دُرَر ابن القَيِّم
Статистикаقناة تُعنى بنشر فوائد ودرر الإمام ابن القيِّم -رحمه الله-.
- Последний пост
- 14 авг.
- Последнее чтение
- 13 авг.
- Постов за неделю
- 8
- Всего постов
- 392
- Тип
- открытый
- Язык
- арабский
- В каталоге с
- 13 авг.
- 1/24сутки в ленте
- 104
- 1/48двое суток
- 119
- 1/72трое суток
- 128
Оценка по просмотрам недавних постов: пост набирает почти всё за первые сутки.
Посты
без подписи
без подписи
قال ابْـنُ القَيِّـمُ -رَحِمَـهُ الله-: «إذا عُرف هذا فنقول: الحِيَل أقسام: أحدها: الطرق الخفيَّة التي يتوصل بها إلى ما هو محرَّم في نفسه، فمتى كان المقصود بها محرَّمًا في نفسه فهي حرام باتفاق المسلمين، وصاحبها فاجر ظالم آثم. وذلك كالتحيّل على هلاك النفوس، وأخذ الأموال المعصومة، وفسادِ ذات البَيْنِ، وحيل الشياطين على إغواء بني آدم، وحيل المخادعين بالباطل على إدحاض الحق، وإظهار الباطل في الخصومات الدينية والدنيوية، فكلُّ ما هو محرَّم في نفسه فالتوصل إليه محرَّم بالطرق الظاهرة والخفية، بل التوصل إليه بالطرق الخفية أعظم إثمًا، وأكبر عقوبة؛ فإن أذَى المخادع وشَرَّه يصل إلى المظلوم من حيثُ لا يشعر، ولا يمكنه الاحتراز عنه، ولهذا قُطع السارق دون المنتهب والمختلس. ومن هذا: رأى مالك ومَنْ وافقه أن القاتل غِيلةً يُقتل، وإن قَتل مَنْ لا يكافئه؛ لمفسدة فعله، وعدم إمكان التحرز منه. ومن هذا: رأى عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قَطْعَ يد الزُّغلي¹؛ لعظم ضرره على الأموال، وعدم إمكان التحرُّز منه، فهو أولى بالقطع من السارق، وقولُه قويٌّ جدًّا. ومن هذا: رأى الأمام أحمد قطعَ يد جاحد العاريَّة؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه، بخلاف جاحد الوديعة، فإنه هو الذي ائتمنه. والعُمدة في ذلك: على السنة الصحيحة التي لا معارض لها.» ¹- الزُغليّ هو الغاشّ. 📖 | #إغاثة_اللهفان (٧٦٦/٢-٧٦٧)
قال ابْـنُ القَيِّـمُ -رَحِمَـهُ الله-: «إذا عُرِفَ هذا فالطرقُ التي تتضمن نفعَ المسلمين، والذّبَّ عن الدِّين، ونصرَ المظلومين، وإغاثةَ الملهوفين، ومعارضةَ المحتالين بالباطل ليُدحِضوا به الحق: من أنفع الطرق، وأجلّها علمًا وعملًا وتعليمًا. فيجوز للرجل أن يُظهر قولًا أو فعلًا مقصودُه به مقصود صالح، وإن ظن الناس أنه قصد به غير ما قصد به، إذا كان فيه مصلحة دينية، مثل دفع ظلم عن نفسه، أو عن مسلم، أو معاهد، أو نصرة حق، أو إبطال باطل من حيلة محرمة أو غيرها، أو دفع الكفار عن المسلمين، أو التوصُّل إلى تنفيذ أمر الله تعالى ورسوله. فكل هذه طرق جائزة، أو مستحبة، أو واجبة. وإنما المحرَّم أن يقصد بالعقود الشرعية غير ما شُرِعَت له، فيصير مخادعًا لله. فهذا مخادع لله ورسوله، وذاك مخادع للكفار والفجار والظلمة، وأرباب المكر والاحتيال، فبين هذا الخداع وذاك الخداع من الفرق كما بين البِرّ والإثم، والعدل والظلم، والطاعة والمعصية. فأين مَنْ قَصْدُهُ إظهارُ دين الله تعالى، ونصر المظلوم، وكسر الظالم، إلى من قصده ضد ذلك؟» 📖 | #إغاثة_اللهفان (٧٦٥/٢)
قال ابْـنُ القَيِّـمُ -رَحِمَـهُ الله-: «والقول هو الأول لوجوه: أحدها: أنه لا يعرف في اللغة عال يعول إذا كثر عياله، وإنما المعروف في ذلك عال يَعيل، وأما عال يعول فهو بمعنى الجور ليس إلا، هذا الذي ذكره أهل اللغة قاطبة. الثاني: أنه سبحانه قابل ذلك بالعدل الذي نقلهم عند خوفهم من فقده إلى الواحدة أو التسري بما شاؤوا من ملك أيمانهم، ولا يحسن هذا التعليل بعدم العيال. يوضحه: الوجه الثالث: أنه سبحانه نقلهم عند الخوف من عدم القسط في نكاح اليتامى إلى نكاح من سواهن من النساء، لئلا يقعوا في ظلم أزواجهم اليتامى؛ وجوّز لهم نكاح الواحدة وما فوقها إلى الأربع، ثم نقلهم عند خوف الجور وعدم العدل في القسمة إلى الواحدة أو النوع الذي لا قسمة عليهم في الاستمتاع بهن، وهن الإماء. فانتظمت الآية ببيان الجائز من نكاح اليتامى والبوالغ والأولى من ذينك القسمين عند خوف الظلم، والجائز من نكاح الواحدة وما فوقها، والأولى من هذين القسمين عند خوف العول، فما لكثرة العيال مدخل هنا ألبتة. يوضحه: الوجه الرابع: أنه لو كان المحذور كثرة العيال لما نقلهم إلى ما شاءوا من الإماء بلا عدد؛ فإن العيال كما يكونوا من الزوجات يكونوا من الإماء، ولا فرق؛ فإنه لم ينقلهم إلى إماء الاستخدام بل إلى إماء الاستفراش. يوضحه: الوجه الخامس: أن كثرة العيال ليس أمرًا محذورًا مكروهًا للرب تعالى، كيف وخير هذه الأمة أكثرها نساء؟! وقد قال النبي ﷺ: "تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم"، فأمر بنكاح الولود؛ ليحصل منها ما يكاثر به الأمم يوم القيامة. والمقصود أنه سبحانه جعل نبيه غنيًّا شاكرًا بعد أن كان فقيرًا صابرًا، فلا تحتج به طائفة لحالها إلا كان للطائفة الأخرى أن تحتج به أيضا لحالها. فإن قيل: فقد كان عبد الرحمن بن عوف من الشاكرين، وقد قال الإمام أحمد في "مسنده": حدثنا عبد الصمد،حدثنا عمارة عن ثابت عن أنس قال: بينما عائشة في بيتها سمعت صوتًا في المدينة، فقالت: ما هذا؟ فقالوا:عير لعبد الرحمن بن عوف قدمت من الشام تحمل من كل شيء. قال وكانت سبعمائة بعير، فارتجّت المدينة من الصوت. فقالت عائشة: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوًا" فبلغ ذلك عبد الرحمن فقال: إن استطعتُ لأدخلنها قائمًا، فجعلها بأقتابها وأحمالها في سبيل اللَّه. قيل: قد قال الإمام أحمد: هذا الحديث كذب منكر.قال: وعمارة يروي أحاديث مناكير، وقال أبو حاتم الرازي: عمارة بن زاذان لا يُحتج به قال أبو الفرج: "وقد روى الجراح بن منهال بإسناده عن عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ قال له: "يا ابن عوف إنك من الأغنياء، وإنك لا تدخل الجنة إلا زحفًا، فأقرض ربك يطلق قدميك". قال أبو عبد الرحمن النسائي: هذا حديث موضوع، والجراح متروك الحديث، وقال يحيى: ليس حديث الجراح بشيء، وقال ابن المديني:لا يُكتب حديثه، [وقال ابن حبان: كان يكذب]. وقال الدارقطني: متروك. » 📖 | #عدة_الصابرين (٢٣٤-٢٣٦)
قال ابْـنُ القَيِّـمُ -رَحِمَـهُ الله-: «كما أغنانا بالبراهين والآيات التي أرشد إليها القرآن: عن الطرق المتكلَّفة المتعَسَّفة المعقَّدة، التي باطلها أضعاف حقِّها، من الطرق الكلامية التي الصحيحُ منها: «كلحم جملٍ غَثٍّ، على رأس جبل وَعْرٍ، لا سهل فيُرتقى، ولا سمين فيُنتقَل». ونحن نعلم علمًا لا نشك فيه أن الحيل التي تتضمّن تحليل ما حرّمه الله تعالى، وإسقاط ما أوجبه، لو كانت جائزة لسَنّها الله سبحانه، وندب إليها؛ لما فيها من التَّوْسِعَةِ والفَرَجَ للمكروب، والإغاثة للملهوف، كما ندب إلى الإصلاح بين الخصمين. وقد قال المبعوث بالحنيفية السمحة ﷺ: «ما تركتُ من شيء يُقَرّبكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، ولا تركتُ من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به». «تركتكم على البيضاء، ليلُها كنهارها، لا يَزيغ عنها بعدي إلا هالك». فهلّا ندبَ النبي ﷺ إلى الحِيَل، وحَضّ عليها، كما حضّ على إصلاح ذات البَيْنِ؟ بل لم يزل يُحذّر من الخداع، والمكر، والنفاق، ومشابهة أهل الكتاب باستحلال محارمه بأدنى الحيل. ولو كان مقصود الشارع إباحة تلك المحرمات، التي رَتّب عليها أنواع الذم والعقوبات، وسدّ الذرائع الموصّلة إليها، لم يحرمها ابتداءً، ولا رتَّب عليها العقوبة، ولا سدَّ الذرائع إليها، ولكان تركُ أبوابها مُفَتَّحةً أسهل من المبالغة في غلقها وسدِّها، ثم يفتح لها أنواع الحيل، حتى يُنقّب المحتال عليها من كل ناحية، فهذا مما يُصان عنه الشرائع، فضلًا عن أكملها شريعة وأفضلها دينًا. وقد قدّمنا أن الضرر والمفاسد الحاصلة من تلك المحرمات لا يزول بالاحتيال والنَّقْبِ عليها، بل تقوى وتشتدُّ مفاسدها.» 📖 | #إغاثة_اللهفان (٧٦٣/٢-٧٦٥)
قال ابْـنُ القَيِّـمُ -رَحِمَـهُ الله-: «فإن قيل: فالنبي ﷺ عرضت عليه مفاتيح كنوز الدنيا فردّها، وقال: "بل أشبع يومًا وأجوع يومًا". وقال هشام بن عروة أعن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: "خرج رسول اللَّه ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز البرّ"، و"مات ودرعه مرهونة عند يهودي على طعام أخذه لأهله". وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا". وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن محمد حدثنا عباد بن عباد حدثنا مجالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: دَخَلَتْ عليّ امرأة من الأنصار، فرأت فراش رسول اللَّه ﷺ عباءة مثنية، فرجعت إلى منزلها، فبعثت إليّ بفراش حشوه الصوف، فدخل على رسول اللَّه ﷺ فقال: "ما هذا؟ " فقلت: فلانة الأنصارية دخلت عليّ فرأت فراشك فبعثت إليّ بهذا. فقال: "رُدّيه" فلم أردَّه، وأعجبني أن يكون في بيتي، حتى قال لي ذلك ثلاث مرات، فقال: "يا عائشة رُدِّيه، فواللَّه لو شئتُ لأجرى اللَّه معي جبال الذهب والفضة" فرددته. ولم يكن اللَّه سبحانه يختار لرسوله إلا الأفضل، هذا مع أنه لو أخذ الدنيا لأنفقها كلها في مرضاة اللَّه عزوجل. ولكان شكره بها فوق شكر جميع الناس. قيل: قد احتج بحال رسول اللَّه ﷺ كل واحدة من الطائفتين. والتحقيق: أن اللَّه سبحانه جمع له بين المقامين كليهما على أتم الوجوه، فكان سيد الأغنياء الشاكرين وسيد الفقراء الصابرين، فحصل له من الصبر على الفقر ما لم يحصل لأحد سواه، ومن الشكر على الغنى ما لم يحصل لغني سواه. ومن تأمل سيرته وجد الأمر كذلك، فكان ﷺ أصبر الخلق في مواطن الصبر، وأشكر الخلق في مواطن الشكر، وربه تعالى كمّل له مراتب الكمال فجعله في أعلى رتب الأغنياء الشاكرين، وفي أعلى مراتب الفقراء الصابرين، قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨]. وأجمع المفسرون على أن العائل هو الفقير، يُقال: عال الرجل يَعيل، إذا افتقر، وأعال يُعيل: إذا صار ذا عيال، مثل:ألبن، وأتمر وأثرى، إذا صار ذا لبن وتمر وثروة. وعال يعول: إذا جار، ومنه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]. وقيل: المعنى ألا [تكثر عيالكم].» 📖 | #عدة_الصابرين (٢٣٢-٢٣٤)
قال ابْـنُ القَيِّـمُ -رَحِمَـهُ الله-: «وأغنانا عن سماع الأبيات وقرآن الشيطان: بسماع الآيات وكلام الرحمن. وأغنانا عن الاستقسام بالأزلام طلبًا لما هو خيرٌ وأنفعُ لنا: باستخارته التي هي توحيد، وتفويض، واستعانة، وتوكُّل. وأغنانا عن طلب التنافس في الدنيا وعاجلها: بما أحبّه لنا ونَدَبنا إليه من التنافس في الآخرة، وما أعدّ لنا فيها، وأباح الحسد في ذلك، وأغنانا به عن الحسد على الدنيا وشهواتها. وأغنانا بالفَرَح بفضله ورحمته وهما القرآن والإيمان: عن الفرَح بما يجمعه أهل الدنيا من المتاع والعقار والأثمان، فقال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]. وأغنانا بالتكبُّر على أعداء الله تعالى، وإظهار الفَخْر والخيلاء لهم: عن التكبُّر على أولياء الله تعالى، والفخر والخُيلاء عليهم، فقال ﷺ لمن رآه يتبختر بين الصَّفَّين: «إنها لَمِشْيةٌ يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن» وأغنانا بالفروسية الإيمانية، والشجاعة الإسلامية التي تأثيرُها في الغضب على أعدائه ونصرة دينه: عن الفروسية الشيطانية، التي يَبْعثُ عليها الهَوى وحَمِيَّة الجاهلية. وأغنانا بالخلوَة الشرعية حال الاعتكاف: عن الخلوة البِدْعِيَّةِ التي يُترك لها الحج والجهاد والجمعة والجماعة. وكذلك أغنانا بالطرق الشرعية: عن طُرق أهل المكر والاحتيال. فلا تشتد حاجة الأمة إلى شيء إلا وفيما جاء به الرسول ﷺ ما يقتضي إباحته وتَوسعته، بحيث لا يُحْوِجهم فيه إلى مكر واحتيال، ولا يُلزمهم الآصار والأغلال، فلا هذا من دينه ولا هذا.» 📖 | #إغاثة_اللهفان (٧٦٢/٢-٧٦٣)
قال ابْـنُ القَيِّـمُ -رَحِمَـهُ الله-: «والمقصود بهذه الأمثلة وأضعافها مما لم نذكره: أن الله سبحانه أغنانا بما شَرَعه لنا من الحنيفية السمحة، وما يسّرَه من الدين على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وسهَّله للأمة: عن الدخول في الآصار والأغلال، وعن ارتكاب طُرق المكر والخداع والاحتيال، كما أغنانا عن كل باطل ومحرم وضارٍّ، بما هو أنفعُ لنا منه من الحق، والمباح النافع. فأغنانا بأعياد الإسلام: عن أعياد الكفار والمشركين من أهل الكتاب، والمجوس، والصابئين، وعَبَدَة الأصنام. وأغنانا بوجوه التجارات، والمكاسب الحلال: عن الربا والميْسر والقِمار. وأغنانا بنكاح ما طاب لنا من النساء مَثْنى وثُلاث ورُباع، والتّسَرّي بما شئنا من الإماء: عن الزنى والفواحش. وأغنانا بأنواع الأشربة اللذيذة، النافعة للقلب والبدن: عن الأشربة الخبيثة المسكرة، المُذْهبة للعقل والدِّين. وأغنانا بأنواع الملابس الفاخرة من الكَتّان، والقُطن، والصوف: عن الملابس المحرّمة من الحرير، والذهب.» 📖 | #إغاثة_اللهفان (٧٦١/٢)
قال ابْـنُ القَيِّـمُ -رَحِمَـهُ الله-: «والمقصود: أن الزوج المظلوم المدّعَى عليه دَعْوَى كاذبة ظالمة بأنه ترك النفقة والكسوة تلك السنين كلَّها، أو مدة مُقامها عنده، إذا تبيّن كذب المرأة في دعواها لم يجز للحاكم سماعها، فضلًا عن مطالبته بردِّ الجواب. فله طُرق في التخلص من هذه الدعوى: أحدها هذا: أن يقول: كيف يَسُوغ سماع دعوى تُكذِّبها العادة والعرف ومشاهدة الجيران؟ الثاني: أن يقول للحاكم: سَلْها مَنْ كان يُنفِقُ عليها، ويكسوها في هذه المدة؟ فإن ادّعَتْ أن غيره كان يؤدي ذلك عنه لم يُسمع دعواها، وإن كانت الدعوى لذلك الغير، ولا يُقبل قولها على الزوج إن غيره قام بهذا الواجب عنه، وهذا مما لا خفاء به، ولا إشكال فيه. وإن قالت: أنا كنت أنفق على نفسي، قال الزوج: سَلْها هل كانت هي التي كانت تدخل وتخرجُ تشتري الطعام والإدام؟ فإن قالت: نعم، ظهر كذبها، ولاسيَّما إن كانت من ذوات الشرف والأقدار. وإن قالت: كنت أوكّل غيري في ذلك، أُلزمت ببيانه، وإلا ظهر كذبها وظلمها وعدوانها، وكانت معاونتها على ذلك معاونةً على الإثم والعدوان. فإن أعوز الزوج حاكمٌ عالمٌ مُتَحَرٍّ للحق لا تأخذه فيه لومة لائم، فلْيَعْدل إلى التحيُّل بالخلاص بما يُبطل دعواها الكاذبة، إما بأن يجحد استحقاقها لِمَا ادَّعَت به، ولا يعدل إلى الجواب المفصّل، فتحتاج هي إلى إقامة البينة على سبب الاستحقاق، وقد يتعذّر أو يتعسر عليها ذلك. فإن أحضرت الصداق وأقامت البينة، فإن كانت لم تنتقل معه إلى داره جحد تسليمها إليه، والقول قوله إذا لم تكن معه في منزله.فإن كانت قد انتقلت معه إلى منزله، وادّعَى نُشوزها تلك المدة، وأمكنه إقامة البينة بذلك، سقطت نفقتها في مدة النشوز، وإن لم يمكنه إقامة البينة، وادّعى عدم تمكينها له من الوطء، وادعت أنها مَكّنته فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم التمكين، وهذا غير دعواه النشوز؛ فإن النشوز هو العصيان، والأصل عدمه، وهذا إنكار لاستيفاء حقه، والأصل عدمه فتأمله. فإن كان له منها ولد لم يمكنه هذا الإنكار. ومتى أحس بالشر والمكر احتال بأن يُخبئ شاهديَ عَدْل، بحيث يسمعان كلامها، ولا تراهما، ثم يدفع إليها مالًا، أو ترضى به، ويتلطَّف بها، ثم يقول: أريد أن يجعل كل منا صاحبه في حِلٍّ حتى تطيب أنفسنا، ولعل الموت يأتي بغتةً، ونحو ذلك من الكلام.وإن أمكنه أن يستنطقها بأنها لا تستحق عليه إلى ذلك الوقت نفقة، ولا كسوة، وأنه يرضيها من الآن، ويدفع إليها ما ترضى به، كان أقوى، ثم يأخذ خَطّ الشاهدين بذلك، ويكتمه منها، فإن أعجله الأمر عن ذلك، وأمكنه المبادرة برَفْعِها إلى حاكم مالكِيٍّ أو حَنفيٍّ، بادر إلى ذلك. وبالجملة، فالحازم من يستعدُّ لِحِيَلِهِنَّ، ويُعدّ لها حيلًا يتخلص بها منها، وهذا لا بأس به، ولا إثم فيه، ولا في تعليمه؛ فإن فيه تخليص المظلوم، وإغاثة الملهوف، وإخزاء الظالم المعتدي، والله الموفق للصواب. وإنما أطَلْنا الكلام في هذا المثال لشدّة حاجة الناس إلى ذلك، ولعموم البلوى، وكثرة الفجور، وانتشار الضرر بتمكين المرأة من هذه الدعوى، أو سماعها، وجَعْلِ القول قوْلها، وفى ذلك كفاية، وإلا فهي تحتمل أكثر من ذلك.» 📖 | #إغاثة_اللهفان (٧٥٩/٢-٧٦١)
قال ابْـنُ القَيِّـمُ -رَحِمَـهُ الله-: «وهذه هي مسألة الغنيّ الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل؟ وللناس فيها ثلاثة أقوال: وهي التي حكاها أبو الفرج وغيره في عموم الصبر والشكر أيهما أفضل، وقد احتجت كل فرقة بحجج وأدلة على قولها. والتحقيق أن يُقال: أفضلهما أتقاهما للَّه، فإن فُرض استواؤهما في التقوى استويا في الفضل، فإن اللَّه سبحانه لم يُفضل بالفقر والغنى كما لم يُفضّل بالعافية والبلاء، وإنما فَضّل بالتقوى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وقد قال ﷺ: "لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى، الناس من آدم، وآدم من تراب". والتقوى مبنية على أصلين: الصبر والشكر، وكل من الغني والفقير لا بد له منهما، فمن كان صبرُه وشكرُه أتمّ كان أفضل. فإن قيل: فإذا كان صبر الفقير أتمّ وشكر الغني أتمّ فأيهما أفضل؟ قيل: أفضلهما أتقاهما للَّه في وظيفته ومقتضى حاله، ولا يصح التفضيل بغير هذا ألبتة، فإن الغني قد يكون أتقى للَّه في شكره من الفقير في صبره، وقد يكون الفقير أتقى للَّه في صبره من الغني في شكره، فلا يصح أن يقال: هذا بِغِناه أفضل ولا هذا بفقره أفضل. ولا يصح أن يقال: هذا بالشكر أفضل من هذا بالصبر، ولا بالعكس، لأنهما مطيّتان للإيمان لا بد منهما، بل الواجب أن يقال: أقومهما بالواجب والمندوب هو الأفضل، فإن التفضيل تابع لهذين الأمرين، كما قال تعالى في الأثر الإلهي: "وما تقرّب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه". فأيّ الرجلين كان أقوم بالواجبات وأكثر نوافل كان أفضل. فإن قيل: فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "يدخل فقراء أمّتي الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم، وذلك خمسمائة عام". قيل: هذا لا يدل على فضلهم على الأغنياء في الدرجة وعلوّ المنزلة وإن سبقوهم في الدخول، فقد يتأخر الغنيّ والسلطان العادل في الدخول لحسابه، فإذا دخل كانت درجته أعلى ومنزلته أرفع، كما يسبق الفقير القَفَل في المضايق وغيرها، ويتأخر صاحب الأحمال بعده. فإن قيل: فقد قال ﷺ للفقراء لما شكوا إليه زيادة عمل الأغنياء عليهم بالعتق والصدقة: "ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه أدركتم به من سبقكم" فدلّهم على التسبيح والتحميد والتكبير عقيب كل صلاة، فلما سمع الأغنياء ذلك عملوا به، فذكروا ذلك للنبي ﷺ:فقال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الحديد: ٢١]. وهذا يدل على ترجيح حال الغني الشاكر. قيل: هذا حجة للقول الذي نصرناه، وهو: أن أفضلهما أكثرهما نوافل، فإن استويا استويا وهاهنا قد ساوى الأغنياء الفقراء في أعمالهم المفروضة والنافلة، وزادوا عليهم بنوافل العتق والصدقة، ففضلوهم بذلك، فساووهم في صبرهم على الجهاد والأذى في اللَّه والصبر على المقدور، وزادوا عليهم بالشكر بنوافل المال، فلو كان للفقراء بصبرهم نوافل تزيد على نوافل الأغنياء لفضلوهم بها.» 📖 | #عدة_الصابرين (٢٣٠-٢٣٢)
قال ابْـنُ القَيِّـمُ -رَحِمَـهُ الله-: «ومن هذا: حكمُ نبي الله سليمان بن داود عليهما السلام بالولد الذي تنازع فيه المرأتان، فقضى به داود للكبرى، فخرجتا على سليمان، فقَصّتا عليه القصة، فقال سليمان عليه السلام: ائْتُونِي بالسّكين أشقَّه بينكما، فقالت الصغرى: لا تفعل يا نبي الله، هو ابنُها، فقضى به للصغرى، ولم يكن سليمان ليفعل، ولكن أوهمهما ذلك، فطابت نفسُ الكبرى بذلك؛ استرواحًا منها إلى راحة التأسّي والتسلّي بذهاب ابن الأخرى كما ذهب ابنها، ولم يَطِبْ قلب الصغرى بذلك، بل أدركتها شَفَقَةُ الأم ورحمتها، فناشدَتْه أن لا يفعل؛ استرواحًا إلى بقاء الولد، ومشاهدته حيًّا، وإن اتصل إلى الأخرى. وتأمّلْ حكم سليمان به للصغرى وقد أقرّت به للكُبرى تَجِدْ تحته: أن الإقرار إذا ظهرت أماراتُ كذبه وبطلانه لم يُلتفَتْ إليه، ولم يحكم به على المقرّ، وكان وجودُه كعدمه. وهذا هو الحق الذي لا يجوز الحكم بغيره. وكذلك إذا غلط المقرّ، أو أخطأ، أو نسي، أو أقرّ بما لا يعرف مضمونه، لم يُؤاخذ بذلك الإقرار، ولم يحكم به عليه، كما لو أقرّ مكرهًا. والله تعالى رَفع المؤاخذة بلَغْوِ اليمين؛ لكون الحالف لم يقصد موجَبها، وأخبر أنه إنما يؤاخذ بكسب القلب، والغالط والمخطئُ والناسي والجاهل والمكره لم يكسب قلبه ما أقَرّ به أو حلف عليه، فلا يؤاخذ به.» 📖 | #إغاثة_اللهفان (٧٥٨/٢-٧٥٩)
قال ابْـنُ القَيِّـمُ -رَحِمَـهُ الله-: «فإن قيل: فهذا يفهم منه اتحاد الصبر والشكر، وأنهما اسمان لمسمّى واحد، وهذا محال عقلًا ولغةً وعرفًا، وقد فرّق اللَّه سبحانه بينهما. قيل: بل هما معنيان متغايران، وإنما بيّنّا تلازمهما وافتقار كل واحد منهما في وجود ماهيته إلى الآخر، ومتى تجرّد الشكر عن الصبر بطل كونه شكرًا، وإذا تجرد الصبر عن الشكر بطل كونه صبرًا؛ أما الأول فظاهر، وأما الثاني فإنه إذا تجرد عن الشكر كان كفورًا، ومنافاة الكفور للصبر أعظم من منافاة السخط. فإن قيل: بل ههنا قسم آخر وهو: أن لا يكون كفورًا ولا شكورًا، بل صابرًا على مضض وكراهة شديدة، فلم يأتِ بحقيقة الشكر ولا خرج عن ماهية الصبر. قيل: كلامنا في الصبر المأمور به الذي هو طاعة، لا في الصبر الذي هو تجلد كصبر البهائم، وصبر الطاعة لا يأتي به إلا شاكر، ولكن اندرج شكره في صبره فكان الحُكْمُ للصبر، كما اندرج صبر الشكور في شكره فكان الحكم للشكر. فمقامات الإيمان لا تعدم بالتنقل بل تندرج وينطوي الأدنى في الأعلى كما يندرج الإيمان في الإحسان، وكما يندرج الصبر في مقام الرضى، لا أن الصبر يزول، ويندرج الرضى في التفويض، ويندرج الخوف والرجاء في الحب، لا أنهما يزولان. فالمقدور الواحد يتعلق به الشكر والصبر سواء كان محبوبًا أو مكروهًا، فالفقر مثلًا يتعلق به الصبر وهو أخص به لما فيه من الكراهة، ويتعلق به الشكر لما فيه من النعمة، فمن غلب عليه شهود نعمته وتلذّذ به واستراح واطمأن إليه عدّه نعمة يشكر عليها، ومن غلب عليه شهود ما فيه من الابتلاء والضيق والحاجة عدّه بلية يصبر عليها، وعكسه الغنى. على أن اللَّه سبحانه ابتلى العباد بالنعم كما ابتلاهم بالمصائب، وعدّ ذلك كله ابتلاء، فقال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وقال: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ - وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: ١٥، ١٦]. وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧].وقال: هو ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]. فأخبر سبحانه أنه خلق العالم العلوي والسفلي، وقدّر أجل الخلق، وخلق ما على الأرض للابتلاء والاختبار، وهذا الابتلاء إنما هو ابتلاء صبر العباد وشكرهم في الخير والشر والسرّاء والضرّاء، فالابتلاء بالنعم من الغنى والعافية والجاه والقدرة، وتأتي الأسباب أعظم الابتلاءين، والصبر على طاعة اللَّه عزوجل أشق الصبرين.كما قال الصحابة رضي الله عنهم: "ابتلينا بالضرّاء فصبرنا، وابتلينا بالسرّاء فلم نصبر". والنعمة بالفقر والمرض وقبض الدنيا وأسبابها وأذى الخلق قد تكون أعظم النعمتين، وفرض الشكر عليها أوجب من الشكر على أضدادها، فالرب تعالى يبتلي بنعمه، ويُنعم بابتلائه. غير أن الصبر والشكر حالتان لازمتان للعبد في أمر الرب ونهيه وقضائه وقدره لا يُستغنى عنهما طرفة عين. والسؤال عن أيهما أفضل كالسؤال عن الحبس والحركة أيهما أفضل؟ وعن الطعام والشراب أيهما أفضل؟ وعن خوف العبد ورجائه أيهما أفضل؟ فالمأمور لا يؤدّى إلا بصبر وشكر، والمحظور لا يُترك إلا بصبر وشكر. وأما المقدور الذي يقدّر على العبد من المصائب فمتى صبر عليه اندرج شكره في صبره، كما يندرج صبر الشاكر في شكره. ومما يوضح هذا: أن اللَّه سبحانه امتحن العبد بنفسه وهواه وأوجب عليه جهادهما في اللَّه، فهو كل وقت في مجاهدة نفسه حتى يأتي بالشكر المأمور به، ويصبر عن الهوى المنهي عن طاعته، فلا ينفك العبد عنهما، غنيًّا كان أو فقيرًا، معافى أو مبتلى.» 📖 | #عدة_الصابرين (٢٢٨-٢٣٠)
قال ابْـنُ القَيِّـمُ -رَحِمَـهُ الله-: «وإذا تنازع الزوجان في متاع البيت، أو الصانعان في حانوتٍ، كان القولُ قولَ مَنْ يدّعي منهما ما يَصلحُ له وَحدهُ؛ لغَلَبة الظنّ القريب من القطع باختصاصه به. وكذلك لو رأينا رجلًا شريفًا حاسِرَ الرأس، وأمامَه داعِرٌ على رأسه عمامةٌ، وبيده عمامةٌ لا تليق به، وهو هاربٌ، فتقديمُ يدِه على الظن المستفاد من كَوْنها يدًا عاديةً مما يُقطعُ ببطلانه. وكذلك فقيهٌ له كتبٌ في دارِه، وامرأتهُ غير معروفة بشيء من ذلك البتة، فتقديمُ يدها على شاهد حال الفقيه في غاية البعد. وأين الظنّ المستفاد من هذا وأمثاله إلى الظن المستفاد من النكول، ومن الظن المستفاد من اليد؟ بل أين ذاك الظن من الظن المستفاد من الشاهد واليمين؟ ومن الممتنع أن يُرتّبَ الشارعُ الأحكام على هذه الظنون، ولا يرتبها على الظنون التي هي أقوى منها بمراتبَ كثيرة، بل تكاد تقرب من القطع، كما أنه من المحال أن يُحرِّم التأفيف للوالدين، ويُبيح شَتْمهما وضربهما. وهل تقديم قولِ المدعى في القسامة إلا اعتمادًا على الظن الواجب باللَّوث؟ وقُدّم هذا الظن على ظنّ البراءة الأصلية لقوَّته. وقد حكى الله سبحانه في كتابه عن الشاهد الذي شهد من أهل امرأة العزيز، وحكم بالقرائن الظاهرة على براءة يوسف عليه السلام، وكذَّب المرأة، بقوله: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ٢٦ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ٢٧ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٦ ــ ٢٨]، وسمّى الله سبحانه ذلك آيةً، وهي أبلغُ من البينة، فقال: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥]، وحكى الله سبحانه ذلك مُقررًا له غير منكر، وذلك يدل على رضاه به..» 📖 | #إغاثة_اللهفان (٧٥٧/٢-٧٥٨)
قال ابْـنُ القَيِّـمُ -رَحِمَـهُ الله-: «ولما كان الوازع عن الكذب على نفسه مخصوصًا بالمقرّ كان إقراره حجة قاصرة عليه وعلى من يتلقى عنه؛ لكونه فَرْعَهُ. ولما كان الوازع الشرعي عامًّا بالنسبة إلى جميع الناس كان حجة عامة؛ فإن خوف الله يزعُ الشاهدَ عن الكذب في حقّ كل أحد، وكان قوله حجةً عامة لكل أحدٍ. ولما كان وازع الكذب مختصًّا بالمقرّ قُصِر عليه، فهو خاص قويّ، والشهادة عامّة ضعيفة بالنسبة إلى الإقرار، قوية بالنسبة إلى الأيدي، وإلى ما ذكرناه من الدلالات. ومعلوم أن الظنون لا تقع إلا بالأسباب، تُثيرها وتحركها. فمن أسبابها: الاستصحابُ، واطّراد العادة، أو كثرةُ وقوعها، أو قول الشاهد، أو شاهد الحال. ولا يقعُ في الظنون تعارض، وإنما يقع في أسبابها وعلاماتها. فإذا تعارضت أسبابُ الظنون: فإن حصل الشكّ لم يُحكم بشيء، وإن وُجد الظن في أحد الطرفين حُكم به، والحكم للراجح؛ لأن مرجوحيّة مقابله تدُلّ على ضعفه. فإذا تعارض سَبَبَا ظنٍّ وكان كل منهما مكذبًا للآخر تساقطا، كتعارُض البيّنتين والأمارتين. وإن لم يكن كلّ واحد منهما مكذبًا للآخر عُمل بهما على حسب الإمكان، كدابةٍ عليها راكبان، وعبدٍ مُمْسِكٍ بيديه اثنان، ودارٍ فيها ساكنان، وخَشَبةٍ لها حاملان، وجِدار متصل بملْكَين، ونظائر هذا. فإن كان أحدُهما أرجح من الآخر عُمِل بالراجح، كالشاهد مع البراءة الأصلية ومع اليد، يُقدّم عليهما لرجحانه. ولما كانت اليدُ لها مراتبُ في القوة والضعف، وكان اللّابس لثيابه، وعمامته، وخُفّه، ومِنْطَقته، ونعله، أقوى من يَدِ الجالس على البساط، والراكب على الدّابّة، ويدُ الراكب أقوى من يد السائق والقائد، ويدُ الساكن للدار أضعَفَ من تلك الأيدي، ويدُ مَنْ هو داخل الحمام والخانِ أضعف من هذا كله، قُدّم أقوى الأيدي على أضعفها. فلو كان في الدار اثنان، وتنازعا فيها، وفى لباسهما الذي عليهما، جُعلت الدار بينهما؛ لاستوائهما في اليد، وكان القولُ قولَ كل منهما في لباسه المختص به؛ لقوة يده بالقُرْب والاتصال. ولو تنازع الراكب والسائق والقائد قدّمت يد الراكب، وكذلك قال الجمهور..» 📖 | #إغاثة_اللهفان (٧٥٥/٢-٧٥٦)
قال ابْـنُ القَيِّـمُ -رَحِمَـهُ الله-: «ومن ذلك: دلالة الأيدي على الاستحقاق، اعتمادًا على الظن الغالب، مع القطع بكثرة وَضْع الأيدي عدوانًا وظلمًا، ولا سيَّما ما اطَّردت العادة بإجارته وخروجه عن يد مالكه إلى يد مستأجره، كالأراضي، والدوابّ، والحوانيت، والرّباع، والحمامات، وأن الغالب فيها الخروج عن يد مالكها، وقد اعتبرتُم اليد، وقد استشكل كثير من فُضلاء أصحابكم هذا، واعترف بأن جوابه مشكل جدًّا، ولما كان الظن المستفادُ من الشهود أقوى من الظن المستفاد من هذه الوجوه قُدِّم عليها. ولما كان الظن المستفاد من الإقرار أقْوَى من الظن المستفاد من الشهود، قُدِّم الإقرار عليها. ولذلك اكتفى كثيرٌ من الفقهاء بالمرّة الواحدة في الإقرار بالزنى والسرقة، لهذه القوة. قالوا: لأن وازع المقرّ طَبْعيٌ، ووازع الشهود شرعيٌ، والوازع الطبعي أقوى من الوازع الشرعى. وكذلك يُقبل الإقرار من المسلم، والكافر، والبر، والفاجر؛ لقيام الوازع الطبعي.» 📖 | #إغاثة_اللهفان (٧٥٤/٢-٧٥٥)
قال ابْـنُ القَيِّـمُ -رَحِمَـهُ الله-: «واكتفت الأمّة بقول المقَوِّمين فيما دَقّ وجَلّ، اعتمادًا على الظنّ المستفاد من تقويمهم. وقد اكتفى الشارعُ بتقويم اثنين في جزاء الصَّيد، واكتفى بواحد في الخرْص، واكتفى بواحد في رؤية هلال رمضان. واكتفت الأمة بقول القاسم وحده، أو بقول اثنين، وكذلك القائف، أو القائفين، واكتفت بقول المؤذن الواحد. وقد اكتفى كثير من الفقهاء بانتساب الصغير، ومَيْل طبعه إلى من ادّعاه من رجلين أو أكثر، اعتمادًا على الظن المستفاد من مَيْل طبعه، وهو من أضعف الظنون، ولذلك كان في آخر رُتب الإلحاق عندهم، عند عدم القائف. وكذلك الاعتماد في وجوب دَفع اللُّقَطَةِ أو جوازه على الظنّ المستفاد من وَصْفِ الواصف لها. وكذلك الاعتماد على أمارات الطهارة، والنجاسة، والقبلة، والاعتماد على قول الكيّال والوزَّان، وقال كثير من الفقهاء بحبس المدعى عليه بشهادة المستورَيْن إلى أن يُعَدَّلا؛ إذ الغالب من المستورين العدالة. فاستجازوا عقوبة الرجل المسلم بمثل هذا الظن. وقالوا: نسمعُ الشهادة على المقرّ بالإقرار، من غير اشتراطِ ذكرِ الشاهدين أهْلِيّة المقرّ حال إقراره؛ اعتمادًا على ظن الرشد والاختيار. وقالوا: إذا كان الجدار حائلًا بين الطريق وبين ملك المدّعي، أو بين ملكه وبين مواتٍ، اختَصّ به المدعي؛ لأن الظاهرَ أن الطريق والموات لا يحاط عليهما. وقالوا: لو كان بين الملكين جدار متصل بأبنية أحد المُلكين اتصالًا بدَواخل وترصيف، اختص به صاحب الترصيف؛ لقوة الظن من جانبه؛ إذ معه دلالتان، إحداهما: الاتصال، والثانية: التداخل والترصيف، فلو تداخل من أحد طرفيه في ملك أحدهما، ومن الطرف الآخر في الملك الأخر اشتركا فيه؛ لتساويهما في الدلالتين. وقالوا: إن الأبواب المشرّعة في الدّروب غير النافذة دالَّة على الاشتراك في الدرب إلى حدّ كل باب منها، فيكون الأول شريكًا من أول الدرب إلى بابه، والثاني شريكًا إلى بابه، والذي في آخر الدرب شريك من أول الدرب إلى بابه، قولًا واحدًا، وإلى آخر الدرب على الصحيح وعلى كلٍّ؛ بناءً على الظنّ المستفاد من الاستطراق، وأنه بِحَقٍّ. وقالوا: إن الأجنحة المطِلّة على مُلك الجار وعلى الدروب غير النافذة، أنها ملك لأصحابها؛ اعتمادًا على غلبة الظن بذلك، وأنها وضعت باستحقاق. وكذلك القنوات والجداولُ الجارية في ملك الغير دالَّةٌ على اختصاصها بأرباب المياه؛ بناءً على الظن المستفاد من ذلك، وأن صورها دالَّة على أنها وُضعت باستحقاق.» 📖 | #إغاثة_اللهفان (٧٥٣/٢-٧٥٤)
قال ابْـنُ القَيِّـمُ -رَحِمَـهُ الله-: «إذا عُرف هذا فكلٌّ من الصبر والشكر داخل في حقيقة الآخر لا يمكن وجوده إلا به، وإنما يُعبر عن أحدهما باسمه الخاص به باعتبار الأغلب عليه والأظهر منه، وإلا فحقيقة الشكر إنما يلتئم من الصبر والإرادة والفعل، فإن الشكر هو العمل بطاعة اللَّه عزوجل وترك معصيته، والصبر أصل ذلك. فالصبر على الطاعة وعن المعصية هو عين الشكر، وإذا كان الصبر مأمورًا به، فأداؤه هو الشكر.» 📖 | #عدة_الصابرين (٢٢٧)
قال ابْـنُ القَيِّـمُ -رَحِمَـهُ الله-: «وبالجملة، فمبنى الحكم في الدعاوَى على غَلبة الظنّ المستفاد من براءة الأصل تارة، ومن الإقرار تارة، ومن البينة تارة، ومن النكول مع يمين الطالب المردودة، أو بدونها، وهذا كله مما يُبيِّن الحق ظاهرًا؛ فهو بَينة، وتخصيص البَينة بالشهود عرفٌ خاص، وإلا فالبينة اسمٌ لما يبيِّن الحقّ، فمن كان ظنُّ الصدق من جانبه أقوى كان بالحكم أولى، ولهذا قدّمنا جانب المدّعى عليه، حيث لا بينة، ولا إقرار، ولا نُكول، ولا شاهد حال، استنادًا إلى الظن المستفاد من البراءة الأصلية. فإن كان في جانب المدّعي بَيّنةٌ شرعية قُدّم؛ لقوة الظن في جانبه بالبينة. وكذلك إذا كان في جانبه قرينةٌ ظاهرةٌ كاللَّوْث قُدِّم جانبه. وكذلك قُدِّم جانبه في اللِّعان إذا نكلت المرأة؛ فإنها تُرجَم بأيمانه، لقوّة الظن في جانبه بإقدامه على اللعان، مع نكول المرأة عن دفع الحدّ والعار عنها باليمين. وقد أجمع الناس على جواز وطء المرأة التي تُزَفّ إلى الزوج ليلة العُرْس، وإن لم يكن رآها، ولا وُصفَتْ له، من غير اشتراط شاهدَيْ عدل يشهدان أنها هي امرأته التي وقع عليها العقد، اكتفاءً بالظن الغالب، بل بالقَطْع المستفاد من شاهد الحال. وكذلك يجوز الأكلُ من الهدْي المنحور إذا كان بالفلاة، ولا أحدَ عنده، اكتفاءً بشاهدِ الحال. وكذلك دَرَجَ السلفُ والخلف على جوازِ أكل الفقير مما يدفعه إليه الصبيّ ويخرجُهُ من البيت من كِسرةٍ ونحوها، اعتمادًا على شاهدِ الحال. وكذلك يُكتفَى بشاهدِ الحال في بيع المحقَّرات بالمعاطاة، وهو عمل الأمة قديمًا وحديثًا. واكتفى الشارع بسكوت البكر في الاستئذان، وجعله دليلًا على رضاها، اكتفاءً بشاهد الحال. واكتفت الأمَّة في الاعتماد على المعاملات، والهدايا، والتبرعات، بكونها بيد الباذل؛ لأن دلالتها على ملكه تورثُ ظنًّا ظاهرًا. واكتفتْ بمعاملة مجهول الحرية والرُّشد، وإقراره، وأكل طعامه، وقبول هديته، وإباحة الدخول إلى منزله، اعتمادًا على شاهد الحال، والظن الغالب. واكتفى الشارعُ بقول الخارص الواحد في مَحَلِّ الظن والخَرْصِ ، نظرًا إلى الظن المستفاد من خَرْصه.» 📖 | #إغاثة_اللهفان (٧٥١/٢-٧٥٢)
قال ابْـنُ القَيِّـمُ -رَحِمَـهُ الله-: «وشكر العبد يدور على ثلاثة أركان، لا يكون شكورًا إلا بمجموعها: أحدها: اعترافه بنعمة اللَّه عليه. والثاني: الثناء عليه بها. والثالث: الاستعانة بها على مرضاته. وأما قول الناس في الشكر: فقالت طائفة: "هو الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع". وقيل: "الشكر: الثناءُ على المحسن بذكر إحسانه إليه، فشكر العبد للَّه ثناؤه عليه بذكر إحسانه إليه". وقيل: "شكر النعمة مشاهدة المنة، وحفظ الحرمة، والقيام بالخدمة". وقيل: "شكر النعمة أن ترى نفسك فيها طفيليًّا". وقيل: "الشكر معرفة العجز عن الشكر". ويقال: "الشكر على الشكر أتم من الشكر، وذلك بأن ترى شكرك بتوفيقه، وذلك التوفيق من أجلّ النعم عليك، فتشكره على الشكر، ثم تشكره على شكر الشكر إلى ما لا يتناهى. وقيل: "الشكر إضافة النعم إلى موليها بنعت الإستكانة". وقال الجنيد: "الشكر أن لا ترى نفسك للنعمة أهلًا". وقيل: "الشكر استفراغ الطاقة في الطاعة". وقيل: "الشاكر الذي يشكر على الموجود والشكور الذي يشكر على المفقود". ويقال: "الشاكر الذي يشكر على الرفد، والشكور الذي يشكر على الردّ". وقيل: "الشاكر الذي يشكر على النفع، والشكور الذي يشكر على المنع". وقيل: "الشاكر الذي يشكر على العطاء، والشكور الذي يشكر على البلاء". وقال الجنيد: "كنت بين يدي السّري ألعب، وأنا ابن سبع سنين، وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر، فقال لي: يا غلام، ما الشكر؟ فقلت: أن لا تعصي اللَّه بنعمه،فقال: يوشك أن يكون حظك من اللَّه لسانك. فلا أزال أبكي على هذه الكلمة التي قالها السري". وقال الشبلي: "الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعم". وهذا ليس بجيد، بل من تمام الشكر أن تشهد النعمة من المنعم. وقيل: "الشكر قيد الموجود وصيد المفقود". وقال أبو عثمان: "شكر العامة على المطعم والملبس، وشكر الخواص على ما يرد على قلوبهم من المعاني". وحبَس السلطان رجلًا، فأرسل إليه صاحبه:اشكر اللَّه. فضُرب، فأرسل إليه: اشكر اللَّه. فجيء بمحبوس مجوسي مبطون، فقُيّد وجعل حلقة من قيده في رجلِه وحلقة في قيد الرّجل المذكور، فكان المجوسي يقوم بالليل مرات فيحتاج الرجل أن يقف على رأسه حتى يفرغ، فكتب إليه صاحبه: اشكر اللَّه. فقال له: إلى متى تقول: اشكر اللَّه، وأي بلاء فوق هذا؟ فقال: ولو وُضع الزّنَّار الذي في وسطه في وسطك، كما وُضع القيد الذي في رجله في رجلك ماذا كنت تصنع؟ فاشكر اللَّه. ودخل رجل على سهل بن عبد اللَّه فقال: إن اللّصَّ دخل داري وأخذ متاعي، فقال: اشكر اللَّه، فلو دخل اللصّ قلبك -وهو الشيطان- وأفسد عليك التوحيد ماذا كنت تصنع؟!. وقيل: "الشكر التلذذ بثنائه على ما لم يستوجبه من عطائه". وقيل: "إذا قصرت يداك عن المكافأة، فليطل لسانك بالشكر". وقيل: "أربعة لا ثمرة لها: مُسارّة الأصم، ووضع النعمة عند من لا يشكرها، والبذر في السّباخ، والسراج في الشمس". والشكر يتعلق بالقلب واللسان والجوارح: فالقلب للمعرفة والمحبة، واللسان للثناء والحمد، والجوارح لاستعمالها في طاعة المشكور وكفها عن معاصيه. قال الشاعر: أفادتكم النّعماء عندي ثلاثة يدي ولساني والضّمير المُحجّبا والشكر أخص بالأفعال، والحمد أخص بالأقوال. وسبب الحمد أعمّ من سبب الشكر، ومتعلق الشكر وما به الشكر أعمّ مما به الحمد. فما يحمد الرب تعالى عليه أعمّ مما يشكر عليه، فإنه يحمد على أسمائه وصفاته وأفعاله ونعمه، ويشكر على نعمه. وما يحمد به أخصّ مما يشكر به، فإنه يشكر بالقلب واللسان والجوارح، ويحمد بالقلب واللسان.» 📖 | #عدة_الصابرين (٢٢٤-٢٢٧)