- Последний пост
- 9 авг.
- Последнее чтение
- 15 авг.
- Постов за неделю
- 0
- Всего постов
- 37
- Тип
- открытый
- Язык
- арабский
- Категория
- Книги (по похожим)
- В каталоге с
- 13 авг.
- 1/24сутки в ленте
- 247
- 1/48двое суток
- 283
- 1/72трое суток
- 305
Оценка по просмотрам недавних постов: пост набирает почти всё за первые сутки.
Посты
[1] أستاذة الفلسفة في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية. [2] - محمد أركون، معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلاميّة، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الساقي، ط1، 2001، ص 8-9. [3] - محمد أركون، معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلاميّة، م.س. ص 8. [4] - عبد الجبار الرفاعبي، الهويّة في شِراك الإيديولوجيا، بغداد، الرافدين، ومركز دراسات فلسفة الدين، ط1، 2025، ص 111. [5] - عبد الجبار الرفاعي، الهوية في شراك الإيديولوجيا، م.س. ص 111. [6] - عبد الجبار الرفاعي، الهوية في شراك الإيديولوجيا، م.س. ص 111. [7] - محمد أركون، معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلاميّة، م.س. ص 12. [8] - محمد اركون، معارك من اجل الأنسنة في السياقات الإسلاميّة، م.س. ص 12-13. [9] - محمد أركون، معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلاميّة، م.س. ص 14. [10] - عبد الجبار الرفاعي، الدين والكرامة الإنسانية، بغداد، دار الرافدين ومركز دراسات فلسفة الدين، ط2، 2023، ص 42. [11] - محمد أركون، قضايا في نقد العقل الديني، كيف نفهم الإسلام اليوم؟، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الطليعة، ط1، 1998، ص 237. [12] - محمد أركون، الفكر الإسلامي نقدٌ واجتهاد، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الساقي، ط1، 1990، ص 296. [13] - عبد الجبار الرفاعي، الهوية في شراك الإيديولوجيا، م.س. ص 116. [14] - عبد الجبار الرفاعي، الهويّة في شراك الإيديولوجيا، م.س. ص 117. https://taqueen.com/%D8%A3%D9%8A%D9%86-%D8%A3%D8%B5%D8%A8%D8%AD%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D8%B3%D9%86%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9/
أما في ما يتعلّق بمحمد أركون فنجد أنه كان مهتمّاً في سياق كلامه على الأنسنة بأن يشدّد على الجانب الفكري للفظ "أدب" كما كان متعارفاً عليه بالمعنى الكلاسيكي. فالأدب كان يشمل، في زمن التوحيدي، البعد المعرفي والفكري والأخلاقي والروحي والشرعي والجمالي والسياسي الذي يتّصف به الأديب. كانت هناك متابعة واضحة لمختلف نشاطات الإنسان وإبداعاته بما فيها الصالح والضّار. يشير أركون إلى أهميّة هذا الجانب الفكري لكلمة أدب وذلك بهدف "حماية الإنسان من عدوان أخيه الإنسان، وباطله، وغطرسته، وفرعونيّته، وعنفه". كذلك فهو يلفت الانتباه إلى "الشروط العقليّة التي يجب ان يحترمها -الإنسان- أو يتقيّد بها في معاملته لنفسه أو معاملته مع الآخرين في الحياة الاجتماعيّة".[7] عمل أركون على لفت الانتباه إلى الفرق بين ذهنيّة التعاطي مع كلمة أدب في العصر الكلاسيكي زمن الجاحظ ومسكويه والتوحيدي وغيرهم، من جهة، وبين واقع الحال في معظم المجتمعات العربية الإسلاميّة المعاصرة، من جهة أخرى. كان هناك التزامٌ كاملٌ، في نظره، "بقضايا الإنسان كإنسان"، إذ تمّ وضعه في صلب الانهمام الفكريّ للمشتغلين بالأدب، في معناه الواسع. أما ما يحدث في الفترة المعاصرة، فهو، حسب رأيه، "يدلّ دلالة واضحة على غياب النزعة الإنسانيّة"، إن في الخطابات اليوميّة، أو في كتب علماء السياسة المتعلّقة بالدساتير الرسميّة. يقول بأنه اقترح مصطلح الأنسنة لكي يشير إلى الأبعاد الفكرية الغائبة بعد أن ازدهرت في العهد الكلاسيكي، عهد الأدب والأدباء العرب والمسلمين. أراد مكن خلال التحدّث عن ذلك أن يدعو إلى "إحياء الموقف الفلسفيّ في الفكر العربي خاصة، والفكر الإسلاميّ عامة". وهو لديه اعتقادٌ راسخٌ "بأنه لا سبيل إلى الاعتناء بمصير الإنسان اعتناءً شاملاً، نقديّاً، منيراً، محرّراً، بدون التساؤل الفلسفيّ عن آفاق المعنى التي يقترحها العقل ويدافع عنها".[8] من هنا يبرز واضحاً هذا الجمع بين العقلانية والأنسنة، إنها عمليّة بناءٍ ذهني ترتكز على العقل الفلسفيّ الذي يبحث عن المعنى بحرية، ويضع قضايا الإنسان في صلب انشغالاته. ميّز محمد أركون بين التفكير الفلسفيّ في الإنسان والتفكير الدينيّ فيه. فالموقف الديني يهتمّ بالإنسان من أجل الهداية نحو الطريق الصحيح. وكأن لدينا أنسنة فلسفيّة وأخرى دينيّة، لكلّ منهما السبيل الخاص في طرح ومعالجة قضايا الإنسان. تربط الأنسنة الأولى، أي الفلسفية، مصير الإنسان بخياراته، بمسؤوليّته، وبالقرارات التي يتخذها بوعيٍ ودراية. بينما تربط الثانية، أي الإنسنة الدينيّة، مصير الإنسان بما تبشّر به التعاليم الالهيّة المنزلة. يرتكز حال العقل في الأنسنة الأولى على التفاعل مع العقول الاخرى المتعدّدة من حوله، ضمن الإطار السياسيّ الديمقراطيّ، في ظلّ دولة القانون والمؤسّسات، في إشارة واضحة إلى العقل التواصلي عند هابرماس. لفت الانتباه إلى "أن الاعتراف بالتعدّدية المذهبيّة والثقافيّة واللغويّة هو صفة من الصفات الأساسيّة والتأسيسيّة للموقف الإنساني. وكانت هذه التعدّدية سائدة، مقبولة، معرَّفاً بمنافعها في فجر الإسلام وضحاه".[9] أما ما جرى في ما بعد فكان مغايراً لنهج الانفتاح وتقبّل الرأي الآخر، بخاصة ما يتعلّق بالقضايا اللاهوتيّة والشرعيّة. أشار أركون في أكثر من مناسبة إلى العلاقة التي جمعت بين السلطة الدينيّة والسلطة السياسيّة في التاريخ الإسلامي، واعتبر أنه كلّ ما ساد "التضامن الإيديولوجي" وقوي الاتفاق بينهما، كانت النزعة الإنسانيّة في تراجعٍ ملحوظ، والتفكير الفلسفي يسير نحو التهميش، والفكر النقدي نحو التغييب. إن التكافل بين الدولة والسلطة الدينيّة أدّى إلى انتشار ذهنيّة التحريم والتقديس في المجتمعات، وفق ما بيّن ماكس فيبر. إن الفكر النقديّ مبنيّ على حريّة التفكير والتعبير والنشر، وهو يفتح المجال أمام تعدّد الجمعيّات في المجتمعات المدنيّة. في النظر إلى الدين من زاوية الأنسنة. يرى عبد الجبار الرفاعي أن الإنسان لا يصنع حاجته للدين لأن "الحاجة للدين مستودعة في أعماق الكينونة الوجودية لهذا الكائن، ما يصنعه هو أشكالُ تديّنه في حياته الفردية والمجتمعيّة. ويدلّ على ذلك حضور الدين ورموزه وتعبيراته المتنوّعة في حياته منذ ظهوره على الارض حتى اليوم".[10] نلحظ أن الرفاعي يتكلّم على الدين انطلاقاً من الإنسان، من الشعور بالقلق والاغتراب الوجوديّ. هذا الكائن الضعيف والهش الذي يعجز عن إنقاذ نفسه من الموت. أنه يقع باستمرار ضحيّة جهله بنفسه كما بمصيره. من هنا نجده يتوقّف عند أهميّة السلام الداخلي باعتباره منبعاً للحياة المطمئنّة التي تتغلّب على الكآبة والمعاناة المنهكة. إن هذه الحال التي دفعت الإنسان الواعي إلى الاعتراف ببعض ضعفه وقدرته المحدودة التي تحول دون حصوله على ما يتمنّاه. فالوضع النفسي للإنسان وما يعاني منه من اضطراب وقلق واغتراب وجوديّ، كلّ ذلك لعب دوراً، برأي الرفاعي، في اللجوء إلى الإيمان والدين. هذا ما أمّن له الحماية وغذّاه بالمحبة والرحمة والقيم السامية، وأسعفه في الاستمرار التاريخي. من ناحيته، ينظر أركون إلى الدين مميّزاً بين التركيبات اللاهوتيّة التي تضعها السلطة الدينية بالتنسيق مع السلطة الرسميّة، وبين الوظيفة الروحانيّة للدين. يستعين بميشال ميسلان الذي عرّف الدين باعتباره "التجربة البشريّة لما هو الهي"، مشدّداً على المعنى الروحي المنزّه والمتعالي الذي يتمّ تحريفه أو استغلاله من قبل السلطات الرسميّة. فالدين بالعنى الروحاني هو بمثابة "الرعشة الدينيّة العالية والمنزّهة" التي عاشها الأنبياء كما كبار المفكرين والعلماء. نجده بالتالي يفرّق "بين معنيين للدين: المعنى الروحي المنزّه والمتعالي/ والمعنى القانوني، الرسمي، السلطوي، أو الذي يخلع المشروعيّة على السلطات السياسيّة".[11] ملفت جداً هذا التعاطي مع الدين وعدم حصر لحظة الوحي بالأنبياء من دون سواهم، نلحظ أن أركون وسّع من دائرة الكشف والاختبار الروحي لكي تشمل أيضاً العلماء عندما يأتون بما هو جديد في سياق بحثهم عن الحقيقة. كما أنه كان قد شدّد على تاريخيّة الفكر الديني، أي على البعد الإنساني لهذا الفكر، ومحدوديّته في الزمان والمكان، وعلى الشروط الاجتماعية والسياسية والثقافية المحيطة به، والتي أدّت إلى تبلوره في الشكل الذي ظهر فيه. فالتركيز على التاريخية أمرٌ يحيل بالضرورة إلى الأنسنة، وفق نظرنا. كذلك التركيز على العلمنة في كتابات أركون باعتبارها "الموقف الحر والمفتوح للروح أمام مشكلة المعرفة"[12] يمكن اعتباره بمثابة إشارة واضحة إلى أهميّة الأنسنة والمقاربة الإنسانيّة للمسائل السياسية والاجتماعية والفكرية. نودّ أن نشير، في ما يتعلّق بنظرة الرفاعي للدين إلى أنه ينتقد بشدّة كل تلك المحاولات في تشويه الدين، والتي تقوم بها السلطات الدينية في مجال تعليم مبادئ الشريعة، في مختلف المؤسّسات. لا يمكن بالنسبة إليه أن نقدّم مفهوماً إنسانيّاً للدين ما لم نتوقّف عند الأخطاء التي اقترفتها السلطات الدينيّة من أجل نقدها بعمق. فالأنسنة تقتضي هذا النقد وتفرضه على الباحث الرصين الذي يتحلّى بالموقف الأخلاقيّ. يعلن بوضوح ما يأتي: "يملي علينا الموقف الأخلاقيّ أن نفضح منابع الكراهية والتعصّب والتمييز بين البشر في تراثنا ومواقفنا وسلوكنا، كما نفضحها في تراث غيرنا ومواقفه وسلوكه، وأن نعترف بأخطاء تاريخنا وخطاياه، مثلما ندين اخطاء تاريخ غيرنا وخطاياه. ليس من الإنصاف أن نمارس الانتقاء، فنبرّئ تراثنا مما لا نرضاه من غيرنا، وندين سلوك الآخر في حين نتغافل عن سلوكنا، ونتحدّث عن القيم وننسى فقرنا الأخلاقيّ".[13] إن مجرّد التأمّل في مضمون هذا النص كفيلٌ في أن يوضح للقارئ أهميّة الأنسنة وعمق تجذّرها في مقاربة الرفاعي للدين، وللفكر الديني. وما تشديده على البعد الأخلاقيّ إلا خير دليلٍ على ذلك. فالمعاملة بالمثل، والبدء بتطبيق النقد على الذات تماماً كما نطبّقه على الآخر، وتعرية الذات من أوهامها، كلها خطوات منهجيّة تفيد في التأسيس للأنسنة المعاصرة على مبادئ راسخة. يصرّ الرفاعي على أهميّة المراجعة النقدية للتراث الديني، وعلى إبراز الأخطاء التي أدّت إلى تشويه صورة الدين، هذه الأخطاء والممارسات التي أبعدت الدين عن جوهره فحوّلته إلى "أداة للهيمنة وشرعنة الظلم والاستعباد، بدل أن يكون منبعاً للرحمة والمحبة والكرامة والحرية والمساواة". من الجدير ذكره في هذا السياق أن الدين كما يفهمه الرفاعي "هو طاقة روحيّة وأخلاقيّة مُلهمة، تستنهض في الإنسان ضميره الحي، وتوقظ فيه الشعور بالمسؤوليّة تجاه نفسه وتجاه الآخر، أيّاً كان دينه أو انتماؤه".[14] في الختام، يمكن القول إن هذا الكلام كفيلٌ في تظهير صورة مشرقة عن الأنسنة في الفكر العربي المعاصر، وهو يلتقي بعمق مع طروحات محمد أركون الخاصة بالدين والتنوير والعلمنة والأنسنة. لذا، في خلاصة هذا المقال، يمكن أن نتلمّس، من خلال ما سبق من فقرات، نهجاً إنسانيّاً واضح المعالم في مقاربة قضايا الدين والمجتمع، وهو يقدّم أسساً صلبة يمكن البناء عليها، ومتابعة ما بدأ به كلٌّ من أركون والرفاعي من أجل إستعادة المبادرة، والعمل على إرساء تفكيرٍ إنسانيٍّ يخفّف من هول التحدّيات الراهنة، ويشقّ طريقاً نحو الأمل بمستقبلٍ إنسانيٍّ أفضل، يقينا شرّ الفراغ واللامعنى والعنف المستفحل الذي يستبيح كلّ شيء من دون رادع.
أين أصبحت الأنسنة في الفكر العربي المعاصر؟ وقفة مع محمد أركون وعبد الجبار الرفاعي د. نايلة أبي نادر[1] وسط الشعور بالغربة، غربة الإنسان الواعي عن نفسه، عن بلده، عن مجتمعه، هذه الغربة التي ترمي به في دوائر الأسئلة المؤرقة، الأمر الذي يزيده اغتراباً، يكثرُ الكلام على موت الإنسان الطبيعي، أو عن تراجع قيمته وكفاءاته في مقابل نموٍّ متزايد للإنسان الآلي. فالذكاء الطبيعي بات في انحسار أمام مدّ الذكاء الاصطناعي، وتضاعفِ ميزاته وانتشارِ أعماله. بات التوقّف عند الأنسنة والبحث في تجليّاتها إن في الفكر الديني أم في الفكر الفلسفي ضرباً من التشبّث بسلالة مهدّدة بالانقراض، أو بجوهرة محفوظة في متحف التاريخ، نخشى عليها من السرقة أو الضياع. إن المشهدية الدامية التي تحيط بنا تضعنا في مواجهةٍ شرسةٍ مع الأسئلة المُرهقة: لماذا كلّ هذا الدمار؟ أإلى هذا الحدّ انهارت قيمة الإنسان مقابل قيمة الصفقات أو المشاريع العالميّة؟ أإلى هذا الحدّ بات البشر على الأرض مجرّد عملة على طاولة البورصة، ترتفع قيمتها أو تنخفض وفق العامل الجغرافيّ، أو القوميّ، أو السياسيّ، أو الدينيّ؟ هل فعلاً كلّ ما قيل عن العدالة والمساواة مزاحٌ، أو كلامٌ فارغٌ لا مضمون له يمتّ إلى الإنسانيّة بصلة؟ هل كلّ هذا الحبر الذي سال والصفحات التي عبقت بالمعاني كان مجرّد مواكبة لما هو رائجٌ في الغرب، أم هو نوعٌ من اللجوء إلى زاوية آمنة بعيداً عن واقعٍ مؤلمٍ خائبٍ يحمل في طيّاته أسباب تفجيره من الداخل؟ الكلام على الإنسان في السياق العربي المعاصر يضعنا أمام أسئلة محرجة تدفعنا إلى البحث عن موقعه في ما يتمّ إنتاجه من خطابات إن في المجال الفلسفي أو السياسي أو المجتمعي، من دون أن نغفل عن المجال اللاهوتي. لماذا التوقّف عند الإنسان؟ ما هو التصوّر الراسخ في الذهن حول مفهوم الإنسان؟ إلى أيّ مدى يمكننا التحدّث عن تيّار إنسيّ عربيّ معاصر؟ أسئلة تشغلني منذ مدّة، وهي تواجهني بإلحاح، بخاصة بعد أن لحظنا تراجع الخطابات التي تنهمّ بشأن الإنسان على حساب القضايا الكبرى، والصراعات المحتدمة، وتعاظم الأزمات التي تضرب المنطقة. هل الكلام على الإنسان يعدُّ اليومَ ضرباً من الهروب من مواجهة الواقع وتحدّياته؟ هل هو انكفاء في اتجاه التأمّل وبناء عالمٍ نظريٍّ تسود فيه معايير مختلفة تسمح بالتفرّغ للتفكير بالإنسان؟ بتعبيرٍ آخر، هل هو انفصامٌ عن الواقع؟ هل ما طرحه التوحيدي في كتابه "الهوامل والشوامل" حول الإنسان ما زال يحثّ الباحث على التفكير في عمق هذا القول: "الإنسان أشكل عليه الإنسان"؟ انطلاقاً من انشغالي بدرس نصوص محمد أركون اخترت التوقّف عند تصوّره للإنسان، وكيفيّة مقاربته لعمق معنى الأنسنة. كذلك، إن من يقرأ نصوص عبد الجبار الرفاعي لا بدّ من أن يلفت انتباهه هذا الإصرار على الأنسنة، والكرامة الإنسانية، والنزعة الإنسانية. من هنا، يهدف هذا المقال إلى إعادة تسليط الضوء على مفهومَي الإنسان والأنسنة في الفكر العربي الإسلامي المعاصر انطلاقاً من علٍَمين اثنين عملا بجهد على إرساء نظرة إنسيّة تقارب موضوعات عدّة من زاوية تعيد الاعتبار للإنسان، ولكرامته ودوره وقيمته في المجتمعات العربية المعاصرة. في أهميّة الأنسنة عند أركون والرفاعي. في ما يتعلّق بمحمد أركون، نلحظ عند قراءة كتبه أنه نادراً ما نجد واحداً منها لم يذكر فيه الأنسنة، بشكلٍ أو بآخر. فالأنسنة عنده تعني إعمال العقل، والتجرّؤ على التفكير بما هو مستحيلٌ التفكير فيه، وهي ركنٌ من أركان التنوير، تقوم على ممارسة التفكير النقديّ. وهي تجربة فكرية منفتحة على عالم المعرفة، تنهمّ بكلّ ما يُنتجه العقل البشريّ من دون تمييز ولا تهميش. تأثّر أركون بشخص أبي حيّان التوحيدي، وتوقّف عند درس فكره، وما تركه من أثر من بعده. عمل بجهدٍ مميّز على إبراز نزعة الأنسنة في القرن الرابع الهجري، مشيراً إلى أن هناك تأصيلاً عربيَاً ما لهذه النزعة، وهي ليست بالتالي غريبة عن الفكر العربي. إن التركيز على اختبار الأنسنة في الفكر العربي يهدف، حسب ما نعتقد إلى تسليط الضوء على الجهد الكبير الذي قام به مفكرون مثل الجاحظ والتوحيدي ومسكويه وغيرهم في حقبة مفصليّة من تاريخ الفكر العربي الإسلامي. لم يغفلوا عن الإنسان، ولا عن قوّة عقله في الاستدلال. لقد التزموا بعمق في معالجة قضايا الإنسان كإنسان. أشار أركون إلى أن "الأنسنة كما فهمها وجسّدها التوحيديّ مثلاً تثور على الإنسان عندما يصبح العدوّ الأخطر للإنسان".[2] يعكس هذا التوجّه نقداً واضحاً لممارسة العنف التي تنزع عن الإنسان إحدى أهمّ خاصيّة لديه، وهي إنسانيّته. فالعنف، للأسف، ممارسة عرفتها مختلف المجتمعات البشرية، عبر التاريخ، وعلى وسع الجغرافيا. من هنا يأتي عدم الاكتفاء بما عُرِف بـ"الأنسنة الشكليّة" التي تشير إلى الانفصام بين الكلام على القيم الإنسانية، والتغنّي بالفنون، من جهة، وبين السكوت عن الظلم والاضطهاد والاستعباد، من جهة أخرى. هذه الأنسنة الشكليّة التي عرفتها أوروبا مثلاً، وهي غريبة عن واقع ما يحدث في المجتمع، أدّت في نظر أركون إلى الإعلان عن "موت الإنسان". فالغرق في تنظير الفلاسفة المثاليين والأدباء واللاهوتيين أدّى إلى الابتعاد عن واقع العنف والظلم الذي ما زال مستمرّاً حتى اليوم. إن كلّ ممارسة للعنف باسم الحقيقة أو الهوية أو القيم أو الدين أو الاصالة أو القومية هي غرق في الإيديولوجيا، ونكرانٌ للأنسنة. في سياق كلامه على الدين والأنسنة يقول أركون: "إن الدين الذي يهمل الاجتهاد الفكري المبدع والنقّاد لجميع ما ينتجه العقل يصبح لا محالة آلة خطرة يستغلّها المتلاعبون بالنفوس والقامعون للحريات الأساسيّة التي يتطلّبها كلّ إنسان لكي يرتقي إلى درجة الأنسنة".[3] واضحٌ في ما تقدّم التركيز على أهميّة إعمال العقل والاجتهاد الفكري وممارسة النقد بحريّة من أجل الارتقاء إلى مستوى الأنسنة. واضحٌ أيضاً التصدّي للسلطة الدينية التي تقمع أبرز تجليّات أنسنة الإنسان، ألا وهي التفكير المبدع الذي يمارس النقد لمختلف ما سبق الفكر البشريّ أن أنتجه. إن اعتماد المنهج النقدي ليس ضرورة فقط بالنسبة إلى التفكير الفلسفي، إنما هو من صلب تحقّق إنسانيّة الإنسان، أيّاً كان مجال عمله وانشغاله الفكريّ. أما في ما يتعلّق بعبد الجبار الرفاعي، فيمكن أن نقول إنه من الصعب جداً التحدّث عن الأنسنة عنده خارج الكلام على الدين، فهو يصرّ على الربط بين جوهر الدين وبين الأنسنة، بين كرامة الإنسان وبين الوحي، بين الظمأ الأنطولوجي الذي يختبره الإنسان وبين الدين. نجده يؤكّد في أكثر من مناسبة على أن "الإنسان غاية الدين، وليس وسيلة للدين، ولا أداة للسلطة أو المؤسّسة أو الجماعة". كذلك نجده يشدّد على أن "كلّ دين لا يتّخذ الإنسان غايته، ولا يجعل صون كرامته بوصلة له، ليس ديناً إنسانيّاً. جوهر إنسانيّة الدين أن يحمي الكرامة، ويرفض كلّ أشكال التمييز بين الناس، على اختلاف أعراقهم، وأديانهم، وثقافاتهم، وأوطانهم".[4] هذا الكلام يشير إلى وضع الإنسان في صلب التفكير الديني، وإلى أن احترامه واجبٌ، والإنسان هنا، ليست له هوية محدّدة، ولا قوميّة معلنة، ولا انتماء محصور بوطن معيّن. كلام عبد الجبار يعبّر عن توقٍ إلى العالميّة ولا يرضى بالتقوقع داخل السجون التي يفرضها بعض الماسكين بمفاتيح العلم والمعرفة والسياسة. نجده ينحاز بوضوح إلى الإنسان، ويدافع عن كرامته، إذ من دونها سوف يفقد قيمة أيّ عمل يقوم به، حتى ولو كان هذا العمل يصنّف في إطار التديّن. كلّ دين لا يسعى أتباعه إلى مناهضة العنف، ومنع إذلال الناس، والحفاظ على حرياتهم، فهو دينٌ لا يمكنه تحقيق الرحمة على الأرض. يؤكّد على أن الله خلق"الناس متساوين في إنسانيّتهم، لا تفاضل بينهم في أصل الخلق، ولا يكتمل المعنى الروحي الأخلاقيّ للدين ما لم يحمل هذا الوعي، ويترجمه في الواقع".[5] ينتقد الرفاعي بشدّة، وفي أكثر من موضع، عمليّة تحويل الدين إلى إيديولوجيا، ويعتبرها خيانة لجوهر الدين ولقيمة الإنسان وكرامته على حدّ سواء. إن احترام حرية الإنسان تكمن في احترام الحقّ في الاختلاف في المعتقد، لذا، إن أيّ إكراهٍ على تبنّي تعاليم محدّدة أو عقائد معيّنة من دون سواها، فهو يُعتبر طعناً في كرامة الإنسان، وبالتالي إنه طعنٌ في جوهر الدين الذي ينظر إليه كـ "رسالة روحيّة أخلاقيّة تنشد السلام والسكينة والطمأنينة للناس جميعاً، لا لجماعة دون أخرى".[6] هذا الربط بين الدين والكرامة الإنسانيّة يمكن اعتباره تجلّياً واضحاً وصريحاً للنزعة الإنسانيّة عند الرفاعي، وهو يشير في الوقت عينه إلى وسع الرؤية لديه، وإلى انهمامه بالإنسان، أيّ إنسان. فالنقد الذي يوجّهه إلى عمليّة الانغلاق الإيديولوجيّ والتقوقع داخل جدران هويّة محدّدة "مصطفاة" يتمّ رفعها إلى ما فوق الهويات الأخرى، يٌعتبر إشارة واضحة إلى البعد الأخلاقي الذي يشكّل محوراً رئيساً في فلسفة عبد الجبار الرفاعي. لا يكتفي بالمناداة بالبعد الأخلاقي، والإشارة إلى أهميّة البعد الروحي في الدين، إنما نجده يسعى إلى ترجمة ذلك على أرض الواقع من خلال العمل على ترسيخ قيم "الكرامة والحرية والمساواة والعدالة"، وغيرها بهدف تحرير الإنسان من مختلف أشكال الاستعباد وحمايته من الإذلال والاستعباد. نجد في هذا الإصرار الظاهر بوضوح في كتبه نوعاً من الشهادة لحقيقة الإنسان، ولحقيقة الدين في آن معاً. هذا الإصرار يحمل القارئ على أن يجد في الدين طريقاً إلى السلام بدلاً من الاحتراب، وملاذاً آمناً للكرامة الإنسانية بدلاً من الإذلال والاستعباد والقهر والاستغلال. إنها دعوة صريحة للتحرّر من كلّ ما يهين الإنسان، باسم ايّ سلطة كانت. هناك كرامة إنسانيّة يجب التوقّف عندها، احتلااماً لها، لأنه عند احترامها تُحترم كرامة كلّ إنسان، وفي انتهاكها، تُنتهك كرامة كل إنسان.
د. محمد أركون ود. عبد الجبار الرفاعي - باريس، المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية، 2007.
يصدر قريبا ببغداد كتاب: "اللغة ولغة الدين"، الذي حاولتُ فيه تناول لغة الدين بأسلوب مدرسي واضح، أجيب فيه أولًا عن أسئلتي، كما هي عادتي في كل كتاباتي، وعن أسئلة متنوعة ما زالت تردني من قراء نابهين حول لغة الدين. لم أدَّعِ أن ما أقدمه هو أجوبة نهائية، إنما سعيت إلى افتتاح أفق للتفكير في هذه اللغة، والكشف عمّا تختزنه من طبقات للمعنى، وما تفتحه من إمكانات للتأويل والفهم. كما حرصت على شرح بعض اتجاهات الفكر اللغوي الحديث التي انشغلت بهذه الموضوعات، وسعيت إلى إعادة التفكير في اللغة بوصفها الأفق الذي يتشكل فيه المعنى، وينكشف فيه وجود الإنسان في العالم؛ لذلك رأيت أن الحديث عن هذه الاتجاهات في الفصول الأولى ضرورةٌ لفهم لغة الدين، والتعريف بطبيعتها، وبيان المواقف المتنوعة في النظر إليها وتأويلها. درستُ النحو وبعضَ علوم العربية سنواتٍ طويلة في الحوزة. وتتلمذت في النحو على عدد من الأساتذة، وتدرجت في دراسته من كتاب "الآجرومية" لابن آجروم، إلى "قطر الندى وبلّ الصدى" لابن هشام، ثم "شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك"، و"شرح ابن الناظم"، كما توليت تدريس هذه المتون عدة سنوات لمجموعات من الطلاب. وكان اهتمامي مبكرًا بعلم اللغة الحديث وفلسفة اللغة واللسانيات. أحاول في هذا الكتاب الإجابة عن الأسئلة التي رافقتني في تعلم العربية وتعليمها، واستكشاف ما تتيحه المناهج اللغوية الحديثة من آفاق أرحب لاكتساب اللغة وفهمها وتعليمها. ويعود اهتمامي بدراسة لغة الدين إلى سنوات طويلة، إذ أصدرت عددين من مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” خصصتهما لهذا الموضوع، كما خصصت له الجزء السادس من “موسوعة فلسفة الدين” التي صدرت العام الماضي في ثمانية أجزاء. ظل سؤال لغة الدين حاضرًا في كتاباتي؛ لأنه مدخل أساس لفهم النص الديني وكيفية تعبيره عن الله والغيب والمقدس، وحدود اللغة البشرية في تمثيل الحقيقة المتعالية. فالمعنى الديني لا يصل إلى الإنسان خارج اللغة، وحين يدخل المقدس فضاء اللغة يدخل أفق الفهم البشري، فتتعدد قراءاته وتأويلاته بتعدد الثقافات والتجارب والأسئلة.
لا تكفي في ذلك الملخصات ولا التشابهات اللفظية، فالحكم على أصالة المشروع يقتضي الرجوع إلى النصوص الأصلية، وتتبع المفاهيم في سياقاتها، والكشف عما أحدثه الرفاعي فيها من تحويل وإعادة بناء. يؤسس هذا المدخل لتلك الدراسة الموسعة، ويمهد لقراءة المشروع من داخله، في ضوء أسئلته وغاياته ومساره الخاص. https://al-aalem.com/%d9%85%d8%af%d8%ae%d9%84-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d9%85%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b9-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a8%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%81%d8%a7%d8%b9%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d9%81/
مدخل إلى مشروع عبد الجبار الرفاعي في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد إبراهيم العروي، كاتب سعودي متخصص بالفلسفة. يمثل عبد الجبار الرفاعي، المولود في محافظة ذي قار جنوب العراق سنة 1954، واحدًا من أصحاب المشاريع الفلسفية العربية المعاصرة الأكثر اتساقًا ومثابرة واستمرارًا. كرس أكثر من ثلاثة عقود لتأسيس أرضية معرفية لحقلين متداخلين لم يترسخ حضورهما بعد في الفضاء العربي: فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. بلغ إنتاجه الفكري نحو ستين كتابًا، فضلًا عن رئاسته تحرير مجلة "قضايا إسلامية معاصرة" منذ تأسيسها سنة 1997 حتى اليوم، وإدارته مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، وإشرافه على سلاسل مرجعية صدر فيها أكثر من ثلاثمئة كتاب في بيروت. لم يقتصر مشروعه على التعريف بفلسفة الدين ونقل مباحثها إلى العربية، إذ عمل على بناء رؤية خاصة تنطلق من مركزية الإنسان وكرامته، وتفسر الدين استجابة لحاجة وجودية عميقة إلى إنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي للحياة. أعاد في ضوء هذه الرؤية قراءة الوحي والنبوة والإيمان والتجربة الدينية ولغة الدين، وسعى إلى تحرير علم الكلام من أسئلته الموروثة ومقولاته المغلقة، ونقله من الدفاع عن العقائد إلى فهم الإنسان وحاجاته الوجودية في العالم الحديث. لا يدعي هذا المدخل الإحاطة بمختلف أبعاد المشروع وامتداداته، ويسعى إلى رسم خريطته العامة، وتتبع منطلقاته وتحولاته، والكشف عن أدواته في التفكير، وتحليل مفاهيمه المحورية، وبيان ما يميزه من المشاريع الفكرية العربية المعاصرة، ومناقشة أبرز الأسئلة والاعتراضات التي أثارها خصومه ومحاوروه. تلقى عبد الجبار الرفاعي علوم الدين في حوزة النجف الأشرف ابتداء من سنة 1978، واضطر إلى مغادرة العراق سنة 1980، فواصل دراسته في حوزة قم حتى بلغ مرتبة الاجتهاد، وصار لاحقًا أحد أساتذتها. حصل على البكالوريوس في الشريعة الإسلامية سنة 1988، والماجستير في علم الكلام سنة 1990، والدكتوراه في الفلسفة الإسلامية سنة 2005 بتقدير امتياز، ونال درجة الأستاذية سنة 2012. أشرف على أكثر من ثمانين رسالة وأطروحة لدرجتي الماجستير والدكتوراه وشارك في مناقشتها، ونوقشت حتى اليوم اثنتان وثلاثون رسالة ماجستير وأطروحةدكتوره تناولت مشروعه التجديدي، في جامعات عراقية وعربية وأجنبية.نال الرفاعي عددًا من الجوائز، من أبرزها: "الجائزة الأولى للبطريركية الكلدانية لأفضل الأعمال الفكرية" سنة 2020، و"الجائزة الأولى للإنجاز الثقافي والتفاهم الدولي" في الدوحة سنة 2017، و"الدرع الذهبية للحركة الثقافية" في أنطلياس بلبنان سنة 2013، إلى جانب جوائز أخرى. من التكوين التقليدي إلى تجديد الفكر الديني تمثل التحول الحاسم في مسيرة #عبدالجبار_الرفاعي في انتقاله التدريجي من الاشتغال بعلم الكلام القديم، الذي انصرف إلى الدفاع عن العقائد وإثباتها ودحض عقائد الخصوم، إلى بناء "علم الكلام الجديد". بدأ الرفاعي هذا المشروع قبل أربعة عقود تقريبًا، وأصدر في سياقه، مجلة "قضايا إسلامية" سنة 1994-1997، صدرت هذه المجلة بدعم مالي من صديقه المرحوم الشيخ مهدي العطار. وأسس مجلة "قضايا إسلامية معاصرة" سنة 1997، فاحتضنت مباحث فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، وعرفت القارئ العربي بأبرز أعلامهما ومفاهيمهما وأسئلتهما واتجاهاتهما، وترجمت دراسات ونصوصًا أساسية فيهما، ومازالت تصدر حتى اليوم. أسس الرفاعي أيضًا مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، ليكون فضاء للبحث والترجمة والنشر والحوار في هذين الحقلين. وما زال يراجع مشروعه ويعمقه ويطور مفاهيمه في مؤلفاته المتعاقبة. لم يكن هذا التحول قطيعة مفاجئة مع التراث الكلامي، فقد جاء ثمرة مراجعة نقدية طويلة لمناهج ومقولات ووظائف وحدود الكلام القديم، في ضوء مكاسب الفلسفة الحديثة والعلوم الإنسانية وفلسفة الدين. تجلى هذا المشروع في عدد من مؤلفاته، من أبرزها: "مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد"، و"مقدمة في علم الكلام الجديد"، و"الدين والظمأ الأنطولوجي"، و"الدين والاغتراب الميتافيزيقي"، و"الدين والكرامة الإنسانية"، و"الدين والنزعة الإنسانية"، و"مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث"، و"مبادئ الفلسفة الإسلامية"، وصولًا إلى عمله الأخير "موسوعة فلسفة الدين" في ثمانية أجزاء، التي وصفها بعض الدارسين بأنها أول موسوعة عربية في فلسفة الدين، وجاءت ثمرة أكثر من ربع قرن من البحث والعمل المتواصل. منح هذا المسار مشروعه سمة مميزة؛ فقد انتقل من التكوين الحوزويالتقليدي إلى المراجعة النقدية لمناهج هذا التكوين ومقولاته وأدواته في إنتاج المعرفة الدينية. يصدر نقده من خبرة عميقة بالتراث الديني وعلومه ومناهج تدريسه، لا من موقع الغريب عنه. إنه نقد من داخل علوم الدين التراثية، يعيد فحص الموروث، ويتجاوز تكراره واجتراره، ويفتحه على أسئلة الإنسان وتحديات العالم الحديث. يتفرد مشروع الرفاعي في #تجديد_الفكر_الديني بانتقاله من النقد إلى البناء، ومن التفكيك إلى التركيب.
يرتبط بمفهوم "الظمأ الأنطولوجي" مفهومُ "الاغتراب الميتافيزيقي"، الذي يفسر شعور الإنسان بالوحشة والضياع والغربة الوجودية عندما تنقطع صلته بالمطلق، ويفتقر وجوده إلى المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي. لا ينشأ هذا الاغتراب من غياب الدين دائمًا، فقد ينشأ داخل أنماط من التدين تستنزف روح الإنسان، وتزرع الخوف في داخله، وتقدم له صورة قاسية لله، وتغرقه في الشعور بالإثم والاحتقار. من هنا يعمل الرفاعي على اكتشاف الصور المضيئة لله، وإعادة بناء صلة الإنسان به على أساس الرحمة والحب والرجاء، لتصبح التجربة الدينية مصدرًا للسكينة وإثراء الوجود، لا منبعًا للرعب واستلاب الذات. ويمثل "علم الكلام الجديد" الإطار النظري الذي تنتظم فيه هذه الرؤية. لا يختزل الرفاعي هذا العلم في تحديث لغة الكلام القديم أو إضافة مسائل حديثة إلى موضوعاته، إذ يعيد بناء موضوعه ومنهجه ويضع له معيارًا واضحًا هو الفهم الجديد للوحي ووظيفته. ينقل مركز اهتمام علم الكلاممن الدفاع عن العقائد ودحض الخصوم، إلى تفسير الإيمان، وفهم معنىالدين ووظيفته وحدوده، وقراءة مفهوم الوحي والنبوة والشريعة والتكليف، وتحليل حاجة الإنسان إلى المعنى. يستفيد الرفاعي من الفلسفة الحديثة والعلوم الإنسانية في فحص المعرفة الدينية والكشف عن تاريخيتها وحدودها، ويميز بين الحقيقة الدينية في ذاتها وما يفهمه الإنسان منها. يفتح هذا التمييز أفقًا لتعدد التأويلات والحوار، ويحرر المتكلم من وهم امتلاك الحقيقة النهائية والاستئثار بتمثيلها. ويحتل التمييز بين الدين والتدين والمعرفة الدينية موقعًا محوريًا في المشروع. يعرف الرفاعي الدين بأنه: "حياة في أفق المعنى، تفرضها حاجة وجودية لإنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياة الإنسان الفردية والاجتماعية". أما التدين فهو تمثل الإنسان للدين وطريقة عيشه والتعبير عنه في الواقع، في حين تمثل المعرفة الدينية الفهم البشري للنصوص والمعتقدات والرموز. يخضع التدين والمعرفة الدينية لانتاجها في المتخيل الفردي والجمعي، وللتاريخ واللغة والثقافة والبيئة والمصالح البشرية. يتيح هذا التمييز نقد أنماط التدين العنيف والمغلق، ونقد المعرفة الدينية الموروثة، من دون اختزال الدين في أحد أشكال حضوره التاريخي. وتأتي الهرمنيوطيقا لتكشف أن الإنسان لا يتلقى النص خارج لغته وتاريخه وآفاق انتظاره. يستفيد الرفاعي من مناهج التأويل الحديثة، ويحاور ما قدمه غادامير وغيره في فهم النص والرمز وتاريخية الوعي. لا يعني ذلك إخضاع النص لإرادة القارئ أو نفي دلالته، وإنما يعني أن الوصول إلى النص لا يحدث من دون فهم بشري، وأن كل فهم يتشكل داخل أفق لغوي وتاريخي معين. تتجدد قراءة النص بتجدد أسئلة الإنسان ومعارفه وتحولات حياته، وتظل دلالاته أوسع من أن يستنفدهاتفسير واحد أو يحتكرها مذهب بعينه. الجدل العربي حول مشروع الرفاعي أثار مشروع الرفاعي اعتراضات صدرت من اتجاهات متباينة. يتحفظ بعض ممثلي الاتجاه الديني التقليدي على تأكيده تاريخية المعرفة الدينية وتعدد الفهم، ويرون في ذلك تقليصًا لسلطة التفسير الموروث وفتحًا للدلالة على قراءات غير منضبطة. وينظر بعض السلفيين إلى أدواته الفلسفية والهرمنيوطيقية على أنها وافدة من بيئة معرفية غربية لا تنسجم مع منهجهم في فهم النص. في المقابل، يرى بعض العلمانيين أن مشروعه يحتفظ للدين بموقع مركزي في تفسير الإنسان وحاجته إلى المعنى، ولا يذهب إلى القطيعة التي يدعون إليها بين الدين والمعرفة الحديثة. ويسائل بعض الباحثين في الفلسفة دقة استعماله لبعض المصطلحات الغربية، وحدود استفادته من كانط وهيدغر وغادامير، ومقدار التحول الذي تخضع له مفاهيمهم عندما يدمجها في مشروعه.تكشف هذه الاعتراضات، على اختلاف منطلقاتها، عن الموقع الذي يشغله المشروع بين مسارات متعارضة. فهو لا يكرر علم الكلام الموروث، ولا يتبنى القطيعة مع الدين، ولا يستنسخ فلسفة غربية بعينها. يحاول أن يشق طريقًا ثالثًا يستبقي الحاجة الوجودية إلى الدين، ويخضع المعرفة الدينية للنقد، ويجعل كرامة الإنسان معيارًا في تقويم أنماط التدين وتأويل النصوص. يمنحه هذا الموقع قدرته على إثارة الأسئلة، ويعرضه في الوقت نفسه لنقد التقليديين ودعاة القطيعة مع الدين وبعض المتخصصين في الفلسفة. لا تتجاوز الصفحات السابقة رسم خريطة أولية لمشروع واسع ومتعدد المسارات. يتطلب تقويم هذا المشروع فلسفيًا دراسة تطور مفاهيمه عبر مراحل كتاباته، وتحليل الروابط التي تصل الظمأ الأنطولوجي بالاغتراب الميتافيزيقي والكرامة الإنسانية والإنسانية الإيمانية وعلم الكلام الجديد، وفحص اتساق هذه المفاهيم وقدرتها التفسيرية. كما يستدعي مقارنة نصية دقيقة بين كتابات الرفاعي والمرجعيات الإسلامية والغربية التي يحاورها، للتمييز بين استثمار المفهوم، وإعادة تفسيره، وإدماجه في تركيب جديد.
لا يقف عند تفكيك علم الكلام القديم والكشف عن محدودية أسئلته ومناهجه ووظائفه، وتشديده على احتكار الخلاص بفرقة واحدة، ولا يكتفي بنقد الصورة التي رسمها هذا العلم لله والإنسان والعالم، فقد عمل الرفاعي على تركيب رؤية بديلة تستند إلى مركزية الإنسان وكرامته، وتعيد تعريف وظيفة الدين في حياته. يبدأ التفكيك عنده بفحص البنية العميقة للمعرفة الدينية، والتمييز بين الدين ومعرفة البشر للدين، وبين المقدس وما ينتجه المتخيل الديني، والكشف عن تاريخية الفهم البشري للنصوص، ونقد توظيف الدين في الاستبداد والعنف وإهدار الكرامة. يفضي هذا التفكيك لدى الرفاعي إلى مرحلة التركيب، إذ يبني منظومة مترابطة من المفاهيم، في مقدمتها: الظمأ الأنطولوجي، والاغتراب الميتافيزيقي، والكرامة الإنسانية، والإنسانية الإيمانية، والنزعة الإنسانية في الدين، ولغة الدين، وعلم الكلام الجديد. لا تعمل هذه المفاهيم منفصلة، إذ ينتظمها سؤال مركزي واحد: كيف يستطيع الدين أن ينتج معنى روحيًا وأخلاقيًا وجماليًا لحياة الإنسان في العالم الحديث؟ ينطلق الرفاعي من حاجة الإنسان الوجودية إلى المعنى، ويرى أن الدين يستجيب لهذه الحاجة عندما يوقظ الحياة الروحية، ويحمي الكرامة، ويغذي الضمير الأخلاقي، ويثري الحس الجمالي. في سياق هذا البناء، صاغ الرفاعي تعريفاته الخاصة للدين والوحي والنبوة والشريعة والتكليف، وأعاد تحديد وظائفها وحدودها وصلتها بالإنسان وحاجاته الوجودية. هكذا لا يترك القارئ الباحث عن المعنى في الدين عند حدود الشك والنقض وتفكيك الموروث، ويرسم له خريطة فكرية تنتقل من تشخيص أزمة المعرفة الدينية إلى بناء فهم جديد للدين يتمحور حول الإنسان، ويصل الإيمان بالحرية، والتدين بالأخلاق، ومعرفة الله بصيانة كرامة الإنسان. مرجعيات مشروع الرفاعي يصعب فهم مشروع الرفاعي بمعزل عن تعدد مرجعياته وتفاعل رافدين أساسيين في تكوينه. ينتمي الرافد الأول إلى التراث الإسلامي؛ فالرفاعي متخرج في المدرسة الحوزوية في علم الكلام والفقه وأصوله، ودارس لتراث الفلسفة الإسلامية لدى الفارابي وابن سينا، والحكمة المتعالية لدى ملا صدرا، والعرفان النظري والعملي لدى ابن عربي ومدرسته. لا يمثل هذا التراث لديه زخرفًا معرفيًا، فهو رافد روحي حاضر في رؤيته للروح والقلب والضمير، وفي تأكيده أن العقل النظري المجرد لا يستقل بإنتاج الإيمان، وأن الأدلة الكلامية القديمة استنفدت طاقتها في إيقاظ التجربة الروحية وإرواء حاجة الإنسان إلى المعنى. ينتمي الرافد الثاني إلى الفلسفة الغربية والعلوم الإنسانية الحديثة، التي ينفتح عليها الرفاعي انفتاحًا نقديًا وانتقائيًا لا مذهبيًا. يظهر ذلك في استثماره نقد كانط لحدود العقل النظري وتمييزه بين الشيء في ذاته والشيء كما يظهر لنا، وإفادته من شلايرماخر في تفسير الدين في أفق الشعور بالاعتماد المطلق، لا في حدود الأنساق العقائدية، ومن بول ريكور في التأويل وفلسفة الرمز، ومن غادامير في تاريخية الفهم. ويمكن استكشاف صدى أسئلة هيدغر عن الوجود والقلق والعدم في بعض أبعاد مفهوم "الظمأ الأنطولوجي"، من دون اختزال هذا المفهوم في مرجعية هيدغر، لما ينطوي عليه من روافد دينية وعرفانية ووجودية متعددة. لا يستنسخ الرفاعي منظومات هؤلاء الفلاسفة، ولا ينتسب إلى فلسفة أحد منهم، ويعيد توظيف ما يلائم أسئلته داخل أفقه الخاص في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. يظل تحديد طبيعة هذا التأثر ومقداره، وما إذا كان استعارة اصطلاحية أو استثمارًا لمفهوم أو تبنيًا لبعض عناصر المنهج، من أكثر المسائل إثارة للنقاش بين دارسي مشروعه. لا تكفي لحسمه قراءة عابرة، إذ يستدعي دراسة مقارنة دقيقة بين كتابات الرفاعي ونصوص هؤلاء الفلاسفة، تتتبع المفاهيم في سياقاتها وتكشف ما أدخله عليها من إعادة تفسير وتركيب. يقوم مشروع الرفاعي على مجموعة من المفاهيم المتشابكة، يستمد كل مفهوم منها دلالته من موقعه داخل المشروع وصلته بسائر مفاهيمه. يأتي "الظمأ الأنطولوجي" في مقدمة هذه المفاهيم وأكثرها تداولًا، ويعني به الحاجة الوجودية العميقة في كيان الإنسان إلى الاتصال بالوجود المطلق، والبحث الدائم عما يروي ظمأه إلى المعنى. لا يكتمل الإنسان بذاته، ولا تستطيع الأشياء المادية وحدها إشباع حاجاته الوجودية، إذ يظل محتاجًا إلى أفق يتجاوز وجوده المحدود، ويمنح حياته معنى روحيًا وأخلاقيًا وجماليًا. على أساس هذا المفهوم ينقد الرفاعي الصياغة الأيديولوجية للدين، لأنها تفرغه من طاقته الروحية، وتختزله في أداة للسلطة والتعبئة والصراع والعنف، أو تحوله إلى هوية مغلقة تفصل الإنسان عن سواه. عندما يخضع الدين للأيديولوجيا، يحتجب حضوره الروحي خلف الشعارات، ويعجز عن إرواء الظمأ الأنطولوجي الذي يمثل وظيفته الوجودية الأساسية.
без подписи
عبدالجبار الرفاعي pinned a video
без подписи
ندوة لغة الدين: رؤية في آفاق فلسفة الدين – د. عبد الجبار الرفاعي، منتدى اللغة العربية، اسبانيا، يوم الجمعة 31 أكتوبر 2025.
كريم جدي يحاور عبد الجبار الرفاعي عن سيرة البدايات- قناة الوطنية الجزائرية Tv_360p
كان كتاب "الشكوك على بطليموس" إعلانًا مبكرًا على أن العلم لا يتقدم بتقديس النماذج الموروثة، وإنما بفحصها واختبار اتساقها، والكشف عن تناقضاتها، وفتح الطريق أمام بناء بدائل أكثر دقة. لم يقدم ابن الهيثم في هذا الكتاب بديلًا فلكيًا متكاملًا لنظام بطليموس، لكنه كشف أزماته، خاصة التعارض بين نجاح بعض نماذجه في الحساب وتعذر وجود هيئاتها المفترضة في العالم الطبيعي. تجلى هذا المنهج بصورة أوسع في "كتاب المناظر"، إذ لم يقبل نظرية خروج أشعة البصر من العين التي تبناها إقليدس وبطليموس، ولم يكتف بما ورثه من التراث الطبي، خاصة وصف جالينوس لتشريح العين ووظائف أجزائها. جمع بين الهندسة والطبيعيات ووصف بنية العين والملاحظة والاختبار، وحلل ظواهر الضوء والإبصار إلى عناصرها، ثم فحص فروضه بتغيير شروط التجربة ومقارنة نتائجها. انتهى إلى أن الإبصار يحدث بوصول الضوء من الأجسام إلى العين، مع احتفاظه ببعض تصورات جالينوس في وظائف أجزائها. كانت التجربة عنده وسيلة لامتحان الفرضية ومواجهة نتائجها بالواقع، وعندما تتعارض سلطة الموروث مع ما تثبته الملاحظة والحجة والبرهان، يمنح الأولوية للدليل. نسبت إلى ابن الهيثم مؤلفات تتصل بهذا المسار، من أشهرها "حل شكوك كتاب إقليدس في الأصول وشرح معانيه". وسبق محمد بن زكريا الرازي "251–313هـ/865–925م" ابن الهيثم إلى تأليف كتاب "الشكوك على جالينوس"، الذي ناقش فيه آراء جالينوس الطبية والفلسفية، مستندًا إلى خبرته السريرية ومشاهدته الطويلة للمرضى. لم يمنعه تقديره لجالينوس من الاعتراض عليه، فميز بين ما تثبته الممارسة الطبية وما يقرره الكتاب النظري. رأى الرازي أن الوفاء للعلم لا يتحقق بترديد أقوال المعلم، وإنما بمراجعتها وتصحيحها. لهذا يمثل كتابه نموذجًا مبكرًا لمقاومة الأبوة المعرفية، ويثبت أن التلميذ يستطيع تجاوز أستاذه حين يمتلك دليلًا أقوى. [1] ابن الهيثم، الحسن، الشكوك على بطليموس، تحقيق: د. عبد الحميد صبرة، ود. نبيل الشهابي، تصدير: د. إبراهيم مدكور، ص3، 1971، مطبعة دار الكتب، القاهرة. [2] ستيفنز، برادلي، ابن الهيثم: أول عالم تجريبي، ترجمة: عبد الرحمن المرزوقي، 2025، جمعية الفلسفة السعودية، الرياض. https://almothaqaf.com/aqlam-3/988971
الشكوك بوصفها منهجًا في التراث العلمي د. عبد الجبار الرفاعي يقول أبو علي الحسن بن الحسن بن الهيثم البصري "354 - 430 ه" في مقدمة كتابه "الشكوك على بطليموس": "الحق مطلوب لذاته، وكل مطلوب لذاته فليس يعني طالبه غير وجوده. ووجود الحق صعب، والطريق إليه وعر، والحقائق منغمسة في الشبهات. وحسن الظن بالعلماء في طبع جميع الناس... وما عصم الله العلماء من الزلل، ولا حمى علمهم من التقصير والخلل، ولو كان ذلك كذلك، لما اختلف العلماء في شيء من العلوم، ولا تفرقت آرائؤهم في حقائق الأمور، والوجود خلاف ذلك. فطالب الحق ليس هو الناظر في كتب المتقدمين، المسترسل مع طبعه في حسن الظن بهم، بل طالب الحق هو المتهم لظنه فيهم، المتوقف فيما يفهمه عنهم، المتبع الحجة والبرهان، لا قول القائل الذي هو إنسان، المخصوص في جبلّته بضروب الخلل والنقصان. والواجب على الناظر في كتب العلوم، إذا كان غرضه معرفة الحقائق، أن يجعل نفسه خصمًا لكل ما ينظر فيه. ويجيل فكره في متنه وفي جميع حواشيه، ويخصمه من جميع جهاته ونواحيه، ويتهم أيضاً نفسه عند خصامه فلا يتحامل عليه ولا يتسمح فيه. فإنه إذا سلك هذه الطريقة انكشفت له الحقائق، وظهر ما عساه وقع في كلام من تقدمه من التقصير والشُّبه"[1]. أول من نبهني إلى أهمية كتاب "الشكوك على بطليموس" لابن الهيثم هو الصديق العزيز الأستاذ عبد الأمير المؤمن، الباحث المتمرس في التراث العلمي، وذلك قبل أكثر من أربعين عامًا. كما حفزتني على كتابة هذا المقال قراءة ترجمة الأستاذ عبد الرحمن المرزوقي المهمة لكتاب برادلي ستيفنز "ابن الهيثم: أول عالم تجريبي"[2]. كانت الشكوك منهجًا في التراث العلمي، فقد تغلب العقل العلمي نسبيًا على سلطة المنطق الأرسطي عندما احتكم إلى الملاحظة والمشاهدة والتجربة. ظهرت كتب "الشكوك" الناقدة للعلم الطبيعي اليوناني، لأن التجربة منحت العالِم مرجعيةً مستقلة عن النص، فاستطاع اختبار آراء القدماء، وكشف أخطائها، وتصحيح نتائجها، من دون أن يجعل مكانة أصحابها بديلًا عن الدليل. في المقابل، لم أعثر، في حدود ما اطلعت عليه، على كتاب يحمل عنوان "الشكوك" خصص لنقد تسلط المنطق الأرسطي على الفلسفة والكلام وأصول الفقه. لا يعني ذلك غياب نقد المنطق الأرسطي في تراثنا، فقد نقد شهاب الدين السهروردي، 549–587هـ/1154–1191م، عددًا من أسسه في القسم الأول من كتاب "حكمة الإشراق"، كما ناقش قضاياه بتفصيل أوسع في قسم المنطق من كتاب "المشارع والمطارحات"، فراجع نظرية الحد والتعريف، واختزل أشكال القياس، واعترض على بعض التقسيمات والمقولات المنطقية المشائية. وخصص ابن تيمية، 661–728هـ/1263–1328م، كتابه "الرد على المنطقيين"، المعروف أيضًا باسم "نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان"، لنقد الحد الأرسطي والقياس، ورفض دعوى حصر اليقين فيهما، وأكد إمكان تحصيل المعرفة من الحس والتجربة والخبر والقياس التمثيلي. وفي العصر الحديث ظهر كتابان مهمان في مدرسة النجف، ألّف الأول علي كاشف الغطاء، 1331–1411هـ/1913–1991م، بعنوان: "نقد الآراء المنطقية وحل مشكلاتها" في جزأين؛ خصص الأول للتصورات، والثاني للتصديقات، وألحقهما بخاتمة في المغالطات، فناقش آراء المناطقة، وراجع قواعدهم، واقترح حلولًا لبعض مشكلاتها. وقدم محمد باقر الصدر، 1353–1400هـ/1935–1980م، في كتابه "الأسس المنطقية للاستقراء" محاولة جديدة لمعالجة الثغرة التي تركها المنطق الأرسطي في الاستقراء الناقص، وسعى إلى تأسيس الانتقال من ملاحظات جزئية محدودة إلى تعميم علمي مرجح، مستعينًا بحساب الاحتمالات، ومميزًا بين مرحلتي التوالد الموضوعي والتوالد الذاتي للمعرفة. غير أن هذه المحاولات، على أهميتها، لم تؤسس منطقًا بديلًا يحل محل المنطق الأرسطي في التفكر الديني والتعليم، ولم تتحول إلى نموذج معرفي "براديغم" تتبناه جماعة علمية ومؤسسات معرفية، وظل أكثرها يتحرك داخل أسئلة المنطق القديم ومفاهيمه، أو ينقده من دون أن يعيد بناء مناهج العلوم على أساس المشاهدة والتجربة والاستقراء. فقد لبثت عملية التفكير خاضعة للنموذج المعرفي اليوناني قرونًا طويلة، فتحول هذا النموذج من أداة يستخدمها العقل إلى سلطة تحدد شروط التفكير وحدود السؤال ومعايير البرهان. ظل العقل ينقد النتائج بأدوات المنطق الأرسطي، من دون أن ينقد الأداة التي ينتج بها تلك النتائج. سنشير في مقال قادم إلى أسباب انحسار منهج الشكوك في التراث العلمي، وانصراف جانب كبير من طاقة العقل إلى علوم لا تحتكم إلى المشاهدة والتجربة. فقد ظهر في تاريخنا عدد من العلماء الأفذاذ الذين كانت لهم ريادة في علوم متنوعة، واعتمدوا الملاحظة والقياس والتجربة، غير أنهم ظلوا يعملون، بدرجات متفاوتة، داخل النموذج المعرفي "البراديغم" الأرسطي البطلمي الجالينوسي الموروث من اليونان. وإن كان ذلك لم يمنعهم من نقد بعض آراء اليونان، وكشف أخطائها، وتصحيحها وتجاوزها في مسائل أساسية، كما فعل الرازي في الطب، والبيروني في الفلك والمعادن، وابن الهيثم في البصريات والفلك، وابن النفيس في التشريح. غير أن هذه المنجزات بقيت جهودًا فردية متفرقة، ولم تنتظم في نموذج معرفي "براديغم" بديل، تتبناه جماعة علمية، وتتوارثه مؤسسات مستقلة، وتعمل على اختباره وتطويره وتراكم نتائجه. حضر العالم التجريبي في تراثنا، وغابت البيئة المعرفية والمؤسسية القادرة على تحويل منجزه إلى تقليد علمي مستدام، يقود إلى ثورة شاملة في فهم الطبيعة ومعايير إنتاج المعرفة. يمثل أبو علي الحسن بن الحسن بن الهيثم البصري "354–430هـ/965–1040م" مرحلة متقدمة في تاريخ العقل العلمي في الحضارة الإسلامية. كان الشك لديه أداة منهجية لتحرير العقل من هيبة الأسماء وسلطة الموروث، ومدخلًا إلى اختبار الآراء ومراجعة الأدلة والكشف عن مواطن التهافت والقصور فيها. الشك عند ابن الهيثم يفتح الطريق إلى معرفة أكثر دقة، كما أعلن ذلك بوضوح في مقدمة كتابه "الشكوك على بطليموس"، إذ حذر من اختلاط المعرفة بالأوهام والعادات والأحكام المسبقة، ونبّه إلى الكيفية التي يحجبها حسن الظن بالأعلام. أشار إلى أنه لا تكفي شهرة العالم، ولا قدم كتابه، ولا اتفاق الناس على تعظيمه لإثبات صحة آرائه، فقيمة القول تستمد من حجته، لا من مكانة قائله. ينبه ابن الهيثم إلى أن "حسن الظن بالعلماء في طباع جميع الناس"، وأن القارئ إذا استسلم لهذا الميل تلقى أقوال المتقدمين كأنها حقائق نهائية. العلماء بشر يصيبون ويخطئون، ولم يعصمهم الله من الزلل أو التقصير، ولو كانوا معصومين من الخطأ لما اختلفوا في مسائل العلم وحقائق الأشياء. يضع ابن الهيثم قاعدة معرفية حاسمة: "فطالب الحق ليس هو الناظر في كتب المتقدمين، المسترسل مع طبعه في حسن الظن بهم، بل طالب الحق هو المتهم لظنه فيهم، المتوقف فيما يفهمه عنهم، المتبع الحجة والبرهان، لا قول القائل". تبدأ المعرفة عند ابن الهيثم بنقد الثقة العمياء بالمكانة العلمية للقائل، وإخضاع كل قول للسؤال مهما علا شأن صاحبه. لا يكتفي ابن الهيثم بالشك في أقوال الآخرين، وإنما يطالب الباحث أن يشك في فهمه وأحكامه أيضًا، فيقول إن على الناظر في كتب العلوم "أن يجعل نفسه خصمًا لكل ما ينظر فيه، ويجيل فكره في متنه وفي جميع حواشيه، ويخصمه من جميع جهاته ونواحيه، ويتهم أيضًا نفسه عند خصامه، فلا يتحامل عليه ولا يتسمح فيه". يتجه النقد هنا في مسارين متلازمين: نقد الموضوع الذي يدرسه الباحث، ونقد الذات التي تمارس الفهم والحكم. ربما يخطئ المؤلف، وربما يسيء القارئ فهمه، وربما يقوده التعصب إلى رفض قول صحيح أو قبول قول ضعيف، لهذا يشترط ابن الهيثم الإنصاف، فلا يتحامل الناقد على النص، ولا يتساهل معه. طبّق ابن الهيثم هذا المبدأ في كتاب "الشكوك على بطليموس"، فدرس ثلاثة من أهم كتب بطليموس. لم يرفض ابن الهيثم تراث بطليموس، فقد أدرك قيمته العلمية وأفاد من منجزاته، لكنه فصل بين احترام العالم والتسليم بأقواله. استوعب نظامه، وقارن بين مقدماته ونتائجه، وبين نماذجه الرياضية وما يمكن وجوده في العالم الطبيعي. تركز اعتراضه على أن نجاح النموذج في وصف حركة الكواكب والتنبؤ بها لا يثبت أن البنية التي يفترضها موجودة فعلًا في السماء. ميز ابن الهيثم بين مطابقة النتائج للرصد وصدق تفسير الظاهرة، وطالب بنظرية تجمع بين الدقة الحسابية والإمكان الطبيعي. رفض إخضاع الواقع للنموذج، ودعا إلى إعادة بناء النموذج بما يلائم الواقع، ففتح نقده الطريق أمام إصلاح الفلك البطلمي. استعادت مدرسة مراغة هذه المعرفة في سياق مشروع علمي جماعي هدفه بناء نماذج تطابق الرصد، وتحافظ على انتظام الحركة الدائرية، وتتخلص من تناقضات نظام بطليموس. ابتكر نصير الدين الطوسي "597–672هـ/1201–1274م" نماذج هندسية أكثر اتساقًا، أشهرها "مزدوجة الطوسي"، التي تولد حركة خطية من حركتين دائريتين منتظمتين. ووضع مؤيد الدين العرضي "نحو 597–664هـ/نحو 1200–1266م" قاعدته الهندسية المعروفة بـ "قاعدة العرضي"، واستعملها في إعادة بناء حركات الكواكب من دوائر منتظمة من دون الحاجة إلى بعض افتراضات بطليموس. وطور قطب الدين الشيرازي "634–710هـ/1236–1311م" نماذج مدرسة مراغة، وأعاد تركيب أدواتها الرياضية بحثًا عن هيئة تجمع بين دقة الحساب والإمكان الطبيعي. بلغ هذا المسار مرحلة أكثر نضجًا عند ابن الشاطر "704–777هـ/1304–1375م"، الذي أنشأ نماذج جديدة لحركة الشمس والقمر والكواكب، وتخلص من "معدل المسير"، وهو نقطة افتراضية جعل بطليموس حركة الكوكب منتظمة بالقياس إليها، مع أنها لا تتطابق مع مركز العالم أو مركز فلكه. لم تكن إنجازات هؤلاء نقلًا مباشرًا عن ابن الهيثم في كل تفاصيلها، وإنما كانت استئنافًا لمطلبه المعرفي: ألا يكتفي النموذج الفلكي بالنجاح الحسابي ومطابقة الرصد، وأن يكون متماسكًا وقابلًا للتصور في العالم الطبيعي.
https://youtu.be/P4vptdREFtU?si=FE8EymNl4OI4EfK9
تحميل كتاب: مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث - عبد الجبار الرفاعي
احتجاب الله في التدين الشعبوي د. عبد الجبار الرفاعي التدين الشعبوي تدين شكلي ذرائعي، وهو يختلف عن التدين الشعبي الذي يتجلى فيه شيء من التدين الرحماني، ويعبر عن إيمان عفوي، وعلاقة صادقة بالله، وحرص على فعل الخير، ومواساة الناس، واحترام القيم الأخلاقية. عرفت حياة الأفراد والمجتمعات التدين الشعبي، وتوارثته الأجيال منذ عصر الرسالة، تعبيرًا عن حاجة الإنسان إلى الإيمان والمعنى والطمأنينة. يستثمر التدين الشعبوي التدين الشعبي البريء، ويتسلل إليه، ويوجهه لخدمة مصالح لا تمت إلى غايات الدين بصلة، فيستبدل صفاء الإيمان بإثارة الانفعالات، ويطفئ يقظة الضمير بصخب الشعارات، ويحجب جوهر الدين بكثافة المظاهر والشعارات الصاخبة، حتى يغدو الشكل بديلًا عن المضمون، والشعائر بديلًا عن الأخلاق، والانفعال والغضب بديلًا عن الوعي. تمثل الجماعات الشعبية بيئة ملائمة لولادة التدين الشعبوي وتمدده في مختلف مجالات الحياة. حين ينزاح التدين عن مجاله، تنحرف وظيفته من بناء الحياة الروحية وإيقاظ الضمير الأخلاقي إلى تكريس شعائر مفتعلة لأغراض لا صلة لها بوظيفة الدين، فيغدو مفهوم التدين مطابقًا لهذه الشعائر. يفتقر التدين الشعبوي إلى الحس الأخلاقي، وتنضب فيه الطاقة الروحية، فلا يقاس التدين بصدق الضمير، ولا بصفاء القلب، ولا بسمو السلوك الأخلاقي، وإنما يقاس بكثافة المظاهر، والإفراط في الاستعراض، والمبالغة في إعلان الانتماء. مَن يبحث عن الله في هذا النمط من التدين لن يجده، لأن التدين الشعبوي يحجب الحضور الحي لله بكثافة الشعارات والمظاهر. لا يعني احتجاب الله غيابه، فالله لن يغيب، غير أن صورته النورانية تحتجب في روح الإنسان عندما تستولي الهوية المغلقة على ضميره، وتحتل المصالح والانفعالات مساحة القلب، ويتحول الولاء لها إلى معيار للإيمان. يحتجب الله لأن هذا التدين لا يطلب الصلة به، وإنما يستعمل اسمه لاكتساب المكانة والنفوذ، ويحول الدين من خبرة روحية إلى هوية جماعية مغلقة، ومن إيقاظ للضمير إلى امتثال لسلطة الجماعة. يستبدل التدين الشعبوي حضور الله بحضور الجماعة في الشعار، وصوت الضمير بصوت الجمهور، وطلب المعنى بطلب المكانة المادية. كلما تعالت الشعارات خفت صوت الله في أعماق الإنسان، وكلما تضخمت المظاهر ضاقت مساحة القلب، حتى يغدو الله اسمًا يتكرر على اللسان، ولا يتجلى أثره في السلوك. يحتجب الله عندما لا تثمر الصلة به رحمةً ومحبةً وعدلًا وسلامًا، ولا تصون كرامة الإنسان. عندئذ يظل اسم الله حاضرًا في الكلمات، فيما يغيب نوره عن القلب، وتغيب آثاره عن الحياة. يتحدث هذا التدين عن الله كثيرًا، غير أنه يبعد الإنسان عن الله أكثر، لأنه يرسم له صورة تستمد ملامحها من مصالح الجماعة وصراعاتها على السلطة والثروة، فيظهر إلهًا للغلبة والاستقطاب والوصاية، لا إلهًا للحب والرحمة والعدل والسلام. عندئذ يتحول الدين من طاقة ملهمة للمعنى في حياة الإنسان إلى أداة للتعبئة وإنتاج الاستعباد، ويفقد التدين وظيفته. حضور الله لا يكشفه صخب الشعارات، حضور الله يتمثل بأثره في السلوك ورعاية حريات الإنسان وحقوقه. حيث تغيب هذه الآثار تحتجب صورة الله، وإن امتلأت المنابر باسمه، وتكاثرت الشعائر التي تقام من أجله. في التدين الشعبوي يتحول الدين إلى هوية جماعية مغلقة، أكثر من كونه خبرة روحية تحرر الإنسان من الخوف والكراهية والجشع. ويتراجع سؤال المعنى، وتحل محله أسئلة الانتماء والاصطفاف والولاء. عندما يفقد الدين رسالته في بناء الإنسان، يغدو أداة لإنتاج الاستعباد لا لإيقاظ الحرية، ووسيلة لتكريس هوية الجماعة المغلقة لا لتربية الضمير. عندئذ يضمحل البعد الروحي، وتفقد الطقوس غاياتها، وتتحول من وسائل لتغذية الحياة الروحية إلى غايات قائمة بذاتها. يتضخم رصيد الإنسان في جماعته بمقدار ما يستعرضه من مظاهر للتدين الشعبوي، لا بمقدار ما يتحلى به من فضائل أخلاقية، وما يسمو به من حياة روحية، وما يقدمه من خير للناس. هكذا تنتقل قيمة الإنسان من ضميره وأخلاقه وسلوكه إلى حضوره فيما هو شكلي، وقدرته على إعلان تدينه أمام الجماعة. يغدو الاعتراف الاجتماعي مكافأة يسعى إليها الفرد، أكثر من سعيه إلى بناء حياته الروحية والارتقاء بإنسانيته. كلما اتسع حضور الإنسان في مهرجانات الشعائر، ارتفعت مكانته في الجماعة، وإن افتقر ضميره إلى الحس الأخلاقي. لا يسأل الجمهور عما يفعله التدين في أعماق الإنسان، وما يحدثه في أخلاقه وصلته بالآخر، لأنه يكتفي بما يراه من مظهره، ويمنحه المكانة على أساس قدرته على الاستعراض. عندئذ يعيش الإنسان تحت نظر الجماعة أكثر مما يعيش في حضرة الله، ويحرص على صناعة صورته في عيون الناس أكثر من حرصه على تهذيب قلبه وإيقاظ ضميره. يتحول التدين إلى أداء اجتماعي يطلب به الفرد الاعتراف والوجاهة، وتفقد الخبرة الروحية صدقها، لأن ما لا يغير حياة الإنسان من الداخل، ولا يسمو بأخلاقه، ولا يثمر خيرًا ورحمةً، يظل مظهرًا خاليًا من الروح.
كلما اشتد حضور التدين الشعبوي، اضمحلت مساحة التفكير الحر، واتسعت سلطة الأوهام، وغدا الإنسان أكثر قابلية للانقياد، وأقل قدرة على مساءلة ما تفرضه الجماعة عليه باسم الدين. يستبدل التدين الشعبوي السؤال بالتلقين، والتفكير بالامتثال، والضمير الفردي بضمير الجماعة، حتى يفقد الإنسان صوته، ويرى بعين الجمهور، ويفكر بعقله، وينفعل بمشاعره. لا يريد التدين الشعبوي عقلًا يقظًا، لأن العقل اليقظ يسأل ويفكر وينقد ويمحص، فيما تحتاج الشعبوية إلى عقل مشلول يتلقى الأجوبة الجاهزة، ويطمئن إلى الشعارات، ويخشى كل سؤال يزعزع ما لقنته الجماعة له. تعادي الشعبوية التفكير، لأنه يكشف تهافت مقولاتها ومصالح دعاتها، لذلك تتغذى على الانفعال، وتستبدل التفكير بالغضب، والحجة بالهتاف، والمعرفة بالشائعة، وتصنع عدوًا دائمًا لتعبئة الجمهور وإدامة ولائه. كلما اشتد الانفعال تراجعت قدرة الإنسان على التمييز، وغدا أكثر استعدادًا للتدجين. هكذا تتحول الجماعة إلى مرجعية للحقيقة، ويصير الولاء لها معيارًا للإيمان، ويفقد الإنسان صوته، ويرى بعين الجماعة، ويفكر بعقلها، وينفعل بمشاعرها، حتى يغدو الاختلاف معها خروجًا على الدين. يكرر التدين الشعبوي الشعارات والمقولات ذاتها، حتى تقيم في اللاشعور، ويحسبها الإنسان حقائق نهائية لا تقبل السؤال والمراجعة. التكرار المتواصل لا يوقظ الإيمان، وإنما يعطل التفكير، ويمنح الوهم سلطة الحقيقة، ويحول التلقين إلى يقين زائف. عندما يخدر العقل، يعجز الإنسان عن رؤية تناقضات هذا التدين، ويفقد القدرة على التمييز بين الدين واستغلاله، وبين حضور الله وسلطة مَن يتكلمون باسمه، وبين الإيمان الصادق والانفعال الجمعي. لا تنبعث الحياة الروحية في الضجيج والاستعراض، لأنها تحتاج إلى قلب يقظ، وضمير حي، وصمت يتيح للإنسان أن ينصت إلى نداء المعنى في أعماقه. حين تتحول الشعائر إلى مهرجانات جماعية، تفقد قدرتها على تغذية الروح، ويغدو الانفعال بديلًا عن الخبرة الروحية، والهتاف بديلًا عن المناجاة، والامتثال للجماعة بديلًا عن الصلة الصادقة بالله. لا يقود التدين الشعبوي الإنسان إلى الله، بعد أن يحجب حضوره بكثافة الأوهام، ويجعل المقدس وقودًا للاستقطاب والتعبئة. https://alzawraapaper.com/content.php?id=387813