قَبَسات من رحم البلاء
Статистика- Последний пост
- 2 авг.
- Последнее чтение
- 15 авг.
- Постов за неделю
- 0
- Всего постов
- 32
- Тип
- открытый
- Язык
- арабский
- Категория
- Книги (по похожим)
- В каталоге с
- 13 авг.
- 1/24сутки в ленте
- 82
- 1/48двое суток
- 93
- 1/72трое суток
- 101
Оценка по просмотрам недавних постов: пост набирает почти всё за первые сутки.
Посты
من أكرمه الله بالثبات على ورد القرآن اليومي وما عاد الالتزام به عنده يحتاج مشقة ومجاهدة فإني ناصح له ألا يبقى في مكانه، بل يسعى دوماً للتطوير من نفسه والانتقال إلى مرحلة جديدة هي ورد السُّنَّة، يتلمس هديه صلى الله عليه وسلم وأحواله وأيامه بالقراءة في كتب سيرته أو متون أحاديثه، وليس شرطاً أن يكون هذا الورد يومياً، بل قد يكون يومين أو ثلاثة في الأسبوع، المهم ألا يقطع المرء قلبه فترة طويلة عن هذا المنهل العذب، فإنه شطر الوحي، وقد قال صلى الله عليه وسلم ( ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ) ومن لا يزال حتى الآن يعاني مع ورد القرآن فليُفِق، فقد اتسع الخرق على الراقع، ويوشك أن يفوته الركب إلى غير رجعة
أعرف كيف يُمكن لمُدخلٍ -على اختلاف طبيعته- أن يؤثّر على البناء الذي تشغل بهِ نفسك، وتؤخذُ به عن طريقك الذي رسمت ومهامك التي أَردت، فيعتريك بسببه شتاتٌ تتنازَع فيه عليك الأدوار، فلا تدري أتكمِلُ ما عليك أم تلتفِت، وأيُّ شيْءٍ منهُما أولى.. لذا كان هُداهم وحُسن فعالهم إذا لقيتَ مثل ما لقوا آثارًا تهدي نفسك سبيلَ سكينتها وهدوئها وأناتِها فلا تضطرب لحادثةٍ وعارضة ، فها هيَ رضيَ اللهُ عنها: ثابِتُها ثابت،، ووردها ورد.. لم تعجل بهِ لعجلة دُنياها والواقع! ولم يمنعها ذلك عن استدراكِ فُرصة الغرس التي أرادت؛ فلم يكُن منها التحسُّر على الفوات مثلًا كما قد يعتري الواحد منّا لو كان مكانها، ولم تركن لثواب النّية التي أرادت حين وجدته ذاهبًا -وإن كانت تبلُغُ بها أجرًا- ما دام الغرس لا زال مُمكنًا من جهة.. بل أبلَغتنا الدّرس فامتّد منها الأثر! هذا وقد كانَ ما سيأخُذُها عن وردِ ذكرها موطنٌ فيه خيرٌ يُرتَجى، ولفِقهها وقتها وأولويّته لم تَعجَل.. فكيف بك لو كان ما يأخُذك عن وردِ ذكرك من مُلهيات دُنياك مما لا يزيدُكَ في رصيدِ الآخرةِ مقدارَ حسنة؟!
كلما دخلنا في فترة امتحانات، واضطر المرء للتخفُّف من كثير من مقروءاته وأوراده، يصيبه من الغمّ والهمّ وقسوة القلب ما الله به عليم، والله المستعان ومما يخفف من ذلك في نظري = أن يوطِّن الواحدُ منا نفسه على بعض العبادات، القليلةِ في وقتها، العظيمِ على القلبِ…
ربط الورد اليومي من القرآن بزمنٍ معلوم (دقائق أو ساعات) خيرٌ وأزكى للقلب وأنفع من ربطه بعدد من الصفحات أو الأجزاء؛ لأن القارئ إذا دخل على ورده وهو يعلم مسبقًا موضع وقوفه، فقد تتسلل إلى نفسه رغبةُ الفراغ والإنجاز، فيقرأ وفي داخله معنى الانتهاء، لا معنى المكث بين يدي القرآن… وأما إذا جعل ورده زمنًا يعيشه مع كتاب الله، فإن الإسراع لا يختصر عليه شيئًا، ولا يقرّبه من نهاية محددة؛ فتسكن النفس، ويهدأ القلب، ويكون أهيأ للتدبر، وأقرب للاستهداء، وأصدق في صحبة القرآن؛ فالورد إقامةٌ في أنوار الوحي، ومقامُ هدايةٍ بين يدي كلام الله. الشيخ الموفَّق بلال عماد حفظه الله
без подписи
без подписи
без подписи
без подписи
وهذه المعاني كما أنها كانت زاداً لرسول الله وصحابته، فهي زادٌ للسائرين من بعدهم على نهجهم، إذ يمرُّون بالابتلاءات والأقدار العسيرة التي يصعُبُ تحمُّلها، فلا بُدَّ لهم من رضا ومن سكينة ومن تسليم ما جاءت به سورة الفتح، مع ما عندهم وما يلزمهم من الصبر الذي قرره القرآن المكِّي قبلاً. المراجع: • مقاصد السور-سورة الفتح • في ظلال القرآن-سورة الفتح
من القرآن: يُستقى ويُبنى يقول الإمام ابن القيم: ▪️تأمّل خطاب الْقُرآن تَجِد ملكا لَهُ الملك كُله وَله الحَمد كُله أزِمَّة الْأُمُور كلهَا بِيَدِهِ ومصدرها مِنْهُ ومرادها إِلَيْهِ مستوياً على سَرِير ملكه لَا تخفى عَلَيْهِ خافية فِي أقطار مَمْلَكَته عَالماً بِمَا فِي نفوس عبيده مطّلعاً على أسرارهم وعلانيتهم مُنْفَرداً بتدبير المملكة يسمع وَيرى وَيُعْطِي وَيمْنَع ويثيب ويعاقب وَيكرم ويهين ويخلق ويرزق وَيُمِيت ويحيي وَيقدر وَيَقْضِي ويدبّر الْأُمُور نازلة من عِنْده دقيقها وجليلها وصاعدة إِلَيْهِ لَا تتحرك فِي ذرّة إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تسْقط ورقة إِلَّا بِعِلْمِهِ ▪️فتأمّل كَيفَ تَجدهُ يثني على نَفسه، ويمجّد نَفسه، ويحمد نَفسه، وَينْصَح عباده، ويدلّهم على مَا فِيهِ سعادتهم وفلاحهم ويرغّبهم فِيهِ، ويحذّرهم مِمَّا فِيهِ هلاكهم، ويتعرّف إِلَيْهِم بأسمائه وَصِفَاته، ويتحبَّبُ إِلَيْهِم بنعمه وآلائه فيذكّرهم بنعمه عَلَيْهِم وَيَأْمُرهُمْ بِمَا يستوجبون بِهِ تَمامهَا، ويحذّرهم من نقمه، ويذكّرهم بِمَا أعد لَهُم من الْكَرَامَة إِن أطاعوه وَمَا أعد لَهُم مَا الْعقُوبَة إِن عصوه ▪️ويخبرهم بصنعه فِي أوليائه وأعدائه، وَكَيف كَانَت عَاقِبَة هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء، ويثني على أوليائه بِصَالح أَعْمَالهم وَأحسن أوصافهم، ويذم أعداءه بسيء أَعْمَالهم وقبيح صفاتهم، وَيضْرب الْأَمْثَال وينوّع الأدلّة والبراهين ويجيب عَن شبه أعدائه أحسن الْأَجْوِبَة، وَيصدق الصَّادِق، ويكذب الْكَاذِب، وَيَقُول الْحق، وَيهْدِي السَّبِيل، وَيَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام ..ويحذّر من دَار الْبَوَار.. وَيذكر عباده فَقرهمْ إِلَيْهِ وشدّة حَاجتهم إِلَيْهِ من كل وَجه…وَأَنه لَا ينَال أحد ذرة من الْخَبَر فَمَا فَوْقهَا إِلَّا بفضله وَرَحمته وَلَا ذرّة من الشَّرّ فَمَا فَوْقهَا إِلَّا بعدله وحكمته، وَيشْهد من خطابه عتابه لأحبابه ألطف عتاب وَأَنه مَعَ ذَلِك مقيلٌ عثراتهم، وغافرٌ زلاتهم، ومقيمٌ أعذارهم، ومصلحٌ فسادهم، والدافعُ عَنْهُم والمحامي عَنْهُم والناصر لَهُم… ▪️فَإِذا شهِدت الْقُلُوب من الْقُرْآن ملكاً عَظِيماً رحِيماً جواداً جميلاً هَذَا شَأْنه فَكيف لَا تحبّه وتنافس فِي الْقرب مِنْهُ وتنفق أنفاسها فِي التودد إِلَيْهِ، وَيكون أحب إِلَيْهَا من كل مَا سواهُ، وَرضَاهُ آثر عِنْدهَا من رضَا كل مَا سواهُ ،وَكَيف لَا تلهج بِذكرِهِ وَيصير حبه والشوق إِلَيْهِ والأنس بِهِ هُوَ غذائها وقوتها ودواؤها بِحَيْثُ إِن فقدت ذَلِك فَسدتْ وَهَلَكت وَلم تَنْفَع بحياتها. المراجع: • الفوائد- الإمام ابن القيم • الوابل الصيب-الإمام ابن القيم • ترميم النفس-د.أحمد عبد المنعم
التأله ▫️"والإله هو: الذي تألهه القلوب، محبة وإجلالاً، وإنابة، وإكراماً، وتعظيماً، وذلاً، وخضوعاً، وخوفاً، ورجاءً، وتوكلاً عليه، وسؤالاً منه، ودعاءً له، لا يصلح ذلك كله إلا لله" والتألُّه هو التعبد والتَّنسُّك ▫️في حديث سيِّد الاستغفار: "اللهمَّ أنت ربِّي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرِّ ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علَّ وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" فجمع في قوله: "أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي" مشاهدة المنَّة، ومطالعة عيب النفس والعمل ▪️فمشاهدة المنَّة: توجب له المحبَّة والحمد والشكر لوليِّ النعمة والإحسان ▪️ومطالعة عيب النفس والعمل: تُوجبُ له الذل والانكسار والافتقار والتوبة في كل وقت ▫️والعبودية مدارها على قاعدتين هما أصلها: حُبٌ كامل وذُلٌ تام ومنشأُ هذين الأصلين عن ذينك الأصلين المتقدِّمين وهما: ▪️مشاهدة المنَّة التي تُورِثُ⬅️ المحبَّة ▪️ومطالعةُ عيب النفس والعمل التي تُورِثُ ⬅️الذُلَّ التام
إبهامٌ واتِّضاح تابع (٢) معنى التألُّه ••من القرآن يُستَقَى، وبالقرآن يُبنَى•• في الأيام التي يتملَّكُني فيها شعورٌ بالخوفِ لأي سبب أو بالحزن على أيِّ فائتٍ أو مفقود، أو بكثرة التفكير والتقليب لأمورٍ أعجز عن حملها أو فهمها أو الألم الذي تبعثه الأيام في جريانها فتترك فينا قروحاً جديدة وما اندملت سابقاتها، في ذلك كله، وفي مطالعتي لنفسي تفشل في حمل ذلك كله، ودخولها في نوباتٍ من التفكير المفرط أو الحزن المفرط أو أو.. وجدتُ أنَّه لا سبيل سوى الوقوف بباب الله والاعتراف بالفقر الكامل إليه، والحاجة التامة له سبحانه، تماماً كما يقول الإمام ابن القيم: "وأقرب باب دخل منه على الله تعالى هو الإفلاس، فلا يرى لنفسه حالاً ولا مقاماً ولا سبباً يتعلق به، ولا وسيلة منه يمن بها، ليدخل على الله من باب الافتقار الصرف والإفلاس المحض.. دخول من قد كسر الفقر والمسكنة قلبه حتى وصلت تلك الكسرة إلى سويدائه فانصدع، وشملته الكسرة من كل جهاته، وشهد ضرورته إلى ربه عز َّوجل، وكمال فاقته وفقره إليه…" 📌في خضم هذه الحياة السريعة، المليئة بالعمل أو الدراسة أو الانشغالات الكثيرة حيث لا يجد -أو يحاول أن يجد- الإنسان وقت للذكر والصلاة والقيام، نُزِع من الحياة معنى التأله، وهو معنى من أشد احتياجات النفس البشرية، بل خُلقت لهذا الأمر، كما خُلق السمع والبصر لأمور، فالنفس لذتها وزادها في هذا التأله فغياب معنى التألُه من الحياة، هو غياب المعنى العام، أي يعيش لأجل ماذا؟ هل يعيش لأجل جزئيات؟ قد يفشل في الوصول إليها أو يفقدها فيفقد المعنى الملي الذي يعيش لأجله!
▪️ويلٌ لمن لا يرى في الحياة معنى، فإن أي محاولة يستخدمها الشخص لكي يسترد قوته الداخلية في المعسكر ينبغي أن تنجح أولاً في أن تجعله يبصر لنفسه هدفاً مستقبلياً، "من يمتلك سببا يعيش من أجله فإنه يستطيع غالباً أن يتحمل بأي طريقة وبأي حال"-نيتشه- نأخذها بمثابة شعار يوجه الجهود المبذولة في سبيل العلاج النفسي ويحقق الصحة النفسية للمسجونين فحيثما تتوفر فرصة لذلك ينبغي أن نقدم لهم سبب يعيشون من أجله، أو هدفاً لحياتهم، لكي نقويهم على تحمُّل ال "كيف" الرهيبة لوجودهم، الويل لمن لا يرى في حياته معنى ولا يستشعر هدفاً أو غرضاً لها، ومن ثم لا يجد قيمة في مواصلة هذه الحياة وسرعان ما يحس بالضياع ▪️المسؤولية ومعنى الحياة كان علينا أن نعلم أنفسنا ونعلِّم الأشخاص الذين استبدَّ بهم اليأس، بأن ما هو متوقع من الحياة ليس في واقع الأمر هو موضع الأهمية، بل إن ما يعنينا هو الذي تتوقعه الحياة منا.. فحينما يجد الإنسان أن مصيره هو المعاناة، فإن عليه أن يتقبل آلامه ومعاناته كما لو أنها مهمة مفروضة عليه، وهي مهمة فريدة ومتميزة، ولا يستطيع أحد أن يخلصه من معاناته أو يعاني بدلاً منه، ففرصته الفريدة تكمن في الطريقة التي يتحمل بها أعباءه ومتاعبه، وحينما يتكشف لنا معنى المعاناة فإننا نرفض أن نقلل من ألون العذاب بالمعسكر أو أن نتجرد منها عن طريق تجاهلها أو اللجوء للأوهام الكاذبة والتمسك بتفاؤل مصطنع كاذب إن المعاناة تتوقف عن أن تكون معاناة بشكل ما في اللحظة التي تكتسب فيها المعاناة معنى، مثل معنى التضحية. ▪️القدوة والكلمة وأثرهما العلاجي إن الحياة الإنسانية تحت أي الظروف لا تتوقف أبداً عن أن يكون لها معنى، وأن هذا المعنى اللانهائي للحياة يتضمن المعاناة والموت والحرمان والفناء، وهؤلاء المعتقلين ينبغي ألا يفقدوا الأمل، وإنما ينبغي أن يحتفظوا بشجاعتهم وفي يقينهم بأن إخفاقهم في كفاحهم وعدم تحقق الأمل فيه لا ينتقص من كرامة هذا الكفاح ومن معناه ▪️الوجود الانساني هو بالضرورة تسامٍ بالذات وتجاوز لها أكثر من أن يكون تحقيقاً للذات، وتحقيق الذات ليس هدفاً ممكناً على الإطلاق؛ وذلك لسبب بسيط وهو أنه بقدر ما يسعى الإنسان إليه بقدر ما يخفق في الوصول إليه، وإلى الحد الذي يلتزم فيه الإنسان بتحقيق معنى لحياته، فإنه بهذا الحد أيضاً يحقق ذاته. وأهم معنى للحياة عندنا في الإسلام هو معنى التألُّه، وأهم ما يستخلص منه المعاني كتاب الله، فالله عزَّ وجل هو الذي سوَّى هذه النفس، التي هي من أمره وذات بعد غيبي لا بُدَّ لنا حتى نفهما من قبسٍ إلهيٍّ يبصِّرُنا بما يصيبها وكيف نتقي ذلك وكيف نعالجه..-يتبع- ————————- المراجع ترميم النفس-د.أحمد عبد المنعم الإنسان يبحث عن المعنى-فيكتور فرانكل
علاج النفس أنت تتعرض لشلالات من التغيير، وإشعاعات تشوه نفسك وتضغط عليها، سواء وساوس شياطين الإنس أو الجن، أو جليس السوء الذي تجد منه ريحًا خبيثة تتسلل إلى نفسك وتغير فيك، ونحن نريد أن نقاوم ذلك، ونرمم هذه النفس. العلاج بالمعنى logotherapy الإنسان يبحث عن المعنى كتابٌ ضمنته في مكتبتي الالكترونية منذ نزوحنا الأول، لكنه بقي مغلقاً ولم يتسنَّ لي قراءته، حتى مرت سنتان تقريباً ودرست نظرية المعرفة وكنت ألتقط من الدكتور عبد العجيري الكتب التي يُحيل عليها أو يذكر منها استخلاصات مفيدة وكان هذا الكتاب منها، فرجعت إلى المكتبة فوجدته على حاله ينتظر، ثمَّ لما مررت بحالةِ الإبهامِ هذه وصرت أتطلب ما يعالجها وصرت أسمع كثيراً الأمسيات التربوية للدكتور أحمد عبد المنعم، فوجدته ذكر الكتاب في محاضرتين منها، فقلت لا مندوحة لي عن قراءته وأنا في بحثٍ عن المعنى، وأخذت فيه قراءةً فوجدت فيه فوائد فريدة، ونظرة مختلفة للحياة وللطب النفسي وكل ما أعرفه عنه، عن نظريات فرويد وما شاهدته من التعامل مع الأعراض الخارجية وإغفال الأسباب المؤدية لها.. وتعلمت منه التسامي بالنفس، وكاتبه د.فيكتور فرانكل طبيب نفسي وأستاذ أعصاب وطب نفسي في جامعة فيينا اعتقل في معسكرات الاعتقال النازية وواجه فيها كل أشكال التعذيب الجسدي والنفسي الذي لا بِدَّ أن تقف مذهولاً متألماً عاجزاً وأنت تقرؤها، ويزيدك انبهاراً أنَّك تجد د.فرانكل يستخلص معنًى من كل صورة من صور المعاناة هذه، ما يعين على التحمل، ولما كان أحد أسباب معاناتنا تسلطٌ واستضعاف فإن في هذه المعاني ما يفيد ويشفي، وهذه بضع قبساتٍ من الكتاب:
إبهامٌ واتِّضاح (٢) تردي الحالة النفسية والاستشفاء بالمعنى يصيب النفس من الأدواء ما يصيب الجسد، ويلحقها الأذى، وتلمُّ بها الملمات ما يضعفها ويُؤلمها ويُقعدها بل ويشُلُّها فلا مزيدَ سعيٍ ولا سيرٍ، ولا أفق واضح بل ظلامٌ مطبقٌ من كل اتِّجاه.. معنى الحياة ▪️غالب المدخلات إلى النفس في هذا الزمن سلبية، غالبها تُثقل النفس، فالحياة في مجملها سعيٌ وراء تحقيق أهداف صغيرة، تجاوز الأزمات المالية، الإنجاز في حياة الدراسة أو العمل..هذا إجمالاً، وفي حالتنا في غزة قد نختصرها فنقول محاولة العيش في ظل كل المنغصات التي تحيط بنا من كل جانب.. ▪️حالة من الحصار النفسي، والأسئلة التي تستثير الألم النفسي، طوال اليوم تتلقى مثل هذه الأمور، في كل شيء... في نفسك، في مالك، في عملك، في أولادك، والناس -إلا من رحم الله- تستثير هذه المشاعر؛ فأنت تتلقى طعنات متكررة.. 📌والسعي وراء معانٍ صغيرة من الممكن أن تسقط كأن يفشل العمل أو الزواج فهل بسقوطها تنتهي الحياة؟ ▪️ثُمَّ إنَّ تغير طبيعة الحياة، وإعادة هيكلة شكلها، من أهم العوامل لانتشار الأزمات النفسية، إن من يعيش في هذه الحياة، حياته عبارة عن جزئيات: أن يذهب إلى العمل، ثم ينتهي من العمل، ويأتي بالمال، وينتظر نهاية الشهر، أو ينتظر أموالًا، أو صفقة، أو زواجًا....، حياته عبارة عن جزئيات متنقلة، والذي لا يكون في حياته صُحبة صالحة، أو طلب للعلم، قيام… الدين غير موجود بقوة في حياته؛ فحياته تصبح، كأنه لا يوجد فيها معنى «الإله»، وليس فيها معنى عظيم كُلي يعيش من أجله؛ فيتحول إلى فرد في هذه الحياة.
▪️وَمِنْهَا بَلْ مِنْ أَعْظَمِهَا: إِخْرَاجُ دَغَلِ الْقَلْبِ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَذْمُومَةِ الَّتِي تُوجِبُ ضِيقَهُ وَعَذَابَهُ، وَتَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حُصُولِ الْبُرْءِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أَتَى الْأَسْبَابَ الَّتِي تَشْرَحُ صَدْرَهُ، وَلَمْ يُخْرِجْ تِلْكَ الْأَوْصَافَ الْمَذْمُومَةَ مِنْ قَلْبِهِ، لَمْ يَحْظَ مِنَ انْشِرَاحِ صَدْرِهِ بِطَائِلٍ، وَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَادَّتَانِ تَعْتَوِرَانِ عَلَى قَلْبِهِ، وَهُوَ لِلْمَادَّةِ الْغَالِبَةِ عَلَيْهِ مِنْهُمَا. ▪️وَمِنْهَا: تَرْكُ فُضُولِ النَّظَرِ وَالْكَلَامِ وَالِاسْتِمَاعِ وَالْمُخَالَطَةِ وَالْأَكْلِ وَالنَّوْمِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْفُضُولَ تَسْتَحِيلُ آلَامًا وَغُمُومًا وَهُمُومًا فِي الْقَلْبِ، تَحْصُرُهُ وَتَحْبِسُهُ وَتُضَيِّقُهُ وَيَتَعَذَّبُ بِهَا، بَلْ غَالِبُ عَذَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْهَا، فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَا أَضْيَقَ صَدْرَ مَنْ ضَرَبَ فِي كُلِّ آفَةٍ مِنْ هَذِهِ الْآفَاتِ بِسَهْمٍ، وَمَا أَنْكَدَ عَيْشَهُ، وَمَا أَسْوَأَ حَالَهُ، وَمَا أَشَدَّ حَصْرِ قَلْبِهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَا أَنْعَمَ عَيْشَ مَنْ ضَرَبَ فِي كُلِّ خَصْلَةٍ مِنْ تِلْكَ الْخِصَالِ الْمَحْمُودَةِ بِسَهْمٍ، وَكَانَتْ هِمَّتُهُ دَائِرَةً عَلَيْهَا، حَائِمَةً حَوْلَهَا، فَلِهَذَا نَصِيبٌ وَافِرٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} [الانفطار: ١٣] [الِانْفِطَارِ ١٣] ، وَلِذَلِكَ نَصِيبٌ وَافِرٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار: ١٤] [الِانْفِطَارِ ١٤] ، وَبَيْنَهُمَا مَرَاتِبُ مُتَفَاوِتَةٌ لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. 🔘 وَالْمَقْصُودُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَكْمَلَ الْخَلْقِ فِي كُلِّ صِفَةٍ يَحْصُلُ بِهَا انْشِرَاحُ الصَّدْرِ، وَاتِّسَاعُ الْقَلْبِ، وَقُرَّةُ الْعَيْنِ، وَحَيَاةُ الرُّوحِ، فَهُوَ أَكْمَلُ الْخَلْقِ فِي هَذَا الشَّرْحِ مَعَ مَا خُصَّ بِهِ مِنَ الشَّرْحِ الْحِسِّيِّ، وَأَكْمَلُ الْخَلْقِ مُتَابَعَةً لَهُ، أَكْمَلُهُمُ انْشِرَاحًا وَلَذَّةً وَقُرَّةَ عَيْنٍ، وَعَلَى حَسَبِ مُتَابَعَتِهِ يَنَالُ الْعَبْدُ مِنَ انْشِرَاحِ صَدْرِهِ وَقُرَّةِ عَيْنِهِ وَلَذَّةِ رُوحِهِ مَا يَنَالُ.. وَهَكَذَا لِأَتْبَاعِهِ نَصِيبٌ مِنْ حِفْظِ اللَّهِ لَهُمْ، وَعِصْمَتِهِ إِيَّاهُمْ، وَدِفَاعِهِ عَنْهُمْ، وَإِعْزَازِهِ لَهُمْ، وَنَصْرِهِ لَهُمْ، بِحَسَبِ نَصِيبِهِمْ مِنَ الْمُتَابَعَةِ، فَمُسْتَقِلٌّ وَمُسْتَكْثِرٌ. فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ. وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ.
فَأَعْظَمُ أَسْبَابِ شَرْحِ الصَّدْرِ: ▪️التَّوْحِيدُ، وَعَلَى حَسَبِ كَمَالِهِ وَقُوَّتِهِ وَزِيَادَتِهِ يَكُونُ انْشِرَاحُ صَدْرِ صَاحِبِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} [الزمر: ٢٢]. وَقَالَ تَعَالَى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام: ١٢٥]. فَالْهُدَى وَالتَّوْحِيدُ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ شَرْحِ الصّدْرِ، وَالشِّرْكُ وَالضَّلَالُ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ ضِيقِ الصَّدْرِ وَانْحِرَاجِهِ، وَمِنْهَا: النُّورُ الَّذِي يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ، وَهُوَ نُورُ الْإِيمَانِ، فَإِنَّهُ يَشْرَحُ الصَّدْرَ وَيُوَسِّعُهُ وَيُفْرِحُ الْقَلْبَ. فَإِذَا فُقِدَ هَذَا النُّورُ مِنْ قَلْبِ الْعَبْدِ ضَاقَ وَحَرَجَ، وَصَارَ فِي أَضْيَقِ سِجْنٍ وَأَصْعَبِهِ. وَقَدْ رَوَى الترمذي فِي " جَامِعِهِ " عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:«إِذَا دَخَلَ النُّورُ الْقَلْبَ انْفَسَحَ وَانْشَرَحَ. قَالُوا: وَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ» فَيُصِيبُ الْعَبْدَ مِنِ انْشِرَاحِ صَدْرِهِ بِحَسَبِ نَصِيبِهِ مِنْ هَذَا النُّورِ، وَكَذَلِكَ النُّورُ الْحِسِّيُّ، وَالظُّلْمَةُ الْحِسِّيَّةُ، هَذِهِ تَشْرَحُ الصَّدْرَ، وَهَذِهِ تُضَيِّقُهُ. ▪️وَمِنْهَا: الْعِلْمُ، فَإِنَّهُ يَشْرَحُ الصَّدْرَ، وَيُوَسِّعُهُ حَتَّى يَكُونَ أَوْسَعَ مِنَ الدُّنْيَا، وَالْجَهْلُ يُورِثُهُ الضِّيقَ وَالْحَصْرَ وَالْحَبْسَ، فَكُلَّمَا اتَّسَعَ عِلْمُ الْعَبْدِ انْشَرَحَ صَدْرُهُ وَاتَّسَعَ، وَلَيْسَ هَذَا لِكُلِّ عِلْمٍ، بَلْ لِلْعِلْمِ الْمَوْرُوثِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ.. ▪️وَمِنْهَا: الْإِنَابَةُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَمَحَبَّتُهُ بِكُلِّ الْقَلْبِ وَالْإِقْبَالُ عَلَيْهِ وَالتَّنَعُّمُ بِعِبَادَتِهِ، فَلَا شَيْءَ أَشْرَحُ لِصَدْرِ الْعَبْدِ مِنْ ذَلِكَ. حَتَّى إِنَّهُ لَيَقُولُ أَحْيَانًا: إِنْ كُنْتُ فِي الْجَنَّةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَإِنِّي إِذًا فِي عَيْشٍ طَيِّبٍ. ▪️وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ ضِيقِ الصَّدْرِ الْإِعْرَاضُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَعَلُّقُ الْقَلْبِ بِغَيْرِهِ، وَالْغَفْلَةُ عَنْ ذِكْرِهِ، وَمَحَبَّةُ سِوَاهُ، فَإِنَّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا غَيْرَ اللَّهِ عُذِّبَ بِهِ، وَسُجِنَ قَلْبُهُ فِي مَحَبَّةِ ذَلِكَ الْغَيْرِ، فَمَا فِي الْأَرْضِ أَشْقَى مِنْهُ، وَلَا أَكْسَفُ بَالًا، وَلَا أَنْكَدُ عَيْشًا، وَلَا أَتْعَبُ قَلْبًا ▪️وَمِنْ أَسْبَابِ شَرْحِ الصَّدْرِ دَوَامُ ذِكْرِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَفِي كُلِّ مَوْطِنٍ، فَلِلذِّكْرِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي انْشِرَاحِ الصَّدْرِ وَنَعِيمِ الْقَلْبِ، وَلِلْغَفْلَةِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي ضِيقِهِ وَحَبْسِهِ وَعَذَابِهِ. ▪️وَمِنْهَا: الْإِحْسَانُ إِلَى الْخَلْقِ وَنَفْعُهُمْ بِمَا يُمْكِنُهُ مِنَ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالنَّفْعِ بِالْبَدَنِ وَأَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ، فَإِنَّ الْكَرِيمَ الْمُحْسِنَ أَشْرَحُ النَّاسِ صَدْرًا، وَأَطْيَبُهُمْ نَفْسًا، وَأَنْعَمُهُمْ قَلْبًا، ▪️وَمِنْهَا الشَّجَاعَةُ، فَإِنَّ الشُّجَاعَ مُنْشَرِحُ الصَّدْرِ، وَاسِعُ الْبِطَانِ، مُتَّسِعُ الْقَلْبِ، وَالْجَبَانُ أَضْيَقُ النَّاسِ صَدْرًا، وَأَحْصَرُهُمْ قَلْبًا، لَا فَرْحَةٌ لَهُ وَلَا سُرُورٌ، وَلَا لَذَّةٌ لَهُ، وَلَا نَعِيمٌ إِلَّا مِنْ جِنْسِ مَا لِلْحَيَوَانِ الْبَهِيمِيِّ، وَأَمَّا سُرُورُ الرُّوحِ وَلَذَّتُهَا وَنَعِيمُهَا وَابْتِهَاجُهَا فَمُحَرَّمٌ عَلَى كُلِّ جَبَانٍ، كَمَا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَى كُلِّ بَخِيلٍ، وَعَلَى كُلِّ مُعْرِضٍ عَنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، غَافِلٍ عَنْ ذِكْرِهِ، جَاهِلٍ بِهِ وَبِأَسْمَائِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَدِينِهِ، مُتَعَلِّقِ الْقَلْبِ بِغَيْرِهِ. 📌وَلَا عِبْرَةَ بِانْشِرَاحِ صَدْرِ هَذَا لِعَارِضٍ، وَلَا بِضِيقِ صَدْرِ هَذَا لِعَارِضٍ، فَإِنَّ الْعَوَارِضَ تَزُولُ بِزَوَالِ أَسْبَابِهَا، وَإِنَّمَا الْمُعَوَّلُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي قَامَتْ بِالْقَلْبِ تُوجِبُ انْشِرَاحَهُ وَحَبْسَهُ، فَهِيَ الْمِيزَانُ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
إبهامٌ واتِّضاح ( ١ ) ضيقٌ لا أدري كنهه، كأنَّ ضلوعي أطبقت على نفسي تخنقها.. ضيق الصدر -مستفاد من كتاب عمدة الحفاظ- مصطلحٌ قرآني وهو ضدُّ السعة وفي قوله تعالى {ضاقت عليهم الأرض بما رحبت} أن الأرض كلها صارت مجالاً لهم ومع ذلك أحسوا بضيقها {وضاقت عليهم أنفسهم} مثلٌ في شدَّةِ الخناق وسد طريق الفرج، وقوله: {يجعل صدره ضيقاً حرجاً} إشارة إلى ضيق النفس المذكور وجعله حرجاً مبالغة في ذلك.. والحرج: الضيق ومنه قوله تعالى {فلا يكن في صدرك حرجٌ منه} أي ضيقٌ من القرآن، وأصله من الحرج وهو مجتمع ما بين الشيئين فتُصوِّر منه الضيق. يقابله انشراح الصدر في قوله تعالى: { أفمن شرح الله صدره للإسلام } أي بسط ووسع وهو عكس من قيل فيه {يجعل صدره ضيقاً حرجاً} وهو دعاء موسى عليه السلام لمَّا كلَّفه الله بالذهاب لفرعون، يقول السعدي: حينئذٍ علم موسى -عليه السَّلام-أنه تحمَّل حِملاً عظيماً؛ حيثُ أرسل إلى هذا الجبار العنيد، الذي ليس له منازع في مصر من الخلق وقد جرى منه ما جرى من القتل فامتثل أمر ربه وتلقاه بالانشراح والقبول، وسأله المعونة وتيسير الأسباب { ربِّ اشرح لي صدري} أي وسِّعه وافسحه لأتحمل الأذى القولي والفعلي، ولا يتكدر قلبي بذلك، ولا يضيق صدري.. ودعاء موسى عليه السلام كانَ من أول الأدعيةِ التي حفَّظتني إياها أمي في صغري، فأذكرُ أنها كانت قبل كل اختبارٍ أو مسابقةٍ وهي تُجهِّزني للخروج تعيد علي الكلمات وأعيدها، وأخطئ فتصوِّبُني وأخرج على ذلك، فكان شيئاً غُرسَ في نفسي وصار يُسارع به لساني عند كل ضيق، بدون أن أفهم معناه قبلاً، فلما فهمته صرت له ألزم، وصرتُ أرى أنَّ الضيق قد يقع لضعفٍ من التزود الإيماني ولتقصير وزلل، وقد يقع لزيادة الحمل وصعوبة التكليف فتحتاج مزيد انشراحٍ ليتسع صدرك لذلك.. ولمَّا كان الإمام ابن القيم صاحب بصيرةٍ في النفس وما يلحق بها، والقلب وأدوائه، وكنت قد أُفِدت كثيراً كثيراً من كتبه وفوائده حتى أنني صرت أرجع إليها في كثيرٍ مما أواجهه وأريد فهمه، وكثيراً ما شفتني استنباطاته، فرحتُ أبحثت عن انشراحِ الصدر عنده فوجدته في كتابه زاد المعاد، ووجدته شافياً جامعاً شارحاً موضحاً لما انبهم، فأحببت نقله هنا باختصار:
مررت بفترةٍ لا أعرف كيف أسميها، إذ لا حالةَ غالبةً عليها أسِمُها بها، كانت فترةً مظلمةً غُلِّقت عن نفسي فيها منافذ النور واعتراني من الضعف و الفتور ما اعتراني، وكنت إذا ألمَّ بي شيء من ذلك عمري السالف كله أتطلَّبُ الحلول فما ألبث أن أجدها، فأنسلخ عن تلك الحالة ولا يطول لبثي عليها.. أما هذه المرة فكانت أطول وأشد، وإنِّي إذ أكتب هذه الكلمات الآن فأنا لا أزعُمُ أنني برئت مما أعاني ولا أنَّ الظلام انقشع عن نفسي بالكلية، بل الحاصلُ أني قد وجدت منافذاً وأوجدتُ أخرى فأشرق عليَّ بعض النور ما أمكنني من الإبصار بعض الشيء والإمساك بالقلم ونسج الحروف أو محاولةِ ذلك.. كنتُ في الحرب والمصائبُ تُصبُّ علينا صبَّاً، والابتلاءات تختلف علينا صروفاً وألواناً كنتُ أقول هل سنُبتلى بعد ذلك؟ وهل سنقاسي غداً كما قاسينا اليوم؟ وأجابتني الأيامُ بالإيجاب، وكان هذا حال الدُّنيا الموسومة أنها دارُ الأذى والقذى.. وقد يكون الابتلاءُ في النفس والعقل والقلب، قد يكون في الإنسانِ نفسه الناظر للدنيا لا في الدنيا من حوله، قد يكون داخلياً لا دور فيه للظروف وصعوبتها ولا لعوامل الزمان والمكان، إذ تمرُّ بالوقت الأجمل والمكان الأرحب ونفسك مظلمة فلا ترى غير الظلام.. ولما كانت تلك الفترةُ مبهمةً لا أجدُ لها وصفاً، قلتُ أسميها إبهام، وأخبرك عما أجده الآن من اتضاحٍ لبعض المبهم عندي قبلاً وكيف وصلت لذلك..
هذه المواقف أذكرها دوماً لطلابي وإخواني ولي منها عدة رسائل أحب أن تصلك: ١.لا تيأس ولا تستسلم، وتذكر أن ذلك الصبي ضعيف الحفظ خائر الهمة قد أكرمه الله بعدها بسنوات بحفظ القرآن كاملاً وتثبيته وسرده على جلسة، وقد كان يعد ذلك من المستحيلات ٢.لا تستهن بأهمية المراجعة، ويومٌ تأتي به بورد المراجعة دون ورد الحفظ أحب إلي من يوم تحفظ فيه ولا تراجع، ولك في ما ذكرته لك عن نفسي خير دليل، فما أخال عجزي المتكرر عن الاختبار في الجزء الواحد إلا لأني كنت لا أراجع، وما أن أصل إلى نهاية الجزء حتى أكون قد نسيت أوله، وما أن أدخل في الجزء الثاني حتى أكون قد نسيت الأول، وهكذا دواليك ٣.إلى كل محفظ وعامل في مجال القرآن: اتق الله في طلابك، ولا تُخرجهم من جزء دون أن يتقنوه ويسردوه، واعلم أن الطالب حينما يكبر سيتذكر من كان من مُحفِّظيه مجتهداً معه فيدعو له ويتذكره بالخير، ومن كان منهم مقصراً معه فيعتب عليه وفي الختام، لا أستطيع أن أخفي غبطتي للصبيان في حلقات التحفيظ اليوم وقد وجدوا من يدلهم ويرشدهم ويضعهم على الطريق الصحيح مبكراً، أما نحن فقد ذهبت بضع ٌ من أنفس سنين عمرنا ونحن نتردد إلى المساجد وحلقات التحفيظ دون إنجاز حقيقي يُذكر، وما ذلك إلا لانعدام المنهجية