- Последний пост
- 9 авг.
- Последнее чтение
- 13 авг.
- Постов за неделю
- 0
- Всего постов
- 20
- Тип
- открытый
- Язык
- арабский
- В каталоге с
- 13 авг.
- 1/24сутки в ленте
- 86
- 1/48двое суток
- 98
- 1/72трое суток
- 106
Оценка по просмотрам недавних постов: пост набирает почти всё за первые сутки.
Посты
حينما تظنّ أن للظلّ جسدًا ثَمّة هموم كثيرة تكتنف الصدور، لم تقع بعد، ومع ذلك عاش صاحبها أيامًا مديدة بما فيها من ضيق وكدر. يستفتح صباحه منزوع السكينة، من غير مصيبة وقعت، ولا نعمة سُلبت، غير أنه يحمل ثقل ظلّ لا جسد له. فتنتزع منه لذّة الرضا، وحقيقة التوكل، والتمتع برياض اليقين. وكم مرة جلس في خلوة قصيرة مفكرًا؛ فخرج منها ضيق النفس، مهموم القلب؛ من كلمة لم تُقل، وحدث لم يقع، وغدٍ لم يطل، ومستقبل لم يحن بعد. فيسأل: ماذا لو حدث؟ وماذا لو لم يحدث؟ ماذا لو جاء الغدر ممن أحب؟ أو الفجيعة من الغد؟ ومن هنا تبدأ حكاية القلق؛ حكاية لم تُنسج في يوم وليلة، وإنما قامت أركانها بعد أسلوب في التفكير قمت به بإرادتك مرارًا، حتى غدا عادة. تخيّل رجلًا يمشي كل يوم في طريق لا يتخلّف عنه، يلتفت يمنة ويسرة في بادئ أيامه، يستوثق من صحة الوجهة. حتى مضت عليه السنون، واعتاد ذات الطريق، وصارت تسبقه إليه قدماه دون إعمال فكر ولا حضور ذهن. وهذا نعرفه كثيرًا في حياتنا اليومية. وهذا بعينه ما يجري في أساليب التفكير. فالطريق هنا هو أسلوب التفكير نفسه، مع ما فيه من صلاح أو فساد. والرجل الذي يمشي فيه هو الخاطرة التي تطرأ على القلب. فحين ترد على الإنسان خاطرة ما، تجدها تلقائيًا تتخذ مسلكًا مألوفًا لا يجتهد في اختياره، وهو ما يقع لديك إن كان طريقك ممهدًا بالقلق ودواعيه. فتتخذ كل خاطرة مسارها المعهود: تهويل، وتوقّع للأسوأ، وفرض احتمالات لم يفرضها الواقع، حتى تنسج منها خيوطًا لقصة مأساوية من الوهم. تبدأ بخاطرة صغيرة لا يملك دفعها الإنسان: «لماذا لم يرد؟»، ثم تسير الخاطرة إلى الطريق الذي اعتادته: «ربما يكون غاضبًا مني»، ثم تكبر أكثر: «قد يكون لا يرغب بي»، ثم يجد الإنسان نفسه بعد دقائق قد حلّق في خيالاته إلى واقع لا حقيقة له. وهذا لا يعني أن الخواطر في ذاتها خطر، بل أن الخطر في الطريق الممهد لها. فالخواطر كثيرًا ما تكون بريئة في ذاتها، تومض بذهن المرء في لحظة، لكن عقل القَلِق يأخذها إلى طريق ممهد منذ قديم العهد. ولهذا قد يستغرب المرء: لِمَ تتضخم بعض الخواطر في قلبه دون تعمّد؟ وجواب ذلك أنها ألفت الطريق. إن الدواء الناجع لهذا الداء؛ أن تنتبه عند لحظة ورود الخاطرة على قلبك وهي عند أول الطريق. فتجعلها تقف، ويكفيك حينها أن تعلم: أنها خاطرة، وليست حقيقة، وشعور، وليس دليلًا، وأنه مما لا أعلمه، فلا أُعامله معاملة من يعلم. ثم تشغل عقلك بما بين يديك. لكنك ستجد نفسك تعود إليه. فتنتبه. ثم تعود. فتنتبه. وهذا أمر لا غرابة فيه. فأنت تزيل طريقًا في تفكيرك قد تكرر حتى صار عادة. لكن كل مرة تنتبه فيها قبل أن تُتمّ الخاطرة مسيرها، فأنت تزيل من هذا الطريق شيئًا فشيئًا. ثم مع الأيام يغيب، وتدفنه الرمال. وهنا تبدأ المرحلة الأجمل: أن تمهّد لخواطرك طريقًا معمورًا بالتوكل واليقين والوعي المعرفي. فكلما وردت فكرة، لا تجعل أول سؤال لك: «ماذا لو؟» بل اجعل أول سؤال لك: «ما الذي أعرفه حقًا؟ ما الحقيقة الماثلة أمامي؟ ما الذي أملك فعله الآن؟ وما الذي لا أملكه؟ وما الذي لا أعلمه؟ وما الذي لا يزال طيّ الغيب؟». فإذا عرفت الحقيقة، فقف عندها. ولا تُضف إليها من عندك عالمًا كاملًا لم تشهد له بيّنة. ومن القواعد العظيمة النفع في فهم القلق: الشعور ≠ نتيجة. فحين تقول: «أنا خائف»، فهذه حقيقة، أنت خائف فعلًا. لكن حين يقول عقلك: «إذن ثَمّة ما يستحق الخوف سيقع»، فهذه نتيجة أخرى، منفصلة عن الشعور نفسه، لا تلزم عنه. وكثيرًا ما يقع الخلط بين الإحساس والحقيقة؛ نأخذ إحساسنا بالشيء، فنعامله معاملة حقيقة الشيء. فنقول: «أشعر أن هذا سيحدث، إذن سيحدث»، مع أن العبارة الأدق لا تعدو قولك: «أشعر أن هذا سيحدث» فحسب. أما ما وراء ذلك، فليس من الشعور في شيء. حينما تتخلص من القلق؛ ستدرك أنك لم تكن محتاجًا إلى أن تعرف ما سيكون، وأن حاجتك تنطوي على أن تتعلّم ألا تعيش ما لم يقع.
لا تخشَ فوات عمرك قبل بلوغ رزقك قال أبو الدرداء -رضي الله عنه-: "لو أن رجلًا هرب من رزقه كهربه من الموت، لأدركه رزقه كما يدركه الموت!". أخرجه البيهقي في الشعب.
أبلغ ما وقفتُ عليه في وصف المتعالم، كلمةٌ للإمام ابن جرير الطبري في مقدمة تفسيره: «… فأبدى من ضعف عقله ما كان مستترًا، ومن عيِّ لسانه ما كان مصونًا.» كلماتٌ تصف حال من تكلَّف ما لا يُحسن، فكان كلامه هو الذي كشف عظيم نقصانه!.
"قد يطرقُ الإيمانُ القلبَ ثمّ لا يثبت، ويحصّلُ المرءُ علمًا لا يهديه، ويسلكُ سبيلًا يظنّه هدىً وليس بمستقيم. ومن فقه السّلف أنّهم لم يسألوا الله أصلَ النّعمة فحسب، بل سألوه كمالَها وثباتَها وثمرتَها. عن معاوية بن قرّة قال: كان أبو الدّرداء يقول: «اللّهمّ إنّي أسألك إيمانًا دائمًا، وعلمًا نافعًا، وهديًا قيّمًا». قال معاوية: «فنرى أنّ من الإيمان إيمانًا ليس بدائم، ومن العلم علمًا لا ينفع، ومن الهدي هديًا ليس بقيّم». وهذا من أدقّ فقه الدّعاء؛ فدوامُ الإيمان لا يعني ألّا يضعفَ أو ينقصَ، وإنّما أن يبقى أصلُه حيًّا، يردُّ صاحبَه إذا شرد. والعلمُ النّافع هو الّذي يتجاوز الذّاكرةَ إلى البصيرة، فيورثُ صاحبَه العمَلَ والعَدلَ. والهديُ القيّم هو السّمتُ المستقيم الّذي يجمع صحّةَ القصد وصوابَ الطّريق. جمع أبو الدّرداء في كلماتٍ يسيرةٍ صلاحَ الإنسان كلّه: قوّةً تثبّتُ القلب، وبصيرةً تكشفُ الحقّ، واستقامةً تحملُ عليه؛ إذ لا يغني علمٌ لا ينفع، ولا قصدٌ لا يستقيم، ولا إيمانٌ لا يصمد أمام تقلّب الأحوال."
(التصريح بالحب، والتناقض النزاري). [رؤية وتعقيب 1-2] هذه المسألة من أعقد جدليات المشاعر، وهي من المسائل التي ليس لها جواب واحد في نظري، وإنما تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، وهذا ما جعل الشعراء -وهم الخبراء في رصد المواجع الإنسانية- يختلفون فيها، بل ويميلون…
يقول الإمام ابن القيم في حال من علّق قلبه بالطيرة: «هذه حال من تقطعت به أسباب التوكل، وتقلص عنه لباسه، بل تعرى منه، ومن كان هكذا؛ فالبلايا إليه أسرع، والمصائب به أعلق، والمحن إليه ألزم». وقال: «والمتطير متعب القلب، منكد الصدر، كاسف البال، سيئ الخلق، يتخيل من كل ما يراه أو يسمعه. أشد الناس خوفًا، وأنكدهم عيشًا، وأضيق الناس صدرًا، وأحزنهم قلبًا. كثير الاحتراز والمراعاة لما لا يضره ولا ينفعه، وكم قد حرم نفسه بذلك من حظ، ومنعها من رزق، وقطع عليها من فائدة!». - مفتاح دار السعادة.
هوّن عليك يا قلبي المعنّى فكل همٍ سوف يمضي عنا واصبر فـإن وعـد الله حـقٌ فما خاب من أحسنَ باللهِ ظنّا وادعوه إذا الكون تسـجّى بظلمة الهمّ دعاءَ المضطرا وقـل إلهي جـاء عبدك يرجو عطاءً لا يرده خطيئة وذنبا
كانت غوايةُ إبليس لآدم عليه السلام بالأكل من شجرةٍ واحدة، لكنه أغوى ذريته من بعده بأشجارٍ لا تُحصى من الفتن والشهوات. فما زالت وسائل الإغواء تتكاثر، وتتجدد صورها، حتى غدا الإنسان المعاصر يواجه في يومه وليلته من دواعي الفتنة ما لم يكن يواجهه من قبله إلا قليلًا. فكان المرء في الأزمنة الماضية ربما اعتصم من كثيرٍ من الفتن بانكفائه على نفسه، أو لزومه بيته، أو بعده عن مواطن الريبة. أما اليوم، فإن الفتنة تحيط بك عن يمينك وشمالك، وتطرق بابك من غير استئذان، بل قد تستقر بين يديك في شاشة هاتفك، لا يفصل بينك وبين ألوان المحرمات إلا ضغطة زر في لحظة واحدة، بعد أن كانت تحتاج زمناً وجهداً لتبلغ مبلغها. وإن كان يردع كثيرًا من الناس في الماضي عن المعصية؛ نظرُ الخلق، وخشيةُ الملامة، وهيبةُ المجتمع. فإن اليوم قد يخلو المرء بنفسه، ويغلق عليه بابه، فلا رقيب عليه إلا خالقه سبحانه، ثم نفسه، والكرام الكاتبين الذين لا يغادرون قولًا ولا فعلًا. ولا يثبت العبد أمام هذا السيل الجارف من الفتن إلا بخوفٍ صادق؛ خوفٍ على دينه أن يتبدل، وإيمانه أن ينحرف، وقلبه أن يزيغ، وثباته أن يتصدع. خوفٌ لا يورث قنوطًا، وإنما يورث افتقارًا، وفرارًا إليه سبحانه. وغاية هذا الخوف أن يحمل العبد على صدق الاستعانة بربه، وأن يلهج قلبه ولسانه بالدعاء: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، وهو يستشعر يقينًا أنه لا نجاة من الضلال إلا بعصمة الله، ولا ثبات على الحق إلا بتوفيقه، ولا سلامة من الفتن إلا بحفظه. ويوقن أن الغفلة عن مراقبة القلب والجوارح، والتهاون في محاسبة النفس، من أعظم أسباب الوقوع في الفتن، وأن من وكل إلى نفسه طرفة عين، أوشك أن يزل، ومن اعتصم بالله، فقد هُدي إلى صراط مستقيم.
لسفيان بن عيينة فيما رواه عنه الخطيب البغدادي في مقدمة كتابه (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) بإسناده إليه أنه كان يقول: "إن رسول الله ﷺ هو الميزان الأكبر، فعليه تُعرض الأشياء؛ على خُلُقه وسيرته وهديه، فما وافقها فهو الحقُّ، وما خالفها فهو الباطل".
لسفيان بن عيينة فيما رواه عنه الخطيب البغدادي في مقدمة كتابه (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) بإسناده إليه أنه كان يقول: "إن رسول الله ﷺ هو الميزان الأكبر، فعليه تُعرض الأشياء؛ على خُلُقه وسيرته وهديه، فما وافقها فهو الحقُّ، وما خالفها فهو الباطل".
العبودية في طلب العلم | «من الأخطاء على طالب العلم أن يربط قدر العلم في نفسه ببلوغه حدًّا عاليًا منه، فيغدو قصورُ القدرة عن ذلك الحدّ مطيّةً للعجز، وبابًا يُطلّ منه القلق على القلب. حتى يدرك أن الغاية الحقيقية ليست تحصيل الأكثر من العلم، وإنما هي العبودية…
العبودية في طلب العلم | «من الأخطاء على طالب العلم أن يربط قدر العلم في نفسه ببلوغه حدًّا عاليًا منه، فيغدو قصورُ القدرة عن ذلك الحدّ مطيّةً للعجز، وبابًا يُطلّ منه القلق على القلب. حتى يدرك أن الغاية الحقيقية ليست تحصيل الأكثر من العلم، وإنما هي العبودية لله تعالى. فحقيقُ بالعبد في كل نازلة أن يسأل نفسه: ما الذي يرضي الله مني الآن؟ فإن ابتُلي بنقص القدرة أو اعتراض العائق في سبيل الطلب، فما يعد ذلك خروجًا عن السبيل، بل هو لم يزل فيه؛ إذ يتحوّل ميدان العبودية من البحث والتحصيل إلى الصبر والرضا والافتقار، وإلى ما تيسّر من العبادات القلبية واللسانية حين تُغلَق أبواب الجوارح. ومثال ذلك طالبُ علمٍ أقعده المرض عن مجالس الطلب وحلق الدرس، فحيل بينه وبين ما كان يألفه من قراءةٍ وحفظٍ وتدوين. فقد يخطر بباله أول الأمر: يا لَلأسف، كم فاتني من علمٍ، وكم تعطّل بمرضي من نفعٍ! غير أن الفقه الصحيح لهذا الابتلاء أن ما يُقدَّم بين يدي الله في زمن المرض لم يعد هو التحصيل والتصنيف، بل صار الصبر على الوجع، والرضا بالقضاء، وذكر الله في مضجع الألم، ولجوء القلب إليه حين تُقعد الجوارح. فذلك المريض، وإن انقطع عن ظاهر الطلب، لم ينقطع عن غايته. ومن مواطن الخلل في تصوّر الأهداف في هذا الباب أن يجعل الطالب أهدافه الكبرى-كالملكة العلمية في فنٍ معين، أو ضبط حفظ جملة من المتون، وإلخ- غاياتٍ مقصودةً لذواتها من دون أن يدرك؛ فيغفل عن كونها وسائل محضة إلى العبودية، فينشغل بالوسيلة عن الغاية. فليستحضر العبد على الدوام: أنا لله قبل أن أكون طالب علمٍ، أو داعيةً، أو صاحب أي رسمٍ آخر يتحلّى به. وأن الله سبحانه يقلّب عبده في الأحوال كما يشاء، والمطلوب منه في كل حالٍ أن يؤدي العبودية اللائقة بذلك الحال، لا أن يتعلّق قلبه بصورةٍ بعينها يهواها هو، ويُؤثرها على ما اختاره له مولاه. فالعبد يضع أهدافه ويجتهد في تحصيلها، لكنه لا يغفل أن ينظر: أتُحقّق هذه الغاية رضا الله حقًّا؟ فيأخذ بالأسباب مستفرغًا وسعه، ويستعين بالله مفوّضًا أمره، ويُسلّم النتائج لمن بيده مقاليد الأمور كلها. فما فاته من الأعمال التي أحبّها قلبه لا يضرّه ما دام قائمًا بما يريده الله منه في حاله التي هو فيها. فإن قصّر تقصيرًا حقيقيًا لا عذر فيه، استغفر وتاب وأصلح، ثم مضى مستعينًا بالله، غير متلفّتٍ إلى ما مضى بحسرةٍ تُقعده عمّا بقي. والخلاصة في جملةٍ واحدة: ليست الغاية أن يكون العبد طالب علمٍ أكثر، أو أن ينجز أعمالًا أكثر، بل الغاية أن يتعبّد لله في كل حالٍ يُقلَّب فيه؛ وما العلم والإنجاز إلا وسائل لتلك العبودية، لا غايات تُقصد لذاتها. ولابن القيّم رحمه الله وصفٌ بديع لمن كانت هذه سبيله، يسمّيه (العبد المُطلَق)؛ يعني به من لم يتقيّد في عبادته برسمٍ يألفه، ولا شعارٍ يتّخذه، ولم يستأسر لهوًى يستبدّ به أو اختيارٍ يستحسنه لنفسه، بل انطلق قلبه في رحاب مرضاة الله أنّى وُجدت. يقول رحمه الله: (وصاحب التعبد المطلق ليس له غرضٌ في تعبد بعينه يؤثره على غيره، بل غرضه تتبع مرضاة الله تعالى أين كانت، فمدار تعبده عليها، فهو لا يزال متنقلا في منازل العبودية، كلما رفعت له منزلة عمل على سيره إليها، واشتغل بها حتى تلوح له منزلة أخرى، فهذا دأبه في السير حتى ينتهي سيره، فإن رأيت العلماء رأيته معهم، وإن رأيت العباد رأيته معهم، وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم، وإن رأيت الذاكرين رأيته معهم، وإن رأيت المتصدقين المحسنين رأيته معهم، وإن رأيت أرباب الجمعية وعكوف القلب على الله رأيته معهم، فهذا هو العبد المطلق، الذي لم تملكه الرسوم، ولم تقيده القيود، ولم يكن عمله على مراد نفسه وما فيه لذتها وراحتها من العبادات، بل هو على مراد ربه، ولو كانت راحة نفسه ولذتها في سواه، فهذا هو المتحقق ب {إياك نعبد وإياك نستعين} حقا، القائم بهما صدقا... فواهاً له! ما أغربه بين الناس! وما أشد وحشته منهم! وما أعظم أنسه بالله وفرحه به، وطمأنينته وسكونه إليه! والله المستعان، وعليه التكلان).»
رحمه الله، ورحم والدته، وغفر لهما، وجمعهما في جنات النعيم على سرر متقابلين. •• استثار هذا المنشور في نفسي تأملًا قديمًا.. كنت اعتقد، ولا أزال، أن الجراح المتعلقة بالوالدين ليست كسائر الجراح التي يسلو المرء عنها مع توالي الأيام والسنين؛ بل لها مزية ألا تبرأ، وأن يبقى القلب نازفًا بها حتى يلقى العبد ربه. غير أني كثيرًا ما أقف متأملة في سيرة نبينا ﷺ مع هذا النوع من البلاء خاصة؛ فما مرَّ به من اليتم، وفقد والدته، ثم جده، لم تكن مجرد آلام تعاقبت عليه، وإنما كانت صناعة إلهية، يصنع الله بها قلبًا يحمل رسالة عالية الشأن لقلوب الخلائق قاطبة. ولذلك لا أكاد أنفك عن اعتقاد أن هذه الجراح المثخنة بالألم، إذا احتفت بها عناية الله، وطهرت بالإيمان، غدت منافذ إلى معانٍ سامية، وتربية عظيمة الدقة والحكمة، لا يبلغها من لم يعرف الألم. فيسمو قلب صاحبها إلى منازل رفيعة من العبودية، ويتسع عطاؤه، ويغدو أرحم بالخلق، وأشد التقاطًا لما يختلج في صدورهم، لا لأن الألم ممدوح لذاته، وإنما لأن الله إذا تولى عبدًا بالتربية، جعل من بلائه سببًا للرفعة. وكم من ألمٍ ظنه صاحبه محض معاناة، فإذا به بداية صناعة إلهية لم يكن ليبلغها لولا ذلك الألم.
قلَّ أن تُقبِل النفس على المعصية وهي تراها معصيةً مجردة؛ وإنما يبدأ الأمر حين يأتيها الشيطان، فيبدِّل أسماء الأشياء، ويغيِّر وجوهها، ويُلبِس الباطلَ لباسَ الحق حتى تلتبس هيئتُه. فيصبح التبرج حريةً، والغناء فنًّا، والتساهل في حدود الله انفتاحًا، فتُنتزع من القلب صورةُ المعصية، وينسلُّ مكانها مظهرٌ تستحسنه النفوس. وهذا من أقدم المكايد التي قام بها إبليس؛ كما قال لأبينا آدم عليه السلام: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾، فزيَّن المحرَّم بوصفٍ يستميل إليه القلب، بل أغرى بعاقبةٍ محمودة موهومة! فإذا وجدت الشيطان يزيِّن لك المعصية، ويصرفها عن اسمها، ويحفُّها بأوصافٍ ليست منها، ويمنّي قلبك بمنافع جمّة إن اقترفتها، فاعلم أنك مقبلٌ على أول طريق الفتنة. فما حرَّمه الله يبقى حرامًا، وإن خيّل لك أن شوكه زهر، ونُتن ريحه عبير ومسك. ولا تنس أن الشيطان يجري منك مجرى الدم، ولا يزال يترصَّد مواطن ضعفك، ويأتيك من الثغر الذي يميل إليه هواك؛ ليوقعك في الذنب؛ فاعتصم بالله، وسله الثبات، وكن لقلبك بالمرصاد.
«النية تتبع العلم، فمن علم ما يريد فعله فلا بد أن ينويه ضرورة، ولو كُلِّف العباد أن يعملوا عملًا بغير نية لَكُلِّفوا ما لا يطيقون؛ فإن كل أحد إذا أراد أن يعمل عملًا… فعلمه سابق إلى قلبه، وذلك هو النية». - مجموع الفتاوى، لابن تيمية. وفي هذا دحضٌ لكثير من الوساوس المتعلقة بالنية؛ فمن قام إلى الوضوء مريدًا له، ثم اعترضه الشك في نيته بعد أن شرع فيه، فعليه ألا يلتفت إلى ذلك. فما أقدم على العمل إلا وقد سبقه العلم به، وذلك هو النية التي عناها شيخ الإسلام.
كلما تعمقت في أغوار أعمال القلوب، وابتغيت تحصيلها، متنقلةً بين المصنفات والدروس، ازددت يقينًا بأن الطريق إليها على غير ما كنت أتصوره. فما من منزلةٍ قلبيةٍ تمنيتها، إلا وجدتُ المصنف، والشيخ الشارح، يردانني إلى وسيلةٍ واحدة لا تكاد تفارقهما: العناية بكتاب الله. ولا يزال عجبي يتجدد؛ فكلما قرأت في منزلةٍ جليلة من منازل القلوب، كالأنس، والرجاء، والشوق إلى لقاء الله، والتوكل، والإنابة، وحسن الظن بالله، وغير ذلك، وجدتها تبدأ من الأصل نفسه وإليه تنتهي. فالقرآن هو المنبع الذي تُستمد منه هذه المقامات جميعًا، والمحرك الذي لا يستقيم للقلب خطوة في سيره إلى ربه إلا به. فسبحان من جعل كتابه غذاءً للقلوب، ومفتاحًا لكل خير، حتى لا تكاد تطلب منزلة من منازل السير إلى الله إلا كان الاشتغال بالقرآن سبيلًا إلى تحصيلها.
يا خالقي يا مالكًا أقداري..
ارفق بأحبابك وبمن حولك؛ بانتقاء العبارة، ووضوح المقاصد، وبيان الموانع والأعذار، فذلك أدعى إلى سكينة قلوبهم، وأقرب إلى طمأنينة نفوسهم؛ فإن الجهل والشك يؤلمان القلب. وقد قال ﷺ: «هلّا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء العِيِّ السؤال». ولذلك يجد المرء في البيان الذي يرفع جهله، والجواب الذي يبدد شكَّه، راحةً تنشرح لها نفسه، حتى ليقول: لقد شفى صدري؛ إذ البيان شفاءٌ لما أورثه الجهل والريبة، وراحةٌ للقلب.
ظل يقلب بين وجوه الدنيا، ويطوف بين أبوابها، يطرق هذا الباب ثم ذاك. ويحدث نفسه كلما لاح له أفقٌ جديد: "لعل راحتي هناك، ولربما هذا الذي أفتقده ينتظرني خلف تلك الأمنية، أو تلك الغاية.".فإن بلغها، وجد قلبه كما كان، بل أشد وحشةً مما مضى. فيحمل آماله من غايةٍ إلى غاية، ومن أمنيةٍ إلى أختها، وهو يظن أن الحاجة التي تسكن صدره ستزول إذا بلغ أمرًا لم يبلغه، أو تبدلت به الأحوال إلى ما يشتهي. فإذا تحقق له بعض ما أراد، فرح ساعة، ثم عادت الحاجة تنهش راحته. فيعاود الركض من جديد كأن لكل وصولٍ بدايةَ بحثٍ آخر، وكل نهايةٍ بابًا إلى تعبٍ أكبر. فإذا تقلب بين صنوف اللذات، وأجهد قلبه في التطلع لهذا، والتعلق بذاك، خرج بقلبٍ أكثر تعبًا، وروحٍ أشد ظمأً، ووقف وقفةَ من انتهت به الطرق إلى الحافة، فلم يبق أمامه إلا السقوط أو الرجوع. ففي تلك اللحظة تتلاشى عن قلبه دعاوى القوة، ويدرك أنه لم يبق له شيء سوى أن يرجع. رجع إلى الله مضنى بعد أن أفلس من كل شيء، رجوع من شارف الهلاك، فلم يجد ما يقدمه بين يدي مولاه إلا قلبًا أنهكه السير، ونفسًا أرهقتها الغفلة، ودموع توبة تأخرت أعوامًا حتى وجدت سبيلها إلى خديه. وقف بين يدي ربه كما يقف العبد الذليل بين يدي سيده، بعدما خرج عن أمره بجهله، وأبطأ عن بابه بغفلته، وظن أن الخير فيما سواه، فطاف البلاد، وجعل قلبه نهبًا لكل ما يلمع، حتى تفرقت أجزاؤه، وما بقي منه إلا ما يسوقه الألم إلى باب الله. ولم يكن الله -جل علاه- يطالبه أن يعود بملء الأرض ذهبًا، ولا أن يأتي بطاعاتٍ توازي سنوات الغفلة ليقبله. وإنما أراد منه قلبًا تائبًا صادقًا. فلما أقبل عليه، وجد ربًا لم يغلق دونه الباب، ولم يعاتبه على طول الغياب، بل وسعته رحمةٌ سبقت ذنبه، واحتواه كرمٌ سبق مسألته، فعلم حينها أن الطريق الذي قضى عمره يفتش عنه في الآفاق، كان يبدأ من لحظة توبة وإقبال. قال الكريم سبحانه: ﴿وَإِنّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهتَدى﴾ [طه: ٨٢] «أي: كل من تاب إلي تبت عليه من أي ذنب كان» قد كان الأنس الذي سعى لأجله إلى شتى الجهات، لم يكن إلا في الإقبال على الله. وأن الطمأنينة التي أتعب نفسه في اقتناصها، كانت تسكن آيةً يرددها، ودعاءً يرفعه، ودمعةً تذرفها عيناه في جوف الليل، وهو بين يدي من لا يرده إذا دعاه. يا أيها القلب المتعب، إلى متى تظن أن ما ينقصك ينتظرك في غدٍ لم يأت، أو في أمنيةٍ لم تتحقق، أو في إنسانٍ تعلق به رجاؤك؟ إلى متى تؤخر رجوعك، وكل ما تبحث عنه أقرب إليك من حبل الوريد؟ لقد خُلقت لله، لا لشيء سواه. خُلقت لتطمئن بذكره، وتأنس بقربه، وتستغني به عمن عداه. فما أحببت شيئًا إلا وهو زائل، وما تعلقت بمخلوقٍ إلا وهو مفارق، وما جعلت في قلبك لغير الله منزلةً لا تليق إلا به، إلا أورثك ذلك ألمًا يومًا ما، ليعلمك أن القلب الذي خُلق لمحبة الله لا يملؤه غيره سبحانه، وأن الروح التي نفخها الله فيك لا تسكن إلا إذا عادت إلى مولاها حبًا، وإنابةً، وافتقارًا. وما أعجب هذا الرب الكريم! بصيرٌ بقلبك الملطخ بالذنوب فلم يزل يمدك بأسباب الحياة. سميعٌ لدعائك وأنت كثير التقصير، فيجيبك. ويسترك وأنت تعصيه، ويفتح لك باب التوبة كلما عدت، فلا يمل من رجوعك، ولا يردك ما دمت تقصده، بل يبدل خوفك أمنًا، ووحشتك أنسًا، وضيق صدرك سعةً ونورًا. وكم كان قريباً منك وأنت تظنه بعيداً، وكم كان الطريق إليه قصيراً وأنت تحسبه طويلاً. "فاقبل إلهي معاذيري وجُد كرمًا فحبلُ جودك بالخيراتِ متصلُ واغفر ذنوبي وزلّاتي فقد عظُمت وحمَّلَتني ما لا كنتُ أحتملُ فإن جودك يمحوها وإن كثُرت لو أنَّ عنها يضيق السهلُ والجبلُ"
"جَلَّ الحفيظ فلولا لطف قدرتهِ ضاع الوجود وضل النجمُ والفلكُ حتى القطيرةُ من ماءٍ إذا نزلت من السحاب لها في حفظها مَلَكُ" - المنهاج الأسنى