tgindex
العلا 🦋

العلا 🦋

Статистика
@nosoosalolaКнигиарабский

"نُجَالِـسُ اللّيلَ والأفكَارُ تَسرِقُنا نُخاطِبُ النّجمَ حِينًا كَي يُسَلّينا!".

Последний пост
14 авг.
Последнее чтение
15 авг.
Постов за неделю
2
Всего постов
27
Тип
открытый
Язык
арабский
Категория
Книги (по похожим)
В каталоге с
13 авг.
Подписчики
1 324
−1 за 4 дн.
Сутки
0
0,00%
Неделя
 
Месяц
 
Просмотров на пост
194
27 постов
Вовлечённость
14,7%
к подписчикам
Постов в день
0,3
всего 27
Упоминаний
1
каналов
Охват размещения
оценка
1/24сутки в ленте
51
1/48двое суток
58
1/72трое суток
63

Оценка по просмотрам недавних постов: пост набирает почти всё за первые сутки.

Посты

  • #فقه_العلاقات «حين سألتُ جدي يومًا عن سرّ حبه لنفس المرأة (جدتي) طوال ستين عامًا، كنت أظن أن إجابته ستكون شيئًا مما نسمعه كثيرًا: التواصل، أو الثقة، أو قضاء الوقت معًا. لكنه نظر إلى جدتي بعينٍ امتلأت دفئًا، ثم قال: "أنت لا تُحب المرأة نفسها طوال العمر." أوقفتني تلك العبارة، ودفعتني لأصغي أكثر. ثم تابع قائلاً: "هي تتغيّر كل بضع سنوات، وإن لم تُجدّد طريقة حبك لها، فقد تفقدها وأنت تظن أنها ما زالت بجانبك. الفتاة التي تزوجتها في الثانية والعشرين لم تكن هي نفسها المرأة التي عرفتها في الثلاثين. الأمومة غيّرتها، والابتلاءات صقلتها، ومرور السنوات بدّل أشياء كثيرة فيها." ثم ابتسم وقال: "💜عندما بلغت الأربعين، كانت تحتاج إلى التقدير أكثر من الكلمات الحالمة. 💜وعندما بلغت الخمسين، كانت تحتاج إلى شريك حياة يكون سندًا لها أكثر من حاجتها إلى مشاعر متدفقة. 💜وعندما بلغت الستين، كانت تحتاج إلى من له حضورٍ صادق في أيامها أكثر من وعودٍ جميلة." صمت قليلًا، وكأنه يسترجع رحلة عمر كاملة، ثم قال: "في كل مرة كانت تتغيّر فيها، كان أمامي خياران: ▫️إما أن أشتكي لأنها لم تعد المرأة التي أحببتها يومًا... ▫️وإما أن أقع من جديد في حب المرأة التي كانت تتشكل مع كل مرحلة من مراحل عمرها." ثم قال عبارة لم أنسها منذ ذلك اليوم: "أكبر خطأ يقع فيه الناس أنهم يظنون أن الحب يبقى كما هو. يحبّون مرة واحدة... ثم يتوقفون عن الانتباه لأحبتهم." وأضاف: "أن تحب إنسانًا طوال العمر، يعني أن تبقى مهتمًا باكتشافه. أن تواصل التعرّف على تفاصيله، وأن تلاحظ ما يتبدل في قلبه، وأن تختاره من جديد، مرة بعد مرة. ففي اللحظة التي تتوقف فيها عن اكتشاف من يسير إلى جوارك في رحلة الحياة... تبدأ المسافات الخفية بالنمو بين القلوب وتفوتك أجمل النسخ التي يصنعها العمر فيهم." ستون عامًا من الزواج... ليس لأن الحب كان دائمًا سهلًا، ولا لأن الطريق خلا من التعب والتغيّر، بل لأن كليهما ظلّ يتعرّف إلى الآخر من جديد، كلما مرّ بهما فصل جديد من فصول العمر.» ▫️▫️▫️▫️ ولعل من أجمل معاني المودة أن ندرك أن القلوب لا تبقى على حال واحدة، وأن دوام الود لا يكون في التمسك بصورة قديمة لمن نحب، بل في تقبل رحلة النضج التي تمضي بها أرواحهم وأفكارهم ومشاعرهم. فالحب الحقيقي لا يكتفي بأن يقول: "أحببتك"، بل يهمس مع كل مرحلة: "ما زلت أختارك أنت بكل ما تغير فيك." أسأل الله أن يرزقنا قلوبًا تعرف معنى المودة والرحمة، وأن يجعل بين الأزواج سكينةً تتجدد مع الأيام، لا يطفئها تغيّر العمر، بل يزيدها قربًا ونضجًا وقبولًا. 🤍 https://t.me/SuzanneBekhit

  • 14 авг.64из SuzanneBekhit

    #همس_الحروف 9 (3/-) #من_وحي_رواية_كلانا_أسير «طوال حملي، كانت يدك تستقر على بطني، وتنساب آيات القرآن من بين شفتيك… لم يفارقني صوتك، كان عذبًا دافئًا، تزينه بالقرآن. كنتُ أشعر بها تُصغي إليك؛ تتحرك لقراءتك، وتسكن إن سكتَّ… كأنها تألفك قبل أن تُبصر النور. كنتَ تجلس إليها وهي في رحمي، تُحادثها، وتقصّ عليها الحكايات…» حين يشتاق المرء إلى شيءٍ طال انتظاره، فهو لا ينتظر تحققه حتى يبدأ في التعلق به... يكفي أن تلوح أول بشارة في الأفق، حتى يبدأ القلب في نسج أحلامه حولها. وهكذا كان الأسير. فقد اشتاق طويلًا لطفلٍ يملأ بيته حياة، كما اشتاقت حبيبة في صمت. وحين جاءه خبر الحمل، لم يؤجل مشاعره إلى يوم الولادة، ولم ينتظر حتى يحمل طفلته بين يديه ليشعر أنه أب. بل بدأ يمارس أبوّته منذ اللحظة الأولى. كان يضع يده على بطن حبيبة، ويرتل آيات القرآن بصوته الدافئ. يجلس إلى طفلته وهي ما تزال في رحم أمها، يحدثها، ويحكي لها، ويقرأ عليها. لم ينتظر أن يسمع صوتها ليكلمها. ولم ينتظر أن يرى ملامحها ليحبها. بل أحبها وهي ما تزال غيبًا لم تقع عليه عيناه. وهنا استوقفني معنى آخر... كيف يمكن للقلب أن يتعلق بشيءٍ لم يره بعد؟ فالجنين غيب. وثمار التربية غيب. واستجابة الدعوات غيب. وما يخبئه الله لنا في الغد كله غيب. ومع ذلك نمضي في الحياة نزرع ونعمل ونبذل ونرجو. فالأب يغرس في ولده خلقًا جميلًا، ولا يعلم متى ستظهر ثمرته. والأم تلهج بالدعاء سنوات طويلة، ولا تدري متى يأتي الفرج الذي تنتظره. والمعلم يلقي كلمة عابرة، ثم يكتشف بعد أعوام أنها بقيت في قلب أحد تلاميذه وغيرت مسار حياته. بل إننا نقرأ القرآن مرة بعد مرة، ولا ندرك كم من الآيات كانت تعمل في أعماق قلوبنا بصمت، تعيد تشكيلها وتزكيتها ونحن لا نشعر. ولهذا كان الإيمان بالغيب من أعظم أبواب الإيمان. فالمؤمن لا ينتظر أن يرى الثمرة حتى يبدأ العمل. ولا يشترط أن يرى النتيجة حتى يواصل الطريق. بل يعمل لأنه يثق بالله. ويغرس لأنه يثق بالله. ويدعو لأنه يثق بالله. ويمضي لأنه يثق بالله. ولهذا كان مشهد الأسير مع طفلته جميلًا إلى هذا الحد... فهو لا يعلم كيف ستكون شخصيتها. ولا ماذا يخبئ لها القدر. ولا أي طريق ستسلكه في حياتها. ومع ذلك بدأ يغرس. بدأ يزرع أول البذور التي يرجو أن تنبت يومًا ما. وكأن لسان حاله يقول: ليست مهمتي أن أرى الثمرة الآن... بل أن أؤدي ما عليّ، وأترك لله أمر إنباتها. ولعل هذا من أجمل ما يصنعه الإيمان في القلب... أنه يعلّمه أن يعمل لما لا يراه. وأن يغرس لما لم يثمر بعد. وأن يدعو لما لم يتحقق بعد. وأن يمضي في الطريق مطمئنًا، لا لأنه رأى النهاية... بل لأنه يعرف من بيده النهاية. 💜اللهم ارزقنا يقينًا يدفعنا للعمل وإن غابت الثمرة عن أعيننا، وثقةً بك تجعلنا نحسن الغرس، ونحسن الدعاء، ونحسن السعي، ونرضى بما تكتبه لنا من أقدار.💜 🪶 سوزان مصطفى بخيت https://t.me/SuzanneBekhit

  • زوجها منها لبِمَكان..! من تأملاتي الصامتة ...تكرار هذا المشهد: تحدثني امرأة متزوجة من القريبات أو الصديقات عن موقف أو أي أمر أحزنها أو أغضبها..فأخفف عنها بالعقل قليلا والعاطفة قليلا فأظن أنها اكتفت وهدأت.. ثم اكتشف منها أنها (لم تهدأ) حتى حدثت (زوجها) بما حصل لها فواساها أو استمع لها على الأقل..! فأقول في نفسي: يا ضيعة الأوقات..إذا حضر الماء بطل التيمم..! بل أكثر من ذلك من رأيتها تتناول كومة أدوية بعد أن تشاجرت مع زوجها...فلما صالحها إذا بها تستغني عن كل الأدوية ورأيتها تضحك كما لم يصبها بأس قط..! عندما خلق الله المرأة من ضلع الرجل..جعل عنده سكنها وأمانها ..-وأحسب أن هذا من حكمة الله في خلق الزوجين ليستمرا في العلاقة الزوجية-..فلا تستغني المتزوجة عن زوجها في استقرارها النفسي والعاطفي ولو بالعالم كله.. بل ويخيّل إلي أن كثيرا ممن تسير في قطيع النسوية..كانت في الأصل تحتاج إلى الزوج فيما لا يسد حاجتها النفسية إلا هو...فلمّا منعها مارست العداء ضده..ولذلك نسمع أن من النسويّات من تزوجت بعد سنين من رفعها راية الاستغناء عن الرجل..إذ لما وجدت سقاء عطشها باعت القضية.. لا يدرك كثير من الرجال أن هذا الأمر مهم في استقرار زوجته وبالتالي أسرته..على أنه لا يكلفه شيئا لكنه ينظر إليه كأمر تافه وليس هو كذلك عند المرأة... بقليل من الكلام الطيب والمواساة والاهتمام بمشاعرها ...تغدو الزوجة كالماء المنساب يسيل بين يديه يوجهه حيث يشاء..ويصم أذنها عن الاستماع لقطاع الطرق من الرجال والنساء.. الأمر لا يحتاج إلى كثير تعقيد.. أن تكون نبيها فتعطيها ذلك الاهتمام الذي قد لا يتجاوز الدقائق... لتحمل لك ذلك المعروف..وينتقل إلى مصلحة أولادك فبدلا من أن تحصر تفكيرها في أنها لا تجد منك كلمة طيبة أو مواساة وتكون معينا لشيطانها عليها.. ستجعلها بطيب معشرك تفكر في طرق رضاك وسعادتك.. وكيف تربي أولادك ليكونوا أفضل الناس ...فننقذ بذلك أسرة في المجتمع بأيسر الطرق..

  • وهذا ما استطاع الأسير أن يحققه مع حبيبة حفظهما الله وبارك فيهما وعليهما وجمع بينهما على خير. 👇

  • #همس_الحروف 9 (2/-) #من_وحي_رواية_كلانا_أسير «كنتُ أحلم أن يكون لي منك أطفال، تتكرر فيهم ملامحك، فينمو الحب بيننا، ويشتد وثاقه، حتى يصير رابطًا لا يُفكّ.» حين قرأت: «تتكرر فيهم ملامحك»... لأول وهلة بدا لي أنها تتحدث عن ملامح الوجه. لكن حين أمرّ على شريط حياتها معه، أشعر أن المعنى أعمق من ذلك بكثير. فالحب الذي سكن قلب حبيبة لم تبدأ حكايته من جمال وجه الأسير، بل من جمال روحه. من حسن خلقه، ولطفه، وصبره، وإحسانه إليها في أفراحها وتعثراتها. من تلك التفاصيل الصغيرة التي مررنا بها في الرواية، والتي صنعت في قلبها هذا القدر الكبير من المحبة. حتى ذلك الطبخ الذي لم تكن تجيده يومًا... تعلّمته، وأتقنته، لأنه صار لغة حب بينها وبينه. ولهذا حين تمنت حبيبة أطفالًا منه، لم يبدُ أنها تتمنى أن ترى ملامح وجهه فقط... بل كأنها تتمنى أن ترى شيئًا من ذلك الجمال الذي أحبته فيه يمتد ويبقى أثره من بعده. أن ترى قلبًا يشبه قلبه. وخُلقًا يشبه خُلقه. وروحًا تحمل شيئًا من روحه. فبعض الناس لا يتركون أثرًا في أيامنا فقط... بل يتركون أثرًا يجعلنا نتمنى أن يبقى. وربما لهذا كانت الذرية نعمة عظيمة. فهي ليست امتدادًا للأسماء والملامح فحسب... بل قد تكون امتدادًا للإيمان، والخلق، والقيم التي عاش عليها الإنسان. ولهذا جاء الدعاء القرآني جميلًا: {رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَ ٰ⁠جِنَا وَذُرِّیَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡیُنࣲ} فلم يكن المقصود مجرد وجود الزوج أو الذرية... بل أن يكونوا قرة عين. أن نرى فيهم ما يسر القلب من الإيمان والصلاح وحسن الخلق. وهنا أجد نفسي أتوقف عند معنى آخر... فحبيبة لم تتمنَّ بقاء الأسير في حياتها فقط... بل تمنت بقاء شيءٍ منه بعدها. وتلك أمنية لا يصنعها الجمال العابر، ولا الكلمات الجميلة وحدها... بل يصنعها أثرٌ طيب يتركه الإنسان في قلوب من حوله. وكم من الناس نحبهم... لكننا لا نتمنى أن نصير مثلهم. وكم من الناس يمرون في حياتنا... فيتركون من الأثر ما يجعلنا نتمنى لو امتد الخير الذي فيهم إلى أجيالٍ أخرى. ولهذا يبقى السؤال الذي استوقفني بعد هذه الكلمات: 📎هل فينا من الخير ما يجعل من يحبنا يتمنى أن يبقى أثرنا بعدنا؟ 📎هل نترك في القلوب أثرًا طيبًا؟ 📎هل نعيش بطريقة تجعل وجودنا نعمة في حياة من حولنا؟ 📎وهل إذا تأمل أقرب الناس إلينا حياتنا... رأوا فيها شيئًا يتمنون حمله معهم إلى الغد؟ 💜اللهم ارزقنا أثرًا طيبًا يبقى بعدنا، وذريةً صالحةً تقر بها أعيننا، واجعل ما نزرعه في الدنيا خيرًا يمتد نفعه بعد رحيلنا، واجعل لنا من كل عملٍ صالح نصيبًا يبقى أثره عندك يوم نلقاك. 💜 🪶 سوزان مصطفى بخيت https://t.me/SuzanneBekhit

  • #همس_الحروف 9 (1/-) #من_وحي_رواية_كلانا_أسير «ثم ما لبثتُ أن ألفتُ هذا الفراغ، وهادنتُه، وأعرضتُ عن التفكير فيه… حتى باغتني طلبك يومًا أن أُجري فحصًا. ولا أدري كيف أبصرتَ ما غاب عني، وكيف فطنتَ لما لم أنتبه له.» جلستُ أتأمل كلمات حبيبة طويلًا… كيف يشتاق القلب إلى نعمةٍ يرجوها، ثم يطول انتظاره، حتى يألف غيابها، ويرضى بما اختاره الله له… ثم يفاجئه الله بإجابة الدعاء، حين يظن أنها لم تعد قريبة. لكن الحقيقة… أن ذلك الحلم لم يتحقق يوم عرفت به حبيبة. بل كان قد بدأ قبل ذلك بأسابيع، وهي لا تشعر. فتوقفت طويلًا عند هذا المعنى… ووجدتني أتأمل في حالنا. كم مرة ظننا أن الله لم يستجب لنا، فقط لأننا لم نرَ الإجابة بعد؟ وكأننا لا نعترف بأن الله قد استجاب… حتى تقع أعيننا على الصورة التي كنا ننتظرها. مع أن الله سبحانه كثيرًا ما يبدأ الإجابة في الخفاء… في الوقت الذي تظن فيه قلوبنا أن شيئًا لم يحدث. ولعل هذه سنة من سننه سبحانه تتكرر في حياتنا أكثر مما ننتبه. ندعوه بالهداية… فتبدأ الإجابة بكلمةٍ عابرة نسمعها، أو موقفٍ يهز قلوبنا، أو كتابٍ يقع بين أيدينا فيوقظ فينا معنى، أو إنسانٍ يترك في أرواحنا أثرًا لا نلتفت إليه في حينه. ثم تمضي الأيام… فنكتشف أن الإجابة لم تبدأ حين لاحظنا استقامتنا… بل بدأت يوم غرس الله أول بذرةٍ من بذور الإيمان في قلوبنا. وندعوه أن يجبر قلوبنا… فنظن أن الجبر سيكون بزوال الابتلاء. بينما يكون أول ما يفعله الله أن يُربي قلوبنا أثناء مرورنا به… فيُنضجها… ويهذبها… ويعلمها من معاني الإيمان ما لم تكن لتتعلمه في أوقات الرخاء. فنحن كثيرًا ما ننتظر الثمرة النهائية… بينما الله يبدأ الإجابة بغرس البذور. ولأن أعيننا معلقة بالثمار… كثيرًا ما تفوتنا البذور وهي تُغرس. ويكون جل اهتمامنا بالوصول إلى نهاية الطريق… بينما يكون اهتمام الله أولًا بأن يصنعنا ونحن نسير في الطريق. وننتظر تبدل الأقدار… بينما أول ما يغيره هو قلوبنا، وكيف تتعامل مع القدر. ولعل هذا ما نحتاج أن نتذكره كلما تأخرت أمنية، أو طال انتظار دعوة… فغياب الأثر الذي نراه… لا يعني غياب ما يصنعه الله. وربما كانت الإجابة قد بدأت فعلًا… وما زالت تنمو في الخفاء، حتى يأتي يومٌ ننظر فيه إلى الوراء، فنبتسم… لأننا أدركنا أن الله كان يدبر أمرنا منذ اللحظة التي ظننا فيها أن شيئًا لم يحدث. 💜 اللهم ارزقنا يقينًا لا يستعجل أقدارك، وبصيرةً ترى لطفك في بداياته قبل أن ترى ثماره، واجعل قلوبنا مطمئنةً بحسن تدبيرك في كل ما ننتظر. 💜 🪶 سوزان مصطفى بخيت https://t.me/SuzanneBekhit

  • #رواية_كلانا_أسير 9 #قصة_واقعية تمضي الأيامُ مثقلةً بالشوق، وتتتابع الشهور، ومع كل ليلةٍ كان خيطٌ خفيٌّ يشدّني إليك أكثر… حتى غدوتَ أقرب إلى قلبي من نبضه. كنتُ أحلم أن يكون لي منك أطفال، تتكرر فيهم ملامحك، فينمو الحب بيننا، ويشتد وثاقه، حتى يصير رابطا لا يُفكّ. سبعةُ أشهرٍ انقضت من زواجنا، ولم يُكتب لي فيها نصيب. وكان سؤال الأمومة يلوذ بقلبي همسًا: أأُحرمها؟ ورغم صمتك النبيل عن هذا الأمر، إلا أن داخلي كان يضجّ بتوقٍ لطفلٍ يحملك في ملامحه. ثم ما لبثتُ أن ألفتُ هذا الفراغ، وهادنتُه، وأعرضتُ عن التفكير فيه… حتى باغتني طلبك يومًا أن أُجري فحصًا. ولا أدري كيف أبصرتَ ما غاب عني، وكيف فطنتَ لما لم أنتبه له. وجاءت النتيجة… بشارةً تفيض بالحياة. لا تزال تلك اللحظة نابضةً في ذاكرتي؛ فرحتك التي أشرقت بها ملامحك، وسعادتك التي لم تُوارِها. عدتَ يومها وكأنك قد حُزتَ الدنيا جميعها… وكان سرّ سعادتي أنك رأيت الدنيا فيّ. صرنا نرتاد الطبيب شهرًا بعد شهر، نترقّب معرفة نوع الجنين ، ونعود كل مرةٍ دون يقين. كنتَ في كل زيارة سندي الذي لا يميل… تسندني في أروقة المستشفى، تُصغي للطبيبة بإمعان، تلتقط كلماتها كأنها أمانة، تخشى أن يفوتك منها ما يخصّني. كنتُ أراك، فأزداد يقينًا أنك ستكون أبًا مدهشًا… كما كنتَ لي زوجًا عظيمًا. وفي الشهر السابع، أُزيح الستار، وقيل لنا: إنها فتاة. يا الله، ما أعذب تلك اللحظة! وأخبرتني كم تفتقد أنس البنات، وأنك لا تملك سوى أختٍ واحدة، وأن أكثر أهلك من الصبيان. كنتَ ترسم لها عالماً من الدلال، وتراها محاطةً بحبٍ فائض، كأنها فرحة العائلة المؤجَّلة. طوال حملي، كانت يدك تستقر على بطني، وتنساب آيات القرآن من بين شفتيك… لم يفارقني صوتك، كان عذبًا دافئًا، تزينه بالقرءان . كنتُ أشعر بها تُصغي إليك؛ تتحرك لقراءتك، وتسكن إن سكتَّ… كأنها تألفك قبل أن تُبصر النور. كنتَ تجلس إليها وهي في رحمي، تُحادثها، وتقصّ عليها الحكايات… وكنتُ أستمع إليك بروحي، فأفرح، وأطمئن، ويتسع داخلي انتظارًا. كنتُ أترقب قدومها بشوقٍ يملأني… لتكتمل بها بهجة الدار، ويكتمل بها الحلم الذي ابتدأ بك. العُلا عبد الله https://t.me/nosoosalola

  • #همس_الحروف #من_وحي_رواية_كلانا_أسير #تواصل من أكثر التعليقات التي تكررت على هذا الموقف، أن الأسير بدا وكأنه "ملائكي"، وأنه لو كان بشرًا حقًا، فلا بد أنه كان سيعاتب زوجته أو يلومها، ولو بكلمة. وأظن أن هذا التعليق يكشف عن معنى مهم، ربما غاب عن كثير منا. فنحن كثيرًا ما نخلط بين المشاعر والسلوك. فالرواية لم تكن تصف مشاعر الأسير، بل كانت تصف ردَّة فعله. لا شك أنه تألم لفقد هاتفه، وربما حزن أو انزعج، فهو بشر مثلنا، وليس ملاكًا. لكن السؤال ليس: ماذا شعر؟ بل: كيف اختار أن يتصرف؟ وهنا يظهر أثر الهدي النبوي في حياة الإنسان. فالشرع لم يطالبنا ألا نحزن، ولم يطالبنا ألا نغضب، وإنما علَّمنا كيف نضبط تلك المشاعر، وألا نجعلها سببًا في ظلم من حولنا. ولهذا كانت أول كلماته: «قدر الله وما شاء فعل.» لم يكن ذلك لأنه لم يتألم... بل لأنه اختار أن يبدأ بما يرضي الله، قبل أن يستجيب لما تمليه عليه نفسه. وهناك معنى آخر لا يقل أهمية، فليس كل خطأ سواء. فهناك فرق بين إنسان يتكرر منه الإهمال، أو يتعمد الإضرار بمن حوله، وبين إنسان عرفناه حريصًا، محبًّا، يبذل وسعه في إسعاد من يحب، ثم وقع في خطأ لم يقصده. وحين رأى الأسير زوجته تبكي، لم ير هاتفًا كُسر... بل رأى قلبًا يتألم. فأيُّهما أولى بالمواساة في تلك اللحظة؟ صحيح أن معالجة الأخطاء مطلوبة، لكن لكل مقام مقال، ولكل موقف ما يناسبه من الحكمة. أما أن نجعل انزعاجنا مبررًا لتفريغ غضبنا فيمن نحب، فذلك شيء آخر تمامًا. وربما بقي معنى أخير أحببت أن أذكر به. فالرواية تُروى بلسان حبيبة... زوجة فقدت زوجها منذ سنوات، وما زالت تعيش على ذكرى أيامه. ومن طبيعة القلب إذا فقد من يحب، أنه يستحضر أكثر ما يشتاق إليه، وأكثر ما ترك أثرًا فيه. ولذلك جاءت صفحاتها مفعمة بالمواقف التي صنعت ذلك الأثر في روحها. أما مواقف الخلاف، والابتلاء، والأحداث المؤلمة... فلها وقتها، وسترويها كما عاشتها، بكل ما فيها من ألم، وإنصاف، وصدق. ولعل أجمل ما يمكن أن نخرج به من هذا الموقف... أن الإنسان لا يُقاس بما يشعر به في لحظة الغضب أو الحزن... بل بما يختار أن يفعله بتلك المشاعر. فهناك من يقود غضبه... وهناك من يقوده غضبه. وبينهما منازل يصنعها الإيمان، وتُهذبها مجاهدة النفس، ويزكيها الاقتداء بهدي النبي ﷺ. 💜اللهم ارزقنا قلوبًا ترضى بقضائك وقدرك، ونفوسًا يربيها ميزان الوحي، وأخلاقًا تقتدي بنبيك ﷺ.💜 🪶 سوزان مصطفى بخيت https://t.me/SuzanneBekhit

  • #همس_الحروف 8 (6/6) #من_وحي_رواية_كلانا_أسير لطالما كانت همس الحروف مستوحاة من أحداث الرواية نفسها… لكني هذه المرة آثرت أن تكون عن الرواية… وأثرها على قلوب القارئات. خاصة بعدما وصلني هذا التعليق: «بعد إذن حضرتك.. ومع كامل احترامي والله للرواية.. لكن أشعر أن فيها نوعًا من المبالغة شوية في المشاعر.. هو فيه حد بيحب حد ويصبر عليه ويطور منه ويعلمه بالشكل ده؟.. يعني الأمثلة دي موجودة بالطريقة دي في حياتنا؟... عن نفسي أقدر المشاعر جدًا وأحب احترامها أوي.. لكن بصراحة صدمات وراء صدمات حسيت بعدها إن مفيش الشاعرية دي في الدنيا... أو ممكن يكون في الأول ثم بعد ذلك ومع تزايد المسؤوليات بتختفي هذه الشاعرية.. مش عارفة حاسة إني متلخبطة أوي.» أشعر تمامًا بصاحبة التعليق، وبالحيرة والتشتت اللذين تمر بهما. لكن أكثر ما أوجعني في كلماتها سؤالها: «هو فيه حد بيحب حد ويصبر عليه ويطور منه ويعلمه بالشكل ده؟» فكم هو مؤلم أن يبلغ بنا الواقع مرحلةً يبدو فيها حسن الخلق، وحسن المعاملة، وضبط النفس… أمرًا غريبًا. حتى إذا قرأنا عنه في قصةٍ واقعية… ظننّاه خيالًا. ولهذا السبب تحديدًا عزمت منذ البداية أن تكون همساتي في هذه الرواية تذكرةً بالأصل الذي نحتاج جميعًا أن نعود إليه. ومن الكلمات التي كتبتها قبل أن تبدأ العلا بنشر الرواية، وقبل أن أبدأ بالتعليق عليها، حين تحدثت عن شخصية زوج حبيبة: «هو إنسان بمعنى الكلمة… إنسانٌ يُمثّل الأصل، لكن هذا الأصل - في زمننا - صار استثناء. الأصل في تحرّيه لشرع الله مع أهله، في رقة تعامله، وحبه، وحنانه، وفي انتباهه لأدق التفاصيل وهو يرعى أسرته، وفي محاسبته لنفسه… أن يكون على مراد الله، حتى في لحظات الغضب. هو إنسان يحاول أن يسير بقلبه حيث يحب الله، يصيب ويجتهد، ويراجع نفسه؛ ليبقى قريبًا مما يحبه الله له. لكنه مع ذلك أصبح استثناء… في زمنٍ بات فيه من يسير على هدي النبي ﷺ، ويجاهد نفسه ليحسن إلى من حوله ابتغاء مرضاة الله، كأنه عملة نادرة.» فالأصل الذي أرشدنا إليه الشرع، في العلاقات عامة، وفي الزواج خاصة، هو السكينة، والمودة، والرحمة. لكن حين ابتعد الناس عن هذا الأصل… لم تتغير العلاقات فقط… بل اختلت الموازين أيضًا. فصرنا نقيس العلاقة بما اعتدنا رؤيته حولنا… لا بما أراده الله لنا. واختلت البوصلة التي نزن بها صحة العلاقات. فأصبح من يملك نفسه عند الغضب غريبًا. ومن يرفق بزوجته كأنه يفعل أمرًا خارقًا. ومن يجاهد نفسه ليحسن خلقه… كأنه أتى من عالم آخر. وقد يظن بعضنا أن الرواية ترسم حلمًا يصعب وجوده… لكنها في الحقيقة لم ترسم حلمًا… بل أعادت تذكيرنا بالأصل الذي ابتعدنا عنه. فكثرة النماذج السيئة… لا تعني أن النموذج الصالح أصبح خيالًا. وحين نتأمل هدي النبي ﷺ نجد أن وصاياه كلها تبني هذا الأصل. فقال للرجل: «لا تغضب.» وقال: «خيركم خيركم لأهله.» وقال: «الكلمة الطيبة صدقة.» وقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت.» وغيرها كثير من الوصايا التي تدور في فلك حسن الخلق، ومجاهدة النفس، والإحسان إلى الناس. فما فعله زوج حبيبة لم يكن إلا ثمرةً لهدي الإسلام… ومحاولةً للعيش بميزان الوحي. وربما لهذا لم أكتب هذه الهمسات لنبحث عن زوجٍ يشبه الأسير… بقدر ما كتبتها لنبحث في أنفسنا. كم بقي في قلوبنا من هذا الأصل؟ وكم بقي من هدي النبي ﷺ في كلماتنا، وغضبنا، ورحمتنا، ومعاملتنا لمن هم أقرب الناس إلينا؟ فإصلاح البيوت لا يبدأ بالبحث عن الشخص الذي يحسن إلينا… بل بأن يجاهد كل واحدٍ منا نفسه ليقترب كل يوم خطوةً من الهدي الذي جاء به رسول الله ﷺ. مهتدين بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} 💜 اللهم لا تجعل كثرة الخطأ تُنسي قلوبنا الحق، ورُدَّنا دائمًا إلى هدي كتابك وسنة نبيك ﷺ. وأعنَّا على حسن الاقتداء بنبيك ﷺ في أخلاقنا ومعاملاتنا.💜 🪶 سوزان مصطفى بخيت https://t.me/SuzanneBekhit

  • #همس_الحروف #تواصل لطالما همست حروف رواية كلانا أسير بالكثير من المعاني... وحان الوقت لتهمس لنا القارئات بحروفهن. رسالة، أو تساؤل، أو حتى ما تركته الرواية أو الهمسات في قلوبهن. إن رغبتِ في البوح بما شعرتِ به، أو بما خطر ببالك، بكل حرية وخصوصية... فيمكنك ذلك من خلال هذا الرابط. https://tellonym.me/smbekhit لن يظهر اسمك أو معرّفك لي، فخذي راحتك. 🤍

  • #همس_الحروف 8 (5/6) #من_وحي_رواية_كلانا_أسير «جئتك أبكي، لا خوفًا منك، بل خوفًا من أن أكون قد أفسدتُ شيئًا يخصّك.» لطالما وجدت نفسي أعود إلى هذا المشهد مرةً تلو الأخرى… وتحديدًا عند كلمة: «جئتك…» رغم ما حدث من سقوط الهاتف، لم تقل: هربت. ولم تقل: حاولت إخفاء الأمر. بل قالت: «جئتك…» فكان هو أول من فكرت في الذهاب إليه حين امتلأ قلبها بالخوف والقلق. وهنا وجدتني أترك المشهد كله… وأذهب إلى علاقةٍ أخرى… إلى علاقتنا بالله. حين نخطئ ونذنب… إلى أين نذهب بذلك الخوف؟ فهناك من إذا أذنب… ابتعد عن الله. استثقل الدعاء. وأغلق مصحفه. وأقنع نفسه أنه لا يستحق أن يرفع يديه بعد ما فعل. وهناك من إذا أذنب… كانت أول خطواته إلى سجادة صلاته. وأول دمعةٍ بين يدي ربه. وأول رجاءٍ في قلبه… أن يغفر الله له. الذنب هنا واحد… لكن طريق العودة بعده كان مختلفًا. وحين نفتش في قلوبنا عن السبب… سنجده في الصورة التي يحملها كل واحدٍ منا عن ربه. فكثيرًا ما نظن أن الذنب يكشف مقدار إيماننا… لكن ثمة حقيقة يغفل عنها كثيرون. فالذنب يكشف أيضًا كيف نعرف الله… وكيف استقرت صورته في قلوبنا. لأن الإنسان لا يتصرف بعد الذنب إلا وفق الصورة التي يحملها عن ربه. فمن استقرت في قلبه حقيقة أن الله غفور… لم يمنعه ذنبه من الاستغفار. ومن عرفه توابًا… لم يؤخر الرجوع إليه. ومن عرفه ستيرًا… لم يهرب من بابه خجلًا، بل جاءه يستر خجله برجاء عفوه. أما من ضعفت معرفته بربه… أو غابت عنه رحمته ولطفه… فقد يهرب منه استحياءً لأنه عصاه. أو يبتعد ظنًّا أن ذلك الذنب قد أغلق الباب الذي بينه وبين الله. ولو علم أن الله هو الذي فتح باب التوبة قبل أن يقع في الذنب… لما ابتعد عنه لحظةً واحدة. ولعل هذا من أعجب ما في علاقتنا بالله… أن كل خوفٍ في الدنيا يدفعنا إلى الابتعاد عمّن نخافه… إلا الخوف من الله. فإذا امتلأ القلب بمعرفته على حقيقتها… لم يزد صاحبه إلا قربًا. نخافه… فنفر إليه. ونستحيي منه… فنناجيه. ونذنب… فنطرق بابه. حتى خوفنا منه… لا نجد مأمنًا منه إلا عنده. ولهذا جاء النداء القرآني: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} لأن المؤمن لا يبحث عن النجاة بعيدًا عن ربه… بل يعلم أن النجاة لا تكون إلا عنده. ومن هنا نحتاج أن نعيد النظر في حالنا مع الذنوب. فهي لا تكشف فقط مواضع ضعفنا… بل قد تكشف أيضًا مواضع الخلل في معرفتنا بربنا. فكلما ازددنا معرفةً به… ازددنا حياءً منه. وازددنا حبًا له. وازددنا خوفًا منه. وفي الوقت نفسه… ازددنا يقينًا أن بابه لا يُغلق في وجه من جاءه تائبًا. وهنا عدت إلى كلمات حبيبة مرةً أخرى… لكنني لم أعد أسمعها وهي تخاطب زوجها… بل وجدت قلبي يرددها في دعائه: «جئتك أبكي… يا رب.» فما أجمل أن يبلغ القلب من معرفته بربه… أن تكون أول خطوةٍ بعد كل عثرة… إليه. وأول دمعةٍ بعد كل ذنب… بين يديه. وأول رجاءٍ بعد كل تقصير… في رحمته. ولعل السؤال الذي نحتاج أن نحمله معنا ليس: كم مرة أخطأنا؟ بل: حين نخطئ… إلى أين يفر قلبنا؟ فإن كان يفر إلى الله… فلعل في ذلك علامةً على أن القلب عرف ربَّه حق المعرفة. وإن كان يفر بعيدًا عنه… فلعلنا لا نحتاج أن نراجع ذنوبنا فحسب… بل أن نراجع الصورة التي استقرت في قلوبنا عن الله. 💜 اللهم ارزقنا معرفةً بك تجعلنا لا نهرب منك إذا أذنبنا، بل نهرب إليك، وافتح لنا أبواب التوبة كلما أوصدتها ذنوبنا بأيدينا، واجعل قلوبنا تعرفك كما تحب أن تُعرف، حتى يكون طريقها إليك أقرب من طريقها إلى كل شيء سواك. 💜 🪶 سوزان مصطفى بخيت https://t.me/SuzanneBekhit

  • #همس_الحروف 8 (4/6) #من_وحي_رواية_كلانا_أسير «كم أخطأتُ، وكم تعلّمتُ بين يديك. كنتَ تدخل معي المطبخ، لا لتُصلح طعامي، بل لتُصلح خوفي، وتقول كلّما تعثّرتُ: "قدرُ الله وما شاء فعل." لم تكن ترى في أخطائي عيبًا، بل كنتَ تراها بدايةً، وكان صبرك عليّ درسًا لا يُنسى.» «لا لتُصلح طعامي… بل لتُصلح خوفي.» استوقفتني هذه الجملة طويلًا… كيف يمكن لأحدٍ أن يُصلح خوفًا؟ فالطعام الذي لم ينضج… نعرف كيف نُصلحه. والشيء الذي أفسدناه… قد نتعلم كيف نتجنب إفساده في المرة القادمة. لكن ماذا عما يحدث داخلنا ونحن نخطئ؟ عن تلك الرهبة التي تتسلل إلى القلب بعد كل محاولةٍ لم تنجح؟ وذلك الصوت الخفي الذي يبدأ صغيرًا: لا أستطيع القيام به. لن أُحسن... سأفسده. لست جيدة في هذا. سيكتشف أني لا أعرف. ثم يكبر مع كل تعثر… حتى لا نعود نخاف من الفشل فقط، بل نخاف من المحاولة نفسها. وهنا نجد أن حبيبة لم تكن تعرف الطهو. دخلت عالمًا جديدًا عليها، وأرادت أن تتعلم… فاحترق منها طعام، وقدّمت أرزًا قبل أن يكتمل نضجه، وأخفقت مراتٍ وهي تحاول أن تُتقن شيئًا لم تعرفه من قبل. وكان يمكن لزوجها في كل مرة… أن يُصلح الطعام. أن يخبرها أين أخطأت. أن يقول لها ما الذي كان ينبغي أن تفعله. وينتهي الأمر. لكنه فعل شيئًا أعمق… دخل معها المطبخ. لم يقف بعيدًا ينتظر النتيجة، ثم يحكم عليها إن أحسنت أو أخفقت. ولم يأخذ الأمر من يدها لأنه أقدر منها… بل بقي قريبًا وهي تتعلم. ينبّهها برفق. وحين قدّمت الأرز قبل أن ينضج، لم يقل: كيف لم تعرفي؟ بل قال: لو تركتِه قليلًا… لكان أطيب. وحين اختلط بالطعام طعم الاحتراق… لم يجعل من خطئها مأساة، بل خفّف عنها، وقال إن له نكهةً مختلفة. تفاصيل صغيرة جدًا… لكن بهذه التفاصيل تحديدًا، كان شيءٌ آخر ينضج معها في ذلك المطبخ… ثقتها بنفسها. ولعل أجمل ما في الأمر… أن الذي نضج أولًا لم يكن الطعام، بل قلبها. فما أكثر المهارات التي نتعلمها بأيدينا… وما أقل القلوب التي تجد من يُحسن تربيتها وهي تتعلم. وهنا أدركت معنى قولها: «لا لتُصلح طعامي… بل لتُصلح خوفي.» فقد كان يستطيع أن يُعلّمها كيف تطهو… لكن الأجمل، أنه لم يكن يعلمها وصفات الطعام فحسب... بل كان يعلمها كيف لا تخاف من الخطأ وهي تتعلم. وربما كان أول ما أصلح به خوفها… أنه لم يبدأ بتأنيبها، بل بتذكيرها بالله: «قدرُ الله وما شاء فعل.» وكأن أول ما احتاجه قلبها في تلك اللحظة… لم يكن درسًا في الطهو، بل سكينةً تعيده إلى موضعه. فحين يُستحضر القدر… يهدأ القلب، ويصغر حجم الخطأ، ويصبح بابًا للتعلّم، لا سجنًا للندم. وهنا معنى نحتاجه كثيرًا في علاقاتنا… فنحن حين نرى من نحب يخطئ، ينصرف انتباهنا غالبًا إلى الخطأ نفسه: كيف نُصلحه؟ كيف نمنع تكراره؟ ماذا كان ينبغي أن يفعل؟ لكننا نادرًا ما نلتفت إلى سؤالٍ آخر: ماذا فعل هذا الخطأ بقلب صاحبه؟ هل خاف؟ هل شعر أنه فاشل؟ هل اهتزّت ثقته بنفسه؟ هل أصبح مترددًا في أن يحاول مرة أخرى؟ هل خرج من الموقف وقد تعلّم شيئًا جديدًا… أم خرج منه وهو يشعر أنه أصبح أصغر في عين نفسه؟ وهنا… يظهر الفرق بين أن نُصلح الخطأ… وأن نحتوي الإنسان الذي أخطأ. فالطفل الذي كسر شيئًا يحتاج أن يتعلم كيف ينتبه في المرة القادمة، نعم… لكنه قد يحتاج أيضًا ألا يتحول ذلك الشيء المكسور إلى رسالةٍ داخله تقول: «أنا دائمًا أفسد كل شيء.» والزوجة التي لم تُحسن أمرًا قد تحتاج إلى التوجيه… لكنها لا تحتاج أن يتحول نقص خبرتها إلى حكمٍ على عقلها أو قدرتها أو قيمتها. والزوج الذي أخفق في أمرٍ حاول فيه قد يحتاج إلى مراجعة خطئه… لكن ليس إلى من يجعل عثرته دليلًا على أنه لا يُعتمد عليه في شيء. فبعض الكلمات… تُصلح موقفًا، لكنها تجرح إنسانًا. وبعض الكلمات… تُصلح الاثنين معًا. وهنا يظهر الاحتواء بمعناه الحقيقي. ليس أن نمنع من نحب من الخطأ، ولا أن نفعل عنهم كل شيء، ولا أن نعفيهم من نتائج كل تعثر… بل أن نمنحهم مساحةً آمنة ليتعلموا، دون أن يُكسروا أثناء التعلّم. نصحح لهم… دون أن نهدم ثقتهم بأنفسهم. ونبقى قريبين… دون أن نسلبهم فرصة أن يقفوا وحدهم. ولعل هذا يذكرنا بشيء من رحمة الله بنا… فما من أحدٍ منا تعلّم السير إلى الله دون أن يتعثر. نخطئ… فنستغفر. ونقصّر… فنتوب. ونسقط… فيفتح الله لنا بابًا جديدًا للقيام. لم يشأ سبحانه أن يخلقنا كاملين من أول الطريق، بل ربّانا بالتدرج، وفتح لنا أبواب التوبة، وجعل لكل عثرة فرصةً للرجوع. ولعل من أجمل ما نتخلّق به من هذا المعنى… أن نعامل من حولنا بشيءٍ من الرحمة التي نرجوها لأنفسنا. فإذا كنا نرجو من الله الحلم كلما تعثرنا… فجديرٌ بنا أن نتعلّم الحلم مع من يتعثرون بين أيدينا. وربما لهذا لامسني مشهد دخوله معها المطبخ… فقد ذكّرني بهديٍ نبوي جميل. حين سُئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: «كان يكون في مهنة أهله.» رسول الله ﷺ… بمكانته، ومسؤولياته، وما يحمله من أمر الأمة… كان في بيته يشارك أهله. وكأن في هذا الهدي النبوي تربيةً رقيقة… أن الحياة بين الزوجين لا تقوم على مراقبة أحدهما للآخر وهو يؤدي واجباته، بل على المشاركة، والقرب، وحمل الأعباء معًا. أن ندخل أحيانًا مع من نحب إلى المساحة التي يتعثرون فيها… لا لننتزع الأمر من أيديهم، بل لنقول لهم بحضورنا: أنا معك… حتى تتعلم. وما أجمل ثمرة هذا النوع من الاحتواء… فحبيبة التي دخلت المطبخ وهي لا تعرف كيف تطهو، لم تبقَ تلك الفتاة الخائفة من التجربة. بل تعلّمت... وحاولت... وأخطأت... ثم حاولت من جديد… حتى قالت بعد ذلك: «لم يكن الطهو مجرّد مهارة، بل صار لغة حبّي لك. أُتقنه لأنّي أُحبّك، وأُتقن تفاصيله لأنّك كنتَ تُتقن احتوائي.» بدأت رحلتها وهي تخاف أن تخطئ… وانتهت وهي تُتقن ما كانت تخشاه. وما كان ذلك لأنها لم تعد تخطئ… بل لأنها تعلّمت أن الخطأ ليس نهاية الطريق. وهكذا يكون الاحتواء الذي يُنضج… لا يصنع حول من نحب أسوارًا تحبسهم… بل يمنحهم قلبًا أقوى… ليواجهوا الحياة بأنفسهم. ولعلنا نحتاج أن نسأل أنفسنا… حين يتعثر من نحب أمامنا: هل يكون كل اهتمامنا بالشيء الذي أخطأ فيه؟ أم ننتبه أيضًا… إلى ما يحدث داخله؟ هل نساعده أن يخرج من الموقف وقد تعلّم كيف يفعلها أفضل في المرة القادمة… دون أن يتعلم معها أنه أقل مما كان يظن نفسه؟ فربما لا يحتاج من نحب دائمًا أن نُصلح لهم الطريق… أحيانًا، يحتاجون فقط أن نسير بجانبهم فيه، حتى يزول خوفهم… ويتعلموا هم كيف يمشون. 💜 اللهم ارزقنا رفقًا يُعين ولا يُضعف، واحتواءً يجبر ولا يُعطّل، وبصيرةً تجعلنا نرى القلوب قبل الأخطاء، وأعنّا أن نكون لمن نحب عونًا على أن ينموا ويُحسنوا ويزهروا. 💜 🪶 سوزان مصطفى بخيت https://t.me/SuzanneBekhit

  • #همس_الحروف 8 (3/6) #من_وحي_رواية_كلانا_أسير «جئتك أبكي، لا خوفًا منك، بل خوفًا من أن أكون قد أفسدتُ شيئًا يخصّك.» توقّفت طويلًا عند هذه الكلمات… وبالأخص عند قولها: «لا خوفًا منك…» فحبيبة كانت خائفة فعلًا. خافت حين طلب منها زوجها أن تطهو له لأول مرة، وهي لا تعرف كيف تُحسن ما طلب. وبكت حين احترق الطعام… لا لأنها تنتظر غضبه، بل لأنها أرادت أن تُسعده، وشعرت أنها خذلته في أول شيء صنعته له بيديها. وحين سقط هاتفه الجديد منها في الحليب وتلف… جاءته باكية. كانت تعرف أهمية الهاتف له، وتعلم أن تعويضه لن يكون يسيرًا… فخافت لأنها أفسدت شيئًا يخص إنسانًا تحبه. لكنها… لم تكن تخاف منه. وهنا فرقٌ كبير… ربما نغفل عنه كثيرًا في علاقاتنا. فرقٌ بين أن نخاف لأننا آذينا من نحب… وبين أن نخاف ممن نحب. أن نحزن لأننا أخطأنا في حقه… شيء، وأن يصبح هو نفسه مصدرًا للخوف في داخلنا… شيء آخر تمامًا. وهنا... لم تعد حبيبة وحدها أمامي، بل مرت أمامي بيوتٌ كثيرة. فنجد أن هناك خوفٌ قد يتسلل إلى بعض البيوت ببطء، حتى تعتاده الزوجة، وربما لا تعود تنتبه إلى وجوده. تراقب مزاج زوجها قبل أن تتحدث. تختار الوقت الذي تستطيع فيه أن تخبره بما حدث. تعيد ترتيب كلماتها مرات… لا لأنها تريد أن تُحسن التعبير فقط، بل لأنها تخشى أن يفهم منها معنى لم تقصده، فتبدأ مشكلة لا تعرف أين ستنتهي. وإذا أخطأت… قد لا يكون أول ما يشغلها: كيف أُصلح خطئي؟ بل: ماذا سيفعل حين يعلم؟ فيصبح همُّها الأول أن تنجو من ردّ الفعل... قبل أن تُصلح الخطأ نفسه. ومع الوقت… قد تتعلم أن تُخفي بعض الأشياء. أن تؤجل بعض الأحاديث. أن تبرر كثيرًا. أن تمشي في علاقتها بحذر… حتى لا توقظ غضبًا، أو تفتح بابًا لعتابٍ قاسٍ، أو تسمع كلمة تعرف أنها ستبقى في قلبها طويلًا. ومع الأيام... لا تُخفي أخطاءها فقط، بل تُخفي جزءًا من نفسها وروحها وشخصيتها أيضًا. وربما يُسمّى هذا أحيانًا: هيبة... أو قوامة... أو احترامًا. مع أن هناك فرقًا كبيرًا بين زوجةٍ تعرف لزوجها قدره وحقه، وتحرص على رضاه في المعروف، وتتألم إن أخطأت في حقه… وبين زوجةٍ تخاف زوجها نفسه. فالاحترام لا يحتاج إلى خوفٍ يُربك القلب. والقِوامة التي جعلها الله رعايةً ومسؤولية… لا ينبغي أن تتحول إلى سلطةٍ تجعل الزوجة تعيش مترقبةً لردود الأفعال. وهنا نحتاج أن نتوقف ونسأل كيف يكون الرجل سكنًا لزوجته… إذا كانت تحتاج أن تحمي نفسها منه؟ ولعلنا قرأنا هذه الآية مراتٍ كثيرة... {لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} لكن هذا الموقف جعلني أتساءل: كيف يسكن القلب... إذا كان يخاف؟ وكيف يأوي الإنسان إلى من يعيش معه... إذا كان يحتاج أولًا أن يحتمي منه؟ ربما كان من أجمل معاني السكن... أن يجد الإنسان فيمن يحب مكانًا يأمن فيه على ضعفه، قبل قوته. ولهذا عدتُ إلى حبيبة مرةً أخرى... لقد خافت هي أيضًا. خافت من الفشل. ومن ألا تُحسن. ومن أن تُفسد شيئًا عزيزًا على من تحب. لكن زوجها لم يُضف إلى كل تلك المخاوف… خوفًا جديدًا اسمه: هو. وهذا من أجمل ما في الموقف. حين أفسدت هاتفه، لم تختبئ. لم تبحث عن طريقة تخفي بها ما حدث. لم يكن عليها أن تجمع شجاعتها طويلًا قبل أن تذهب إليه. بل ذهبت إليه... دون تردد… وهي تبكي. وهنا ربما تظهر واحدة من أصدق علامات الإحساس بالأمان في العلاقات: أن يكون أول من نذهب إليه حين نقع في المشكلة… هو نفسه الشخص الذي أخطأنا في حقه. أن نستطيع أن نقول: أخطأت... أفسدت... لم أعرف... لم أُحسن. دون أن نشعر أن مكانتنا في قلبه أصبحت مهددة بسبب خطأ. ودون أن نخشى أن تتحول لحظة ضعفنا إلى كلمةٍ تُذلّنا، أو خطؤنا إلى سلاحٍ يُستخدم ضدنا كلما وقع خلاف. فالأمان… ليس فقط أن يكون هناك من يحمينا من العالم. هناك أمانٌ أعمق بكثير: أن لا نحتاج إلى حماية أنفسنا ممن نعيش معهم. أن نكون بشرًا أمامهم… نخطئ، وننسى، ونتعثر، ونفشل أحيانًا… ثم نظل نعرف أن الخطأ سيُصلح، وأن التقصير سيُنبه إليه، وأن كرامتنا ستبقى محفوظة، وقلوبنا لن تُكسر ونحن نتعلم. وهذا المعنى لا يخص الأزواج وحدهم… فكم من طفلٍ أخفى خطأه عن والديه، لا لأنه لا يعرف أن الكذب خطأ… بل لأن خوفه من ردة الفعل كان أكبر من قدرته على قول الحقيقة. وكم من زوجٍ أخفى ضعفًا أو تعثرًا، لأنه يخشى أن يُعاير به يومًا. وكم من إنسانٍ صار يزن كلماته مع من يحب، لأنه تعلّم من مواقف سابقة أن كل كلمة قد تُفهم ضده. ثم نتساءل ونحن غافلين عما غرسناه في قلوبهم من خوف: لماذا لم يخبرونا؟ لماذا أخفوا عنا؟ لماذا لم يأتوا إلينا منذ البداية؟ وننسى أن نسأل أنفسنا بصدق: ماذا علّمتهم ردود أفعالنا عنّا؟ هل علّمناهم أن يأتوا إلينا حين يخطئون؟ أم علّمناهم… أن أول ما ينبغي فعله بعد الخطأ هو أن يحموا أنفسهم منّا؟ فيا ليتنا... لا نكون في حياة من نحب خوفًا جديدًا... وأقل ما نقدمه لهم … ألا نكون نحن خوفًا آخر يُضاف إلى مخاوفهم. 💜 اللهم اجعلنا سكنًا آمنًا لمن حولنا، وارزقنا رفقًا لا يكسر قلبًا، وحلمًا يأمن معه من حولنا، وأعنّا أن نُحسن إليك فيمن استرعيتنا قلوبهم 💜 🪶 سوزان مصطفى بخيت https://t.me/SuzanneBekhit

  • #همس_الحروف 8 (2/4) #من_وحي_رواية_كلانا_أسير «ثم أتى اليوم الذي جعل قلبي يرتبك فرحًا، كأنّك منحتني شرفًا لا يُردّ. فقد طلبتَ منّي أن أُعدّ لك وجبةً تُحبّها، وكان ذلك أوّل طلبٍ يخرج منك إليّ. استحييتُ يومها أن أبوح لك بأنّي لا أُجيد الطهو، وكان رمضان ينسج حولنا سكونه، بينما داخلي يعجّ بشوقٍ خفيّ: أن تتذوّق شيئًا صُنع بحبّي لك، لا بمهارتي. قلتُ لك بثقةٍ استعرتها من فرحتي: أنا لها أهل. وجئتني بالمكوّنات كلّها، فشعرتُ أنّك لم تُحضر طعامًا فحسب، بل وضعت بين يديّ فرصةً لأقترب منك أكثر. دخلتُ المطبخ، وقلبي بين رهبتين: رهبة التجربة الأولى، وفرح أن يكون ما أصنعه لك أنت.» كثيرًا ما نتحدث عن الحب… لكن قليلًا ما نتوقف أمام ما يصنعه الحب في القلوب. وها هي حبيبة تشاركنا موقفًا قد يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل في داخله معنى أعمق من مجرد إعداد وجبة. فكل ما فعله زوجها… أنه طلب منها أن تصنع له طعامًا يحبه. وكان يمكن لطلب كهذا أن يُربك فتاةً لا تجيد الطهو، أو يجعلها تعتذر خوفًا من الفشل… لكن حبيبة استقبلته بفرحٍ جعلها تقول، بثقة لا تشبه خبرتها: «أنا لها أهل.» وكأن قلبها أجاب… قبل أن تفكر في قدرتها. وحين تأملت فرحتها، لم أتوقف كثيرًا عند الطعام نفسه… بل عند السؤال الذي يقف خلفه: ما الذي يجعل الإنسان يحب أن يُحسن إلى إنسانٍ آخر بهذا القدر؟ ما الذي يجعل العطاء له فرحة… لا عبئًا؟ ربما كانت الإجابة قد بدأت قبل هذا الموقف بوقتٍ طويل. في حسن عشرةٍ عاشتها… وفي خاطرٍ جُبر… وكلمةٍ طيبة بقي أثرها… واهتمامٍ جعلها تشعر أن لها مكانًا حقيقيًا في قلبه. كل ذلك لم يمرّ عليها ثم يختفي… بل اجتمع في قلبها شيئًا فشيئًا، حتى أصبح رصيدًا من الحب والقرب. فحين جاء دورها لتُعطي… كان في قلبها الكثير مما تريد أن تردّه حبًا وإحسانًا. وهنا… نلمس معنىً دقيقًا في العلاقات. فالقلوب لا تعطي فقط لأن عليها واجبًا أن تعطي… هناك فرق كبير بين يدٍ تفعل لأنها مطالبة، وقلبٍ يفعل لأنه يحب. قد يؤدي الإنسان حقًا لأنه واجب عليه… لكن المودة والرحمة تصنعان شيئًا أبعد من مجرد أداء الحقوق: تجعلاننا نحب أن نُسعد. نبحث بأنفسنا عمّا يريح من نحب… ننتبه لما يفرحه… ونجد في العطاء له شيئًا من سعادتنا نحن. وهذا هو ما تصنعه حسن العشرة حين تتراكم بين قلبين. إحسانٌ صغير فوق إحسان… كلمةٌ طيبة… جبر خاطر… التماس عذر… رحمةٌ في موضع الضعف… واهتمامٌ في وقتٍ كان يمكن أن نغفل فيه. قد تبدو كل واحدة منها وحدها شيئًا بسيطًا… لكنها مع الأيام تبني في القلب شيئًا كبيرًا. وهنا ربما نحتاج أن نراجع بعض أسئلتنا في علاقاتنا. فنحن كثيرًا ما نسأل: لماذا لا يهتم؟ لماذا لا يبادر؟ لماذا أصبحت أبسط الأشياء ثقيلة؟ لماذا أحتاج دائمًا أن أطلب حقي؟ وهي أسئلة قد تكون مشروعة… لكن هناك سؤالًا آخر يستحق أن نسأله لأنفسنا أيضًا: كيف هو هذا القلب معي؟ ماذا يجد مني كل يوم؟ هل أروي فيه المودة التي أنتظر أن أراها منه؟ هل يشعر أنه محبوب… ومُقدَّر… وأن سعادته تعنيني؟ فنحن أحيانًا نطالب القلوب أن تزهر… وننسى أن نسأل: بماذا رويناها؟ وهذا لا يعني أن الإحسان صفقة… نُحسن حتى نحصل على ما نريد. ولا أن الحقوق تسقط إن غابت المشاعر. لكننا نتحدث عن شيءٍ أعمق من الحقوق… عن روح العلاقة نفسها. عن ذلك الفرق بين بيتٍ يؤدي فيه كل طرفٍ ما عليه فحسب… وبيتٍ يتساءل فيه كل قلب: ماذا يمكنني أن أفعل اليوم… لأجعل حياة من أحب أجمل؟ فهكذا تنمو المودة… لا بالمطالبة وحدها، ولا بكثرة الكلام عنها… بل بما نضعه كل يوم في قلوب بعضنا: من حسن معاملة، وكلمة طيبة، والتماس عذر، وجبر خاطر، ورحمةٍ تحفظ ضعفنا حين نضعف. حتى يأتي يوم… فنكتشف أن سعادة من نحب لم تعد شيئًا نصنعه من أجله فقط… بل أصبحت جزءًا من سعادتنا نحن. 💜اللهم ارزقنا مودةً نسقي بها قلوب من نحب، ورحمةً تظهر في حسن عشرتنا، وأعنّا أن نعطي بمحبة كما نحب أن نُعطى بمحبة💜 🪶 سوزان مصطفى بخيت https://t.me/SuzanneBekhit

  • #همس_الحروف 8 (1/4) #من_وحي_رواية_كلانا_أسير حين بدأتُ قراءة الجزء الثامن، عادت بي الذاكرة إلى كلماتٍ قالها زوج حبيبة يوم الرؤية الشرعية: «ما سألتُ الله إلا زوجةً تعينني على دنياي، فتكون لي فيها خير سند، وتذكرني بالله… وتعينني على آخرتي، فلا تُنسيني الدنيا ذكرها.» توقّفت عندها من جديد… فبعض الكلمات قد تبدو جميلة حين تُقال، لكن قيمتها الحقيقية لا تظهر إلا حين تختبرها مواقف الحياة. وزوج حبيبة لم يقلها يومًا ثم نساها… بل عاشها. حين جاءت الأيام بتفاصيلها الصغيرة، تلك التي لا نستعدّ لها، ولا نملك فيها وقتًا لننتقي أجمل ردودنا… هناك تحديدًا، يظهر ما استقرّ حقًا في القلب. طعامٌ احترق قبل الإفطار بدقائق، بعد يومٍ طويل من الصيام… وأرزٌ لم يكتمل نضجه، حتى كاد لا يُؤكل… وهاتفٌ جديد سقط من حبيبة في الحليب فتلف، وبقي بعده مدةً طويلة دون هاتف. مواقف قد تبدو صغيرة… لكن مثل هذه التفاصيل الصغيرة كثيرًا ما تكشف أشياء كبيرة فينا. فالهاتف له قيمة… والطعام مهم… والخسارة قد تُضايق… والخطأ يحتاج أحيانًا إلى تصحيح. لكن السؤال ليس فقط في قيمة ما فقدناه من أشياء… بل فيما قد نفقده معها من قلوب، إن لم نُحسن التعامل معها. فقد نخسر شيئًا من الدنيا، ثم نسمح لغضبنا عليه أن يجعلنا نخسر شيئًا أغلى… نجرح قلبًا، أو نكسر خاطرًا، أو نزرع فيمن نحب خوفًا من الخطأ أمامنا… قد يعيش داخله طويلًا بعد أن ننسى نحن الموقف كله. أما زوج حبيبة… فلم يقف عند الخطأ وحده، بل كان يرى ما وراءه. يرى قلبًا حاول أن يُسعده… فاحترق منه الطعام رغمًا عنه. ويرى زوجةً ما زالت تتعلم… ولا تعرف بعد كيف تميّز إن كان الطعام قد نضج أم لا. وكان يرى حبيبة التي أمامه… قبل أن يرى الهاتف الذي تلف بين يديها. وكأن كلماته القديمة عن «الدنيا والآخرة» كانت تُترجم نفسها أمامنا في أبسط تفاصيل الحياة. فلم تكن إعانتها له على آخرته أن تذكّره بالصلاة والعبادة فحسب… بل كان هو أيضًا يعامل الله فيها. يضبط غضبه، ويحفظ لسانه، ويرفق بضعفها، ويحسن عشرتها… لأنه يعلم أن هذه أيضًا… من آخرته. وهنا… يتغير معنى كثير من المواقف. فليس الزهد في الدنيا أن لا تكون لأشيائنا قيمة… بل أن نعرف قدرها، دون أن نرفعها فوق قدر القلوب. وألا يتحول شيءٌ منها، في لحظة غضب، إلى سببٍ نهدم به مودةً بُنيت في أيام... أو شهور... أو سنوات. وربما هنا أيضًا… يولد أحد أعمق معاني الأمان في العلاقات: أن نشعر بالأمان حين نكون بشرًا أمام من نحب. فنُخطئ… وننسى… ونحاول فلا نُحسن المحاولة… دون أن نعيش مترقّبين للحظة التي سيتحوّل فيها خطؤنا إلى لومٍ يجرحنا، أو كلمةٍ تكسر شيئًا في داخلنا. وهذا لا يعني أن تُترك الأخطاء دون إصلاح، ولا أن يُسكت عن التقصير… بل أن نعرف كيف نُصلح الخطأ دون أن نُفسد صاحبه. كيف ننبّه برفق، ونعلّم بصبر، ونعاتب بمحبة… دون أن نجعل من خطأ من نحب فرصةً لتفريغ ما في نفوسنا من غضب وضيق. وما أحوجنا إلى هذا المعنى في كل علاقاتنا… بين زوجٍ وزوجة، وبين والدين وأبنائهما، وبين كل قلبين جمعتهما مودة. فكم من شيءٍ أفسدناه بأيدينا… ثم عوّضناه. وكم من مالٍ فقدناه… ثم رزقنا الله غيره. وكم من طعامٍ لم نُحسن صنعه… ثم صار بعد سنوات حكايةً نضحك ونحن نتذكرها. لكن بعض الكلمات التي قيلت في لحظة غضب… لم يكن إصلاح أثرها بهذه السهولة. ولعل أجمل ما يعيد ميزاننا في مثل هذه المواقف هدي رسول الله ﷺ. يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: «خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، والله ما قال لي أفا قط، ولا قال لي لشيء، لم فعلت كذا، وهلا فعلت كذا » [مسلم] عشر سنوات… لا تخلو من خطأ، ولا نسيان، ولا تقصير. لكنه ﷺ كان يُعلّمنا أن إصلاح الخطأ… لا يحتاج إلى كسر صاحبه. وهنا نحتاج أن نسأل أنفسنا: حين يخطئ من نحب… ما الذي تراه أعيننا أولًا؟ الشيء الذي أفسده؟ أم القلب الذي أمامنا؟ وهل نريد حقًا أن نُصلح الخطأ… أم أننا - أحيانًا - نريد فقط أن نُشعر صاحبه بحجم غضبنا؟ فليست كل خسارةٍ نستطيع منعها… لكننا نستطيع أن نختار ألا نخسر معها قلبًا. 💜 اللهم ارزقنا رفقًا يحفظ القلوب، وأعنّا أن نُحسن إليك فيمن نحب 💜 🪶 سوزان مصطفى بخيت https://t.me/SuzanneBekhit

  • #همس_الحروف العُلا بدأت من جديد بمتابعة نشر رواية «كلانا أسير» بعدما طال غيابنا عنها... وأتى الدور هذه المرة عليّ أنا ولكن... لم يتيسر لي خلال هذه الفترة كتابة الهمسات كما اعتدت. أشعر منذ فترة بتعب وإنهاك شديدين، وكلما حاولت أن أعود إلى الكتابة وجدت أن طاقتي لا تسعفني كما أريد. لذلك... أرجو أن تتعاهدوني بدعواتكم 🤍 أن يرزقني الله القوة والعافية، ويبارك لي في وقتي وطاقتي، ويعيد إليّ نشاطي وهمّتي، ويجري الحروف على قلبي وقلمي من جديد. فلدي الكثير مما أريد أن أكتبه لكم... لكن يبدو أن الحروف قررت أن تأخذ استراحة محارب هي الأخرى دون استئذاني :)

  • وما زالت في ذلك اليوم تفاصيل لا يسعها هذا المقام. لكن شيئًا واحدًا بقي راسخًا في قلبي: أن الله إذا رأى من عبده صدق النية في قضاء حاجة أخيه، ساق إليه من ألطافه وأرزاقه ما لا يخطر له على بال. فاللهم ارزقني مالًا أُعين به عبادك، وقلبًا لا يتردد في الإحسان، واجعلني مفتاحًا للخير أينما كنت، وتولَّ عبادك برحمتك، إنك ولي ذلك والقادر عليه.

  • كان موعد محاضرتنا عند السابعة صباحًا. وفي هذه المادة تحديدًا، لا مجال للتأخير؛ فمن يصل بعد بدء المحاضرة، ولو بدقيقة، لا يُسمح له بالدخول، والغياب فيها قد يحرم الطالب من دخول الامتحان. لم يكن يفصلني عن الموعد إلا وقت يسير، فخرجت أستعجل خُطاي، وأردد في سري دعاءً واحدًا: اللهم يسِّر لي حافلةً تقلني دون انتظار. ولم يطل انتظاري. ساقها الله إلي سريعًا، ثم ساق إلي نعمة أخرى لم أكن قد سألتها؛ أن أجلس إلى جوار امرأة. وكم من عطايا الله تأتي قبل أن تمتد إليها أيدينا بالدعاء. انطلقت الحافلة مسرعة، حتى إذا اقتربنا من وجهتنا توقفت بعيدًا عن الكلية، وبقي عليَّ أن أقطع ما تبقى من الطريق سيرًا. نظرت إلى الساعة. لم يبق على بدء المحاضرة سوى عشر دقائق. قلت في نفسي: إن أعانني الله واشتدت خطاي، فلعلني أصل في الوقت. انتظرت حتى نزل الركاب جميعًا، فأنا لا أحب مزاحمة الرجال، ولا أن يلامس طرف عباءتي أحد منهم وهم يتعجلون النزول. ولم يبق في الحافلة غيري وغير المرأة التي كانت تجلس إلى جواري. نزلت أولًا، وبينما كنت أهم بالنزول، تعلق رباط حذائي بشيء في أسفل المقعد، فانحنيت أربطه، وفي تلك اللحظة سمعتها تقول للسائق بصوت خافت إنها لا تملك أجرة الركوب. بدت في هيئة لا توحي بالفاقة، ويبدو أن السائق يعرفها، إذ أخبرته أنها ستأتيه بالأجرة من البيت، فابتسم موافقًا ومضت. دفعت أجرتي، ثم التفتُّ إليها. كانت تقلب حقيبتها الصغيرة بيدين مرتجفتين، كأنها تبحث عن شيء تعرف في قرارة نفسها أنها لن تجده. خطر ببالي أنها لا تملك حتى أجرة عودتها، وأنها تخشى أن تقع في حرج آخر. ولطالما أثقل قلبي أن أرى إنسانًا يُكسر أمام عيني، فكيف إذا كانت امرأة أنهكها التعب؟ سلمت عليها، وعرضت أن أعطيها أجرة العودة، فاعتذرت بلطف. وحين رأت إصراري، انفرجت الكلمات من بين شفتيها، وأخبرتني أن ابنتها مصابة بحمى الضنك، وأن المرض بلغ بها مرحلة النزيف. قالت إنهم أنفقوا كل ما يملكون في العلاج. ثم سألتها: "هل أستطيع أن أقدم لك شيئًا؟" قالت إنها ذاهبة إلى التأمين الصحي لتستخرج خطابًا تحصل به على بعض الأدوية مجانًا. ثم بكت. وكان في تلك الدموع ما يغني عن كثير من الكلام. لا أدري أكانت تبكي خوفًا على ابنتها، أم تعبًا من رحلة المرض، أم من تلك الطوابير الطويلة التي تقف فيها القلوب قبل الأجساد. رفعت بصري إلى الساعة. كل دقيقة تمضي كانت تبعدني عن المحاضرة. تذكرت حينها مبلغًا كانت قد أعطتنيه إحدى الأخوات، وقالت لي: "اجعليه لمن يسوقه الله إليك من المحتاجين." فتشت في حقيبتي أبحث عنه، ووجدته، ثم جمعت إليه ما كان معي من مال، لكن المبلغ كله لم يكن يكفي لشراء الدواء. وإن كان في حسابي ما يسد بقية الثمن، فإن الذهاب معها إلى الصيدلية ثم العودة يعني غالبًا أن أبواب القاعة ستغلق في وجهي. نظرت إليها مرة أخرى. كان الانكسار يملأ عينيها، والإرهاق بادٍ على وجهها، وما زالت تفتش في حقيبتها كأنها تبحث عن أمل. في تلك اللحظة، حُسم الأمر في قلبي. قلت لنفسي: وما عند الله خير وأبقى. فلعل الله يجعل خسارة محاضرة سببًا في شفاء ابنة هذه الأم. طلبت منها أن نسرع إلى الصيدلية. أخذت تشكرني وتعتذر، وتلهج بالدعاء، بينما كانت خطواتها مثقلة بما تحمل من هم. وحين رأيت بطأها، سبقتها إلى الصيدلية. جمعت الأدوية التي تحتاج إليها، فإذا بثمنها يفوق ما أملكه. ولم أشعر إلا والصيدلي يناولني الدواء كاملًا، ويقول: "سددي الباقي عندما تستطيعين." ابتسمت في سري. إنه لطف الله إذا جاء، جاء من حيث لا يحتسب المرء. ناولتها الدواء، وانطلقت أعدو نحو الكلية. كنت ألهث، وانقطع نفسي، لكنني لم أتوقف. حتى بلغت باب القاعة. كانت ممتلئة، والطبيب قد بدأ الشرح. وقفت لحظة قصيرة. هل أدخل؟ لقد أكد مرارًا أنه لن يسمح لمتأخر بالدخول. لكنني قلت: سأطرق الباب، وما كان لي بعد بذل السبب إلا الرضا بما يقدره الله. فتحت الباب. خفضت رأسي حياءً، وسرت بخطوات مترددة، أتهيأ في كل لحظة أن يطلب مني الخروج. لكن شيئًا من ذلك لم يحدث. وجدت مقعدًا في الصفوف الأمامية، مقابلًا للمكيف مباشرة، فجلست أحمد الله. غير أنني أيقنت أن اسمي لن يكون ضمن الحضور. هكذا جرت العادة. أسندت يدي إلى الطاولة. فإذا بلائحة الحضور موضوعة أمامي. تناولت قلمي، وكتبت اسمي. ولم أكد أفرغ حتى سأل الطبيب عن اللائحة، إذ نسي أن يأخذها منذ بداية المحاضرة. ناولته إياها، بينما كانت نظرات من حولي تملؤها الدهشة. أما أنا، فلم أر في الأمر حظًا. رأيته لطفًا من الله، وترتيبًا لا يقدر عليه إلا هو. دخل بعدي عدد من الطلاب. سمح لهم بالدخول، لكن أحدًا منهم لم يستطع تسجيل حضوره، فقد كانت اللائحة قد عادت إلى الطبيب. ولم يكن ذلك آخر ما أفاض الله به علي في ذلك اليوم. فما هي إلا ساعات حتى ساق الله إليَّ رزقًا آخر، كأنما يعوض ما خرج من يدي، ويهيئه لحاجة محتاج آخر. حينها تمنيت، والله، لو أنني كنت أملك يومها ما يكفي لأدفع ثمن العلاج كله.

  • #رواية_كلانا_أسير 8 #قصة_واقعية ما زلتُ كلّما عدتُ بذاكرتي إلى تلك الأيّام، أدركتُ أنّ أجمل ما فيها لم يكن ما عشناه، بل كيف كنّا نعيشه. كانت اللحظات الصغيرة بيننا تكبر في قلبي، حتى تصبح ذكرياتٍ لا يبهت نورها. وكان الله يكشف لي في كلّ يومٍ أقضيه معك جانبًا جديدًا من جمال قلبك، ولفتةً أرقّ من سابقتها، وخُلُقًا يزيدك في عيني رفعةً وجمالًا، حتى غدوتُ كلّما ازددتُ معرفةً بك، ازددتُ حبًّا لك. ثم أتى اليوم الذي جعل قلبي يرتبك فرحًا، كأنّك منحتني شرفًا لا يُردّ. فقد طلبتَ منّي أن أُعدّ لك وجبةً تُحبّها، وكان ذلك أوّل طلبٍ يخرج منك إليّ. استحييتُ يومها أن أبوح لك بأنّي لا أُجيد الطهو، وكان رمضان ينسج حولنا سكونه، بينما داخلي يعجّ بشوقٍ خفيّ: أن تتذوّق شيئًا صُنع بحبّي لك، لا بمهارتي. قلتُ لك بثقةٍ استعرتها من فرحتي: أنا لها أهل. وجئتني بالمكوّنات كلّها، فشعرتُ أنّك لم تُحضر طعامًا فحسب، بل وضعت بين يديّ فرصةً لأقترب منك أكثر. دخلتُ المطبخ، وقلبي بين رهبتين: رهبة التجربة الأولى، وفرح أن يكون ما أصنعه لك أنت. وقبل الإفطار بلحظات، ذهبتُ أتفقّدها… فوجدتُها قد احترقت. توقّف كلّ شيءٍ في داخلي، وكأنّ شيئًا من قلبي احترق معها. بكيت… لا لأنّ الطعام فسد، بل لأنّ أوّل ما أردتُ أن أُسعدك به قد خذلني. حين جئتَ وسألتني: ما بك؟ لم أملك سوى أن أخبرك أنّ وجبتي التي صنعتها لك بكلّ هذا الحب قد احترقت. لم تُعاتبني، ولم تُبدِ ضيقًا، بل ضممتني كما يُضمّ الحزن حين يثقل، ومسحتَ دمعي برفق، وقلتَ: «لا بأس… سنُعيدها يومًا آخر.» لكنّ قلبي لم يهدأ… بل ازداد بكاءً، كأنّ طمأنينتك كشفت لي كم كنتُ صغيرةً أمام حلمي بإسعادك. طلبتُ منك أن تراها، علّك تجد سبيلًا لإصلاحها، فضحكت… تلك الضحكة التي ما زالت تعيش في ذاكرتي، كأنّها لم تُخلق إلا لتُخفّف عنّي. نظرتَ إلى الإناء، ثم أشرتَ مازحًا أن أنسى الأمر، وكأنّك تُعلّمني أنّ بعض الخسارات لا تستحقّ الحزن. ومن يومها… كلّما اشتقتَ لتلك الوجبة، قلتَ لي ضاحكًا: «أريدها… لكن ليست محروقة.» فأضحك، وأخفي في ضحكتي وعدًا صامتًا: أن أُجيد كلّ شيءٍ لأجلك. ومن بعدها… لم يكن الطهو مجرّد مهارة، بل صار لغة حبّي لك. أُتقنه لأنّي أُحبّك، وأُتقن تفاصيله لأنّك كنتَ تُتقن احتوائي. كم أخطأتُ، وكم تعلّمتُ بين يديك. كنتَ تدخل معي المطبخ، لا لتُصلح طعامي، بل لتُصلح خوفي، وتقول كلّما تعثّرتُ: «قدرُ الله وما شاء فعل.» أتذكر يوم الأرز؟ حين قدّمته لك قبل أن ينضج، خجلًا من أن أُفسد اللحظة. فأكلتَه كما لو أنّه اكتمل، ودعوتَ لي، ومدحتَني، ثم قلتَ برفقٍ لم أعرفه إلا فيك: «لو تركتِه قليلًا، لكان أطيب.» يا لرقّة تنبيهك… ويا لحياء قلبي من لطفك. لم تكن ترى في أخطائي عيبًا، بل كنتَ تراها بدايةً، وكان صبرك عليّ درسًا لا يُنسى. حتى حين اختلط طعم الطعام بشيءٍ من الاحتراق، لم تُفسد فرحتي، بل قلتَ إنّ له نكهةً مميّزة، كأنّك تُجمّل الأشياء لأجلي، لا كما هي. كنتُ أُناديك: جابر الخواطر، ولم يكن اسمًا، بل حقيقةً أعيشها معك في كلّ موقف. تُراعي شعوري كأنّه أمانة، وتُخفّف عنّي كأنّك تخشى أن يثقل الحزن على قلبي. ما أسعدني بك… وعلى ذكر البدايات… كيف أنسى يوم عرسنا؟ ذلك البيت الذي خلا من الكهرباء، وارتباكي الذي سبقني إلى المطبخ، ثم تلك اللحظة التي سقط فيها هاتفك في وعاء الحليب، ولم يكن قد مضى على اقتنائك له إلا وقتٌ يسير. جئتك أبكي، لا خوفًا منك، بل خوفًا من أن أكون قد أفسدتُ شيئًا يخصّك. لكنّك… كنتَ أكبر من الموقف كلّه. ربّتَّ على قلبي بكلماتك، وقلتَ إنّك لا تبالي بفقد الدنيا كلّها ما دمتُ أنا بخير، ثم مازحتني، وكأنّك تُعلّمني كيف نُخفّف ثقل الحياة بالضحك: «لعلّ الجوال أراد أن يشرب حليبًا.» ومضت الأيام، وبقيتَ بلا هاتفٍ فترةً طويلة، وبقيتُ أنا أُثقل قلبي بالذنب، وأنت… تُخفّف عنّي، وتُقنعني أنّ وجودي بقربك يكفيك عن كلّ شيء. أتعلم؟ ليست الذكريات التي تركتها لي قليلة… بل هي حياةٌ كاملة، أعيشها كلّما مرّ موقف، فأراك فيه، وأشعر بك فيه، وكأنّك لم تغب. حتى البكاء… لم يعد يُخفّف عنّي، بل يوقظك في داخلي من جديد. أبكيك في صمت، كأنّ الدموع لغةٌ لا يسمعها أحدٌ سواك. وحقٌّ لمثلك أن يبقى غيابه وجعًا لا يشيخ. يا أوّل حب، وأصدق عهد… ما زلتُ هنا، كما تركتني… أنتظرك. العُلا عبد الله https://t.me/nosoosalola⁠

  • #ما_خلف_الكواليس ها قد أسدلت الستار على أهم وأكبر فصل في دفتر «قبل أن يُفتح الباب»... الفصل الذي حاولت فيه تسليط الضوء على الأبواب الخفية في القلب؛ تلك التي قد يدخل منها أحدهم دون أن نشعر، وربما دون أن نعلم أصلًا أن في قلوبنا بابًا من هذا الموضع. لكن قبل أن نسير مع القلب، ونتأمل كيف يستجيب للمشاعر المختلفة، كان لا بد أن نمر على بعض الأسوار التي نظن أنها قوية بما يكفي لحماية قلوبنا. فما بين: ⬅️ أنا لا أختلط بالرجال. ⬅️ أنا أعرف حدودي جيدًا. ⬅️ فارق العمر كافٍ ليحميني. ⬅️ وأسوار أخرى كثيرة... ⬅️ حتى نصل إلى من تظن أنها تعرف قلبها جيدًا، وتثق أنها ستنتبه في الوقت المناسب، وأنها تعرف متى تتوقف. وكلها في الحقيقة أسوار مهمة... لكنها وحدها لا تكفي. فقد يكون السور قائمًا، والحدود واضحة، والنية سليمة... ثم تعبر كلمة واحدة عفوية من شق صغير لم ننتبه إليه، فتصيب القلب في موضع لم نكن نظن يومًا أنه قد يتأثر. وهنا كان لا بد أن نعيد النظر في تلك الأسوار... لا لنهدمها أو نقلل من أهميتها، بل لندرك أنها لا تغنينا عن معرفة أبواب قلوبنا ومنافذها الصغيرة. فحراسة القلب ليست فقط أن نمنع أحدًا من الاقتراب... بل أن نعرف أيضًا من أين قد يتسلل سهم فيصيبه في لحظة غفلة. ولهذا كان لا بد أن نعبر من هنا أولًا... قبل أن أكمل رحلة القلب، وأقترب أكثر من مشاعره وكيف يستجيب لها. https://t.me/SuzanneBekhit