- Последний пост
- 14 июл. 2025 г.
- Последнее чтение
- 13 авг.
- Постов за неделю
- 0
- Всего постов
- 20
- Тип
- открытый
- Язык
- арабский
- В каталоге с
- 13 авг.
- 1/24сутки в ленте
- —
- 1/48двое суток
- —
- 1/72трое суток
- —
Оценка по просмотрам недавних постов: пост набирает почти всё за первые сутки.
Посты
تهاويم pinned «أنا هنا، قناتي الجديدة: https://t.me/+pMoaKQvkZ2NkNGZk»
أنا هنا، قناتي الجديدة: https://t.me/+pMoaKQvkZ2NkNGZk
Messages in this channel will no longer be automatically deleted
Messages in this channel will be automatically deleted after 1 day
”إلى هنا، ينتهي أجل هذي القناة“. - مشكال
هناك محنة يصطدم بها الكاتب الحقيقي وهي دوامة التكرار. ولأن الكتابة مهنة حذِرة ومكلفة مادياً ونفسياً وعقلياً تحترف آلة تفكير لا ترضَ إلا بإيجاد المعنى من عدم يكف كثير من الكتّاب عن المواصلة ويخلعون عن صدورهم أوسمة التقدير باستسلام وخنوع. قدَر كل يد كاتبة تسلُّل ظِل التكرار إليها ولكن دون حجب لها أو دفعها إلى تخييل أعمى. هي من تقرر ما إذا أرادت الإمساك به والسيطرة عليه أو تركه ينمو ويمتد حتى يشتملها. ثم إن التكرار آلة تفكير محايدة قد تساعدك على هضم القديم واستيلاد الجديد منه أو تزيد من كسلك والاتكاء على الموجود. الأهم أن تمشي بمحاذاة الطريق، ولا تظن أنك قلت كل شيء، لأن الحقيقة هي دائماً في الطريق. أنت تسير نحوها، ولكن لا تصل. والكتابة أنسب مرافق لك في تمشّيك الطويل هذا. في كتابه ”فن الحب“ كان إيريك فروم يهجس بنفس الخاطر. قال: (ثمة مشكلة .. لم أجد لها حلًا مرضيًا تمامًا، وهي تجنب تكرار الأفكار التي شرحتها في كتبي السابقة. فالقارئ الذي ألِف كتبي .. سيجد في هذا الكتاب العديد من الأفكار التي وردت في أعمالي .. لكن هذا الكتاب لا يُعتبر تلخيصًا لها .. فهو يقدم العديد من الأفكار التي تتجاوز ما تم عرضه سابقًا، كما أن من الطبيعي جدًا أن تكتسب الأفكار القديمة وجهات نظر جديدة انطلاقًا من حقيقة تمحورها حول موضوع واحد).
النسيان فُسحة بدء أم الذاكرة انسداد خاتمة. قُدَّت ذاكرة الإنسان الطويلة من أسنان السندان .. كان يجلَد لكي يتذكّر. (نيتشه، في جينيالوجيا الأخلاق، المقالة الثانية، الفقرة الثالثة).
مكتبتي تعبث بها الفئران، بس كبروا شوي.
خوارزميات مواقع التواصل مصمَّمة على القفز وفيض المعلومات هي بِرَك الماء التي تهيئ للضفدع المكبوت فينا إمكانية الوثوب على مستنقعاتها الآسنة، والنتيجة: رذاذ متطاير يذوبُ في الهواء.
في اللغات الغربية تحيل لفظة العقل (ratio/reason) على البُعد الحسابي ومَلَكة العدّ والتنسيب والتسبيب بينما كلمة عقل العربية تستبطن معنى الثبات والإحكام والإمساك. (عقل الدابة: أحكمَ ربطها بحبل ونحوه، ومنها العِقال الذي يفترض الالتفاف بثبات فوق الرأس). نحن بين مجازين للعقل: الآلة الحاسبة والنفس المحاسِبة. مشكلة عالمية رائجة حالياً مثل الذكاء الصناعي افتعلها المجاز الأولى (محاكاة الآلة للعقل الإنساني) لأن الهاجس الذي سيطر على الغربيين انطلاقاً من ديكارت كان السؤال التالي: كيف نفهم الطبيعة بمنهج رياضي رصين ومفتعل ثم نستخدمه من أجل السيطرة والإخضاع؟ ومن ثم فتحويل العالم إلى آلة صناعية ضخمة نتيجة منطقية وحتمية للعقل الغربي الحديث تجاه ماهية الإنسان كما يفهمها. المشكلة أن شرط إمكان العقل الذي بفضله اخترع كل شيء مشاهَد اليوم غير موجود لدى الآلات، وهو الوعي الذات المنعكِس. الآلة ”تعرف“ أكثر منا جميعاً ولكنها لا ”تفكّر“. وهذا التمييز بين المعرفة والتفكير متأخر جداً وليس بديهيّاً كما نظن وعلى الأغلب فإن ديكارت نفسه لم يتفطّن إليه. عندما استفتح الأخير كتابه ”مقالة في المنهج“ جملته الشهيرة ”إن العقل أعدل الأشياء قسمةً بين الناس“ كان يفهم العقل بمجازه القديم: مَلَكة معلومات حول الكائن. لذا ظنّ أنه كلما اكتسب المرء معلوماتٍ وتدرّب على افتراضات خيالية في الرياضيات كان أقرب إلى استيعاب معنى وجوده وصان أناه من التيه والضياع. لكن تبيّن أن هذا الاستنباط غير دقيق بالمرة. يغرق العالم اليوم بمعلومات جديدة حتى أُصيب بتخمة رقمية ومع ذلك يبتعد كل ساعة عن إدراك معنى وجوده أو إثبات أنه موجود أقله. لذلك لا بد من التمييز الفلسفي بين معرفة الكائن (وتشات GPT يؤدي هذه المهمة الآن على أكمل وجه) وبين التفكير في الكينونة. ما يدعو إلى التفكير حقاً يقع خارج العالم بحيث تقف آلة المعلومات مكتوفة اليدين أمامه. لا أحد يستطيع أن يغش لنا ويسرّب أسئلة تحضنا على التفكير لأن الأخير ليس بشيء معطى حتى نلتقيه في البرامج بل منطقة غامضة في النفس تنتظر متسائلاً يقظاً يستثيرها ويحثها على المران والعمل. من هنا فإن من يفكّر لا يتوجّه نحو نطاق الممكن فحسب بل يرتطم بالمستحيل بوصفه أقصى مستطاعنا الذي لم نمتحنه بعد لكسل ما في كينونتنا اليومية. لذا فهو نادر وصعب بطبعه لأنه يكسر كل جهات المكان ولا يرضَ إلا بالأفق نصيراً له. إنه متعجرف ويأنف من ملامَسة التحوت ويتكبَّر على كل ممكن.
أكثر امرأة تستحق إبرام عقد الصداقة معها دون وجل من عدم المواصلة أو خوف من وقوع الخيانة هي الحقيقة. لكنها، كأي امرأة أيضاً، تريد منك وعداً بأن ترخِ من قبضتك أيدٍ قوية وتزهد بالنظر إلى وجوه الزيف الجميلة إذا ما تصادمت إرادتها معك وتقاطعت طرقها مع مسارك لأن صديق الحقيقة -في الغالب- ليس صديقاً لأحد.
عندما أدار الإنسان ظهره للعالم لأول مرة لا بد أن رأى يدًا خرقاء قد عاثت في نظام الكون فأمالت كل معتدل وكفأت كل قائم، وتراءى له الأفق سحبًا مكفهرة سترت كل مظاهر الجمال حتى بدت الحياة مستحيلة وكأنما تخلت يد العناية عن تدبير الأرض فاستنبط بأنّ خللًا ألمّ بسلسلته السببية، لذا ارتأى ترميمها عن طريق تنشيط مخيلته وابتداع أكبر قدر ممكن من الحلول فكان السحر تارة والوثن أحيانًا أخرى. لذا انحلّت قوة حججها شيئًا فشيئًا مع حلول التوحيد محلها حيث تمكّن التجريد وأخذ الجهل بالعلل الطبيعية يخلي مكانه للحاجة للتسلُّط والقوة؛ فالإله الواحد لا يشبه الآلهة المتعددة من حيث دافع العبادة وتوخي الجدوى. عبَد البشر آباءهم، وقدّسوا الأرض والحجر، والشمس والأنثى من أجل غاية واحدة لا غير: فك شفرة الحياة بالفهم. ولكن الإله الواحد لا يريدك أن تفهم فحسب بل أن تتسلط على الأرض وتمسِك بناصية كل شيء تسخيرًا وتدجينًا. هو ملك ويريد منك أن تتملّك كل مخلوقاته مثله. من هنا بدأت المشكلة. لأن الحداثة تبنّت هذا الربط بين الإله المستحق للعبادة وبين أحقيته الدائمة للمُلك والسلطة المطلقة عندما عوضت الله بالدولة الحديثة، حيث استبدلت الإله الخالد بالإله الفاني الذي يَدين له الناس اليوم بالطاعة والخضوع في كل مكان على كوكب الأرض. لا أحد منا يستطيع أن يتحرر من الدولة بمجرّد فهم آلياتها. لذلك، من يتصوّر أن العلم قادر وحده على دفن الأديان التوحيدية يومًا ما هو واهم. قد يدحض العلم بعض التصورات السحرية التي حبلت بها ولكن لن يلحق بصورتها الكاملة أي ضرر جسيم. تنبع قوة هذه الأديان من منطقة غامضة في الكيان الإنساني وهي ”الكلمة“. هي أديان كلامية إلى حد النخاع حيث تسكن الرمز وقلّما تعيش في الوقائع المادية أو أن تهتم بالتفتش في آثارها اللهم إلا عرَضًا. من هنا لا مشكلة بالجهل طالما ظلّت الحاجة للقوة والتجبُّر مغروسةً بنا. قال هولدرلين: منذ آمادٍ سحيقة ومجدُ الآلهةِ خافٍ لا يُرى. أولئك، عهدهم ربما اقتيادُ أصابعنا حين نكتب، فيما القلبُ يتمزَّق، حيرةً، بفوراته. ذلك أن كل سماوي يلتمسُ قربانًا، فإذا أُغفِلَ أحدٌ منهم حجبتْ يداه النعماء عنا. هكذا، جهالةً، عبَدنا أمنا الأرض، وبالأمس، أيضًا، عبَدنا نور الشمس، غير أنَّ الأب، ذلك المهيمن على كل شيء، يبتغي، فوق أي شيء آخر، أن تُحفظ الكلمةُ الراسخة، وأن يفسَّر الكائنُ مليًّا. (باطموس، ترجمة: أمارجي).
هناك بيت فخم عالق بذهني لشاعر إنكليزي خانته ذاكرتي يقول: the moss is quiet because the trees are ringing الطحلب هادئ لأن الأشجار هي التي تصيح. والمغزى البعيد فيه أن من ينمو ويخضرّ دائماً هادئ وممتد مثل الطحالب بلا سيقان ومن دون جذور ومع ذلك هي المكلَّفة بامتصاص ضوء الشمس بمواظبة واعتزام لتغذي أرومة الشجر. ولكن متى كبُر الأخير اهتز وترنّح في الآفاق بحيث يبسِط في المكان كل سيطرته ويترك فيه حفيفاً مقلقاً وضجةً مزعجة. وفي مدن البشر لا تختلف المعادلة كثيراً عن عالم الغابات: تُمتص حيواتنا ألماً وتضحيةً ليعتلي على أكتافنا من لا يجيد إلا الضجيج والرقص مع اتجاهات الريح.
без подписи
في ذكرى ميلاد فتغنشتاين أهم فيلسوف في القرن العشرين أختصر كل فلسفته -لمن يود الإبحار فيها أكثر- عبارة قالها في إحدى رسائله إلى واحد من أعز أصدقائه ”أولى ضرورات التفلسف: الحذر من النحو“. فالنحو مشتق من الطريق والانتحاء حيث انشداه البصر قسرًا إلى ناحية من نواحي النظر وعدّها رأس الحقيقة واعتبار كل ما سواها نوافذ فرعية تطل على الخطأ. ونقد النحو من أجل دفع التفكير للأمام مهمة خطرة وشاقة لا يقدِم عليها إلا عابث مجنون أو فيلسوف حقيقي، وفي لغتنا بالذات فالنحو مسوَّر ومشدود بسلاسل مقدّسة قديمة تؤدي الغرض منها إلى حد هذه اللحظة لذلك حذارِ الاقتراب منها لأن من يدنو سيجد مصيره إما متكهربًا متفحِّمًا وإما سيغرق في ظلمة دامسة تغطي كل شيء وعندها لن يجد ”يدًا تمتد نحوه“ لتخلّصه من موج العتم. إن اختراع النحو يعني اختراع “شكل حياة“ Lebensform متكامل ونهائي لأمة أو لثقافة ما والنظر إلى كل ما يقع خارجه بازورار ولامبالاة. لهذا فالنحو هو رب الحقيقة في أفق كل ثقافة حيث إنه يوزّع الأدوار الجندرية بين الجنسين ويبني هيكل السماء المفترَض في أذهاننا للالتجاء إليه في حال الصلاة والدعاء، يرسم الألوان على شفاهنا، ويصنع صورةً متخيّلة عن كل ما نحتاج إليه لأن حدوده هي حدود عالمنا. كان هايدغر، الذي يشاركه إكبار الفلاسفة واقتسام عرش الفلسفة في القرن المنصرم، واعيًا بذلك أتم الوعي حيث كان ينبّه القارئ في مقدمة كتابه الأشهر ”الكينونة والزمان“ بأنه سوف يستخدم لغةً وحشيةً غير معتادة لذا عليه التهيؤ لمهمة المتابعة معه واكتساب لياقة مضاعَفة في ذلك إذ إنها سوف تكسر كل توقعاته. قال نصًّا: «فيما يتعلّق بما هو خشِن و”قبيح“ في العبارة ضمن التحليلات التالية، فإنه يجدر بنا أن نضيف هذا التنبيه: أن نحكي عن الكائن قصصاً، فهذا أمر، أما أن نمسِك بالكائن في الكينونة التي تخصّه، فذلك أمر آخر. لأن ما ينقص دوماً، بالنسبة إلى المهمة المشار إليها توّاً، ليس الكلمات بل قبل كل شيء ”النَّحْو“».
قبل يومين احتفى الناس باليوم العالمي للكتاب لذلك بودي اغتنام الفرصة لكتابة مرثيتين قصيرتين بحق أعظم اختراع عرفته الإنسانية. لأوّل مرة يحيق بالكتاب مصيرًا مجهولًا وهو ميلان دفّة الأرض لثقافة شرق آسيا التصويرية والكارهة للكتابة (بعبع اليابان بفن الإنمي والكثرة المرعبة للصينيين بمحرّكهم البصري تيك توك) بحيث تمكّنت من أن تورِث في جيل عالمي كامل كسلًا معرفيًّا وضمورًا هائلًا في مَلَكة البحث والتحري. لا يُفهَم من كلامي عنصرية ألفبائية أو مركزية سامية شرق أوسطية ضد بربرية صينية أو يابانية قادمة وإنما استشراف محايد لمصير ”مجرة غوتنبرغ“ التي عشنا في كنفها لقرون ولا نزال. لا يريد الصيني أن يكون عالميًّا ولا يستطيع أصلًا تحقيق ذلك. هو ابن حضارة وثقافة ”أرض“ منعزلة، وهيهات للأرض أن تكون عالمًا. لذلك هو غير مذنب ما إذا خرّج جيلًا مشتتًا وصوريًّا وكسولًا. الذنب ذنب ”أهل الكتاب“ الأصلاء وهشاشة مناعتهم الداخلية. هم المكلّفون بتجديد خلاياهم وتغيير تسلسلهم الجيني القديم لمواكبة المستجدات. أما المرثية الأخرى فهي -في تقديري- مرثية جمالية حيث انحسار اللغة العالية لدى الأجيال الجديدة وانعدام جدواها وأثرها. ذكرتُ مرةً أن من يكتب بلغة عالية اليوم يشبه رائد فضاء ينذر عمره كله إعدادًا وأملًا في استكشاف الحياة في الكواكب البعيدة وما إن يصل إليها ويحط عليها لا يجد إلا الحجر وبعض الأتربة النادرة والعواصف الرملية في استقباله فيشدّها معه كخبر سار إلى مربضه الأرضي لئلا يعود خالي الوفاض. كلما تقادم الوقت أخلى السمو اللغوي مكانه للبساطة والمحايثة.
https://youtu.be/Ggq6SnjxMMI?si=G57R9liEfLKQRarB
أذكر في سن 15 تقريبًا، وبينما أوضب شنطتي المدرسية لاستئناف الحصص بعد الفسحة، كنت على موعد من الإحساس بانفعال جديد وغريب لم أعهده من قبل. كان الانفعال هو القرف والاشمئزاز ممّن أحبهم. فجأة تغيّرت تصرفاتي مع صديقي المقرب المحاذي لي وأخذت أتجنب النظر والحديث إليه. لازلت أذكر كيف اختُطف لونه وكأنّما يتعرف إلى شخصية جديدة خلِقت للتو. أنا نفسي لم أعرفني في تلك اللحظة. خِلت ما حلّ بي وسوسة شياطين أو انفعالًا عابرًا لا بد أن يذوب ويختفي متى غادرت هذه الزنزانة التعليمية. ولكن حصل ما كنت أخشاه؛ إذ تمدد وانتشر في كل خلية من خلايا جسمي حيث ظل يلازمني ويستبد بي عندما رجعت البيت ورُميت في حضن العائلة. دُعيت لمأدبة الغداء ولكني اعتذرت عن الحضور متحججًا بالإعياء والتعب، رغم جوعي، ثم هربت إلى غرفتي وأغلقت الأبواب ورائي كأني حيوان مهدد بالانقراض. كان الشعور مريعًا لا يوصف أن تستكره مجرّد النظر إلى أولى الوجوه التي تعرفت عليها حال خروجك من رحم أمك، وتستثقل الاستماع إليها دون سبب معقول. خلّف هذا الشعور عادةً سلوكيةً بي لم استطع استئصالها حتى هذه اللحظة وهي صعوبة مواصلة التحديق في وجه المرء أثناء كلامه. ما لم تتخللها التفاتات، لا أقوى الإمساك بناصية أي فكرة يتحدث بها المرء أمامي. مرت السنون، بعد موقفي هذا، وخفتت لمعة الإحساس المريع ولكن لم تذُب وإنما اكتفت بالالتماع في أفقي من حين لآخر. تزورني من مرحلة عمرية لأخرى، مثل مرسول بغيض. لم استطع فك شيفرة الإحساس تمامًا وإنما أمسكت ببعض المفاتيح للولوج إليه وأحد هذه المفاتيح هو تشخيص سارتر في رواية الغثيان. إلا أن سارتر، بلسان شخصية روكنتان العبثي، أهمل دور الطفولة وانصرف عن التنقيب في الجذور إلى التوصيف الفينومينولوجي لظاهرة إنسانية سُمّيت -اعتباطًا- بالغثيان. رغم ذلك، هناك ما يستحق الوقوف عليه في تشخيصه الروائي العميق وهو أنسنة الشعور بالقرف وإدخاله إلى عالم بشري بحت. فالمرء يشمئز طواعيةً عندما يطيل التأمل في مكوّن الطعام مثلًا ويتخيّل أصله وقصته وكيفية إحضاره. لكن كيف يسقِط نفس هذا الشعور على ذوات مثله يحبونه كما يحب نفسه؟ هل الفرق بين الحب والقرف فرق في الدرجة أم في المستوى؟ ما جعل روكنتان يصاب بنوبة الغثيان في الرواية هو انتقاله من نطاق اليقينيات إلى عوالم الاحتمالات. كل شيء كان يمكن ألا يكون. قُدّ كل شيء من عرَضية الاحتمال. قِطعة نرد تاهت في رقعة الوجود. لهذا فإن إدراكنا العميق أن الحب المقدَّم لنا من قِبل عائلتنا وأصدقائنا ليس ضروريًّا في شيء، بل ومشروط بتفاهمات ضمنية لا بد أن تلبّى وإلا امتنع العقد الاجتماعي بيننا عن السريان يثير بنا الشعور بعدم الكفاية من هنا تُفتح هوة يتسلل منها ألم الغثيان خلسة. عندما يصبح الضروري ممكنًا تكف معدة الكينونة عن هضم أي شيء وتستبدله بقلق دائم ودوخة أبدية.
من عبقرية العربية أن جعلت شوك الحسَك مرادفًا لانفعال الحسَد، ولعل الأخير اشتُق من اللفظة الأولى قبل أن تتطور الدلالة تطورًا معنويًّا فتُبتر الكاف ليتم تضميدها بالدال. ما من تعريف للحسد أمثل من وخز الصدر في نفس شبيهة بصحراء بوار تُدمي قدم كل روح مخضرّة اعتادت الفلح والزراعة.
الارتسام الذي نخرج به في قراءة البيان والتبيين أن الكلام والكتابة مرتبطان بانزعاج قد يبلغ حد الخوف والذعر فكأن المؤلف، كيفما كان شأنه ومهما كان شكل تأليفه، محل ريبة صريحة أو غامضة، ولهذا قيل: ”لا يزال المرء في فسحة من أمره ما لم يقل شعرا أو يؤلف كتابا“. ذلك أن الخطر ماثل والعدوّ بالمرصاد. وأي عدو؟ يصف الجاحظ في البيان أساسا الحرب المفتوحة بين الخطباء، وفي كتاب فصل ما بين العداوة والحسد يتحدث عن الصراع الذي يفرق أصحاب القلم. لكن الأهم من هذا ملاحظة مفاجئة نجدها في كتاب الحيوان، مفادها أن القارئ عدو الكاتب. قد لا يكون القارئ عدوا صريحا، إلا أنه في الخفاء يبحث عن الثغرات وعن نقط الضعف بهدف التهجم على الكتاب والنيل من مؤلفه. ليس الصداقة أساس العلاقة بين القارئ والكاتب وإنما، على العكس، الضغينة والكراهية والحرب. ومن ثم لا بد للكاتب أن يتذكر على الدوام أنه يخاطب متلقيا بالضرورة معارضا ومعاديا :"وينبغي لمن يكتب كتابا أنه لا يكتبه إلا على أن الناس كلهم له أعداء“. وويل لمن ينسى هذه القاعدة ولا يكون دوما في حالة استنفار قصوى! إذا كان الناس كلهم أعداء الكاتب، فهل الكاتب من جهته يعادي الناس كافة؟ على الأقل يعرف أنه محل ريبة لمجرد أنه يكتب، فكأنه مقترف لذنب يجب التكفير عنه؛ ولذلك تراه يتودد إلى القراء ويفاوضهم سعيا منه إلى استمالتهم وإضعاف شوكتهم وإبطال كراهيتهم. ولا أعرف مؤلفا اهتم بالقارئ العدو كما فعل الجاحظ، فهو يشركه في مشاريعه ويدعو له («حفظك الله» ..، «أكرمك الله …»)، وفي كل لحظة يلتفت إليه ليتأكد من انتباهه ويذكي اهتمامه. إذا سلمنا بأن القارئ عدو، فالنتيجة الحتمية أن كل كاتب في وضعية شهرزاد، وكل قارئ في وضعية شهريار. يجب الاحتراس من الآخرين، ولكن أيضا وبالأحرى من النفس، ذلك أن الكاتب عدو نفسه، والخطر موجود في عقر داره. «فليعلم [العاقل] أن لفظه أقرب نسبا منه من ابنه .. ولذلك تجد فتنة الرجل بشعره، وفتنته بكلامه وكتبه، فوق فتنته بجميع نعمته». لا أعرف قولا أشنع ولا أقسى من هذا، لأن الجاحظ يوحي بأن المؤلف، عند المفاضلة، لن يتردد في التضحية بابنه وقرة عينه من أجل شعره أو كتابه، من أجل حبر على ورق .. والحال أن الجاحظ يتحدث عن المؤلف العاقل فليت شعري كيف يكون حال غير العاقل؟ لنقل، درءا للفزع، إن ما قصده الجاحظ أن فتنة اللفظ تلقي غشاوة على بصر المؤلف وتفقده حاسة التمييز، فكما أنه يتغاضى عن صفات ولده القبيحة أو يهوّن من شأنها، فإنه لا يرى عيوب منظومه ومنثوره. إلا أن ما يغيب عن تنبهه ويقظته هو حتما ما يبدو جليا واضحا للقارئ، العدو بالتحديد. -الأدب والارتياب، عبدالفتاح كيليطو.