شريف هدية
Статистикаلن تجد هنا (آخر الأخبار) بل على الأغلب ستجد تعليقات على بعض الأحداث، وتحليلا لها من وجهة نظري الشخصية، وأنا مسلم، من أصل مصري، مهندس، أعيش في تركيا
- Последний пост
- 8 авг.
- Последнее чтение
- 13 авг.
- Постов за неделю
- 0
- Всего постов
- 20
- Тип
- открытый
- Язык
- арабский
- В каталоге с
- 13 авг.
- 1/24сутки в ленте
- 74
- 1/48двое суток
- 84
- 1/72трое суток
- 91
Оценка по просмотрам недавних постов: пост набирает почти всё за первые сутки.
Посты
كارثة الربا في تركيا نقرأ تصريحات اقتصادية تتحدث عن "تباطؤ التضخم" كإنجاز، بينما ننزل إلى الأسواق في إسطنبول فنرى أسعار الخضار والفاكهة والسلع اليومية ترتفع بجنون لا يتوقف. يتم التركيز على ركود أسعار العقارات، وللأسف تجاهل الاحتياجات الأساسية التي تمس عصب الحياة، ويتم تجاهل الكارثة الحقيقية التي تشلّ الأسواق وتقتل الأعمال: الفائدة المرتفعة. تركيا تستورد كل احتياجاتها من الطاقة تقريباً. وبنظرة تحليلية سريعة لأرقام الموازنة العامة، نكتشف رقماً مفزعاً: ما تدفعه الدولة سنوياً تحت بند "فوائد الديون" يعادل تقريباً الفاتورة الكاملة لاستيراد الطاقة (النفط والغاز) للجمهورية بأكملها! هنا يتجلى الخلل الهيكلي العميق. ماذا لو لم تُهدر هذه التريليونات في جيوب النظام المصرفي كعوائد ربوية؟ ماذا لو تم ضخ هذه الأموال الهائلة في بنية تحتية حقيقية لتوليد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح؟النتيجة الهندسية والمنطقية كانت ستكون: اكتفاء ذاتيا يقلص الحاجة لاستيراد الطاقة، مما يوقف النزيف الحاد للدولار، فتقوى العملة المحلية، وتنخفض تكلفة مدخلات الإنتاج على المصانع. وحينها فقط، تنخفض أسعار السلع اليومية انخفاضاً حقيقياً يلمسه المواطن. إن رفع الفائدة من أقل من ١٠٪ إلى ٥٠٪ لم يكن علاجا، بل هو "فرامل" قاسية دمرت التدفق النقدي. أصحاب رؤوس الأموال فضلوا إيداع أموالهم في البنوك بلا مخاطرة بدل تشغيلها، فتوقفت المشاريع، وانكمشت الشركات، وضاعت فرص العمل. الربا ليس مجرد مخالفة شرعية، بل هو تعطيل كامل لعجلة الإنتاج، ومرض يمتص دماء الاقتصاد الحقيقي ليغذي المرابين.
أين المخرج من كل هذا؟ القصة التالية سمعتها بنفسي مباشرة من أحد أبطالها، وفيها الجواب: حدثنا أبو الحسن فقال ما معناه: في تسعينات القرن الماضي، وبعد محاولاتنا للضغط على العدو ليطلق سراح الشيخ أحمد ياسين من سجنه، تمكن العدو من القبض علينا، وحكم علي بثلاث مؤبدات و40 سنة سجنا، وفي الأسر ضاق بنا الحال، ولم نكن نرى أي أمل للخروج، فقررنا (عدد من المساجين الإسلاميين) أن نطلق فيما بيننا ما أسميناه (استمطار الفرج) وهو -باختصار- أن نبذل غاية الوسع في العبادة والتضرع إلى الله تعالى أن يفرج عنا ما نحن فيه، فهو تعالى على كل شيء قدير، ولا حد لقدرته جل شانه، وكان رمضان على الأبواب، فاتفق أن جعلنا الحملة تبدأ من أول أيام رمضان، وأخذنا نحفظ القرآن (هكذا قال وشدد عليها) ونقوم الليل ونجتهد في الدعاء. وكانت المفاجأة أننا علمنا أن الله تعالى فرج عن مسلمين غيرنا في أراض أخرى، فسمعنا عمن أطلق سراحهم في ليبيا، وآخرون في أقصى المشرق، ونحن على حالنا، قال ففرحنا لفرح إخواننا، ولكنا بالتأكيد تمنينا العافية لأنفسنا. استطرد محدثنا ليحيطنا بالتفاصيل، فقال وفي الخارج كانت سلطة أوسلو قد قامت، وهدأت الشارع للأسف، فلم يعد من ضغط على العدو، وكان جلعاد شاليط قد جاوز السنوات الخمس في أسر حماس، والمفاوضات أشبه بالمجمدة، ولا يوجد أي أفق، ثم دخلت العشر الأواخر من رمضان ولا أمل يبدو في الأفق، ولكننا مازلنا على اجتهادنا وفق وسعنا، ثم كانت الجمعة الأخيرة، فصعد أخ ممن كان يجتهد معنا ليخطب الجمعة، ثم طلب منا أن نقسم على الله تعالى جميعا أن يفرج عنا هذا العام، قال ففعلنا، ونحن آنئذ لا نعرف كيف، ولكن نتمناه. قال ثم فوجئنا بالخطيب يلح علينا أيضا أن نقسم على الله تعالى أن نحج هذا العام!!! فتعجبنا كل العجب منه، وكل منا يقول في نفسه (نروح ومشيناها، لكن نحج، حتى من هم بالخارج يعتبرون الوقت قد فات لذلك فنحن في آخر رمضان، وكم بقي للحج) لكن تحت إلحاح الخطيب فعلنا، وكل هذا ولا يوجد بارقة أمل، ولكنه مولاي! قال وفوجئنا بمفاوضات شاليط تتسارع وتحمى حتى تمت الصفقة قبيل يوم عرفة ب20 يوما فقط لا غير، وخرجنا، قال وتعنت الاحتلال فأصر أن يخرج 40 من المفرج عنهم من فلسطين، قال وكنت منهم، وخيرونا بين سوريا وتركيا وقطر، قال فاخترت تركيا، وكان أردوغان آنئذ رئيسا للوزراء، قال فخرجنا إلى مصر بجوازات سفر فلسطينية، ومنها إلى تركيا فورا، وسبحان الله اللطيف الخبير، إذ ألهم مولاي ملك السعودية آنئذ أن يعطي تأشيرة حج كمكرمة ملكية للمفرج عنهم في هذه الصفقة، ولكن الوقت كان قد تأخر للغاية، فقد طلعت شمس صباح يوم التروية (السابق لعرفة) وهو بأنقرة، وكذلك غربت عليه شمس ذلك اليوم، فنوى وإخوانه صيام يوم عرفة (لا يسن للحاج) وقد حمدوا الله أن نجاهم من الأسر، وكفى بها نعمة، لكن مولاي لا تحده الحدود، ولا تمنعه الموانع، ومولاي على كل شيء قدير، وإذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون، فلما أصبحوا يوم عرفة صائمين في أنقرة، فوجئوا بالسلطات التركية ترتب لهم طائرة خاصة، قال فوالله شككنا في الأمر، وأبينا أن نفطر، خشية أن يضيع الحج، وصيام عرفة، حتى إذا كنا على الطائرة أفطرنا من صومنا وأحرمنا بالحج، قال ثم هبطت بنا في مطار سعودي، وقد كان مغلقا وافتتح فقط لهم، وجيء بموظفي الجوازات خصيصا لنا، قال ووصلنا عرفة قبيل غروب الشمس بساعة، وبر مولاي جل جلاله أيمانهم، وأشهدهم الحج كما أقسموا عليه سبحانه. فيا أيها المطاردون يا أيها المسجونون يا أيها المطرودون يا أيها المظلومون خذوا بالأسباب، ولا تتعلقوا بالأسباب، بل تعلقوا بمن بيده ملكوت كل شيء، والذي هو على كل شيء قدير، والذي إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون.
كيف أصلحت الذئاب النهر... وكيف نصلح مجتمعاتنا مثلها؟ في عام 1995، حدث شيء غريب في متنزه يلوستون الوطني بأمريكا. أعاد العلماء إطلاق 14 ذئباً فقط في المتنزه، بعد غياب دام 70 عاماً. ما حدث بعدها لم يتوقعه أحد، وصار يُدرس في الجامعات كأعظم مثال على "التتالي البيئي". القصة باختصار: كانت الغزلان قد تكاثرت بلا رادع طوال سبعة عقود. أكلت كل نبتة خضراء، جردت الوديان، ودمرت ضفاف الأنهار. تدخل البشر بالفشل. لم ينفع شيء. ثم جاءت الذئاب. لم تأكل الذئاب كل الغزلان بالطبع. لكنها غيرت سلوكها جذرياً. فقد بدأت الغزلان تتجنب الوديان والممرات الضيقة حيث يسهل افتراسها. وهكذا فجأة، ارتاح الغطاء النباتي في تلك المناطق. فبدأت الأشجار تنمو من جديد: الصفصاف، الحور، الشجيرات. عادت الطيور المغردة. بل وعادت القنادس وبدأت تبني سدودها، فخلقت بركاً وموائل جديدة للأسماك. جذور الأشجار الجديدة القوية ثبّتت ضفاف الأنهار المتهالكة، فتوقف التآكل، وتعمق مجرى النهر، واستقام جريانه. وهكذا سبحان الله فإن الذئاب (أصلحت) النهر. لم يكن أحد ليصدق أن إطلاق 14 ذئباً سيصلح نظاماً بيئياً بأكمله. لكنه حدث. لأن المشكلة لم تكن في "كثرة الغزلان" فقط، بل في غياب "رادع ذكي" يغير السلوك قبل العدد. أين ذئابنا نحن؟ مجتمعاتنا تعاني من "تكاثر الغزلان" (وربما الخنازير للأسف) كل على طريقته؛ الاستسهال، سطحية المعرفة، تراجع اللغة، ضعف الانضباط الذهني، غياب معايير الإتقان. نُنتج آلاف الخريجين سنوياً، ولكن بلا بوصلة داخلية، بلا مخزون لغوي وأخلاقي راسخ، بلا قدرة على الصبر الطويل. جربنا حلولاً كثيرة. مناهج، ندوات، حملات توعية. لم تُجدِ كثيراً. ماذا لو كنا نحتاج إلى "ذئاب" من نوع آخر؟ الفكرة: شهادة الحفظ الحي لنتخيل أننا أضفنا إلى نظامنا التعليمي والمهني شرطاً بسيطاً في ظاهره، عميقاً في أثره: ألا يحصل الطالب على الشهادة الإعدادية إلا بعد أن يسرد آخر 3 أجزاء من القرآن غيباً في 75 دقيقة، بحد أقصى 3 أخطاء، مع إظهار فهم أساسي لتفسيرها. (للعلم هذا معيار قاس جدا للحفظ) ولا يحصل على الثانوية العامة إلا بعد سرد آخر 5 أجزاء في 130 دقيقة، بنفس الدقة، مع تقديم "ملف مقاصدي" صغير يربط فيه بين آيات من هذه الأجزاء ومشكلات حياتية واقعية. ولا يُقبل في الوظائف القيادية الحساسة (كالقضاء، والمناصب العليا، والمناصب التي تتطلب نزاهة عالية) إلا من يحمل "شهادة حفظ حية" صالحة لمدة 3 أشهر فقط – مما يعني أنه لا يستطيع الاعتماد على شهادة قديمة نالها قبل سنوات، بل عليه أن يثبت استمرار حفظه وإتقانه كل 90 يوماً. لماذا هذا هو "الذئب" (وربما الأسد) الذي نبحث عنه؟ لأن الامتحان ليس هو الهدف. بل الأثر الممتد هو الهدف: غرس الإتقان: طالب يتعلم من صغره أن الخطأ في حرف واحد خطأ يُحسب، سيصبح إنساناً يتقن عمله أياً كان مجاله. إعادة بناء اللغة العربية: لسان يتدرب على أفصح الكلام وأدقه تجويداً، لن يرضى بعدها بالركاكة. تدريب الذاكرة والانضباط: حفظ 5 أجزاء بهذا الإحكام تدريب عصبي وأخلاقي لا يُضاهى. يبني الصبر، والمراجعة الدورية، وإدارة الوقت. بوصلة أخلاقية حية: ربط الحفظ بالتفسير والتطبيق العملي يخلق شخصية تُفكر في القيم وهي تؤدي عملها اليومي. حاجز ضد المحسوبية: شهادة حية تُختبر كل 3 أشهر أمام لجنة محايدة يصعب تزويرها، وتُصبح معياراً موضوعياً للكفاءة الأخلاقية والذهنية. ماذا عن غير المسلمين وذوي صعوبات النطق؟ هذه حالات خاصة لها معالجاتها، لكن يبقى المبدأ العام هو الأساس. تطبيقات تتجاوز المدرسة قد تتطلب بعض المواقع المهنية مستويات مختلفة: مثلا معلم اللغة العربية والقاضي: شهادة 15 جزءاً. المفتي أو الداعية العام: شهادة القرآن كاملاً. أي موظف حكومي في منصب رقابي: شهادة 10 أجزاء سارية المفعول. المبدأ: الحفظ الحي المتجدد، لا الشهادة الميتة المؤبدة. ذئب واحد يُصلح النظام كله كما أعاد 14 ذئباً الحياة إلى غابة بأكملها، فإن شرطاً واحداً – ظاهره حفظ قرآن – إذا طُبق بحكمة وإصرار، قد يُحدث شلالاً إصلاحياً: إتقان الحفظ ← إتقان اللغة ← إتقان الفهم ← إتقان العمل ← صلاح المجتمع. النهر لا يتغير بإضافة ماء جديد، بل بتثبيت ضفافه أولاً. وهذا ما تفعله هذه الفكرة. ما رأيكم؟ هل نحتاج إلى "ذئاب" من هذا النوع في نظامنا التعليمي والمهني؟ لا تسألني من سيوافقك على ذلك؟ ولا من سينفذه؟ فكر في الأمر وحاول تحسينه، وابدأ به على نفسك وآل بيتك ومن تستطيع التأثير فيهم.
خذ ما صحّ من النظام: الصيام المتقطع الكثيف، والأكل عند الجوع الحقيقي فحسب. واتركْ ما أُشكل منه: وصف حلال الله بالخبائث، والقائمة التي تُجوّع الجسم من بروتينه وألياف أمعائه على المدى البعيد. والمقياس جاهز ومؤسَّس منذ أمد بعيد: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: 31]. رحم الله الدكتور ضياء العوضي رحمة واسعة، ونسأل الله أن يجعل ما أراده من نفع الناس في ميزان حسناته.
هذا تماماً ما يحدث مع من اتبعوا الطيبات قادمين من فوضى غذائية مطلقة: وجبات سريعة في أي وقت، سكريات متواصلة، زيوت مهدرجة، تخمة دائمة، لا مواعيد ولا انضباط، والبنكرياس يُطرق ليلاً ونهاراً دون توقف. جاء أي نظام صارم فأوقف هذه الفوضى، فتحسّن الحال فوراً. ليس لأن قائمة المسموحات والممنوعات عبقرية في كل تفاصيلها؛ بل لأن الصيام وضبط الجوع أوقفا فوضى كانت تُغرق البنكرياس. فالفضل للركنين الصحيحين. الإشكالية الأعمق: حين يستعير النظام مصطلحات القرآن بغير حق هذه الزاوية هي الأشد خطورة، وهي التي تُقلقني أكثر من أي إشكالية تغذوية. الدكتور العوضي رحمه الله اختار اسماً قرآنياً صريحاً لنظامه، واستند إلى الآية الكريمة: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157]. وسمّى ما اختاره من أطعمة "طيبات"، وما رفضه "خبائث". وهذا الاستعمال يحمل إشكالية عقدية لا ينبغي السكوت عنها. الأصل في الشريعة الإسلامية أن الأشياء مباحة حتى يأتي النص بتحريمها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلَالاً طَيِّباً﴾ [البقرة: 168]. والمحرمات محددة في كتاب الله: الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهلّ لغير الله به. وما عدا ذلك فهو حلال حتى يثبت تحريمه بنص. والأمر لا يقف عند حد النظرية؛ فالدجاج والحليب مما ثبت في السنة النبوية صراحةً. روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما عُرض عليه ليلة الإسراء كأسان أحدهما لبن والآخر خمر، اختار اللبن، فقال جبريل عليه السلام: "اخترتَ الفطرة، أما إنك لو أخذتَ الخمرَ غَوَتْ أمتُكَ." متفق عليه. ورُوي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يأكل الدجاج. والحديث في البخاري فكيف يُوصف بـ"الخبائث" ما شربه النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه جبريل عليه السلام، وما أكله أمام أصحابه؟ وقد حذّر القرآن الكريم من هذا صريحاً: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: 116]. ولا شيء في هذا طعن في نية الرجل رحمه الله؛ لكن القصد الحسن لا يُصحّح المصطلح الخاطئ، ولا سيما حين يُضفي على ممنوعات شخصية طابعاً دينياً يحمله المتبع في نفسه دون أن يدري. عودة للمثال: ومتى تظهر إشكاليات الديكتاتور؟ الديكتاتور أفضل من الفوضى، لكنه يظل ديكتاتوراً. وبعد انتهاء "شهر الجريمة الصفرية"، تبدأ عيوب القمع في الظهور. وهذا ما يحدث مع الركن الثالث للنظام على المدى البعيد: شحّ البروتين الكامل. النظام يُحرّم الدجاج والبيض والبقوليات جميعاً، ويُطبّق مبدأ "يوم بروتين ويوم راحة" للحم مع أيام الصيام التي لا بروتين فيها أصلاً. والبديل النباتي (البقوليات) ممنوع هو كذلك. من أين يحصل الجسم على الأحماض الأمينية الأساسية التي لا يصنعها بنفسه، وهي لبنات بناء العضلات والهرمونات وخلايا الجهاز المناعي؟ المنظومة التي تُجوَّع من مواد بنائها تبدأ في تآكل نفسها صامتةً. النشويات السريعة بلا ألياف. الأرز والبطاطس والتمر يرفعون السكر بسرعة في الدم، وعادةً ما تُبطّئ هذا الارتفاعَ الأليافُ الموجودة في الخضروات والبقوليات. لكن الاثنين في النظام ممنوعان. والهدف المُعلَن هو محاربة الالتهاب، غير أن ارتفاع السكر المتكرر بلا عازل قد يُغذّيه لا يُخمده. الأبحاث في العقد الأخير وثّقت أن صحة بكتيريا الأمعاء محور الجهاز المناعي كله، وغذاؤها الرئيسي هو الألياف من الخضروات والبقوليات. تجويع هذا الميكروبيوم لأشهر وسنوات يُؤثّر تأثيراً عميقاً يظهر متأخراً حين لا يشعر أحد بالصلة بين السبب والنتيجة. ومؤامرة شركات الدواء: المعادلة ليست ثنائية العوضي رحمه الله أصاب في مواضع متعددة؛ أصاب حين أعاد الاعتبار للصيام وجعله مدخلاً صحياً لا مجرد عبادة، وأصاب حين ربط بين الفوضى الغذائية وأمراض العصر المزمنة، وأصاب حين نبّه إلى أن الإفراط في التدخل الدوائي لأمراض يمكن ضبطها بتغيير النمط الغذائي ظاهرة حقيقية لا يمكن إغفالها. ولأن النظام واجه هذه الظاهرة، صار كل منتقد للنظام في نظر مؤيديه مدافعاً عن الشركات. لكن المنطق يقول: رفض الخطأ لا يُوجب قبول البديل الخاطئ. المعادلة ليست ثنائية إمّا الطيبات أو الدواء؛ ثمة طريق ثالث هو التغذية العلمية المتوازنة والاستخدام الرشيد للدواء حين يلزم، دون أن نصف حلال الله بالخبث. الخلاصة: الإسلام الوسط كان هناك قبلنا جميعاً ما يعمل في نظام الطيبات موجود من قبله بأربعة عشر قرناً. صيام الاثنين والخميس وأيام البيض سنّةٌ نبوية ثابتة، وقاعدة "ثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنَّفَس" توجيهٌ نبوي شريف. لم يخترع العوضي رحمه الله هذين الركنين، لكنه جمعهما في منظومة واسعة، وأضاف إليهما قائمة طعام مثيرة للجدل، ووظّف مصطلحات دينية في موضع يستدعي التوقف.
نظام "الطيبات" بين الإنصاف والنقد: ما الذي يعمل فعلاً، وما الذي يُقلق؟ أكتب هذا وأنا أستحضر مشاعر كثيرين ممن جرّبوا نظام "الطيبات" فرأوا تحسناً حقيقياً سريعاً، أو ممن شاهدوا ذوياهم يتحسنون. أكتبه بصفتي مهندساً تعلّم أن ينظر إلى أي شيء باعتباره منظومة: لها مدخلات ومخرجات وقواعد تشغيل. وما تحتاجه كل منظومة هو القراءة النزيهة، لا الانبهار الأعمى ولا الرفض المتسرع. ما الذي يقوله النظام فعلاً؟ نظام الطيبات يقوم على فلسفة محددة: أمراض العصر المزمنة ناتجة عن التهابات داخلية تُغذّيها أطعمة بعينها، والحل هو الالتزام بقائمة بيضاء صارمة لا يُؤكل خارجها. أساسيات النظام التي تُؤكل يومياً: الأرز (ويُفضَّل البسمتي)، والتمر، والدهون (الزبدة وزيت الزيتون)، والبطاطس. ويُضاف إليها اللحوم الحمراء والأسماك البحرية بنظام "يوم بروتين ويوم راحة"، وبعض الأجبان كالشيدر والرومي، وخل القصب والشاي الأخضر. أما السكر فيُسمح به بوصفه طاقة طبيعية وفق الحاجة، لا بوصفه توصية أو تشجيعاً. في المقابل، يمنع النظام: الدجاج وبيضه، والحليب ومشتقاته السائلة، والبقوليات بأنواعها، والخضروات النيئة، والدقيق الأبيض، والوجبات السريعة، والمشروبات الغازية، والزيوت المهدرجة. ويقوم النظام على ثلاثة أركان بنيوية: صيام أحد عشر يوماً تقريبا كل شهر (الاثنين والخميس وأيام البيض)، والأكل عند اشتداد الجوع الحقيقي فحسب مع التوقف قبل الشبع التام، ومبدأ القائمة البيضاء: ما لم يُذكر في القائمة فهو ممنوع تلقائياً. قبل أن نبدأ من المهم أن نوضح نقطة طبية بطريقة هندسية تخيّل أن جسمك مدينة كبرى تعمل فيها ملايين الخلايا كالمصانع، وكل مصنع يحتاج وقوداً هو (السكر) الذي يصل عبر الدم. لكن باب كل مصنع مُقفَل لا يُفتح إلا بمفتاح واحد؛ وهذا المفتاح هو الأنسولين، وهو هرمون يُفرزه البنكرياس كلما ارتفع السكر في الدم. كلما أكل أحدنا شيئاً أرسل موجة أنسولين، وكلما تناول سكراً سريعاً أرسل موجة أعلى. ساعات وساعات، يوماً بعد يوم، سنةً بعد سنة. الخلايا تُقابَل بطرقات مستمرة على أبوابها فتبدأ في تجاهل الطَّرق. تخيل أن (مفتاح الخلية) صار يحتاج الآن إلى ضغطتين، ثم ثلاث، ثم عشر. والبنكرياس يرى الأبواب لا تُفتح فيُرسل مزيداً من المفاتيح. وهكذا تدور الحلقة المفرغة: أنسولين أكثر، مقاومة أشد، أنسولين أكثر. والمفارقة المؤلمة: الخلايا تجوع رغم أن الدم غارق بالسكر، السكر موجود لكنه عاجز عن الدخول. هذه هي مقاومة الأنسولين، وعلاماتها لمن لا يعرفها: إرهاق مزمن لا سبب له، شره دائم للحلويات والنشويات، كرش في منطقة البطن تحديداً، اسمرار في طيات الجلد تحت الإبط وخلف الرقبة، ضباب ذهني بعد الأكل، كل هذا قبل أن يظهر السكري الصريح. من الثلاثة أركان التي يقوم عليها نظام الطيبات، ركنان منها صحيحان علمياً وإن لم يكن العوضي رحمه الله أول من اكتشفهما، والثالث (مبدأ القائمة البيضاء) هو مصدر الإشكالية التي سنتناولها لاحقاً. الركن الأول: الصيام الكثيف. أحد عشر يوماً كل شهر؛ وهذا ما توصّل إليه العلم الحديث تحت مسمى الصيام المتقطع، فحين تصوم، ينخفض الأنسولين إلى أدنى مستوياته ساعات طويلة، فتستعيد مستقبلات الخلايا حساسيتها تدريجياً، تماماً كما تستعيد الأذن حساسيتها بعد البعد عن الضجيج. الركن الثاني: الأكل عند الجوع الحقيقي فحسب. يعني ذلك تلقائياً: أقل وجبات، وأقل سعرات، وأقل طلبات على البنكرياس طوال النهار. والتوقف قبل الشبع التام يمنع الارتفاع المفرط للسكر بعد كل وجبة. هذان الركنان معاً يعملان في اتجاه واحد: تهدئة البنكرياس، ومنحه صمتاً لم يعرفه منذ سنوات. ولهذا تتحسن حساسية الأنسولين في أسابيع لا أشهر، وهذا بالضبط ما يراه أصحاب النظام ويعزونه إلى النظام بأسره. لماذا تبدو النتائج معجزة؟ حين يكون أي نظام أفضل من اللانظام هنا قلب الموضوع كله، وهنا يقع سوء الفهم. تخيّل دولةً لا توجد فيها حكومة، ولا شرطة، ولا قضاء، ولا قانون على الإطلاق. يمكن لأي شخص أن يدخل بيتك ويأخذ ما يشاء. يمكن لأي سائق أن يصدمك في الشارع. بل يمكن لأحدهم أن يقتلك أمام الجميع فقط لأنه أراد ذلك، ولن يُحاسبه أحد؛ لأنه ببساطة لا يوجد نظام. ثم جاءت حكومة عسكرية قمعية فاسدة، فرضت حظر تجول، ومنعت حمل السلاح، وقيّدت التنقل. في أسابيع قليلة انخفضت جرائم القتل، وعادت الأسواق للعمل، ونام الناس دون خوف. هل يعني هذا أن الديكتاتور العسكري الفاسد حكيم ومصلح؟ لا. يعني فقط أن أي نظام في الدنيا، حتى الخاطئ منه، أفضل من اللانظام المطلق.
القصة الثانية مع حفيدي علي، أنه اقتحم علي الباب يوما كما يفعل الأطفال، فطرقت على الخزانة بجواري وقلت: السلام عليكم، أنا علي، أدخل؟ ثم قلت: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلا وسهلا بعلي حبيب جدو تفضل، وبينما أردد، كان علي ينظر إلي مشدوها، فكررت الحركات والكلمات نفسها، ومن ثم ثالثة، ثم قلت: هل تريد أن تجرب، فخرج بسرعة وأغلق الباب، وتقريبا قال الكلمات ملخبطة وأثناء الطرق وفتح، وكان سعيدا ب(التمثيلية) الصغيرة، وطبعا أنا تحمست فأخذته وذهبنا لغرفة خالاته، أرأيتم علي الذكي ماذا صار يفعل، وكررت الموقف، كان علي سعيدا وفخورا بالمهارة الجديدة التي تعلمها، وكنت أنا شديد السعادة، لقد وفقني مولاي وعلمت مسلما لم يبدأ حياته بعد أدبا إسلاميا، علمته الاستئذان. فالحمد لله رب العالمين.
ليست المشكلة الكبرى في الأطفال الذين حُرموا من التربية، بل في الذين نالوا تربية لكن على أيدي الشاشات. هؤلاء أبناؤنا بالنسب، لكن القيم التي شكّلتهم لم تخرج من بيوتنا. بفضل الله أنا زوج وأب وجد، وقد جعل الله هذه الأدوار الثلاث تُحرّك فيّ شيئاً لا يهدأ تجاه التربية. وسأحكي اليوم قصة صغيرة مع حفيدي علي الذي لم يُكمل الثالثة بعد. فما أن جاوز السنتين، لاحظت أن لديه مهارة عالية، ما شاء الله لا قوة إلا بالله، في حفظ الكلمات التي تتردد أمامه، ففكرت: لم لا أستغل ذلك وأحفظه الفاتحة؟ لو نجحت، فربما كتب الله تعالى لي أجر الفاتحة في كل صلاة سيصليها طوال حياته. وكان علي يحب أن يُحضر لي قصة صغيرة من المكتبة ويطلب مني أن أحكيها له. فكانت القصص، بغض النظر عما هو مكتوب فيها، تتدفق على لساني بهذا الشكل: هذه ماما، وهذه سلمى. قالت سلمى لماما: علّميني الفاتحة. فقالت ماما: حسناً، قولي ورائي يا سلمى..." ثم القصة التالية: الأب وعلي والفاتحة. ثم: حسن وصديقه علي والفاتحة. وهكذا. والآن، بفضل الله تعالى، فإن عليا وقبل أن يكون قادراً على قول سبع جمل متتالية في أي موضوع، فقد حفظ الفاتحة بآياتها السبع عن ظهر قلب، وبنطق سليم، لأنه ببساطة يُقلّدني. والطريف أنه لم يشعر يوماً أنه "يحفظ"، بل كان يعيش قصة. سأحكي القصة الثانية في منشور آخر بإذن الله، وربما فيها ما هو أعجب. التربية لم تمُت، هي فقط تحتاج من يعطيها حقها نسأل الله القبول والتيسير، ولو أن أحدا لديه قصة تثري التجربة فليته يتحفنا بها
حتى لو انهار الغرب تماما، فلن نسود إلا لو كنا حقا: أهل الإيمان، ولو صرنا أهل الإيمان حقا، لسدنا الأرض أيا من كان عليها
ترامب وصبيه هيجسيث أعلنا كثيرا عن (تدمير كل شيء في إيران) كل هذا والصواريخ الإيرانية تسقط يوميا على تل أبيب والقوات الأمريكية في الخليج، وهما وكافة المتحدثين الرسميين الأمريكيين لا يكفون عن ترديد البلاهة نفسها، تماما كمن قال (أم الدنيا وهتبقى أد الدنيا) ومحبوه يصفقون له، وبلادنا صارت ذيل الأمم
سبحان الله، من المثير للغاية تأمل كيف يسلط الله الطغاة على أنفسهم!! (يخربون بيوتهم بأيديهم) لقد كان قرار الحرب على إيران أغبى قرارات المتحرش البرتقالي، وذلك حتى اتخذه، ولكن الذي سلط الله عليه غباؤه لا يتوقف عند هذا الحد، بل يتوعد بضرب البنية التحتية للطاقة في إيران إن لم تفتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة. والسؤال هنا للغبي: فماذا إن فعلت، فردت إيران بضرب كل مصافي النفط في الخليج دون أي استثناء؟ يعني كان 20% من نفط الخليج محبوسا خلف المضيق، فتتصاعد الأسعار عالميا، فماذا إن حولته بغبائك إلى أن الخليج لم يعد قادرا أصلا على إنتاج النفط!!! ولا يحتاج هرمز ولا غيره!!
لن أستغرب لو اشترطت إيران لإنهاء الحرب، وفتح مضيق هرمز الآتي: الحق في امتلاك سلاح نووي خروج أمريكا من الخليج رفع تام للعقوبات تعويضات (هائلة) من المعتدين
تخيل ١٧٠٠ إنسان يحاصرهم ٧ أفراد والغريب أن ال١٧٠٠ يقولون وماذا بيدنا أن نفعل؟ هذه النسبة هي ما بين المسلمين ودولة الكيان، وهم يغلقون الأقصى في شهر رمضان، فلم تقم فيه صلاة!
إذا كان ترامب انتصر فعلا، فلم يطالب دول الخليج، بل والعالم كله، بالمشاركة في فتح مضيق هرمز لا يبدو لي هذا سلوك المنتصرين
أشعر أن وزير الحرب الأمريكي سيطرد من منصبه قريبا
ماذا سيحدث في حرب الخليج الحالية؟ بداية أنا لست (محللا عسكريا) ولا (خبيرا دوليا) ولا أي شيء من هذه (الألفاظ الكبيرة) لكني زرت دول الخليج (كثيرا) وأظنني أعرف بعدا مهما: المواطن الخليجي عمر سيارته من النادر جدا أن يتجاوز 5 سنوات، بينما الإيراني من السهل أن تصل ل15 عاما، ومع هذا، ففي إيران تقريبا يوجد 200 سيارة لكل 1000 إنسان، أما في الخليج فقد يصل الرقم إلى 700 لكل ألف إنسان، وفي إيران قد يستهلك الفرد من الكهرباء 3000 كيلو واط سنويا، بينما في الخليج قد يتجاوز استهلاك الفرد (بسهولة) 15000 كيلو واط سنويا. وهكذا يمكنني أن أعدد لك من وسائل الرفاهية التي رأيت أدلة عليها بعيني في الخليج بينما تنقل الانترنت أرقاما أقل عنها بكثير من إيران. والشاهد أن الإيراني قد يتحمل الضغط أكثر (كثيرا جدا) من الخليجي، وإغلاق المضيق يغلق -مع تصدير النفط- يغلق أيضا دخول احتياجات دول الخليج التي تستورد حرفيا ما قد يصل ل90% من احتياجاتها. لهذا لعبة عض الأصابع بغلق المضيق على الكل لن يحتملها الخليج بينا إيران أصلا عليها عقوبات من 40 سنة واستيرادها إن وجد فهو قليل لغاية. أما المواطن الأمريكي في الأراضي الأمريكية فهو الذي سيصرخ في وجه الحكومة الأمريكية قريبا جدا، فرغم أن أمريكا حاليا من أكبر منتجي البترول في العالم، فإنه ملك شركات خاصة، ولو ارتفع سعره فلن تبيعه للمواطن الأمريكي بالرخيص لأنهم (أبناء بلد واحد وما أشبه) والجدير بالذكر أن ترامب بدأ فعلا السحب من الاحتياطي النفطي الفيدرالي في محاولة يائسة للسيطرة على الأسعار قبل أن تكمل الحرب أسبوعين، أما نفط فنزويلا المزعوم فهو بحاجة لإنفاق أكثر من 100 مليار دولار (حرفيا) وما لا يعلمه إلا الله من الزمن ليكون ندا للنفط الخليجي في الأسواق العالمية وفنيا لن يحدث دون الدخول في تفاصيل ومواصفات، فباختصار هناك نفط في فنزويلا ولكن أقل جودة وجاذبية (بكثير جدا جدا) من النفط الخليجي. لا شك عندي أن من حول ترامب كانوا يعرفون كثيرا من هذا، لكن العجيب أنهم تركوه يدخل كثور هائج، والآن يدفعون الثمن جميعا، ويحاولون البحث عن (أي) مخرج.
без подписи
تأمَّل معي هذا المثال: لو وضعتُ أمامك عشرة صناديق متشابهة تماما، وأخبرتُك أن تسعةً منها يحوي الواحد منها عشرةَ جرامات من الذهب، وأن العاشر منها، والذي لا تميزه، يحوي عشرة أطنان من الذهب، وأن لك أن تأخذ واحدا منه وتمضي (قد يكون الأكبر، وقد يكون غيره، فأنت لا تعرف) ولك أن تأخذ أكثر، ولك حتى أن تأخذ العشرة كلها، فماذا ستأخذ؟ الجواب فطرةٌ لا تحتاج تفكيرًا. فما بالُك بعشر ليالٍ، في كلٍّ منها خيرٌ وأجرٌ وقُربة، وفي إحداهن العمل فيها خير من العمل في ألف شهر؟ يقول الله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ألفُ شهر، يعني ثلاثةٌ وثمانون عامًا وأكثر، تُطوى في ليلةٍ واحدة لمن أحياها. وقال النبي ﷺ: «مَن قامَ ليلةَ القَدرِ إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبِه» (متفق عليه) وحين سُئل عن تحرِّيها، أرشد ﷺ إلى التوسُّع لا التضييق، فقال: «تَحَرَّوْا ليلةَ القدرِ في الوِتْرِ من العَشرِ الأواخرِ من رمضانَ» (متفق عليه) فأحيِ ليالي العشر كلَّها، واجعل لكل ليلةٍ نصيبًا من القيام والقرآن والدعاء والاستغفار، فإن أدركتَ ليلةَ القدرَ، وأنت تسعى، فقد ربحتَ ما لا يُقدَّر؟ والخاسر الحقيقي هو من أمضى العشر غافلًا، والعياذ بالله، ثم أفاق بعد انقضائها. اللهم بلِّغنا ليلة القدر وأعِنَّا على قيامها
لماذا لم ينزل القرآن دفعةً واحدة؟ سألها الكفار استهزاءً، وأجاب عنها القرآن صراحةً، لكن قل من يقف عند إجابتها. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ فجاء الجواب: ﴿كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ لم ينزل دفعةً واحدة وكأن مولاي لم ينزله ليُقرأ فحسب، بل ليُعاش أيضا. فبعضه نزل حين مات ابن، وبعضه حين هُزم الجيش، وبعضه حين اتُّهمت أم المؤمنين رضي الله عنها في عرضها (وأعظم بها من مصيبة)، وهكذا. ثلاثة وعشرون عاماً من التنزيل المتقطع على قلب يمر بتجارب متقطعة. أي أن الله اختار بنفسه أن يكون هذا الكتاب مرتبطاً بالحدث لا منفصلاً عنه. ثم تأمل هذا جيداً. الذي احتاج التثبيت بالقرآن هو خير من مشى على الأرض، صلى الله عليه وسلم. هو في الخلق ليس مثلنا، فهو الذي قال الله في حقه ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. هو الذي لم يكذب يوماً ولم يخُن ولم يتردد في الحق. ومع كل هذا كان يحتاج أن يتنزل عليه القرآن ليُثبَّت فؤاده في مواجهة الأحداث. فماذا عني وعنك؟ بكل ما نحمله من ضعف وتقلب وانكسار، ألا ترانا نحتاج؟ كلنا حين يمرض يذهب لطبيب ثقة يصف له علاجا، فيلتزم به رجاء أن يشفيه الله. لا نجادل في الجرعة، ولا نكتفي بقراءة الوصفة مرة واحدة، ثم نضعها في الدرج. ولله المثل الأعلى، فقد صرّح سبحانه أن هذا الكتاب يُثبّت الفؤاد. لا يُثبّته قراءةٌ واحدة في العشرين من العمر، ثم جلسة إحياء ذكرى كل رمضان. يُثبّته العودة إليه مراراً، بعد كل تجربة، بعد كل هزيمة، بعد كل نجاح يغرّ، بعد كل حزن يغرق. حين نقرأ القرآن بمعزل عن حياتنا، فإننا نقرأه على عكس الطريقة التي أُنزل بها. وحين نعود إليه مرارا وتكرارا كلما عشنا، وتألمنا، وأخطأنا، وتبنا، سنجده لم يخلق من كثرة الرد (أي لم يصبح قديما). كلام مولاي لا يتغير، لكننا دوما نتغير، فدوما نحتاج عودة جديدة.
ما لا يسع المثقف جهله عن كيف تعلم تشات جي بي تي وأمثاله هذه النماذج لم تعطَ قائمة بما تقوله وما لا تقوله. ما حدث هو أن كلا منها أُعطي كميات هائلة من النصوص، مئات المليارات من الجمل، من كتب ومقالات ومحادثات ومواقع إنترنت بعشرات اللغات. ثم طُلب منه مراراً أن يُكمل جملة ناقصة. فإذا أخطأ، صُحِّح. فإذا أخطأ مرةً أخرى، صُحِّح مرةً أخرى. وهكذا مليارات المرات. لم يشرح له أحد لماذا هذه الجملة صحيحة وتلك خاطئة. هو استخلص ذلك وحده من تراكم التصحيح. هذه المرحلة تسمى التدريب المسبق، وتستغرق أشهراً وتكلّف عشرات ملايين الدولارات. بعد تلك المرحلة، كان النموذج يعرف كل شيء تقريباً، لكنه كان يتصرف بطريقة غريبة. مثلا يقول أشياء مسيئة أحياناً لأن بعض ما قرأه كان مسيئاً. باختصار لا يحسن التصرف. فتأتي مرحلة تالية: أُحضر بشر حقيقيون، قرأوا إجاباته وقالوا "هذه جيدة، هذه سيئة، هذه خطيرة، هذه مفيدة." ومن تلك التقييمات البشرية، صُحِّح النموذج مرةً أخرى حتى أصبح مفيداً ومتزناً ومحترماً في حديثه. المرحلة الأخيرة تسمى الضبط الدقيق بالتغذية الراجعة البشرية. فلماذا إذا تطلق كل شركة نماذج أحدث باستمرار؟ ليس لأن النصوص التي تعلّم منها تغيّرت، بل لأن النموذج نفسه يتغير. يكبر حجمه، تتراكم تصحيحاته، تتطور الأساليب التي يُدرَّب بها. فيعود إلى النصوص ذاتها، ويرى فيها أنماطاً لم يكن يراها من قبل. النص لم يتغير. لكن الذي يقرأه تغيّر. يعني كأنه قرأ نصا شعريا وهو صغير، ففهم معاني الكلمات، ثم لما أعاد قراءته بعد أن كبر فهم الاستعارات والمجاز والتورية وما إلى ذلك من بلاغة. والآن لنتوقف لحظة. هل لاحظتم هذه الجملة: "النص لم يتغير. لكن الذي يقرأه تغيّر." هذا بالضبط ما يحدث لنا، أنت الذي قرأ سورة الضحى وهو طالب في العشرين، ليس أنت الذي يقرأها اليوم بعد أن مررت بالضيق والفرج والخسارة والأبوّة والغربة. الآية نفسها، لكن النموذج (الإنسان) الذي يقرأها تغيّر كليا. الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بتدريب واحد. لأن كل تجربة جديدة تُصحح أوزانه الداخلية وتجعله يرى ما لم يكن يراه. أما نحن، فنملك ما هو أعمق من ذلك بكثير: تجارب حيّة، ومشاعر حقيقية، وقلوباً تتقلب، وكتاباً لا ينضب. الذي يتدبر (لم أقل يقرأ الورد وهو سرحان) آيات القرآن دوريا، هو إنسان (يحدث) نفسه باستمرار، أي كأنه يصبح نسخة أحدث من نفسه، وكل مرة يضبط بوصلته بشكل أدق. والأمر نفسه مع أحداث السيرة وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. التدبر ليس ترفاً فكريا تقوم به عندما تجد وقت فراغ، بل هو بروتوكول التحديث الوحيد الذي يجعلك تفهم دينك بعمق حاضرك، لا بضحالة ماضيك