان سفينة الإمام الحسين (ع) هي أوسع وأسرع السفن في عبور بحار الغفلة، لأنها: · لا تشترط علماً كبيراً. · تقبل الجميع، حتى المذنبين والعصاة. · تمنح الفرصة لتجديد الإيمان المستقر. وشبّه من يدخل الهيئة في كل مرة كأنها المرة الأولى والمرة الأخيرة، فيحصل على الخشوع الذي يمحو آثار الذنوب. ب. خطر الموسيقى المحرمة على روح المجلس إليك القصص الثلاث كاملةً المتعلقة بموقف السيد آية الله السيد عادل العلوي قدس سره من الموسيقى، كشواهد واقعية في الإيمان بكل الدين: أ. القصة الأولى: الحادثة في مدينة قم المقدسة مع الموسيقى الخفيفة في أحد الأيام كنت جالساً مع سماحة السيد الوالد روحي له الفداء في السيارة، وأريد أن أريه مقطعاً مرئياً لأحد العلماء المحاضرين في إيران، وكان في ذلك المقطع سؤالٌ وشبهة أريد أن أسمع الجواب من سماحته. ولكن بمجرد ما فتحتُ المقطع، وبمجرد ما سمع الوالد الصوت، أي تغير وجهه وانقبض، وقال لي: أطفئ الصوت فوراً. فقلت له مستغرباً: لماذا يا سيدنا؟ إن عندي سؤالاً أريد أن أسألك عنه. فقال الوالد: "لا تسمع بأن فيه الموسيقة؟" كان قد التقط نغمةً خفيفةً جداً في خلفية المقطع. فقلت له: يا سيدي، ما فيها موسيقي! لكنه أصرّ قائلاً: "أنا سمعت بها موسيقى، رنة خفيفة"، في إشارة إلى النغمة التشويقية أو المؤثرات الصوتية التي يضعها المنتجون في خلفية المقاطع لإضفاء جوٍ من الجاذبية. فهذه النغمات الخفيفة يجعلونها في المحاضرات لكي تصير أجمل وأحسن. ولكن ربما تظهر أجمل ظاهراً، لكن باطناً تستوجب الظلمة لا النور، لأن الموسيقى من الظلمات". --- ب. القصة الثانية: الحادثة في جامعة أصفهان والموسيقى في القاعة وهذه قصة أخرى تُظهر مدى حرص سماحة السيد الوالد روحي له الفداء على طهارة الأجواء الدينية والعلمية من الموسيقى، حتى ولو كانت خلفيةً بسيطةً في قاعة محاضرة. حد أصدقاء سماحة السيد الوالد رحمه الله حكى لي قصةً عن سماحة السيد الوالد روحي له الفداء حينما كانوا في سفر إلى مدينة أصفهان، وكانت الرحلة بالسيارة تستغرق أربع ساعات ذهاباً ومثلها إياباً. وكان سماحة السيد الوالد رحمه الله مدعواً لإلقاء محاضرة في إحدى جامعات أصفهان، وحضر إلى القاعة الكبيرة المليئة بالجماهير. يقول الراوي: بمجرد أن جلسنا في القاعة، التفت إليّ سماحة السيد العلوي وقال: "فلان، قم واذهب إلى أولئك وقل لهم يُطفئون هذه الموسيقى". فنظرت حولي فلم أجد موسيقى، فقلت له: يا سيدنا، ما هناك موسيقى. فقال لي: "اسمع، ألا تسمع هذه النغمة الخفيفة؟" كانت القاعة تضع نغمةً خفيفةً جداً كخلفية صوتية قبل بدء المحاضرة، وهو أمر معتاد في بعض المجالس. فقلت له: يا سيدي، إني أستحي منهم، كيف أقول لهم يطفئون هذا؟ هذا أمرٌ عاديٌ عندهم، معتادٌ أن يضعوه. لكن سماحة السيد العلوي أصرّ بشدة وقال: "لا بد أن تذهب"، فاضطررت للذهاب إليهم وطلبت منهم بأدب واحترام، لأن السيد كان محاضراً، أن يُطفئوا الصوت الخلفي، وفعلوا ذلك. بعد أن أُطفئت الموسيقى، جلس السيد لكنه كان يبدو متأذياً جداً من تلك الواقعة. وبعد عدة دقائق قال لي: "لو كنتُ أعلم أنهم سيضعون موسيقى في هذا المجلس، ما كنتُ قبلتُ المجيء، وكنتُ ما جئت". ثم صعد إلى المنصة، وقبل أن يبدأ محاضرته، أخذ المايكروفون وقال للجمهور: "يا جماعة، أريد أن أقول لكم: لو كنتُ أدري أنكم ستضعون موسيقى في هذا المجلس، ما كنتُ جئت". وهكذا ضبط الموقف بكل حزم، مؤكداً على قداسة المكان العلمي والديني، ورفضه لأي شيء يُضعف حضور القلب ولو كان خفيفاً. --- ج. القصة الثالثة: حادثة الباص في الطريق إلى زيارة مشهد المقدسة وهي أقدم القصص، وتعود إلى أكثر من ثلاثين سنة مضت، وتُظهر تربية سماحة السيد العلوي لأبنائه على الحساسية تجاه المحرمات منذ الصغر، وكيف كان موقفه صارماً. كنت أنا وإخوتي أطفالاً صغاراً (عمرنا حوالي عشر أو اثنتي عشرة سنة)، وكنا في رحلة بالباص (الحافلة) متجهين إلى مدينة مشهد المقدسة لزيارة الإمام الرضا (عليه السلام). وفي منتصف الطريق، وفي قلب الصحراء، فتح سائق الحافلة الموسيقى. فسماحة السيد الوالد رحمه الله قد أرسلني أنا وإخوتي واحداً تلو الآخر إلى السائق لكي يطلبوا منه أن يُطفئها، فنحن أطفالٌ متعلمون ومُربّون على هذا الأمر. كنا نذهب كل ساعةٍ واحدٌ منا، الأول يذهب ويرجع دون أن يطفئها، والثاني يذهب ويرجع، والثالث كذلك... وكنا أربعة إخوة، وكل واحدٍ منا يُكرر المحاولة، لكن السائق لم يستجب.

  • وهم الذين وصفهم القرآني: (لَا يَشْعُرُونَ)، (لَا يَعْقِلُونَ)، أي أنهم لا يدركون خطورة ما هم فيه، وهذا هو المهلك الأعظم. --- ٤. المحور الثالث: تفسير سورة الماعون بالتفصيل أ. الآيات والأسئلة المحورية قال الله تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)) ب. معنى "يدعُّ اليتيم" تفسيراً باطنياً ليس اليتيم هنا هو من مات أبوه فقط، بل فسّره أهل البيت (ع) بأنه من ضيّع إمامه، لأن النبي (ص) قال: "أنا وعلي أبوا هذه الأمة". فمن ترك إمام زمانه وابتعد عن ولاية أمير المؤمنين (ع)، فقد صار يتيماً في الدين. والذي يصدّ هذا اليتيم ويدفعه ويتركه في غفلته دون أن يعينه على العودة، فهو داخل في هذه الآية. ج. معنى "سهو" في الصلاة السهو هنا هو التساهل وعدم المبالاة والغفلة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس مني من استخف بصلاته، لا يرد علي الحوض لا والله. فالاستخفاف يكون بالإتيان بها بلا روح، أو بتأخيرها عن وقتها، أو بالتهاون في سننها. --- ٥. المحور الرابع: حديث "العديلة" وحقيقة الإيمان المستودع والمستقر أ. تعريف العديلة وأنواعها في الروايات وردت في الأدعية المأثورة عن الإمام الكاظم (ع) هذه العبارة العظيمة: "أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْعَدِيلَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ". والعديلة هي حالة سوء الخاتمة التي تحجب الإنسان عن الإيمان في اللحظة الأخيرة، حيث يحال الله بين قلب المرء ولسانه، فلا يستطيع أن يلفظ بشيئ، فيخرج من الدنيا وهو في صورة الكافر أو اليهودي أو النصراني، بالرغم من أنه عاش ظاهرياً كشيعي. ب. الإيمان المستودع مقابل الإيمان المستقر الإيمان نوعان: · الإيمان المستقر: وهو الذي يثبت في القلب بالأعمال الصالحة والتوسل والذكر، ولا يتزحزح. · الإيمان المستودع: وهو عارضٌ يحل في القلب ثم يرتحل، لأنه لم يُربَّ بالعلم والعمل والمجاهدة. فمن كان إيمانه مستودعاً، فهو عرضة للعديلة في سكرات الموت، لأن الإيمان قد يكون في حالة البعد حين يأتيه الملك. --- ٦. المحور الخامس: الطريق العملي للنجاة من العديلة (التوسل بالفقر) أ. قصة عنوان البصري مع الإمام الصادق (ع) القصة الشهيرة لتلميذ الإمام الصادق (ع)، عنوان البصري، والتي تحمل سراً عظيماً: 1. جاء عنوان البصري يطلب العلم عند الإمام الصادق (ع) وكان يعتبر نفسه من كبار العلماء، فردّه الإمام وقال: «إِنِّي رَجُلٌ مَطْلُوبٌ وَمَعَ ذَلِكَ لِي أَوْرَادٌ فِي كُلِّ سَاعَةٍ مِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَلَا تَشْغَلْنِي عَنْ وِرْدِي؛ وَخُذْ عَنْ مَالِكٍ وَاخْتَلِفْ إِلَيْهِ كَمَا كُنْتَ تَخْتَلِفُ إِلَيْهِ» 2. ذهب عنوان إلى قبر النبي (ص)، وصلى ركعتين، وتوسل إلى النبي أن يلين قلب ابنه عليه. فهو يقول؛ (فَاغْتَمَمْتُ مِنْ ذَلِكَ، وَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ وَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَوْ تَفَرَّسَ فِيَّ خَيْراً لَمَا زَجَرَنِي عَنِ الاخْتِلَافِ إِلَيْهِ وَالأَخْذِ عَنْهُ. فَدَخَلْتُ مَسْجِدَ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ رَجَعْتُ مِنَ الغَدِ إِلَى الرَّوْضَةِ وَصَلَّيْتُ فِيهَا رَكْعَتَيْنِ وَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ يَا اللهُ يَا اللهُ! أَنْ تَعْطِفَ عَلَيَّ قَلْبَ جَعْفَرٍ وَتَرْزُقَنِي مِنْ عِلْمِهِ مَا أَهْتَدِي بِهِ إِلَى صِرَاطِكَ المُسْتَقِيمِ! وَرَجَعْتُ إِلَى دَارِي مُغْتَمّاً وَلَمْ أَخْتَلِفْ إِلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ لِمَا اشْرَبَّ قَلْبِي مِنْ حُبِّ جَعْفَرٍ. فَمَا خَرَجْتُ مِنْ دَارِي إِلَّا إِلَى الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ حَتَّى عِيلَ صَبْرِي. 3. عاد ثانية إلى باب الإمام، لكنه هذه المرة جلس على التراب، وجاء كـ فقيرٍ لا يملك شيئاً، ولم يقل: أنا العالم، بل قال بلسان حاله: أنا فقيرٌ جئت لأزور ابن رسول الله. وهو يقول؛ (فَلَمَّا ضَاقَ صَدْرِي تَنَعَّلْتُ وَتَرَدَّيْتُ وَقَصَدْتُ جَعْفَراً وَكَانَ بَعْدَ مَا صَلَّى العَصْرَ. فَلَمَّا حَضَرْتُ بَابَ دَارِهِ اسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَخَرَجَ خَادِمٌ لَهُ فَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ؟! فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَى الشَّرِيفِ! فَقَالَ: هُوَ قَائِمٌ فِي مُصَلَّاهُ. فَجَلَسْتُ بِحِذَاءِ بَابِهِ، فَمَا لَبِثْتُ إِلَّا يَسِيراً. إِذْ خَرَجَ خَادِمٌ فَقَالَ: ادْخُلْ عَلَى بَرَكَةِ اللهِ. فَدَخَلْتُ وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ. فَرَدَّ السَّلَامَ وَقَالَ: «اجْلِسْ غَفَرَ اللهُ لَكَ»!) والسر: أن مفتاح القبول هو الفقر النفسي وعدم الاغترار بالعلم والجاه. فمن دخل مجلس الحسين (ع) أو باب أحد الأئمة وهو يحسّ أنه يملك شيئاً، خسر. ومن دخل كأنه أول مرة وآخر مرة، فاز. ب. السيرة العملية لسماحة السيد عادل العلوي (رحمة الله عليه)

  • العنوان: تفسير سورة الماعون، حقيقة العديلة، ودور الهيئة الحسينية في تثبيت الإيمان --- الملخص هذه المقالة هي دراسة حوزوية، تبدأ بحكم فقهي دقيق (كيفية مسح الرجلين في الوضوء)، ثم تنتقل إلى فلسفة العبودية، وتُعرّج على مراتب التكذيب في القرآن، وتفسّر سورة الماعون تفسيراً باطنياً، وتكشف عن حقيقة "العديلة" في سكرات الموت، وعلاقة ذلك بالإيمان المستودع والمستقر. كما تؤكد المقالة على أهمية مجالس عزاء الإمام الحسين (ع) كسفينة نجاة، ودور الفقر النفسي والتواضع والبكاء في دفع العديلة، مع استشهادات متعددة من الروايات وسير العلماء (كقصة عنوان البصري، وسيرة سماحة السيد عادل العلوي رحمه الله). وتختم المقالة بتحليل عملي حول حرمة الموسيقى في المجالس الدينية، ودورها في إطفاء النور الإيماني. --- ١. المقدمة: جدلية الظاهر والباطن في التشريع الإسلامي من أعظم نعم الله على هذه الأمة أن جعل الدين كتلةً واحدةً لا تتجزأ، حيث يرتبط الفقه بالعقيدة، والعقيدة بالسلوك، والسلوك بالولاء لأهل البيت (ع). ولا يمكن فصل حكمٍ فقهيٍّ عن روحه العبادية، ولا يمكن فهم العبادة بمعزل عن التوسل بالنبي وآله (ص). وهذا البحث يهدف إلى تقديم قراءةٍ علمية حوزوية متكاملة لخطابٍ واحد، يجمع بين: 1. فقه الطهارة (مسح الرجلين) 2. فلسفة العبودية (سمعاً وطاعة) 3. تفسير سورة الماعون ومراتب التكذيب وعدم العبودية 4. حديث العديلة والإيمان المستودع 5. قصة عنوان البصري والدرس العملي في الفقر 6. دور الهيئة الحسينية وسفينة النجاة 7. تأثير الموسيقى المحرمة على حضور القلب وسنعالج كل محور منها بالتفصيل، مستندين إلى الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث الشريفة من منابعها الأساسية إن شاء الله. --- ٢. المحور الأول: الحكم الفقهي الدقيق في كيفية مسح الرجلين أ. بيان الحكم الشرعي وفق الفقه الإمامي اتفق الفقهاء على أن المسح في الوضوء علی الأحوط يكون: · مرتباً: فيبدأ بالرجل اليمنى أولاً، ويُكمل مسحها من رؤوس الأظافر إلى الكعب أو البروز، ثم يشرع بالرجل اليسرى بنفس الكيفية. · منفرداً: فلا يجوز البدء بالرجل اليسری، بل يجب أن ينتهي من اليمنی تماماً قبل البدء بالثانية. النتيجة الفقهية: من مسح رجليه وخالف الترتيب، فقد بطل وضوؤه شرعاً، وبطلان الوضوء يستلزم بطلان الصلاة، لحديث: "لا صلاة إلا بطهور" (وسائل الشيعة، ج١، ص٢٥٦). ب. فلسفة هذا الحكم (السر العبودي) يسأل الكثيرون: لماذا هذه الدقة في الظاهر؟ وهل هناك فرق مادي بين المسح منفرداً أو مجتمعاً؟ الجواب من مشكاة النبوة هو أن الله تعالى يريد أن يُربي عبداً، والعبودية ليست مجرد إتيان بالأفعال، بل هي الخضوع المطلق للأمر الإلهي، حيث قال تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء: 65]. فالمؤمن الحق هو الذي يقول لأمر ربه: "سمعاً وطاعةً"، سواء أدرك الحكمة أم لم يدركها. وهذا هو معنى "عبدك وابن عبدك وابن أمتك" في أدعية الزيارات، حيث يتذلل العبد بين يدي مولاه، متخلياً عن رأيه وهواه. ج. فائدة الأحكام للدنيا قبل الآخرة هناك قاعدة نافعة وهي أن جميع التشريعات الإسلامية تحمل نفعاً دنيوياً وأخروياً، وإن خفي على الكثيرين. ويشبّه ذلك بالطالب الذي يكره الامتحان لكنه ينفعه في مستقبله. وكذلك الأحكام كالطهارة والخمس والحجاب فيها مصالح فرديةگ واجتماعية واقتصادية، لكن المطلوب هو التسليم حتى لو لم تظهر الحكمة للعقل الظاهر. --- ٣. المحور الثاني: مراتب التكذيب في القرآن الكريم قبل الخوض في تفسير سورة الماعون، لا بد من استعراض مراتب التكذيب التي ذكرها القرآن وأكدت عليها الروايات، وهي ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: التكذيب بالدين كله وهم الكفار الذين لا يؤمنون بالله ولا بالرسول ولا باليوم الآخر، وهم خارجون عن الملة تماماً. المرتبة الثانية: التكذيب ببعض الدين (الإيمان ببعض والكفر ببعض) وهم من يصلون ويصومون ويحضرون المجالس، لكنهم يتركون بعض الفرائض كالحج أو الخمس، أو يرتكبون الكبائر كشرب الخمر. الدليل الروائي: ورد في أحاديث متعددة (وقد تبلغ ثلاثة عشر مورداً) أن ملك الموت يقول لمن كان هذا حاله عند الاحتضار: "مُتْ يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً"، ويموت ولا يموت على ملة الإسلام، لأنه آمن ببعض وكفر ببعض، كما قال تعالى: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) [البقرة: 85]. المرتبة الثالثة: التكذيب العملي مع إقامة الظاهر (الأخطر) وهو الذي تتناوله سورة الماعون، وهم يصلون ويظهرون التدين، لكنهم: . يدعون اليتيم. . ولا يحضون علی طعام المسكين. · يسهون عن صلاتهم. · يراؤون. · يمنعون الماعون (يمتنعون عن تقديم المعونة الصغيرة للجيران والمحتاجين).

  • без подписи

  • без подписи