tgindex
شيماء هشام سعد

شيماء هشام سعد

Статистика

هذه القناة لمُحاولةِ كشفِ أغطيةِ الرتابة عن كلِّ معنًى جميلٍ بلَّدَنا تجاهَه التعود.

Последний пост
9 мар.
Последнее чтение
15 авг.
Постов за неделю
0
Всего постов
20
Тип
открытый
Язык
арабский
Категория
Книги (по похожим)
В каталоге с
13 авг.
Подписчики
5 708
+2 за 5 дн.
Сутки
0
0,00%
Неделя
 
Месяц
 
Просмотров на пост
5 568
20 постов
Вовлечённость
97,5%
к подписчикам
Постов в день
0,0
всего 20
Упоминаний
1
каналов
Охват размещения
оценка
1/24сутки в ленте
1/48двое суток
1/72трое суток

Оценка по просмотрам недавних постов: пост набирает почти всё за первые сутки.

Посты

  • 9 мар.4 96096

    في كل طاعة مغالبةٌ للنفس في شيء من أمور الدنيا، هذا جوهر امتحاننا هنا؛ أننا نُخيَّرُ كلَّ يومٍ بين الدنيا والآخرة، {منكم من يُريدُ الدنيا ومنكم من يُريدُ الآخرة}. فمن جعل الآخرةَ همه جعلَ الله غناه في قلبه، وجمعَ له شملَه، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن جعل الدنيا همَّه جعلَ اللهُ فقرَه بين عينيه، وفرَّق عليه شملَه، ولم يأتِه منها إلا ما قُدِّرَ له، كما قال رسول الله ﷺ. استحضارُ هذا كلَّ يومٍ ضرورة، ولو أن كل إنسان انصرفَ عن عبادةٍ لخوفه على ما يفوته من الدنيا بها ما عبد اللهَ ولا تقرب إليه، وقد أفلحَ من فُتحَ له بابُ طاعةٍ فحمدَ الله على هذه النعمة وشكرَها واقتحمَ العقبة دون أن يُبطئ أو يتلجلج. والفتوح في الطاعات اختبارات؛ لا يدري المرء إن فُتح له في هذه الطاعة وأعرضَ هل يُفتحُ له في غيرها أم لا. ومن قلة الفهم أن يصرف المرء نفسه عن طاعة بإغرائها بطاعات أُخر، يظن أن الطاعات طوع يديه ورهنُ طلبه!

  • 9 мар.3 62249

    «فلا اقتحمَ العقبة»... أفلا حملَ نفسه على ما تكره وما تستثقلُ مما فيه صلاحُها؟ أفلا سارع في خيرِها دون أن يتردد ويُكثرَ التفكير الذي يُطفئُ همتَه ويقعد به؟ أفلا ألقى بنفسه في الطريق التي فُتحت له فسدَّ مداخلَ الشيطان إلى صرفِه عنها؟ نحن مسلمون؛ لا نفكرُ قبلَ الطاعة هل نفعلُها أو لا، بل نقتحمُها ونسارعُ فيها مُستعينين بحول الله وقوته، ثم نفكر كيف نثبتُ عليها ونترقى فيها ونُهذب أنفسنا بها.

  • صدق الإرادة الحقيقي يظهر عند فقدان الشغف، عندما لا يعود الأمر ممتعا، وعندما تكشف الأحلام عن حقيقتها المُتعِبة واحتياجها للكدِّ الطويل، أما في مرحلة الحماس اللذيذ فالكلُّ رائعٌ في المَنشط. من أهم ما تحتاج في طريقك أن تتصالح مع الملل، ومع العمل عند عدم مواتاة المزاج، ومع استمرار الجهد حين تنجلي الحماسة.

  • القارئ الكريم، والقارئة العزيزة 🌿 هل تركت لخيالي عنوان بريدك الإلكتروني؟ وهل بريدك مستعد لتلقي أول أعداد نشرة «خيالي»؟ في صباح كل خميس -بإذن الله- يصلك عدد جديد من النشرة. وصباحَ غدٍ الخميس، يأتيك العدد الافتتاحي: دندنةٌ من القلب عن نشأة «خيالي»، وحديثٌ قصير عما تعدُك به هذه المساحة. اترك لخيالي عنوان بريدك، واترك لي مهمة مخاطبة خيالك صباحَ كل خميس. ✉️ 🔗 رابط الاشتراك في النشرة: https://s-newsletter-a38b19.beehiiv.com/

  • لحظة حماسية أخرى مليئة بالأدرينالين.. حان وقت إطلاق مشروعي الأدبي الجديد «خيالي»، نشرتي البريدية الأسبوعية من غرفة الكتابة. لمتابعة كل جديد عن النشرة تابعوا صفحتها على فيسبوك: https://www.facebook.com/share/1FHoJzxkf2/ وللاشتراك فيها تفضىوا بتسجيل عنوان البريد الإليكتروني في هذا الرابط: https://s-newsletter-a38b19.beehiiv.com/ بسم الله 🌿

  • خطوة جديدة مختلفة في مشوار الكتابة.. كان دافعي إليها ضياع كثير من التفاصيل الملهمة والممتعة في الطريق من الفكرة وتطويرها وكتابتها حتى وصول الرواية إلى أرفف المكتبات، تفاصيل من شأنها -في رأيي- بناء جسر من نوع مختلف بين الرواية والقارئ. لذلك كانت فكرة «خيالي»، وهو نشرة بريدية أسبوعية هدفها إبقاء القارئ على قدر من الاطلاع على الرواية في أطوارها المختلفة، بدءًا من نشوء الفكرة حتى استوائها عالمًا كاملًا بين دفتين، وما في الطريق بينهما من يوميات الكتابة الممتعة والمتعبة ومراحل نمو الرواية وتفاعلها مع واقع كاتبتها وتفاعل كاتبتها معها. لمن تتوجه هذه النشرة؟ لكل مهتم بكتابة الرواية، وكل قارئ يحب القراءة عن الكتابة ذاتها وعن يومياتها ومباهجها ومشكلاتها، ولكل مفتون بمراقبة هذه العملية الآسرة لخلق عالم بشخصياته وأماكنه وأحداثه وتقلباته. المزيد من التفاصيل لاحقا.

  • عندما يأتي الفرح يفوز بأكبرِ نصيبٍ منه ذلك الذي لم يتوقف عن السعي في الأيام الحزينة. القَعودُ غيرُ هانئٍ بالمسرةِ عندما تزور، يلتهمُ مسراتِه تفكيرُه فيما عليه من أعمالٍ قعدَ عنها بالغرقِ في الحزن ورثاء الذات، فيزوره السرورُ ثقيلَ النفسِ ويتركُه ثقيلَ النفس.

  • نتعلمُ في المحنةِ أن نهزمَ خوفَنا حتى لا نموت، ثم نتفاجأ بعد جلائها أننا مُتنا دونَ أن نشعر، نغمضُ أعينَنا في الدنيا ونفتحُها في الآخرة، وما بينهما حلمٌ طويلٌ بمحاولاتٍ دؤوبة. قد ترينَ الموتَ بعد هذا كلِّه هزيمة، لكنني أراه انتصارا؛ إذا كانت بلادي ستضيعُ فهل نجاةٌ أن أشاهدُ ضياعَها مطأطئةً رأسي؟ #سعدونة #رواية

  • الشيءُ الذي لم تُفلح سعدونة في فهمه قطُّ هو الحب! وكيف يمكنُ أن تفهمَ امرأةٌ مثلُها، شديدةُ البساطة وأحبُّ هواياتِها إليها مراقبةُ الأشياء اليومية وهي تحدث من تلقاء نفسها، شيئًا معقَّدًا كلَّ هذا التعقيد؟ إن الحبَّ الذي خبرتْه سعدونة لا يشبه نبتةَ الخزامى في بهو المنزل؛ حيث كل ما تحتاج إليه هو الضوء وبعض الماء لتنمو وتُزهر. ولا يُشبه تمامًا صبَّار السيدة العجوز؛ في قدرته على التعايش مع العطش وحمايةِ نفسه. تعرفُ سعدونة ما لا يُشبهُه الحب، لكنها حتى الآن لا تستطيع معرفةَ ما يُشبه. وفي كلِّ مرةٍ تنظرُ إلى يحيى بن أبي بكر، زوجها المهيبِ الذي يحبُّها (وهذه إحدى أكبر تأملات سعدونة في غرابةِ الحب الذي يُرقِّق أشدَّ الرجال هيبة)، تتساءلُ كيف يمكنُها أن تحبَّ هذا الرجل كما يستحق؟ كيف تستطيع أن تهذبَ شعثَ قلبها لتُسكنَ ابنَ أبي بكرٍ بيتًا يليقُ به؟ إن حبَّه لها يشبه نبتةَ الخزامى بأزهارِها البديعة وتوقها للحياةِ التي تشرئبُّ لها كلَّ يوم، لكنها، وهي التي تصغرُه بعشرين عاما، لا تشبه حتى صبارَ الصحراء، وكل جهودها لا تجعلُ حبَّها مُلوَّنًا كحبِّ يحيى. إنها تحاولُ أن تفهم، ولعلَّ هذا بعينه هو ما يجعلُ خطاها تتعثرُ في الحب؛ أنه شيءٌ لا يُدخَلُ عليه من باب الفهم، شيءٌ يحدثُ كقدرٍ ويُتعامَلُ معه. #رواية

  • ‏صباح الخير 🌿 إن شاء الله أبدأ في الفترة القادمة رحلة جديدة ومختلفة على إنستجرام، كونوا بالقرب. https://www.instagram.com/shaymaa.hisham.saad?igsh=aXUzajdvcml4Mnpm

  • من تأملات طويلة امتدت لأعوام أدركتُ أن المسافةَ بين نقرِ الصلاة كواجبٍ ثقيلٍ وبين انتظارِها كقرةِ عينٍ مبسوطةٌ بأربعة أشياء: الأول: فهمُ «اللهُ أكبر» التي نقولُها سبع مراتٍ في الركعةِ الواحدة وإيقاعُها في القلب والوجدان وإلزامُ الجوارح بها حتى تغشاها السكينة. الثاني: فهمُ ما في الفاتحة من قوةٍ شفائيةٍ وأثرٍ مُهدِّئ ونورٍ مُرشد، فهمًا يُدركُ به المرء لماذا جُعلتْ دون غيرِها من القرآنِ ثابتَ كلِّ ركعة؛ وكأنها وصفةٌ دوائية وُصفت للمسلم سبع عشرة مرة على الأقل في اليوم والليلة؛ حدٌّ أدنى من تعريض القلب للفاتحة، وهي فاتحةٌ حقا. الثالث: فهمُ التواصل العميق الذي يحدث بين المرء وسلفِه في الطريقِ نفسها عندما يثني ركبتيه للتشهد والتحيات، هذا السلام اليومي على النبي وعلى النفس والعباد الصالحين والأنبياء له أثرٌ ومُقرَّرٌ هنا لمقصدٍ وغاية. الرابع: فهم الركوع والسجود والفرق بينهما، الانحناء ركوعًا للتسليم إلى الجهة العليا والإله الذي لا عظيمَ غيره له أثرٌ يُشبه ملقطَ جراح؛ يسحبُ من القلب أمراضًا قد لا يُدرك القلب أنها فيه، والنزول إلى تلك البقعة في الأرض نزولًا وقورًا بجوارحَ مُتئدة وقلبٍ مُسارعٍ إلى موضعِ راحة، هذا السجود بهذه الكيفية وهذا العدد هو أقربُ حالاتِ المرء من ربه؛ هنا تحصلُ أشياء كثيرة، وإذا كان الركوعُ تخليةً للقلب من أدرانه فالسجود تحليتُه بعد تخليتِه. إذا أطالَ الله عمري ويسّر لي فإني أرجو كتابة رسالة في الصلاة، الصلاة كمنحة إلهية تُصلح قلب العبد وتُهدِّئ روحَه، ككنزٍ لا يُتاحُ بهذه القيمة وبهذه الوفرة والفاعلية في عيادات الطب النفسي؛ ما من عيادةٍ تستقبل مريضًا خمس مراتٍ على الأقل في اليوم والليلة، وما من طبيبٍ يُعالجُ شيئًا لم ينطق به مريضُه وربما لم يعرف به، الصلاةُ تستقبل، واللهُ يُداوي، ولذلك كان أعرف الخلق بربه وأقربهم منه ﷺ ينادي: «أرِحْنا بها يا بلال».

  • في حمدِ الاستغفارِ بالأسحار وقيام الليلِ في ثلثه الأخير معنى جليل جميل لا أدري هل يُنتبَه له أم لا، ألا وهو صحوُ المسلمِ ليشهدَ ميلاد الصبح من أعتمِ لحظة في الليل، وهذا الشهود يمكن أن يُصلحَ له أفكارًا كثيرة متدرّجة الصعود إلى فوق؛ فميلاد النهار من رحم الليل يُخبر هذا الإنسان الهلوع في الضراء الذي لا يرى فرجًا إذا استحكمت منه الشدة أن الله قادرٌ على أن يأتيه بأرحبِ اليسرِ من أضيقِ العسر، وهذه تربية. وميلادُ النهارِ من رحمِ الليل يخبرُه كذلك أن سِتر الليل عليه لا يطول، وأن الظلمة التي يأتنسُ بها ويغتر بانسدالها عليه تتبدد عند لحظةٍ ما، لحظةٍ يصحو فيها الكونُ كلُّه وتضج من حوله المخلوقات شيئًا فشيئا، فلا يحجبُ عنهم سوءَ عملِه في الليل إلا إرادة الله ورحمته وحلمه، وهذه تربية. وميلادُ النهار من رحم الليل يخبرُه أيضًا أن لا حال يدوم، وأن الدنيا مهما استطالها زائلة، فكأنه بشهوده هذه الساعة كل ليلة يتجدد معنى المؤقت والزائل في قلبه، وتتبدى له الحقيقة ناصعةً مع خيوط الفجر، أنْ مهما كان ما في يومه من خيرٍ أو شر، من ضحكٍ أو بكاء، من إحسانٍ أو إساءة، فهو يُطوى وينقضي، وكأن كلَّ يومٍ هو نموذجٌ مُصغّرٌ من الحياةِ الدنيا، وكأن كلَّ صبحٍ هو نموذجٌ للعبور إلى الحياة الآخرة، وكأن المسلم يعيش هذا كل يوم حتى لا يُقبض على غفلة، بل يُحسنُ عملَه في النهار وينهض من فراشه آخرَ الليل ليشهد انقضاء يومه وهو صاحٍ، راجيًا وقد صحا لوداع يومه ألا يغفل عن وداعِ دنياه -امتحانه-، وهذه تربية. وشهودُ ميلاد النهار من رحم الليل يُنبه الإنسان لانقضاء عمره وذهابِ وقته على هذه الدنيا، فيُدافعُ ضياعَ هذا العمر بإمساكه لكل يومٍ فيه من طرفيه، فيصحو في السحرِ ليستغفرَ اللهَ عما اقترفَ في اليومِ الماضي، ويجلسُ للفجرِ ليستقبلَ اليومَ الآتي بصلاة، فلا تنهمرُ عليه الأيام والسنون وهو غافلٌ عما يعملُ ناسٍ ما أجرم، بل هو في حالةِ مراجعةٍ يوميةٍ وحركةِ تصحيحٍ أولًا بأول، وهذه أيضًا تربية. وهكذا بتأمل هذه الحالة يدركُ المرء كم في هذه الشريعةِ من حكمة بالغة، وكم في تنظيمِها حركةَ المسلم من جلالٍ وجمالٍ ومراعاةٍ لمصلحتِه العاجلةِ والآجلة، ليقرَّ في اللب والفؤاد أن هذا الربَّ لطيفٌ خبيرٌ في أمرِه، رحيمٌ لا يغفل عن تربية عبده.

  • صغيرًا تخافُ من «اللهُ شاهدي، اللهُ ناظري، اللهُ مُطّلعٌ عليّ» لأنها تذكرك بالرقيب الحسيب، بعدم قدرتك على الذهاب إلى مكان تستخفي فيه منه وتعزبُ فيه عن سمعه وبصره. تكبر، ولا يواسيكَ شيءٌ في رحلة الحياة الصعبة مثلما يواسيكَ أن الله رقيبك، يرى خطواتك المتعبة، انكسارك الحزين، ارتباكك في مواضع الألم، وانهمارك في مواطن البكاء. تصيرُ تقولُها في أوقاتك العصيبةِ وأنت تواسي بها نفسكَ وتُسكنُ بها فؤادك وتُخبرُ بها روحكَ أنك لست متروكًا وحدك: «اللهُ شاهدي، اللهُ ناظري، اللهُ مُطّلعٌ عليّ». تُشهدُ اللهَ على ما تجدُ عندما لا يدري بك أحد، وتستحضرُ نظرَه إليكَ حين تخلوَ بحزنك وينفض عنك الناس، وتذكّر نفسَك بعلمِه ما في نفسِكَ عندما تعجز ويعجز الآخرون عن فهمك.

  • لأن الابتلاءاتِ لا تُفسد قابلية المرء للحياة وللسكينة، بل المحاولات المستميتة في تجنب الابتلاءات، يعرفُ المؤمن أهمية التسليم لله والرضا بأقداره. وهنا ما أعتبرُه الفارق الكبير بينَ اليفاعةِ الحالمة والنضجِ البصير، لأننا ونحن يافعون نعتقد أن الحياةَ فُسحةٌ من المسرّات والمغامرات الشيقة التي نرغب في خوضِها، وتعترض هذه الفسحةَ أحداثٌ مؤلمةٌ من آنٍ لآخرَ لم تكن في الحسبان، أما عندما ننضج -بفهم الحياةِ وعيشها من خلال ما فهمناه عنها- فنُدركُ أن الدنيا ليست فُسحة ولا الأصلُ فيها المسراتُ ولا الألمُ والحزنُ والابتلاءُ أحداثٌ عارضةٌ فيها. ننضج ونُبصرُ أن الدنيا فاصلٌ بين عالمِ الذرِّ والآخرة، الأصلُ فيها الامتحانُ لتحديدِ المصير، والفرحُ فيها نفحاتٌ غيرُ منتظمةٍ بمواعيدَ ولا مضمونةٍ بوعد، والطريقةُ الصحيحة لعيشها هو توطينُ أنفسِنا على احتمالِ مكارِهها وحُسنِ استعمالِ النفحاتِ للتقوّي بها على وحشة الطريق وطوله؛ هذه النفحات التي قد تكونُ أهلًا طيبين، أو مالًا مُباركا، أو عملًا ميسورا، أو محبةً في قلوب الخلق. مُذ تدركُ ذلك لن تحشدَ جهودكَ لتجنب الألم أو التخلص من مشاعرِك السيئة، بل ستُركزُ على ما أُمرتَ به، سيصبح أكبرَ همك سدُّ ثغرك، وصلاحُ نفسِك، والإثمار حيثُ زرعكَ الله، وفي طريقِ ذلك ستوطِّن قلبَك أن يكونَ كالأرضِ الخصبة؛ تكفيها قطرةُ الندى كي تهتز وتربو وتُنبتَ من كل زوجٍ بهيجٍ من الفرحِ بنعمة اللهِ والمرحِ في استقبال خلقِه والسكينةِ رغم الخطوب. وحينها ستشعرُ بالخفة؛ لقد أصبحتَ بسيطًا ومليئًا بالمهم فقط، لستَ مُثقلًا بالأماني العريضة ولا بكثرةِ المخاوف، هدفُكَ واضحٌ ومُشتتاتُك قليلةٌ أو نادرة، لا تُفاجئُكَ منغصاتُ الدنيا ولا تُسقطُكَ مصائبُها، وتنظرُ لكلِّ مُفرحٍ فيها من حبيبٍ أو صديقٍ أو أهلٍ أو سعةٍ بعينِ التثمينِ والغبطة. وأحسبُ هذه هي الحياةُ الطيبةُ التي وعدَ اللهُ بها من عملَ صالحًا من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن، أحسبُ أنها لا تحصلُ إلا بإدراكِ حقيقة الدنيا وقطعِها بها، هذه الحقيقة: {أحسِبَ الناسُ أن يُترَكوا أن يقولوا ءامنَّا وهُم لا يُفتَنون} قال الرافعيّ معلِّقًا على هذه الآية: مَن قالَ آمنتُ باللهِ فقد قالَ له امتَحِنِّي. فوطِّن نفسَكَ على احتمالِ المكارهِ حتى فيما تُحبُّ وترجو، ودرِّب قلبَك على الحساسيةِ لأصغرِ عارضٍ من فرحٍ وعلى قبولِ النقص، ومرِّن روحكَ أن تبكي في مواطنِ الألمِ ولكن دونَ أن تجفّ.

  • وفي الحقيقة هذا الكتاب كله مما يُقرأ مرارا وتكرارًا لأسباب كثيرة، منها الذهاب لأبعاد جديدة في الفهم مع كل قراءة، ومنها إعادة التذكير بمعاني التوحيد في القلب من آنٍ لآخر، وليس آخرها تجديد الشعور بالأمل في سواد هذا الدين الجميل وتمكينه برؤية جهود أبنائه في تجليته وتقريبِه للخلق بالنفَسِ المُعتز والحماسة الصادقة والإيمان الخالص بقيمته وفاعليته وجدارته بالتفعيل؛ بدءًا من أصغر ميادين التفعيل، النفس الإنسانية، وحتى الكون بأكمله.

  • ثم التوحيد كمبدأ للغيب، يُنقّي فهم الإنسان لإرادته ووقوعه تحت إرادة الله، فيُخرجه من اعتقاد الجبرية وكذلك من توهم الخفاء على علم ربه أو الخروج على مشيئته: «فكل الأسباب المخلوقة في الوجود لا تفعل فعلَها في نهاية المطاف إلا بتصريفه ووفق إرادته، ولا يعني ذلك، من جهة أخرى، أنه سبحانه مسؤول عن أفعالنا، بل نحن المسؤولون عنها، وعلينا أن نؤمن بأن ثقل أعمالنا أو خفتها في الميزان الأخلاقي داخلٌ في نطاق مسؤوليتنا الفردية وحدنا، إلا أن قوة الإيجاد التي بها يكون الشيء أو لا يكون تظل ملكا لله تعالى ومحل تصريفه بلا َّشك». ثم التوحيد كمبدأ للأخلاق، إذ يستحيل في نظر الإسلام الفصل بين الأخلاق والدين، «فالأخلاق مؤسسةٌ بالكلية على الدين، ولا يعرف العقل المسلم أي ثنائيات متقابلة مثل: الديني/ العلماني، المقدس/ الدنيوي المُدنس، الكنيسة/ الدولة»، ولا يعني التوحيد كمبدأ للأخلاق تحديد دستور أخلاقي للإنسان فقط، بل تفعيل هذا الدستور الأخلاقي في مساحات متجاوزة للفرد ودوائره اللصيقة، «وأوامرُ الله للبشر بالعمل الصالح تربو على الحصر ولا تدع مجالًا للشكِّ في وجوبه، وفي المقابل يؤكد القرآن بذات الدرجة على سخط الله تعالى على القعود، ويدين الإسلام العزلة أو الخلوة أو الانقطاع عن العمل، حتى حينما يسعى المرء من ورائها إلى تنمية ما بنفسِه من فضائلَ أخلاقية كما هو الشأن بالنسبة للرهبانية المسيحية». ثم التوحيد كمبدأ للنظام الاجتماعي، فإن «جزءًا يسيرًا من الشريعة يتعلق بالشعائر والعبادات والأخلاقيات الشخصية المحضة، بينما يتعلق الشطر الأكبر منها بالمعاملات التي هي شئون اجتماعية في جوهرها»، وفي حين يقوم اجتماع اليهود مثلا على أسس بيولوجية، وتمتلك المسيحية نظرة معادية للحياة الدنيا تشوه عندها الاجتماع البشري، ولا تختلف أديان الهند كثيرًا عنها في اعتبار الحياة شرًّا محضًا ولا تسمح لأتباعها بالتفاعل معها، فإن الإسلام «يعتبر الشخصية الإنسانية التي تقف عند حد ما هو شخصي ولا تتجاوزه لما هو اجتماعي شخصيةً مُتنكبةً للصراط المستقيم». ثم التوحيد كمبدأ للأمة، إذ يجعل مفهوم إقليم الأمة هو الكون كلّه لا الكرة الأرضية بكاملها فحسب، فالأمة بحسب التوحيد ليست قاصرةً على عرقٍ بعينه، بل «وتنظر إلى كل البشر على أن كلًّا منهم إما عضوٌ فعلي أو مُحتمَل فيها، ومن جهة ثالثة لا تعتبر الأمة مرادفة للدولة، فهي كيان عالمي عابر للدول قد يتضمن عدة دول»، وما يقتضيه هذا الفهم هو شعور المسلم بالمسؤولية تجاه الكون بأسره. ثم التوحيد كمبدأ للأسرة، يحدد موقع الرجل والمرأة في المجتمع ويوزع الأدوار بينهما بالطريقة التي تجعل الأسرة، هذه النواة الصغيرة والأساس المهم، في أمثل صورة وظيفية لها وأفضلها عطاءً وفاعلية، وفي هذا الفصل يُزيلُ الفاروقي التشوه الدخيل على النظر لدور المرأة، يقول: «ومما لا شك فيه أن الواجب الأساس للأغلبية العظمى من المسلمات هو التفرغ لمهنتهن الدائمة بصفتهن رباتِ بيوتٍ وأمهات، ومن نافلة القول التذكير هنا بأن هذه المهنة تتطلب تأهيلًا يوازي أو يزيد عن التأهيل الذي تقتضيه أية مهنة أخرى خارج البيت، ومن التشويه للمهمة النبيلة للمرأة بالبيت تصويرُها على أنها تختص بمجرد الطبخ والقيام بالأعمال المنزلية الروتينية. فهذه المهمة تتعلق برعاية البشر كبارًا وصغارا، وهي أصعبُ وظيفةٍ على وجه البسيطة، ومن ثم فهي مهنة تحتاج لأقصى ما يمكن أن يتمتع به إنسان من النضج والحكمة والذكاء والذوق الفني والإبداع وحضور البديهة والخبرة، وفرصة التدرب على هذا كله متاحةٌ بقدر ما يسمح به وقتُ طالبتِه وقدراتُها في علوم التدبير المنزلي والتربية والآداب والفنون والتاريخ وعلم النفس والثقافة». ثم التوحيد بوصفه مبدأ النظام السياسي والنظام الاقتصادي والنظام العالمي، وفي هذه الفصول الثلاثة لا يني القارئ مع كل فقرةٍ أن يبتسم إعحابًا وغبطة بهذا الدين الذي لم يترك صغيرة ولا كبيرة من مجالات الحياة إلا اشتبك معها وقال فيها ووجّه إلى كيفية التعامل خلالها، وهذه الفصول مما يُذكّر بعظمة مقاصد الشريعة ويُشعر المسلم أنه يعيد اكتشافها في مساحاتٍ يُحاوَل على الدوام فصلُها عنها بزعم أن الإسلام لا يمتلك أجوبةً لأسئلتها ولا يُحسن العملَ فيها، وهي كذلك مما يحسن بالمرء قراءته هذه الأيام وسط هذه الفوضى العالمية المتفاقمة وحالة التيه والفساد المستشري. ثم، ويا للدهشة، التوحيد كمبدأ للجمال! وهذا الفصل من أبدع فصول الكتاب وأكثرها إدهاشًا وعبقرية، فعلى عكس الشائع يُلقي الأستاذ الفاروقي الضوء على الفن الإسلامي ويُجلّي خصوصيته البهية، فيُحلل ما في كلٍّ من الخط العربي والزخارف الإسلامية والأرابيسك والعمارة والشعر العربي، بل وحتى تجويد القرآن!، من تعبيرٍ عن روحِ هذا الدين ومقولاته المؤسسة ونظرته لله وللوجود والعالم. فصلٌ في غاية الجمال والإدهاش يحتاج إلى القراءة المتأنية لأكثر من المرة حتى يُستوعَب ما فيه من عبقرية.

  • في هذا الكتاب تجدد إيماني بفكرة الجهود المتراكمة في التمكين للدين، والعمل الدؤوب بطيء التأثير في الظاهر. ذكَّرني بكتابات الأستاذ سيد قطب -رحمه الله- عن الإسلام وإعمالِه إياه كمرجعٍ لكل فكرةٍ وخطرةٍ وشعورٍ وموقف، خصوصًا في تفسيرِه العذب «في ظلال القرآن» الذي لا يتتبع فيه معاني ألفاظ الآياتِ أو تأويلَها في سياقات نزولها فقط، بل تشعر وأنت تقرؤه أنه يُعملُ القرآن في قلبكَ أنت وواقعكَ أنت وعالمك أنت، فيُفعّل هذه القوة المُغيّرة في نفسك ووجدانك استعدادًا لتفعيلها في الميادين الأكبرِ والأوسع. وهذا نفسه ما أسرني في هذا الكتاب؛ فلقد كُتبَ بالنَّفَس ذاته، بنفس الحماسةِ بمعناها الأحمدِ والأرقى، بنفس الذكاء المُتوقد والقدرة التحليلية الفذة، بنفس الإيمان الصادق والعاطفة المشبوبة والرغبة الخالصة في تمكين الفاعلية. كتب الأستاذ الفاروقي كتابَه كأنه يُقشِّر ظواهرَ الألفاظ عن جواهر المعاني، ليُجلِّي التوحيدَ كما لم يعد يُفهم بسبب طول الأمدِ وتباعد الأزمان عن طراوة نزوله. لا يتناول التوحيدَ بجعله مذهبًا شخصيًّا حبيس النفوس والجوامع، وإنما يتتبعُ هذا الدين الجميل الجليل في رؤيته لكل مناحي الفكر والحياة، فيُقسّم فصولَه كأنه يُعددُ مجالاتِ عمل التوحيد، فهنا التوحيد بوصفه جوهر الخبرة الدينية؛ فيؤسس لمعنى «لا إله إلا الله» في نظرة المسلم لربِّه ونفسِه وغايةِ وجودِه، ويستمد له من هذا المعنى مبدأ عملِه في الأرض وهدف حركتِه في العالم: «وبنظرةٍ صحيحة لمهمته في هذه الأرض، نظرَ المسلم إلى الكرة الأرضية بأسرها على أنها ساحةُ فعلِه، ونظرَ إلى أمتِه على أنها تشملُ البشريةَ كلَّها عدا حفنةً يسيرةً من المتمردين، لا يمتثلون إلى الكلمةِ السواءِ معها إلا بقوةِ السلاح»، «ومُقتضى كونِ المرءِ مُسلمًا لله أن يرى بغيرِ لبسٍ أن الله تعالى وحدَه، وليس الطبيعة ولا أي مخلوق، هو مصدرُ إمداده بالمعيار، ولا إرادةَ مع إرادته». ثم هناك التوحيد بوصفه لُبابَ الإسلام، فيُجلّي فيه الفارق بين عقيدة الإسلام في الله وعقيدة اليهودية والمسيحية، ويشير إلى الطابع المتعالي المُفارق للذات الإلهية في الإسلام، ويفصلُ على ذلك معانيَ ثلاثةً لعبارة التوحيدِ المُوجزة الناجزة «لا إله إلا الله»، أولها أن الخليقة هي المادة التي ينبغي تجسيد الإرادة الإلهية المُطلقة فيها، وثانيها أن الإنسان لا يحتاج إلى مسيحٍ ولا مُخلصٍ لأنه لا يُواجه في الحياة أي مأزقٍ لا يستطيع تخليص نفسِه منه بنفسه، وثالث المعاني أنه لا محل للتمييز بين الأماكن والبشر كموضوعٍ للفعل الأخلاقي؛ المعنى الذي غفل عنه أتباع المسيح وأنكرَه وعملَ بضده اليهود معتبرين أنفسَهم فوق البشرِ ومحلًا دائمًا لمنةِ الله دونَ التزامٍ منهم بمراده وشرعه. ثم التوحيد كمبدأ للتاريخ، يُمايزُ بين مفهوم اليهود لوجودهم في التاريخ بتحقيق مملكة الرب كبديلٍ لشتاتهم، ومفهوم المسيحية كرد فعل مناهضٍ لشعور اليهود بالتفوق وتمركزهم حول أنفسهم ومُناوئٍ لهم باعتقاد عدم تحقق هذه المملكة في الحياة الدنيا التي غدت في عقيدتهم مسرحًا مؤقتًا لقيصر والشيطان والجسدِ لا يُرتجى فيها تحقيقُ خير، بينما يخاطب الإسلامُ الإنسانَ -هذا الخليفةَ صانعَ التاريخ- بتصورٍ مختلفٍ للحياة الدنيا وللتاريخ: «فلا مناصَ أمام المسلم بعدَ أن يشهد بعبوديته لله وحده ويُكرسَ نفسه وحياته وكلَّ طاقاته لعبادته ويُسلِّم بوجوبِ تفعيلِ الإرادةِ الإلهية في هذه الحياة الدنيا بزمانها ومكانها، من أن يدخل في حومة العمل والتاريخ ليُحدثَ التحول المرغوب في ساحتهما، وليس بمقدور المسلم أن يعيش حياة الخلوة والرهبنة، إلا على سبيل التمرين على ضبط النفس وتحقيق الانضباط الذاتي، وحتى في هذه الحالة، فإنه إن لم توصله مثلُ هذه الرياضة إلى غايته بتحقيق نجاحٍ أكبر في تحويل المكان - الزمان، فإنها تُعتبر عملًا مُحبَطًا من قبيل التمركز اللاأخلاقي حول النفس؛ لأن الهدف منها في تلك الحالة سيكون هو اعتبار التحول الذاتي غايةً بحدِّ ذاته، وليس مجردَ استعدادٍ لتحويل العالم إلى ما يُشبه النموذجَ الرباني». ثم التوحيد كمبدأ للمعرفة، فينفي عن الإيمان أن يكون مجرد مقولة أخلاقية، بل هو في الحقيقة وفي المقام الأول مقولةٌ معرفيةٌ كونه يرتبط بالمعرفة عن الله وبصحة الأخبار التي تصلنا عنه، ويجعل بذلك التوحيدَ إقرارًا بشيئين مهمين: أن الحقيقة قابلة لأن تُعرف وليست كما يزعم النسبيون متفلتةً ولا مستحيلة، وأن بوسع الإنسان أن يصلَ إليها، فيُجابه بذلك كلًّا من النزعة الشكوكية وانحباس الإنسان في حواسِّه باعتماده العقلَ التجريبيَّ سبيلَه الوحيدَ والمُعتبَر للمعرفة.

  • التوحيد: مضامينُه على الفكر والحياة، يا لَه من دينٍ لو قام به أبناؤه! بعدَ كلِّ قراءةٍ لكتابٍ فارقٍ عن الإسلام كدينٍ وعقيدة أحمل شعورين متصارعين في الظاهر، شعورًا بالغبطةِ والعزةِ لكون هذا الدين يخصني ويعنيني وأنا واحدة من المؤمنين به، وآخر بالأسى والغضب لعدم تفعيل هذا الدين الجميل المُعجز في الحياة وتمكينه من سواد العالم. لكنني أعودُ فأتأمل الشعورين فيتلاشى هذا التضاد الظاهر بينهما، فما أساي وغضبي لعدم تمكينه إلا نتيجةً لحبي إياه واغتباطي واعتزازي به، على أنني أصبحتُ أكثر هدوءًا في أسايَ وأقلَّ حدةً في غضبي؛ لأنني أدركتُ أن لهذا الدين كي يسود ويحكم قدرًا لازمًا من جهود أبنائه هو لا بد مُستوفيه، سواءٌ أبناؤه حاملو الأقلامِ في تجليةِ جماله وجلالِه، ومُمتشقو البنادق في الذبِّ عنه وعن حقِّ الخلقِ في معرفتِه، مبدأٌ ربما يسميه المفكرون الحتمية التاريخية، ويسميه هذا الدين القيم سنةَ اللهِ في خلقه. يُتبع..

  • ‏يا رب؛ امنحني البصيرة لأستدلَّ على طريقي، والمثابرةَ لتدوم خطواتي فيه، وقوةَ القلبِ حتى أُقاتل من أجله. يا رب؛ بين الطريق المريحِ والطريقِ الصحيح سأختارُ الصحيحَ لأنني أثق فيك وفي حكمتك وفي نزاهةِ ما أمرتني به، لكنني لا أثق في نفسي، فلا تكلني إليها، واحفظني من أن تُقعدَني معرفتي بنفسي عن أن أضطلع بشيء أمرتني به، أو أن أنقُصَ في شيء وضعتَ فيَّ له قدرة التمام، أو أن أمتلك حماسةَ الفكرة العظيمة ويُيئسَني نقصي من عزيمة المضيِّ فيها.‏

  • لذلك تراه ينتقي ثلاث أحاديث صحيحة تقريبًا ويتجاهل بقية الأحاديث بحجة ورودها في كتبٍ غيرِ الصحيحين، مع أن تلك الكتب كتبُ «صحاح» لا يردُّها أهل العلم، لكن الأحاديث الواردة فيها تهدم فرضية كون يأجوج ومأجوج براكين وفيضانات، وهو ما لا يريده الكاتب. 2- المشكلة المنهجية الثانية في الكتاب هي عدم وضوح منهجٍ له والسير عليه، ففيما يخص اللغة مثلًا يبدأ بتفسيرِ اسمي يأجوج ومأجوج لغويا بأنهما مشتقان من «أجج» فيستدل بهذا على كون يأجوج براكين ومأجوج فيضانات، لكن عند احتكاك فرضيته بصريحِ آيةٍ أو حديث يلجأ إلى القول بالمجاز وعدم الأخذ بظاهر النص. 3- المشكلة الثالثة هي أن الهوى هو الحاكم في الأخذ والرد من علماء الإسلام، فعند المجيء إلى تفسيرهم يأجوج ومأجوج بأنهم بشرٌ أخذًا بالأحاديث النبوية الصحيحة ودلالة الآيات القرآنية يرد قولهم ويزعم فيهم أنهم تأثروا بالإسرائيليات وأنهم لم يحوزوا ما في عصره من التقدم العلمي الذي يمكنهم من تفسير يأجوج ومأجوج على النحو الصحيح، لكن عندما يكون عندهم ما يخدم فرضيته يستدل بهم فيقول مثلا عن سبب ميله لتفسيرٍ ما لسبب تسمية ذي القرنين: «لكثرة تداوله في كتب التفاسير»! هذا مع كون الكاتب لا يُحسن نطق اسم صحابيٍّ راوي حديثٍ كأبي سعيد الخُدري رضي الله عنه، ويمكن الرجوع إلى لقائه في البودكاست ورصد جملة أخطائه في اللغة والنطق بها، وهذه ملاحظة مهمة في هذا السياق. 4- المشكلة الرابعة هي فتح باب للتشكيك في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بزعم أن كعب الأحبار غش المسلمين بمثل هذه الخرافات -يعني من قبيل بشرية يأجوج ومأجوج- ونقل هذه الأفكار التوراتية إلى «التراث» الإسلامي، ويقول نصًّا في بداية حديثه عن يأجوج ومأجوج في الحديث الشريف: «سنعرف كيف تسللت هذه الفكرة من العهد القديم إلى السنة النبوية»! وكأن الصحابة الذين حفظوا الدين وحملوه بعد موت النبي -صلى الله عليه وسلم- كانوا سُذّجًا -حاشاهم- ونحن -أهل هذا العصر أعاجم الألسنة والقلوب وبعيدي العهد بزمن نزول الوحي- نحن النبهاء الفطناء اليقظون لمثل هذا، وكأن القرآن الكريم نفسه لا يُشير إلى نفس المعنى -كون يأجوج ومأجوج بشرا-، فهل أدخل كعب الأحبار فكره التوراتي على القرآن أيضا؟ 5- المشكلة الخامسة هي تحسين الفرضية بما لا تحسن به، من هذا مثلا أن الكاتب بعد أن ثبّتَ فرضيته ودار بالقرآن والسنة حولَها وانتقى لها وفسّر وفصّل عليها يستحسنُها لأنها -بعكس القول بأنهم بشر- تدعو إلى الاصطفاف والتسامح والتعاون، فيقول في خاتمة كتابه: «وشتان بين هذه القيم التي تدعو للاصطفاف وبين قيم الصراع والعنف والقتل وتقسيم العالم التي تُروجها النسخةُ التوراتية من يأجوج ومأجوج، والتي تسللت للأسف إلى فكرنا الإسلامي» وهذه النظرة التي لا تفهم وجود الشر وسنةَ التدافع وحتمية الصراع البشري تظهر جليةً في بقية كتابات الدكتور وبخاصة روايته «عهد دميانة». 6- سطحية تصور أحداث آخر الزمان، فالكاتب يرى أن تفسيره هذا يمكّن البشر من مواجهة يأجوج ومأجوج ويقيهم شرهما بما لديهم من التقدم العلمي، يقول في مقدمة كتابه: «ونحن نرى من خلال التأويل الذي وضعناه أن المحنة الكبرى التي سيشهدها العالم والتي أخبرتنا عنها الديانات تستدعي التفكير في طرق الاستعداد لها، وانتهاج سبل العلم لمحاولة الحد من خسائرها». ثم يطرح سؤالًا ويجيب عنه بثقة: «وهل يمكن أن يكون العلم مخرجًا من هذه المحنة؟ والإجابة القاطعة هي: نعم»! أشراط الساعة تتحقق والقيامة تقوم لكننا نستطيع مواجهة ذلك كله بالعلم لنحد من الخسائر وننقذ الحياة على كوكب الأرض كما يرى الكاتب! وأخيرًا فكل هذه النقاط دون التعرض لاستدلالاته العلمية، ذلك العلم الذي لو كان حقا لأفهم الكاتب ضآلة علمه، ولما صدرت منه أسئلة استنكارية مثل: «كيف تغفل الأقمار الصناعية عن اكتشاف شعب كامل مختبئ تحت الأرض؟» «كيف يثير هذا الحدث -يعني خروج يأجوج ومأجوج- رعب البشر أجمعين مع ما وصلت إليه البشرية من تقدم علمي وتقني في التسليح؟». لكن المشكلة أننا في زمن يطير به الناس بالفكرة الجديدة، وتتناسب صحتها ومدى قبولها عندهم طرديا مع درجة إبهارها واختلافها وجِدتها.