tgindex
د. عبد الله بن عبده العواضي

د. عبد الله بن عبده العواضي

Статистика
@alawadi3Книгиарабский
Последний пост
14 авг.
Последнее чтение
15 авг.
Постов за неделю
7
Всего постов
56
Тип
открытый
Язык
арабский
Категория
Книги (по похожим)
В каталоге с
13 авг.
Подписчики
1 738
+216 за 4 дн.
Сутки
+56
+3,33%
Неделя
 
Месяц
 
Просмотров на пост
246
40 постов
Вовлечённость
14,2%
к подписчикам
Постов в день
1,0
всего 56
Упоминаний
2
каналов
Охват размещения
оценка
1/24сутки в ленте
70
1/48двое суток
80
1/72трое суток
86

Оценка по просмотрам недавних постов: пост набирает почти всё за первые сутки.

Посты

  • قال الشاعر: إن الأمورَ إذا اشتدتْ مسالُكها ... فالصبرُ يفتح منها كلَّ ما اُرتُتجا لا تيأسنَّ وإن طالت مطالبةٌ ... إذا استعنتَ بصبرٍ أن ترى فَرَجا أخلِقْ بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومُدمنِ القرْع للأبوابِ أن يلجا() قال علي رضي الله عنه: "عند تناهي الشدة تكون الفرجة، وعند تضايق البلاء، يكون الرخاء، ومع العسر يكون اليسر"(). خفِّضِ الجأشَ واصبرنَّ رويداً ... فالرزايا إذا توالتْ تولَّتْ() أيها الإخوة الفضلاء، ثم يقول الله تعالى: ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾[الشرح:7-8]. هذه ختام هذه السورة الكريمة؛ فبعد أن عدّد الله نعمه العظيمة على نبيه ومصطفاه، وبشّره بحصول الرخاء والفرج بعد شدائده وبلاياه؛ أمره بشكره عمليًا؛ وذلك بالإقبال على عبادته، وإدامة التقرب إليه، وتوجه رغبته واعتماده عليه. فقال له سبحانه: ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ يعني: إذا انتهيت من أشغال دنياك فجدَّ واجتهد في العمل لأُخراك، أو فرغت من طاعة من الطاعات فأقبِلْ على طاعة أخرى، ولا تبقَ فارغًا؛ فإن الفراغ مهلكة. وهذا فيه حث لنا-أيها الفضلاء-على استغلال الوقت فيما ينفعنا، وأن لا نكون من أهل إضاعة الوقت؛ فإن تضييعه إنما هو تضيع للعمر، فالوقت نعمة، وشكرها استغلالها في الخير. وقد جاء في صحيح البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ). "قال عمر رضي الله عنه: إني أكره الرجل أن أراه يمشي سبهللاً أي: لا في أمر الدنيا، ولا في أمر آخرة"(). ثم يقول الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾ يعني: اجعل رغبتك وتعلقك ورجاءك في الله وحده، لا في الخلق، فإذا كان المشركون يعلقون آمالهم بأصنامهم، ويطلبون منها حاجاتهم؛ فأنت معك الله الرب العظيم الكريم الغني، الذي بيده كل شيء. وفي هذا تعليم للمسلم أن يكون رجاؤه دائمًا في الله تعالى لا في سواه، فإذا سأل فليسأل الله، وإذا استعان فليستعن بالله. وكما قيل: إليك وإلا لا تشد الركائبُ ... ومنك وإلا فالمؤمِّل خائب وفيك وإلا فالرجاء مخيَّبٌ ... وعنك وإلا فالمحدِّث كاذبُ فيا عباد الله، تأملوا في سورة الشرح وتدبروها، واعلموا عظمة نعم الله على رسوله فيها، لتزدادوا له تعظيمًا إلى تعظيمه، واستبشروا باليسر إذا أعسرتم وصبرتم، وأقبلوا على طاعة الله إذا فرغتم، وعلِّقوا بالله وحده الرجاء إذا رجوتم ورغبتم. نسأل الله أن يعيننا على فعل الخيرات، وترك المساوئ والمنكرات. هذا وصلوا على نبينا الهادي البشير...

  • وكما جاء في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا). عليه صلاة الله وسلامه عدد ما خلق، وعدد مارزق. ومِن رفعِ ذِكره عليه الصلاة والسلام: بقاء تلاوة حديثه الشريف وحفظه، ودراسة سيرته العطرة في كل بلاد، وعلى كل لسان. ومِن رفعِ ذِكره عليه الصلاة والسلام: ذكره لدى الأنبياء السابقين؛ فقد كان معلومًا لديهم ولدى أتباعهم، بل أخذ الله على الأنبياء الميثاق أنه إذا بعث فيهم أن يؤمنوا به؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴾[آل عمران:81]. "قال علي بن أبي طالب وابن عمه ابن عباس رضي الله عنهما: ما بعث الله نبيًا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم وهو حي ليؤمنن به وينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته: لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه"(). ومِن رفعِ ذِكره عليه الصلاة والسلام: كثرة التسمي باسمه بين المسلمين، فقل أن يوجد بيت مسلم يخلو من اسم محمد، لاسيما في البلدان العربية. ومِن رفعِ ذِكره عليه الصلاة والسلام: الخصائص التي اختص بها عليه الصلاة والسلام على سائر الأنبياء في الدنيا والآخرة، والخصائص التي اختص بها دون أمته كذلك في الدنيا والآخرة. صلى عليه اللهُ جل جلاله .. ما ظلَّ في الدنيا نهارٌ مشرق فهو السنا عمَّ الزمانَ بهاؤه .. فترحّل الليل البهيم المرهقُ نسأل الله أن يجعلنا سائرين في صراطه المستقيم، وأن يميتنا على نهجه القويم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: أيها المسلمون، ثم يقول ربنا العظيم: ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾[الشرح:5-6]. يقول الله تعالى لنبيه الكريم: إذا علمت ما تقدم فاعلم أن العسر إلى يسر، وأن الشدة إلى رخاء؛ وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام رضي الله عنهم كانوا في مكة يعانون من الشدة والعسر بسبب إيذاء قريش وتسلطها؛ فكم سامت أهل الإيمان ألوان النكال، بل آذت رسول الله بالأقوال والأفعال. فكان في هاتين الآيتين الكريمتين فتحٌ لباب الأمل المنير من ضيق الظلام الكبير؛ بأن العسر غير دائم، وأن اليسر لابد قادم؛ من أجل أن يصبروا، حتى يأتي فرج الله الموعود. فامتثل النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام ذلك ثلاث عشرة سنة، حتى أذن الله بالهجرة إلى المدينة، وهناك جاء اليسر بعد العسر. قال بعض المفسرين عند قوله تعالى: "﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾: كان أصحاب النبيّ عليه السلام في ضيق شديد، فأعلمهم الله أنّهم سيوسرون، وأنهم سيفتح عليهم، ففتح الله عليهم، وأبدلهم بالعسر يسرا"(). وتأملوا –رحمكم الله- في تكرار العسر واليسر؛ فإن العسر ذُكِر مُعرَّفًا بالألف واللام مرتين في الآيتين، وأما اليسر فقد ذُكر مرتين كذلك، ولكنه ذُكر منكرّاً، فهل هناك فرق في الاستعمالين؟ يقول العلماء: إن الاسم إذا ذُكر مرتين معرّفًا فإن الثاني هو الأول، وإن ذكر منكراً مرتين أيضًا فالثاني غير الأول غالبا، بمعنى: أن العسر في الآيتين واحد، وأما اليسر فهو يسران، أي: أن العسر مصحوب بيسرين، لكي يخف؛ ولذلك قيل: لن يغلب عسر يسرين، ففي هذا بشارة بغلبة اليسر للعسر(). روى مالك في الموطأ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: كَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، يَذْكُرُ لَهُ جُمُوعاً مِنَ الرُّومِ، وَمَا يَتَخَوَّفُ مِنْهُمْ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ مَهْمَا يَنْزِلْ بِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ مِنْ مُنْزَلِ شِدَّةٍ، يَجْعَلِ اللهُ لَهُ بَعْدَهُ فَرَجاً. وَإِنَّهُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ. وَأَنَّ اللهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾[آل عمران:200]. أيها المؤمنون، إن قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾[الشرح:5-6]، تطمين للمؤمن المبتلى بأي بلاء بأن بلاءه موعود بالعافية والفرج، ما دام على بلائه صابرًا محتسبًا، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (... واعلم أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ , وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يَسِّرَا)().

  • ولا يَبْعُد-معشر المسلمين-أن يكون مِن شرحِ الله صدرَ نبيه الكريم أيضًا: ما حصل من حوادث شق الصدر الشريف أربع مرات، في سنوات عمرية مختلفة. وتأملوا-رعاكم الله- في قوله سبحانه: ﴿ألم نشرح﴾ إنه استفهام تقريري، خاطب الله به نبيه؛ تذكيراً له بأمر عظيم يَعرِفه، فيه نعمةٌ عظيمة عليه. وقوله:﴿نشرح﴾ جاء هذا الفعل بنون العظمة؛ لبيان عظمة هذا الشرح وجلالة قدره؛ لأن عظمة النعمة بعظمة المنعِم، فعندما يكون الانشراح من عند الله فإنه عظيم. وقوله: ﴿لك﴾ فيه تكريم للنبي الأمين بأنه فعل ذلك الشرح لأجله ونفعه، وتقديم الجار والمجرور على المفعول للمسارعة إلى إدخال السرور على قلب الرسول عليه الصلاة والسلام. وهنا قال سبحانه: ﴿صدرك﴾ ولم يقل: قلبك؛ لأن الصدر محل الوسوسة في الإنسان؛ كما قال تعالى عن الشيطان: ﴿ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ﴾[الناس:5]، فالصدر حصن القلب، فمتى دخله الشيطان بث فيه الهموم والحرص فحينئذ يضيق القلب، فإذا دُفع الشيطان عن أبواب الحصن استراح القلب. وإذا نظرنا إلى قوله سبحانه: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ نلاحظ أنه عطاء عظيم من الله تعالى لنبينا محمد جاءه من غير سؤال، وأما موسى عليه السلام فقد تعالى عنه:﴿ قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾[طه:25]. فكان في هذا مزية جليلة للمصطفى عليه الصلاة والسلام(). أيها المؤمنون، ثم يقول جل وعلا: ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * ﴿ الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ ﴾[الشرح:2-3]. هذه نعمة جديدة من نعم الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم، وهي: أن الله جل وعلا حين بعثه رسولاً أذهب عنه ثقل أعباء الرسالة وشدة عنائها، وعصمه من الذنوب وسوء آثارها، وأزاح عنه حيرة الجاهلية وبؤس أيامها، ولولا ذلك لأثقلت نفسَه الكروب، وأرهقت روحَه الذنوب. فما أجلَّ نِعم الله عليه، وما أجزل مِننه الواصلة إليه! قال تعالى: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾[الفتح:1-3]. وفي حديث استشفاع الناس بالأنبياء والرسل يوم القيامة جاء في صحيح ابن حبان بسند صحيح: قال: (... فيقول عيسى عليه السلام: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَبْدٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ: فَيَأْتُونِي، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيَأْذَنُ لِي...) الحديث. عباد الله، ثم يقول سبحانه وتعالى: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾[الشرح:4]. ما أعظم هذا الوسام، وما أجل هذا الإكرام، الذي ناله نبينا عليه الصلاة والسلام؛ إنه وسام سامٍ من رب العالمين، وليس من أحد من المخلوقين، وقد ذكره بصيغة الفعل الماضي ليدل على تقدم هذا الرفع، وأنه سيبقى أبد الآباد، ثم أيضًا لم يأت النص القرآني العظيم فيقول: ورفعنا لك اسمك، بل جاء برفع الذكر الذي هو حسن الصيت؛ ليعم كل ما يخص رسولنا عليه الصلاة والسلام. ومعنى رفع ذِكره عليه الصلاة والسلام: إعلاء شأنه وقدره في العالمين، وجعله في المكان السامي بين المخلوقين، وتخليد ذكره في كل جيل يأتي إلى يوم القيامة، فيبقى بذلك معروفًا غير منكور، مشهوراً غير مجهول. ومِن رفعِ ذِكره صلى الله عليه وسلم: ذكر اسمه مقرونًا بذكر اسم الله، فلا يذكر الله إلا ذكر معه؛ كذكره في الأذان والإقامة للصلوات، وفي خطب الجمع والمناسبات، والدروس والمحاضرات، وغير ذلك. قال حسان رضي الله عنه: أغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خَاتَمٌ .. مِنَ اللَّهِ مَشْهُودٌ يَلُوحُ ويَشْهَدُ وضمَّ الإلهُ اسمَ النبيّ إلى اسمهِ .. إذا قَالَ في الخَمْسِ المُؤذِّنُ أشْهَدُ وشقّ لهُ منِ إسمهِ ليجلّهُ .. فذو العرشِ محمودٌ وهذا محمدُ() ألا ترون -معشر المسلمين-أن صوت الأذان يتردد اليوم في كثير من بقاع الأرض، وأن الحديث عن رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام حاضر دومًا على في كثير من اللغات التي يتكلم بها الأنام. ومِن رفعِ ذِكره عليه الصلاة والسلام: أنه عُرف بين قومه قبل بعثته بطيب الخصال، وحسن الخلال، فلما بعث لم يزدد من ذلك إلا طيبًا وحسنا، فصار معروفًا بينهم بكل فضيلة، فلم يجد فيه أعداؤه مغمزاً، ولم يأخذوا عليه عثرة، ولم يعيروه بمسبّة. وصدق من قال: وَشَمَائِلٌ شَهِدَ العَدُوُّ بِفَضْلِهَا .. وَالفَضلُ مَا شَهِدَتْ بِهِ الأعْدَاءُ ومن رفع ذكره عليه الصلاة والسلام: كثرة الصلاة عليه في كل موطن يذكر فيه صلى الله عليه وسلم؛ عملاً بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[الأحزاب:56].

  • ثناء الله تعالى ونِعمُه على رسولنا الكريم في سورة الشَّرْح () د. عبد الله العواضي إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾[آل عمران102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾[النساء1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾[الأحزاب70-71]. أيها الناس، يقول الله تعالى في كتابه الكريم: بسم الرحمن الرحيم﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾[الشرح:1-8]. هذه سورة الشرح، أو الانشراح، أو ألم نشرح، سورة يتجلى فيها ثناء الله العظيم، على نبينا الهادي الكريم، بما منَّ سبحانه وتعالى عليه به من النِّعم التي ترفعه مكانا عليّا، وتبقي ذكره في الناس حَسنًا نديا. وقد نزلت هذه السورة الكريمة بعد سورة الضحى؛ لما بينهما من الارتباط الوثيق؛ فهي متممة لعبارات الثناء على سيد الأنبياء، وذاكرة نعمًا عليه مضافة إلى ما تقدم في سورة الضحى، وكل ذلك تدليل واضح على صدق نبوته، وبرهان مفصح عن صحة رسالته، وتثبيت له على الاستمرار في دعوة المشركين، إلى توحيد رب العالمين. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (سَأَلْتُ رَبِّي مَسْأَلَةً، وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَسْأَلْهُ، قُلْتُ: يَا رَبُّ، قَدْ كَانَتْ قَبْلِي رُسُلٌ، مِنْهُمْ مَنْ سَخَّرْتَ لَهُ الرِّيَاحَ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى. قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُكُ؟ أَلَمْ أَجِدْكَ ضَالًّا فَهَدَيْتُكَ؟ أَلَمْ أَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ؟ وَوَضَعْتُ عَنْكَ وِزْرَكَ؟ قُلْتُ: بَلَى، يَا رَبُّ)(). وسورة الشرح-معشر الكرام- سورة مكية، عدد آياتها: ثمان آيات، وعدد كلماتها: ست وعشرون كلمة، وعدد حروفها: مائة وخمسون حرفًا. يدور حديث هذه السورة الكريمة على موضوع واحد هو الحديث عن نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، مبينة ما أنعم به عليه الكريم العلام؛ من إزالة الضيق عن نفسه، بإفساح صدره، ورفع الغم عنه في طريق دعوته، وإعلان حمده وذكره، وتبشيره بأن ما سيلقى من الحرج والعسر؛ سيتلوه الفرج واليسر، وأمره بأن ينشغل بعبادة ربه، ويجدَّ فيما يقربه إليه، وأن يتضرع بين يديه، ويطلب حاجاته منه وحده لا من غيره. أيها المسلمون، يقول الله تعالى لنبيه الكريم: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾[الشرح:1]. تأملوا في هذه الجملة القرآنية الوجيزة في مبناها، الفسيحة في معناها، إنها جملة امتنان من الرحيم الرحمن، يخاطب بها نبيه محمدا. يقول له: لقد علمت أني شرحت لك صدرك بالنور والمعرفة والإيمان، والحكمة والنقاء والقرآن، فصار قلبك رحبًا فسيحاً، لا يضيق بالهموم والضجر؛ لأنك بُعثت إلى الأسود والأحمر، والإنس والجن، فكان لابد لهذا الهم الأكبر من قلب فسيح. لهذا لما شرح الله صدر رسوله وسع صدره الشريف أخلاقَ الناس أجمعين، فصفح عن المخطئين، وحَلُم عن الجاهلين، ورحم الضعفاء والمساكين، وأعطى السائلين، وجاد على المؤمِّلين، واحتمل إيذاء الأعداء، وثِقلَ أهل الجفاء. وقد تواترت عليه الهموم والأزمات فلم تسرق منه ابتسامه وانشراحه، وتكالبت عليه الحوادث والمصيبات فما ضيقت من قلبه الرحيب انفساحه. وقد ظل مع كل ذلك متواضعًا رحيمًا، فلم يصر فظًا غليظاً، ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾[آل عمران:159]. فيا سعادة من شرح الله صدره فاتسع للحق وانفسح، ولم تضيقه الغموم والمعضلات ولو عظمت وكثرت، يقول الله تعالى:﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ﴾[الأنعام:125]، وقال: ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾[الزمر:22].

  • без подписи

  • без подписи

  • سلسلة المحاضرات الإيمانية والتربوية(١) (الحياء من الإيمان). عناصر المادة: 1- تعريف الحياء وبيان معناه، والفرق بينه وبين الخجل. 2-أنواع الحياء وأقسامه. 3-فضائل الحياء وأهميته. 4-مظاهر قلة الحياء وأسبابها. 5-المرأة والحياء. 6-آثار التحلي بالحياء وثمرات الاتصاف به. 7-الأسباب المعينة على التخلق بالحياء. 👇

  • ( للعقلاء فقط) ✍️ د. عبد الله العواضي بعضُ ما تُخفي الليالي..غيرُ ما يُبدي ضُحاها في حشاها للبواكي.. ما يُداوي مِن أساها ولباغي الشرِّ فيها.. مؤلِماتٌ لا تُضاهى لا تظنَّ الصبحَ يَحكي.. عن ليالٍ قد تلاها في سجوفِ الغيبِ أسرا.. رٌ جهلْنا محتواها حَجْبُ هذا الغيبِ نُعمَى..لستَ تدري منتهاها لو درينا ما قطعنا..رحلةَ الدنيا وراها أو وجدنا لنفوس.. في معاش مشتهاها بالرجا نقضي حياة..دون يأس من ضياها حين تكسونا الدياجي.. وتُرينا مِن بلاها لا يدوم العيش سعداً..أو شقاءً قد تناهى إنما الدنيا فصول.. في هناها أو شقاها

  • صدور كتاب جديد: قال ابن جني في المنصف: " وهذا القبيل من العلم -أعني التصريف- يحتاج إليه جميع أهل العربية أتم حاجة، وبهم إليه أشد فاقة؛ لأنه ميزان العربية، وبه تعرف أصول كلام العرب من الزوائد الداخلة عليها". وقال ابن مالك في الإيجاز: " فإنَّ التَّصريف علمٌ تتشوَّفُ إليه الهِمَم العليِّة، ويتوقَّف عليه وضوح الحِكَم العربية، ويفتح من أبواب النَّحو ما كان مُقْفَلا، ويُفَصِّل مِنْ أصوله ما كان مُجْمَلا". أما بعد، فهذا كتاب" بهجة الطرف" شرحتُ به متن" عنوان الظرف في فن الصرف"، شرحًا ميسراً، فتحت مغلقه، وبينت مجمله، ووضحت أمثلته، وتوجته بفوائد زوائد تعين على فهم مقاصده، وتقرّب ما ندَّ من فوائده.

  • بهجة الطرف.pdf

  • без подписи

  • без подписи

  • فيا عباد الله، اقرأوا سورة الضحى وتدبروها، وتأملوا في نعم الله على رسوله فيها وعوها؛ حتى تزداد محبتنا لنبينا الكريم، ونصدق في سيرنا على منهاجه القويم، وكونوا من أهل الزهادة في الدنيا، والرغبة في الآخرة، وأحسنوا إلى الأيتام والسائلين، والْهجوا بشكر الله رب العالمين. جعلني الله وإياكم من المتدبرين لكتابه المبين، الصادقين في اتباع رسوله الأمين. هذا وصلوا وسلموا على النبي المختار...

  • فلما تجرأ عليه سفهاء قريش بعد وفاة أبي طالب اختار الله له الهجرة إلى المدينة حيث الأنصار من الأوس والخزرج، فلقي هناك الأمن والمأوى، والمعونة والنصرة، والقوة والمنعة، إلى أن توفاه الله تعالى. نسأل الله أن ينفعنا بما سمعنا. قلت ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم. الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: أيها المسلمون، ثم يقول الله تعالى لرسوله الكريم: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ يقول: لقد كنتَ غيرَ عالمٍ بمعالم الشريعة الغراء، جاهلاً بالنبوة التي حباك الله بها، فهداك حينئذ إلى معرفة شرائع الإسلام، وعلّمك ما فيه بإرسالك إلى جميع الأنام. ويدل على هذا: قول الله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾[الشورى:52]، وقوله: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ﴾[يوسف:3]، وقوله: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾[النساء:113]. وليس المقصود بالضلال اتباع الباطل؛ فإن الأنبياء معصومون من ذلك قبل النبوة وبعدها، فلقد ألهم الله رسولنا الأمين المعرفة بضلال ما كان عليه قومه من الشرك وأعمال الجاهلية النكراء، فنشأ كارهًا لذلك، نائيًا عنه، حتى أرسله الله رحمة للعالمين. ثم يقول له جل وعلا: ﴿ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴾ أي: كنت فقيرًا لا مال لك، فأعطاك الله ما يكفيك من المال، ففي صغرك كفاك بجدك وعمك، فكفياك الحاجة، وفي حال شبابك كفاك بالعمل في رعي الأغنام والتجارة في مال خديجة، وبعد زواجك بها كفاك بمالها لتتفرغ لدعوة الناس إليه، حتى منَّ عليك بعد ذلك بالغنائم. وأغناك سبحانه بما هو أهم من ذلك كله ألا وهو غنى النفس، فعشت قنوعًا غير طموع، جواداً غير هلوع. والغنى الحقيقي إنما هو غنى النفس؛ ففي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَلَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ). قال الشافعي رحمه الله: رأيتُ القناعةَ رأسَ الغِنَى ... فصِرْتُ بأذيالِها ممتَسِكْ فلا ذا يرانِي على بابِهِ ... ولا ذا يرانِي به منهَمِكْ فصِرْتُ غنِيًّا بلا دِرْهَمٍ ... أمُرُّ علَى الناسِ شبهَ الملكْ() أيها المؤمنون، بعد أن عدَّد الله تعالى لرسوله الكريم عليه الصلاة والسلام شيئًا من آلائه عليه؛ أمره جل وعلا بشكر هذه النعم شكراً عمليًا فقال له: ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾، يعني: إذا أقررت بما تقدم ذكره من نعم الله عليك فاشكره سبحانه على ذلك؛ فقال له: ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ أي: لا تذل اليتيم، ولا تظلمه، ولا تحقره، وهذا لا يمكن أن يكون من الرسول الكريم، الرؤوف الرحيم، وهو القائل-كما في صحيح مسلم-: (كَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ)، وإنما المقصود أمته؛ حتى يتقوا الله في اليتامى، ولاسيما من كان يتيماً في صغره. ثم قال له: ﴿ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ يعني: لا تزجر السائل إذا أتاك، ولا تسء إليه متى وافاك؛ فإن له حقًا من علمك إن كان سائلَ معرفةٍ، وحقًا من مالك إن كان سائل عطية، فمِن شكرِ الله على نعمة الهداية: تعليم الجاهل، وإجابة السائل، ومن شكر الله على نعمة الكفاية والغنى: إعطاء المحتاجين، وسد فاقة المساكين. ثم قال له جل جلاله: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾، يعني: أخبرْ بنعمة الله عليك؛ اعترافًا بفضله ونعمته، وشكراً له على كرمه وعطيته، من غير تفاخر ولا رياء إذا حدثت، ومن دون خشية مضرة متى أعلنت. قال بعض أهل العلم: " وقال الحسن:" أكثروا من ذكر هذه النعم؛ فإن ذكرها شكر"، وقد أمر الله تعالى نبيه أن يحدث بنعمة ربه فقال: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾[الضحى:11]، والله تعالى يحب من عبده أن يرى عليه أثر نعمته؛ فإن ذلك شكرها بلسان الحال"(). عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ نَضْلَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا قَشِفُ الْهَيْئَةِ, فَقَالُ: (هَلْ لَكَ مِنْ مَالٍ)؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ, قَالَ: (مِنْ أَيِّ مَالٍ)؟ قُلْتُ: مِنْ كُلٍّ قَدْ آتَانِيَ اللَّهُ مِنَ: الْإِبِلِ، وَالرَّقِيقِ، وَالْغَنَمِ, قَالَ: (إذَا آتَاكَ اللَّهُ مَالًا فَلْيُرَ عَلَيْك)().

  • فما أعلى منازل الزاهدين، وأحسن حالهم في عبادة رب العالمين!؛ عن عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: "طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا، وَالرَّاغِبِينَ فِي الْآخِرَةِ، أُولَئِكَ قَوْمٌ اتَّخَذُوا أَرْضَ اللَّهِ بِسَاطًا، وَتُرَابَهَا فِرَاشًا، وَمَاءَهَا طِيبًا، وَالْكَفَافَ شِعَارًا، وَالدُّعَاءَ دِثَارًا"(). وأحسن من اقتدى برسول الله في زهده عن الدنيا، ورغبته في الآخرة: صحابته رضي الله عنهم الذين رباهم بيده، وحرسهم بعينه؛ فعن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: "أَنْتُمْ أَكْثَرُ صِيَامًا، وَأَكْبَرُ صَلَاةً، وَأَكْثَرُ اجْتِهَادًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُمْ كَانُوا خَيْرًا مِنْكُمْ, قَالُوا: لِمَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: كَانُوا أَزْهَدَ فِي الدُّنْيَا، وَأَرْغَبَ فِي الْآخِرَةِ"(). ثم قال الله تعالى لنبيه الكريم: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾ فهذا وعد كريم بأن الله سيعطي نبيه من العطاء ما يرضيه. فما أعظم هذا العطاء من ثلاث جهات: أولاها: أنه قال:( يعطيك ربك)؛ فإن العطاء على قدر المعطي، وعطاء الله أعظم عطاء وأسخاه، وأجزله وأوفاه، وإضافة العطاء إلى الرب فضل على فضل. وثانيها: أنه لم يحدد نوع هذا العطاء الذي سيعطيه ولا قدره ولا صفته، وهذا لإفادة العموم؛ حتى يذهب الذهن في تقديره كل مذهب. وثالثها: أن هذا العطاء الذي سيتفضل به عليه سينال كامل رضاه؛ لعِظمه، وحُسنه. معشر المسلمين، إن هذا الوعد الذي وعد الله رسوله به على العموم في هاتين الآيتين من حسن الجزاء الأخروي؛ قد جاء تفصيل بعضه في نصوص أخرى؛ فقد وعده الله بالشفاعة الكبرى في عرصات القيامة لإقامة الحساب، وهو المقام المحمود، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾[الإسراء:79]. ومن ذلك أيضًا: إعطاؤه الوسيلةَ والفضيلة، وهي درجة عالية في الجنة لا تكون إلا لعبد من عباد الله، وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو رضي الله عنهما أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ: (إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لي الْوَسِيلَةَ؛ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لاَ تَنْبَغِي إِلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ)() ومن ذلك: ما تناله أمته عليه الصلاة والسلام من الخصائص يوم القيامة على سائر الأمم؛ فقد جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله عليه الصلاة والسلام بكى وقال: (اللهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي) فقال الله: (يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ، وَلَا نَسُوءُكَ ). أيها الفضلاء الكرام، وبعد هذا العطاء الموعود، من الرب المعبود؛ عدَّد الله تعالى على رسوله الكريم بعضَ نعمه إليه، وذَكرَ صوراً من فضله الواصل إليه؛ ليعلمه بذلك أنه غير تاركه ولا مودِّعه. فقد اعتنى به في حال صغره، فكيف يتركه من رعايته في حال كبره وقد صار له نبيًا رسولا؟ لهذا ذكر له سبحانه ثلاث نعم مختلفة: نعمة تربوية، ونعمة دينية، ونعمة مالية. وقد جاء ذلك بأسلوب الاستفهام التقريري، الذي قد استقر عند المخاطب به علمُه، فلا يبقى لديه إلا الاعتراف والإقرار به؛ فقال تعالى: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴾. فما أعظم هذه النعم على الإنسان، وما أجمل أثرها على الأرواح والأبدان! يقول سبحانه: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾() يعني: تذكّر يا رسول الله، أنك كنت يتيمًا لا تملك لنفسك كبير شيء ولا صغيره، فسخر لك من يقوم بحمايتك ورعايتك، وكفالتك وتربيتك. فاليتيم محط الضعف والحاجة، ومظنة القهر والضياع، وقد مات عبدُ الله والد نبينا ورسولُ الله مازال جنينًا في بطن أمه، ثم توفيت أمه وهو ابن ست سنين، فآواه الله إلى جده عبد المطلب الذي كان يوليه محبته وعطفه، وحنانه وعنايته، بل كان يفتخر به، ويقدمه على سائر بنيه، فلم يلبث لدى جده العطوف إلا سنتين تزيد قليلاً أو تنقص قليلاً، حتى مات جده، فلم يضيع الله حبيبه ورسوله محمداً، فنقل رعايته وتربيته إلى عمه الرؤوف أبي طالب، الذي لم يزل يحوطه ويحميه، وينميه ويربيه، إلى أن بعثه الله نبيًا ورسولا، فاستمر على نصرته حتى مات أبو طالب قبل الهجرة بثلاث سنين، وكل هذا الحفظ كان بتسخير الله وتقديره، وعنايته وتدبيره.

  • والضحى هو: وقت انبثاق نور الشمس من أول النهار، وهو وقت مبارك؛ ففيه صلاة الضحى التي هي من أفضل نوافل العبادات، وهو أول اليوم الذي ينشط فيه الناس إلى أسباب عيشهم في هذه الحياة. وأما الليل فقد قيد الله تعالى القسم به في حال سجوه، وهو: سكونه وهدوءه وتغطيته الكون بظلامه، وذلك حين يخلد الناس إلى الراحة بالنوم، وتقِلُّ الأصوات فيه وذلك سكونه. وتأملوا-حفظكم الله-في وجه القسم بالضحى والليل في هذه السورة التي أخلصت الحديث فيها عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ فالضحى أشرف النهار وألطفه، وصدره وأضوأه، والمقسَم لأجله هو: نبينا محمد عليه الصلاة والسلام الذي هو أشرف الخلق وأسماهم، وأزكاهم في نفسه وأنقاهم. وكما أن الضحى نور محسوس لهداية الأبصار إلى مصالح الإنسان؛ فالوحي الذي عاود النزول نورٌ لهداية البصائر لعبادة الواحد الديان. وأما الليل وتقييده بحال السجو فإن هذا الوصف إشارة إلى وقت قيام النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن، وهو الوقت الذي كان يسمع فيه المشركون قراءته من بيوتهم القريبة من بيته، أو من المسجد الحرام، عليه الصلاة والسلام(). أيها المؤمنون، ثم يقول تبارك وتعالى: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾ هذا جواب القسم، والرد القاطع على كل مشرك فيما زعم، بأن الله قد ترك سيد المرسلين، وأبغض حبيبه الأمين، فيقول الله لنبيه الكريم: ما تركك ربك ولا جفاك، ولا أبغضك منذ أن أحبك واجتباك؛ فأنت في المنزل السامي الكريم، من المحبة والمعية والتعظيم. وإنما انقطع الوحي مدة يسيرة وها هو يعود إلى الحبيب إلى ربه، والمجتبى من خلقه. فما أعظم هذه الجملة القرآنية المشرقة:﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾، وما أبردها على قلب سيد البشرية عندما نزلت عليه، كيف كان شعور رسولنا الكريم وهي تنزل على سمعه، فيحس بلذتها في نفسه، بعد أن سمع شماتة بعض المشركين بهذا الانقطاع اليسير. إنها لحظات سعيدة عاشها نبي الله عندما طرقت سمعه هذه الآية الكريمة، وفتحت له باب الشوق الكبير لمزيد من الاتصال بالملأ الأعلى، وتتابعِ نزول الوحي عليه من ربه جل وعلا. أيها الإخوة الكرام، وبعد الخبر السعيد بعودة الوحي من جديد؛ بشّر الله تعالى رسوله الأمين ببشارتين عظيمتين، ووعده وعدين كريمين؛ فقال الله سبحانه: ﴿ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾. ففي هاتين الآيتين الكريمتين ترقية لرسول الله من السرور المتقدم برجوع الوحي إلى ما هو أعظم وأجل؛ فقال له: ﴿ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى﴾ يعني: أن ما ادخره الله لك يوم القيامة من النعيم والخيرات، وجزيل الهبات والكرامات، وصور التفضيل في العرصات وفي منازل الجنات؛ هو خير لك من الدنيا وما فيها. ولذلك كان رسولنا صلى الله عليه وسلم أزهدَ الناس في الدنيا، وأرغبهم في الأخرة، فلقد عاش حياة الرضا بالقليل، في طعامه ولباسه ومسكنه، وسائر شؤون حياته، ولم تكن عينه تمتد طمعًا إلى زهرة الدنيا، ومتاعها الفاني؛ ممتثلاً قول الله تعالى: ﴿ وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾[طه:131]. وفي الصحيحين عن عمر رضي الله عنه أنه دخل على النبي عليه الصلاة والسلام فرأى الحصير قد أثر على جنبه، قال عمر: فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: (مَا يُبْكِيكَ؟) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمَا الدُّنْيَا، وَلَكَ الْآخِرَةُ). وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: نَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَصِيرٍ فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اتَّخَذْنَا لَكَ وِطَاءً، فَقَالَ: (مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا)(). وهكذا ينبغي أن يكون كل مؤمن بالآخرة، ومحبٍّ صادقٍ لنبيه عليه الصلاة والسلام؛ في رغبته عن الدنيا، واستعداده للآخرة؛ لأن الدنيا كما وصفها الله: ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى ﴾[النساء:77]. وعن الْمُسْتَوْرِدِ الفهري قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَاللهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ؟)().

  • ( رسول الهُدَى في سورة الضُّحَى) د. عبد الله العواضي. إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾[آل عمران102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾[النساء1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾[الأحزاب70-71]. أيها الناس، يقول الله تعالى في كتابه الكريم:﴿ بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ ﴾ ﴿ وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾[الضحى:1-11]. عباد الله، هذه سورة الضحى، بعد سورة (والليل إذا يغشى)، إنها سورة قليلة الآيات، كثيرة المعاني النيّرات، سورة كريمة مقصدها الأعظم: الحديث عن شخصية نبينا الأكرم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. حيث تتحدث عما حباه به ربُّه من النِّعم، وما وعده به من جليل العطايا والقِسَم. فهي تبين حب الله العظيم له عليه الصلاة والسلام، وتؤكد استمرار نزول الوحي عليه بعد أن احتبس عنه عدة أيام، وترد على المشركين الذين زعموا انقطاع الوحي عنه في ذلك العام، وتخبره بأن الآخرة خير له من الدنيا، وتبشره بالعطاء الأخروي الجزيل الذي يرضيه عندما يصير إليها، وتذكّره بنعم الله عليه بأن كان يتيمًا فآواه، ضالاً عن شرائع الإسلام فهداه، فقيراً من المال فأغناه، فيكون ذلك داعيًا له صلى الله عليه وسلم إلى إكرام اليتيم بلا قهر، وإعطاء السائل سُؤْله بلا نهر، والحديث عن نعم الله عليه في السر والجهر. إنها سورة عظيمة نزلت بعد اشتياق، فكانت لمسة رحمة وحب من العظيم الخلّاق، فكم فرح رسولنا محمد بنزولها عليه؛ لشوقه إلى استمرار اتصال الوحي به، وإرغامًا لآناف المشركين الذين كانوا قد شمتوا بتأخر نزول جبريل إليه. فما أجملَ أثرَ ذلك الضمادِ السماوي على مواجع القلب النبوي، وأحسنَ نزول ذلك التطمين والتسكين، بعد أن برّح برسول الله اللهفُ، وشدة الحنين! هذه السورة الكريمة-معشر المسلمين-عدد آياتها: إحدى عشرة آية باتفاق، وهي أربعون كلمة، ومائتان وسبعون حرفًا، ولا ناسخ فيها ولا منسوخ، نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام في مكة قبل الهجرة، بعد سورة الفجر. وفي سبب نزولها جاء حديث جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: ( أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ وَالضُّحَى* وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى* مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 1-3] ، هذه رواية مسلم، وفي رواية البخاري: قَالَ: (اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ - أَوْ ثَلاَثًا -)، فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ[ وهذه المرأة هي أم جميل زوج أبي لهب- فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ؛ لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ، أَوْ ثَلاَثَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ وَالضُّحَى* وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى* مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 1-3]. أيها المسلمون، يقول الله تعالى: ﴿ وَالضُّحَى* وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾، هذا قسم كريم من الرب العظيم؛ فقد أقسم سبحانه بالضحى، وبالليل حال سَجْوِه، ولله جل وعلا أن يقسم بما شاء من خلقه، أما الإنسان فلا يجوز له الإقسام إلا بالله تعالى فقط؛ ففي الصحيحين عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ( مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلاَ يَحْلِفْ إِلَّا بِاللَّهِ).

  • без подписи

  • المحاضرة صوتيا

  • без подписи