tgindex
محمد علي عطية

محمد علي عطية

Статистика
@Muslim_from_Egyptарабский
Последний пост
13 авг.
Последнее чтение
14 авг.
Постов за неделю
3
Всего постов
24
Тип
открытый
Язык
арабский
В каталоге с
14 авг.
Подписчики
285
мало замеров
Замеров пока мало
Сутки
0
0,00%
Неделя
 
Месяц
 
Просмотров на пост
14
24 постов
Вовлечённость
4,9%
к подписчикам
Постов в день
0,4
всего 24
Упоминаний
0
каналов
Охват размещения
оценка
1/24сутки в ленте
8
1/48двое суток
9
1/72трое суток
9

Оценка по просмотрам недавних постов: пост набирает почти всё за первые сутки.

Посты

  • عَنْ المستوردِ بِنْ شدادٍ الفهريِّ رضيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيّهِ وسَلَّمَ قَالَ : " واللهِ ما الدُّنيا في الآخرةِ إلَّا مِثْلُ ما يَجعلُ أحدكُمْ إصبعَهُ هذهِ - وأشارَ يحيى بالسبابةِ - في اليمِّ . فلينظرْ بِمَ تَرجِعُ ؟ ". ((أخرجه مسلم)) #صدق_رسول_الله #كل_يوم_حديث_نبوي #اللهم_صل_وسلم_وبارك_على_سيدنا_محمد -------------------------- شرح الحديث من موقع الدرر السنية: الدُّنيا هيِّنةٌ عِندَ اللهِ عزَّ وجلَّ وضَئيلةٌ، ولا تَعدِلُ عندَ اللهِ تعالَى مِثقالَ ذرَّةٍ ولا تُساوِي شَيئًا، فهيَ دارُ عَملٍ واختِبارٍ، وَليس عُمرَ الإنسانِ الحَقيقيَّ، فذاك في الآخرَةِ. وفي هذا الحديثِ يُقسِمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ باللهِ -للمُبالَغةِ في التَّحقيقِ والتَّأكيدِ- أنَّ مَثَل الدُّنيا بالنِّسبةِ للآخرَةِ، والنَّظرِ إليها؛ مَثَلُ ما يَضَعُ أَحدُ النَّاس إِصبعَه في البَحرِ، فلْيَنْظرِ الَّذي تَعلَّقَ في يَدِه مِن مائِه؛ فإنَّه لا يَعلَقُ بإصبَعِه كثيرُ شيءٍ منَ الماءِ، وَمعنى الحَديثِ: ما الدُّنيا بالنِّسبةِ إلى الآخرَةِ في قِصَرِ مُدَّتِها، وفَناءِ لَذَّاتها، ودوامِ الآخرةِ، ودوامِ لذَّاتِها ونعيمِها؛ إلَّا كنِسبةِ الماءِ الَّذي يَعلَقُ بالإصبَعِ إلى باقي البَحرِ. وهذا التَّمثيلُ للتَّقريبِ إلى الأفهامِ؛ وإلَّا فالآخرةُ أعظَمُ وأجَلُّ مِن البحرِ؛ لأنَّ البحْرَ مهْما كان واسعًا فإنَّه مُتناهٍ، ونَعيمُ الآخرةِ باقٍ غيرُ مُتَناهٍ، ونَعيمُ الجنَّةِ للمؤمنينَ، وكذلكَ عَذابُ الكافرينَ. وفي الحَديثِ: تَحقيرُ الدُّنيا وشأْنِها. وفيه: تَوضيحُ المَعاني بتَقريبِها لِما في الواقعِ.

  • عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، سَألتُ -أو سُئِلَ- رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أيُّ الذَّنبِ عِندَ اللهِ أكبَرُ؟ قال: أن تَجعَلَ للهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ. قُلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قال: ثُمَّ أن تَقتُلَ ولَدَكَ خَشيةَ أن يَطعَمَ معكَ. قُلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قال: أن تُزانيَ بحَليلةِ جارِكَ. قال: ونَزَلَت هذه الآيةُ تَصديقًا لقَولِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: {والذينَ لا يَدعونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقتُلونَ النَّفسَ التي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بالحَقِّ ولا يَزنونَ} [الفرقان: 68] . ((أخرجه البخاري)) #صدق_رسول_الله #كل_يوم_حديث_نبوي #اللهم_صل_وسلم_وبارك_على_سيدنا_محمد -------------------------- شرح الحديث من موقع الدرر السنية لَمَّا كان الشِّركُ هو الذَّنبَ الَّذي لا يُغفَرُ كان أكْبَرَ الذُّنوبِ وأعظَمَها؛ ولذلك قال اللهُ تعالَى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمُ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] . وفي هذا الحَديثِ يسألُ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -أو سُئِلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، الشَّكُّ من راوي الحديثِ- وفي روايةٍ عند البُخاريِّ قال عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه: «قُلت: يا رَسول اللهِ»، فكان هو السَّائِلَ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، سأله: «أيُّ الذَّنبِ عندَ اللهِ أكْبَرُ؟ فقال: أنْ تَجعَلَ للهِ نِدًّا وهو خلَقَك»، والنِّدُّ: المثيلُ والنَّظيرُ. وفي تلك الجُملةِ تَنبيهٌ إلى سُوءِ وفَسادِ عُقولِ الذين يُشرِكون مع اللهِ غيْرَه، مع أنَّه هو الخالِقُ وَحْدَه لا شَريكَ له، فكما أنَّه المتفَرِّدُ بالخَلقِ والإيجادِ، فهو الذي يَجِبُ أنْ يُفرَدَ بالعِبادةِ وَحْدَه لا شَريكَ له؛ ولهذا فإنَّ كونَ الإقرارِ بأنَّ اللهَ هو الخالِقُ الرَّزاقُ المُحْيي المُميتُ، هذا ممَّا أقَرَّ به الكُفَّارُ الذين بُعِثَ فيهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولكِنَّ ذلك لم يُدخِلْهم في الإسلامِ ولم يَنفَعْهم؛ لأنَّهم لم يُفرِدوا اللهَ عزَّ وجَلَّ بالعبادةِ، ولم يَخُصُّوه بالعبادةِ التي هي مُقتَضى شَهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ. فقال ابنُ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ثُمَّ ماذا بعْدَ الشِّرْكِ؟ فقال: «أنْ تَقتُلَ ولدَكَ خَشيةَ أنْ يَطْعَمَ معك» يعني: خوْفًا مِنَ الفقْرِ وعدَمِ الكفايةِ، وإنَّما جعَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قتْلَ الولدِ خَشيةَ أنْ يَأكُلَ مع أبيهِ أعظَمَ الذُّنوبِ بعْدَ الشِّركِ؛ لأنَّ ذلك يَجمَعُ القتْلَ وقطْعَ الرَّحمِ ونِهايةَ البُخْلِ. فسأل عن أعظَمِ الذُّنوبِ بَعْدَ الشِّركِ وقَتْلِ الوَلَدِ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «أنْ تُزانِيَ بِحَلِيلةِ جارِكَ» وحَليلَةُ الجارِ: زَوجتُه، وإنَّما جَعَلَ الزِّنَا بِزوجةِ الجارِ مِن أعظمِ الذُّنوبِ؛ لأنَّ الجارَ يَتوقَّعُ مِن جارِه الذَّبَّ عنه وعَن حَريمِه. وبيَّن ابنُ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه نزَلَ في تَصديقِ هذا المعنى الَّذي ذكَرَهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قولُه تعالَى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ} [الفرقان: 68] . وفي الحَديثِ: حِرصُ الصَّحابةِ على سُؤالِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن الذُّنوبِ؛ خَشيةَ الوُقوعِ فيها.

  • عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: إنَّ اللهَ تَبارَك وتَعالى يقولُ لأهلِ الجَنَّةِ: يا أهلَ الجَنَّةِ، فيَقولونَ: لَبَّيك رَبَّنا وسَعدَيك، فيَقولُ: هل رَضيتُم؟ فيَقولونَ: وما لنا لا نَرضى وقد أعطَيتَنا ما لم تُعطِ أحَدًا مِن خَلقِك؟ فيَقولُ: أنا أُعطيكُم أفضَلَ مِن ذلك، قالوا: يا رَبِّ، وأيُّ شَيءٍ أفضَلُ مِن ذلك؟ فيَقولُ: أُحِلُّ عليكم رِضواني، فلا أسخَطُ عليكم بَعدَه أبَدًا. ((أخرجه البخاري)) #صدق_رسول_الله #كل_يوم_حديث_نبوي #اللهم_صل_وسلم_وبارك_على_سيدنا_محمد -------------------------- شرح الحديث من موقع الدرر السنية الجنَّةُ فيها ما هو أعظَمُ نِعمةً، وأكثَرُ سعادةً مِن دُخولِها، وهو الرِّضوانُ الإلهيُّ الذي لا يساويه شيءٌ من نِعَمِ اللهِ، وإنما كان هذا الرِّضوانُ أكبَرَ؛ لأنَّه سَبَبُ كُلِّ فَوزٍ وكرامةٍ، وطريقٌ إلى رؤيةِ اللهِ تعالى، كما يُخبِرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في هذا الحديثِ، وهو أنَّ اللهَ تعالَى يُكلِّمُ أهلَ الجنَّةِ، ويقولُ لهم: «يا أهلَ الجنَّةِ»، فيَرُدُّون عليه قائلين: «لَبَّيْكَ ربَّنا وسَعْدَيْكَ»، ومعناها: نجيبُك إجابةً بعْدَ إجابةٍ، وإسعادًا بعْدَ إسعادٍ، فيَقولُ لهمْ مَوْلاهم: «هلْ رَضِيتُم؟ فيَقولون: وما لنا لا نَرْضَى وقد أَعْطَيْتَنا ما لم تُعطِ أحدًا مِن خَلْقِك؟»؛ وذلك بإدخالِهم الجنَّةَ وإنقاذِهم مِن النارِ، وتَنعُّمِهم بما في الجنَّةِ مِن أنواعِ النَّعِيمِ، فيقولُ سُبحانَه: «أنا أُعطِيكم أفضَلَ مِن ذلك»، قالوا: «يا ربِّ، وأيُّ شَيءٍ أفْضَلُ مِن ذلك؟» فيقولُ: «أُحِلُّ عليكم رِضْوَانِي»، أي: أُنزِل عليكم دَوَام رِضْوانِي؛ فإنَّه لا يَلزَمُ مِن كَثرةِ العطاءِ دَوامُ الرِّضا؛ ولذا قال: «فلا أَسْخَطُ» ولا أَغْضَبُ «عليكم بعْدَه أبدًا»، وقولُه تعالَى: «أفضلُ مِن ذلك» هو مِصداقٌ لِقَولِ اللهِ تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 72] . وفي الحَديثِ: كَلامُ اللهِ عزَّ وجلَّ مع أهلِ الجَنَّةِ. وفيه: أنَّ النَّعيمَ الذي حَصَلَ لأهلِ الجَنَّةِ لا مَزيدَ عليه. وفيه: أنَّ مقامَ الرِّضا فوق جميعِ المقاماتِ.

  • عَنْ أنس بن مالك رضيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيّهِ وسَلَّمَ قَالَ : ثلاثٌ من أصلِ الإيمانِ: الكفُّ عمَّن قال لا إلهَ إلا اللهُ لا تُكفِّرُه بذنبٍ ولا تُخرجُه من الإسلامِ بعملٍ، والجهادُ ماضٍ مذْ بعثنِي اللهُ إلى أن يقاتلَ آخرُ أمتي الدجالَ لا يُبطلُه جورُ جائرٍ ولا عدلُ عادلٍ، والإيمانُ بالأقدارِ. ((أخرجه أبو داود)) #صدق_رسول_الله #كل_يوم_حديث_نبوي #اللهم_صل_وسلم_وبارك_على_سيدنا_محمد

  • عن أنس بن مالك رضي الله عنه، دَخَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فإذا حَبلٌ مَمدودٌ بينَ السَّاريَتَينِ، فقال: ما هذا الحَبلُ؟ قالوا: هذا حَبلٌ لزَينَبَ، فإذا فتَرَت تَعَلَّقَت، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا، حُلُّوه، ليُصَلِّ أحَدُكُم نَشاطَه، فإذا فتَرَ فليَقعُدْ. ((أخرجه البخاري)) #صدق_رسول_الله #كل_يوم_حديث_نبوي #اللهم_صل_وسلم_وبارك_على_سيدنا_محمد -------------------------- شرح الحديث من موقع الدرر السنية يَنْبغي للمُسلمِ ألَّا يَتكلَّفَ ما لا يُطِيقُ أو ما يَشُقُّ عليه؛ لأنَّ اللهَ تعالَى لم يُكلِّفْه بذلك؛ قال تعالَى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ، وقال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] ، وهكذا كان هدْيُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وتوجيهُه للأُمَّةِ، كما في هذا الحديثِ، حيثُ يَروي أنسُ بنُ مالكٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ دخَلَ المسجدَ، فوجَدَ حَبْلًا مَربوطًا بيْن السَّاريتَينِ، وهما أُسطوانتانِ كالعَمودَينِ، فسَأَلَ عنه، فأُخبِرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ الحَبْلَ لزَينبَ بنتِ جَحشٍ رَضيَ اللهُ عنها زَوجِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأنَّها تَضَعُه إذا صَلَّت، حتَّى إذا فتَرَتْ ومَلَّتْ تَعلَّقَتْ به، فرَفَضَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ذلك، وأمَرَ مَن معه أنْ يَحُلُّوه، ثمَّ قال: لِيُصَلِّ أحدُكم نَشاطَه، فإذا فتَرَ فلْيَقعُدْ، أي: ليُصلِّ كلُّ مُسلِمٍ وَقتَ نَشاطِه وقُدرتِه على الصَّلاةِ، فإذا تَعِبَ أو أصابَه الملَلُ فلْيَقعُدْ، والمقصودُ بقولِه: «يَقعُد» إمَّا أنْ يكُفَّ عن الصَّلاةِ ويُسلِّمَ، أو أنْ يَجلِسَ فيها، وهو دَليلٌ على جَوازِ ابتِداءِ الصَّلاةِ قائمًا ثمَّ الجلوسِ فيها. وإنَّما يُكرَهُ التَّشديدُ في العِبادةِ خَشيةَ الفُتورِ، وخَوفَ الملَلِ؛ لئلَّا يَنقطِعَ عنها المرءُ، فيكونَ كأنَّه رُجوعٌ فيما بَذَلَه مِن نفْسِه للهِ تعالَى، وتَطوَّعَ به. وفي الحديثِ: النَّهيُ عن التَّشديدِ في العِبادةِ، والأمرُ بالإقبالِ عليها بالنَّشاطِ. وفيه: إزالةُ المُنكَرِ باليدِ لمَن يَتمكَّنُ منه وله وِلايةٌ في ذلك. وفيه: مَشروعيَّةُ تَنفُّلِ النِّساءِ في المسجِدِ.

  • عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: إن بعتَ مِن أخيك ثَمرًا. [وفي روايةٍ]: لو بعتَ مِن أخيك ثَمَرًا فأصابَتْه جائِحةٌ، فلا يَحِلُّ لك أن تَأخُذَ منه شيئًا، بمَ تَأخُذُ مالَ أخيك بغيرِ حَقٍّ؟! ((أخرجه مسلم)) #صدق_رسول_الله #كل_يوم_حديث_نبوي #اللهم_صل_وسلم_وبارك_على_سيدنا_محمد -------------------------- شرح الحديث من موقع الدرر السنية حرَصَ الإسْلامُ على حِفظِ الحقوقِ ورِعايتِها، وتَجلَّى هذا الحرصُ في تَحذيرِ الإسْلامِ مِن أخْذِ حُقوقِ النَّاسِ بالباطلِ، والوعيدِ الشَّديدِ لِمَن يَتَخطَّى تلك الحُرمةَ أو يَهتِكُها. وفي هذا الحَديثِ يُبيِّنُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه لوِ اشْتَرى أحدُ النَّاسِ ثَمرًا مِن أخيهِ المسلِمِ، وصورتُه: أنْ يَشتريَ الثَّمرَ وهو على الشَّجرِ، أو أنَّه لم يَزَلْ في قَبضةِ البائعِ ولم يَستَلِمْه المُشْتَري، ثمَّ أصابَتِ الثَّمرَ جائحةٌ، وهي مُصيبةٌ أو آفةٌ تَجتاحُ الثَّمرَ وتُهلِكُه وتُفسِدُه، فلا يَحِلُّ للبائعِ صاحبِ الثَّمرِ أنْ يَأخُذَ شيئًا مِنَ المُشتَري، فبأيِّ حقٍّ يَأخُذُ مالَ أخيهِ، وقدْ فسَدَ الثَّمرُ وأصابَتْه آفةٌ وجائحةٌ تمنَعُ مِنَ الِانتِفاعِ به؟! فإنَّه لا يَنبَغي أنْ يأخُذَ أحدٌ مالَ أخيهِ باطلًا؛ لأنَّه إذا تلِفَتِ الثَّمرةُ لا يَبْقى للمُشتَري في مُقابَلةِ ما دفَعَه شيءٌ، ولهذا نَهى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ -كما في الصَّحيحَينِ- عن بَيعِ الثَّمرِ قبلَ أنْ يَبدوَ صَلاحُه ويَنضَجَ، وهذا من إجْراءِ الحُكمِ على الغالِبِ. وفي رِوايةِ الصَّحيحَينِ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سُئلَ: «ما صَلاحُه؟ قال: حتَّى تَذهَبَ عاهَتُه»؛ بأنْ يَصيرَ على الصِّفةِ المَطلوبةِ، كظُهورِ النُّضجِ؛ فإنَّه حِينَئذٍ يَأمَنَ مِنَ العاهةِ الَّتي هي الآفةُ.

  • عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، كان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا ذَكَرَ أصحابَ أُحُدٍ قال: واللهِ لَوَدِدتُ أنِّي غُودِرتُ مع أصحابي بنِحْصِ الجَبَلِ. ((أخرجه أحمد)) #صدق_رسول_الله #كل_يوم_حديث_نبوي #اللهم_صل_وسلم_وبارك_على_سيدنا_محمد -------------------------- شرح الحديث من موقع الدرر السنية رغَّبَ الإسلامُ في الشَّهادةِ وحثَّ عليها، وبيَّنَ عَظيمَ مكانَتِها عندَ اللهِ؛ فالجِهادُ سِلعَةٌ ثَمَنُها الجَنَّةُ، وقد كان أصحابُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَشتاقون إلى الشَّهادَةِ في سَبيلِ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ لِمَا لها من عَظيمِ الثوابِ. وفي هذا الحَديثِ يقولُ جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ رضِيَ اللهُ عنهما: "كان صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا ذَكَرَ أصحابَ أُحُدٍ" وأُحُدٌ جَبَلٌ عَظيمٌ تَقاتَلَ عندَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مع مُشرِكي قُرَيشٍ في السَّنَةِ الثَّانيةِ من الهِجرَةِ، والمُرادُ بأصحابِ أُحُدٍ: الذين استُشهِدوا يَومَ غَزوَةِ أُحُدٍ، وعَدَدُ مَن ماتَ يَومَ أُحُدٍ: سَبعونَ رَجُلًا، على رَأسِهم حَمزَةُ بنُ عبدِ المُطَّلبِ عَمُّ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كُلَّما تذكَّرَ هؤلاءِ حَزِنَ لمُصابِهم وَدَمعتْ عَينُه عليهم، ويقولُ: "واللهِ لَوَدِدتُ أنِّي غُودِرتُ مع أصحابي بنُحْصِ الجَبَلِ"، وفي نُسخَةٍ: "بِجِصِّ الجَبَلِ"، أي: سَفحِ الجَبَلِ، والمعنى: وَدِدتُ أنِّي استُشهِدتُ معهم يَومَها على جَبَلِ أُحُدٍ، وهذا نَعيٌ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لشُهداءِ أُحُدٍ، وبيانٌ لفَضلِهم ومَنزِلَتِهم. وفي الحديثِ: النَّدَمُ على فَواتِ الخَيرِ والِحرْصُ على طَلَبِه في المُستَقبَلِ. وفيه: فَضيلَةٌ ظاهِرَةٌ لقيمَةِ الشَّهادَةِ.

  • عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كُنَّا مع النَّبيِّ في قُبَّةٍ، فقال: أتَرضَونَ أن تَكونوا رُبُعَ أهلِ الجَنَّةِ؟ قُلنا: نَعَم، قال: أتَرضَونَ أن تَكونوا ثُلُثَ أهلِ الجَنَّةِ؟ قُلنا: نَعَم، قال: أتَرضَونَ أن تَكونوا شَطرَ أهلِ الجَنَّةِ؟ قُلنا: نَعَم، قال: والذي نَفسُ مُحَمَّدٍ بيَدِه، إنِّي لَأرجو أن تَكونوا نِصفَ أهلِ الجَنَّةِ؛ وذلك أنَّ الجَنَّةَ لا يَدخُلُها إلَّا نَفسٌ مُسلِمةٌ، وما أنتُم في أهلِ الشِّركِ إلَّا كالشَّعرةِ البَيضاءِ في جِلدِ الثَّورِ الأسودِ، أو كالشَّعرةِ السَّوداءِ في جِلدِ الثَّورِ الأحمَرِ. ((أخرجه البخاري)) #صدق_رسول_الله #كل_يوم_حديث_نبوي #اللهم_صل_وسلم_وبارك_على_سيدنا_محمد -------------------------- شرح الحديث من موقع الدرر السنية لقَد فضَّل اللهُ سُبحانَه وتعالى أُمَّةَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأعلى مَكانتَها، وجعَلَها خَيرَ الأُمَمِ، وأنعَمَ اللهُ تعالَى عليها بأنْ جعَلَها أكثَرَ أهلِ الجنَّةِ. وفي هذا الحديثِ يَحكِي عبْدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيْنَما كان في قُبَّةٍ، وهي خيمةٌ ضُرِبتْ له بمِنًى في حَجَّةِ الوَداعِ في السَّنَةِ العاشِرةِ مِنَ الهِجرةِ، وكانَ الصَّحابةُ رضِي اللهُ عنهم معه -وفي رِوايةِ مُسلِمٍ: أنهم كانوا «نحْوًا مِن أربعينَ رَجُلًا»- فقال لهم ليُبشِّرَهم: «أتَرْضَوْنَ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ؟» ثم زادهم في البُشرى، فقال: «أَتَرْضَوْنَ أنْ تَكونوا ثُلُثَ أهلِ الجنَّةِ؟» ثم زادهم في البُشرى أكثَرَ، فقال: قال: «أتَرْضَوْن أنْ تَكونوا شَطْرَ أهلِ الجنَّةِ؟» فلما أجابوه بـ«نعَم» في كلِّ مرَّةٍ، أقسَمَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم باللهِ مالِكِ النُّفوسِ وخالِقِها، أنَّه يَرْجو مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ أنْ يَكونوا نِصفَ أهلِ الجنَّةِ، وهذه النِّسبةُ تكونُ مِن أُمَّةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ممَّن أجابُوه وآمَنوا به، مُقابلَ المُؤمِنين مِن الأُمَمِ السَّابقةِ الذين يَدخُلون الجنَّةَ، وقدْ تَدرَّج معهمْ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لِيَسْتَثِيرَ فَرَحَهم، ثُمَّ بيَّن صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ الجنَّةَ لا يَدخُلُها إلَّا نَفْسٌ مُسلِمةٌ، والمرادُ: كُلُّ من شَهِدَ للهِ بالوَحدانيَّةِ، ولنبيِّه بالرِّسالةِ، وهي مُحرَّمةٌ على الكُفَّارِ، ثُمَّ بيَّن لهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ عدَدَ المسلِمين في أرضِ المحشَرِ بالنِّسبةِ لعدَدِ المُشرِكين كنِسبَةِ شَعْرَةٍ بَيْضاءَ في شَعْرِ جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أو كشَعْرَةٍ سَوْداءَ في جِلْدِ الثَّوْرِ الأحمرِ، وهذا قَليلٌ جِدًّا. وفي الحَديثِ: كَرامةُ اللهِ تعالَى لهذه الأُمَّةِ ورَحمتُه بها وتَفضيلُه لها على سائرِ الأُممِ. وفيه: أنَّ مَن مات على الكُفرِ لا يَدخُلُ الجنَّةَ أصلًا. وفيه: إخبارُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن بَعضِ الغَيبيَّاتِ.

  • عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ليس المِسكينُ الذي يَطوفُ على النَّاسِ تَرُدُّه اللُّقمةُ واللُّقمَتانِ، والتَّمرةُ والتَّمرَتانِ، ولَكِنِ المِسكينُ الذي لا يَجِدُ غِنًى يُغنيه، ولا يُفطَنُ به فيُتَصَدَّقَ عليه، ولا يَقومُ فيَسألَ النَّاسَ. ((أخرجه البخاري)) #صدق_رسول_الله #كل_يوم_حديث_نبوي #اللهم_صل_وسلم_وبارك_على_سيدنا_محمد -------------------------- شرح الحديث من موقع الدرر السنية مَدحَ اللهُ تعالَى الْمُتعفِّفِينَ عَن سُؤالِ النَّاسِ على الرَّغمِ مِن حاجتِهم، فقالَ تعالَى: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} [البقرة: 273] ، وكرِهَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِأمَّتِه كَثرةَ السُّؤالِ. وفي هذا الحديثِ يُبيِّنُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ المسكينَ الكامِلَ المَسكنةِ ليس مَن يَتردَّدُ على الأبوابِ، ويَمُرُّ على الناسِ يَسأَلُهم الصَّدقةَ، ويَرُدُّه ويَكفِيه ما يَنالُه مِن اللُّقمةِ أو اللُّقمتَينِ، أو التَّمرةِ أو التَّمرتَينِ؛ وذلك لأنَّه قادِرٌ على تَحصيلِ قُوتِه، كما ذكَرَ اللهُ عزَّ وجلَّ في شَأنِ أصحابِ السَّفينةِ: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} [الكهف: 79] ، فسَمَّاهم اللهُ مَساكينَ مع امتِلاكِهِم للسَّفينةِ. والنَّفيُ في قولِه: «ليس المسكينُ» لا يَعْني نفْيَ أصْلِ المَسكنةِ عن الطَّوافِ، وإنَّما مَعناه نفْيُ كَمالِها، وإنَّما المسكينُ الكاملُ المَسكنةِ هو: المحتاجُ الَّذي لا يَجِدُ ما يُغنيهِ ولا يُظهِرُ ذلك ولا يَسأَلُ النَّاسَ، فلا يَعرِفُ النَّاسُ حاجتَه، فلا يَتصدَّقونَ عليه؛ لِظنِّهم غِناه؛ لِتعفُّفِه عَنِ السُّؤالِ، كما قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273] . وفي الحديثِ: الاستِعفافُ عن المسألةِ. وفيه: حُسنُ الإرشادِ لموضِعِ الصَّدقةِ، وتَحرِّي وَضْعِ الصَّدقةِ في المحتاجِ المُتعفِّفِ عن المسألةِ.

  • والمُرادُ بالعينِ: واسعةُ العَينِ، فتَقُولانِ: «الحمدُ للهِ الَّذي أحْياكَ لنا وأحْيَانَا لكَ»، أي: فهو سُبحانَه الَّذي خَلَقَكَ لنا وخَلَقَنا لكَ، فيَظُنُّ الرَّجُلُ بما أعْطاه اللهُ من نَعيمٍ في الجَنَّةِ أنَّه أخَذَ أعلى مَنزِلةٍ في الجَنَّةِ. وفي الحديثِ: أنَّ المُعَذَّبينَ في النَّارِ من أُمَّةِ التَّوحيدِ غيرُ مُخَلَّدينَ في النَّارِ وسيَخرُجون منها عندما يَأذَنُ اللهُ بذلك. وفيه: بَيانٌ لِعِظَمِ نَعيمِ أهلِ الجنَّةِ في الآخِرةِ مُقارَنةً بأهلِ الدُّنيا؛ إذ أقلُّهم نَعيمًا له مِثلَي نَعيمِ أهلِ الدُّنيا. وفيه: تَرغيبٌ للنَّاسِ في نَعيمِ الجَنَّةِ حتَّى يَزدادوا عملًا. وفيه: إثباتُ الصِّفاتِ للهِ تعالى كما يَليقُ بجَلالِه وعَظمتِه ليس كمِثلِه شيءٌ.

  • عليه وسلَّمَ على ذلك بقولِه: «ورَبُّه يَعْذِرُه»، أي: يَجعَلُه مَعذورًا غيرَ مَلومٍ، فيَقبَلُ منه ولا يَمنعُه إذا طَمِعَ؛ «لأنَّه يَرى ما لا صَبْرَ له عليه» مِنَ النَّعيمِ الَّذي يَراه ولا يَقدِرُ أن يَمتنِعَ عن طَلبِه. فيُقرِّبُه اللهُ عزَّ وجلَّ مِنَ الشَّجرةِ، فيَستَظِلُّ بِظِلِّها ويَشرَبُ من مائها، ثُمَّ تَظهَرُ له شجرةٌ هي أحسَنُ مِنَ الأُولى الَّتي هو تحتَها، فيَطلبُ الرَّجُلُ راجيًا من رَبِّه أن يُقرِّبَه مِنَ الشَّجرةِ الثَّانيةِ؛ ليستظلَّ بظِلِّها ويَشربَ من مائها، ويؤكِّدُ أنَّه لن يسألَ ربَّه عن شَيءٍ آخَرَ بعدَها؛ فيَقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ له: «يا ابنَ آدمَ، أَلَمْ تُعاهِدْني ألَّا تَسْألَني غيْرَها؟» أي: ألَم يَسبِق منكَ هذا العهدُ في الشَّجرةِ الَّتي أنتَ بِقُربِها الآنَ، فيَقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: لَعَلِّي إن أدنَيتُكَ منها وقرَّبتُكَ تَسألْني غيرَها، فتَطمعَ فيما سيَظهرُ لك من نِعَمٍ، فيُعاهِدُ الرَّجُلُ رَبَّه بِمِثلِ ما عاهَدَه في الشَّجرةِ الأُولى، ويُعَلِّقُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بِمِثلِ ما عَلَّقَ عليه في الأُولى بقولِه: «ورَبُّه يَعْذِرُه؛ لأنَّه يَرى ما لا صَبْرَ له عليه»، فيُقرِّبُه اللهُ عزَّ وجلَّ مِنَ الشَّجرةِ الثَّانيةِ، فيَستَظِلُّ بِظِلِّها ويَشرَبُ من مائها، ثُمَّ يُظهِرُ اللهُ له شجرةً ثالثةً قريبةً من بابِ الجَنَّةِ، فيَطمَعُ الرَّجلُ فيها بمِثلِ ما طَمِعَ في الشَّجرتَينِ السَّابِقتَينِ، ويَقَعُ معه مِثلُ ما وَقَعَ في المَرَّتَينِ السَّابقتَينِ، فيُقرِّبُه اللهُ عزَّ وجلَّ مِنَ الشَّجرةِ الَّتي بِجِوارِ بابِ الجَنَّةِ، فإذا ما اقتربَ منها واستَظَلَّ بِظِلِّها، سَمِعَ الرَّجُلُ أصواتَ أهلِ الجَنَّةِ، في مؤانَستِهم مع أزواجِهم، أو في مُحاوَرتِهم مع أصحابِهم، فأرادَ الاستئناسَ بهِم، والتَّقرُّبَ منهم ليَلْتذَّ بنَعيمِهم، فيَطلُبُ الرَّجُلُ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ أن يُدخِلَه الجنَّةَ، فيَسألُه اللهُ عزَّ وجلَّ له: «يا ابنَ آدمَ، ما يَصْرِينِي منكَ؟» أي: ما يَقطَعُ مَسألتَك، وأيُّ شَيءٍ يُرضيك ويَقطُعُ السُّؤالَ بَيني وبينَك، وما الَّذي تَطلُبُه حتَّى تَقنَعَ به وتَكُفَّ عن مَسألتِك لي؟! فقد أجَبتُك إلى ما سألتَ كَرَّةً بعدَ كَرَّةٍ، وأخذتُ ميثاقَك ألَّا تَعُودَ، ولا تَسألَ غيرَه، وأنتَ لا تَفي بذلك، فما الذي يَفصِلُ بيني وبينك في هذه القضيَّةِ؟ ثُمَّ أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ اللهَ تَعالَى قالَ له: أيُرضيكَ أن أُعطِيَكَ مِثلَ نَعيمِ الدُّنيا بأسرِها ومُلكِها وأَزِيدُ لك ضِعفَهُ؟ وهذا ليَنقطِعَ طلبُ هذا العبدِ، فقال العبدُ: يا رَبِّ، أتَستَهزِئُ مِنِّي وأنتَ رَبُّ العالمينَ؟! وإنَّما قال ذلك على سَبيلِ الفرحِ والاستِبشارِ؛ فلم يَضبِطْ لِسانَه بسَببِ الدَّهشَةِ والفرحِ بما عَرَضَ عليه اللهُ عزَّ وجلَّ. فضَحِكَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ، فقال لأصحابِه: ألَا تَسألوني: مِمَّ أضحكُ؟ فسَألَه أصحابُه: مِمَّ تَضحَكُ؟ قال ابنُ مَسعُودٍ: هكذا ضَحِكَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أي: عندما انتَهى من قولِ الحديثِ؛ فقال أصحابُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مِمَّ تَضحَكُ يا رسولَ اللهِ؟ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: من ضَحِكِ رَبِّ العالمينَ حين قال الرَّجُلُ: أتَستَهزِئُ مِنِّي وأنتَ رَبُّ العالمينَ؟! وفي رِوايةٍ: أَتَسْخَرُ بي أَوَتَضْحَكُ بي وأنتَ المَلِكُ؟! والضَّحِكُ منَ اللهِ تَعالَى ومِن رَسولِه وإن كانا مُتَّفِقَينِ في اللَّفظِ، فإنَّهما مُتَبايِنانِ في المعنى؛ فإنَّ صِفاتِ اللهِ لا تُشابِه صِفاتِ المَخلوقينَ، فهو ضَحِكٌ يَليقُ بكَمالِه وجَلالِه سُبحانَه وتعالَى، وإنَّما ضَحِكَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لضَحِكِ ربِّ العالَمينَ، وأمَّا ضَحِكُ ابنِ مَسعُودٍ فكان اقتِداءً برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. ثُمَّ يَقولُ اللهُ تَعالَى للرَّجُلِ: إنّي لا أستَهزِئُ منكَ، أي: إنِّي لا أقولُ لك ذلك ولن أُعطيَك، ولكنِّي على ما أشاءُ قادِرٌ على أن أُعطِيَك مِثلَ نَعيمِ الدُّنيا وضِعفَ ذلك ولن يَنقُصَ من مُلكي شَيءٌ. وفي تَتمَّةٍ عندَ مُسلِمٍ من حديثِ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ رَضيَ اللهُ عنه، أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أخبَرَ «وَيُذَكِّرُهُ اللهُ: سَلْ كذا وكذا»، أي: يُذكِّرُ الرَّجلَ الَّذي يَكونُ أقلَّ أهلِ الجَنَّةِ مَنزِلةً بما في الجَنَّةِ من نَعيمٍ غابَ عنه، ويُسمِّي له ما فيها، «فإذا انقطعَتْ به الأمانيُّ»، أيِ: انتهَت مَطالِبُه، ونَفِدَت رَغباتُه، قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: هو لك ومعه عَشَرةُ أضعافِ ما تمنِّيتَ وطلَبتَ، ثُمَّ يَدخُلُ الرَّجلُ بَيتَه الذي في الجَنَّةِ، «فتَدخُلُ عليه زَوْجتاهُ مِنَ الحُورِ العِينِ»، والحُورُ العينُ: نِساءُ أهلِ الجَنَّةِ، والمُرادُ بالحَوراءِ: الشَّديدَةُ بَياضِ العَينِ الشَّديدةُ سَوادِها،

  • عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: آخِرُ مَن يَدخُلُ الجَنَّةَ رَجُلٌ، فهو يَمشي مَرَّةً، ويَكبو مَرَّةً، وتَسفَعُه النَّارُ مَرَّةً، فإذا ما جاوزَها التَفَتَ إليها، فقال: تَبارَك الذي نَجَّاني مِنكِ، لقد أعطاني اللهُ شيئًا ما أعطاه أحَدًا مِنَ الأوَّلينَ والآخِرينَ، فتُرفَعُ له شَجَرةٌ، فيَقولُ: أي رَبِّ، أدنِني مِن هذه الشَّجَرةِ فلأستَظِلَّ بظِلِّها، وأشرَبَ مِن مائِها، فيَقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: يا ابنَ آدَمَ، لَعَلِّي إنَّ أعطَيتُكَها سَألتَني غَيرَها، فيَقولُ: لا، يا رَبِّ، ويُعاهِدُه أن لا يَسألَه غَيرَها، ورَبُّه يَعذِرُه لأنَّه يَرى ما لا صَبرَ له عليه، فيُدنيه مِنها، فيَستَظِلُّ بظِلِّها، ويَشرَبُ مِن مائِها، ثُمَّ تُرفَعُ له شَجَرةٌ هي أحسَنُ مِنَ الأولى، فيَقولُ: أي رَبِّ، أدنِني مِن هذه لأشرَبَ مِن مائِها، وأستَظِلَّ بظِلِّها، لا أسألُك غَيرَها، فيَقولُ: يا ابنَ آدَمَ، ألَم تُعاهِدْني أن لا تَسألَني غَيرَها، فيَقولُ: لَعَلِّي إن أدنَيتُك مِنها تَسألُني غَيرَها، فيُعاهِدُه أن لا يَسألَه غَيرَها، ورَبُّه يَعذِرُه لأنَّه يَرى ما لا صَبرَ له عليه، فيُدنيه مِنها فيَستَظِلُّ بظِلِّها، ويَشرَبُ مِن مائِها، ثُمَّ تُرفَعُ له شَجَرةٌ عِندَ بابِ الجَنَّةِ هي أحسَنُ مِنَ الأولَيَينِ، فيَقولُ: أي رَبِّ، أدنِني مِن هذه لأستَظِلَّ بظِلِّها، وأشرَبَ مِن مائِها، لا أسألُك غَيرَها، فيَقولُ: يا ابنَ آدَمَ، ألَم تُعاهِدْني أن لا تَسألَني غَيرَها، قال: بَلى يا رَبِّ، هذه لا أسألُك غَيرَها، ورَبُّه يَعذِرُه لأنَّه يَرى ما لا صَبرَ له عليها، فيُدنيه مِنها، فإذا أدناه مِنها فيَسمَعُ أصواتَ أهلِ الجَنَّةِ، فيَقولُ: أي رَبِّ، أدخِلنيها، فيَقولُ: يا ابنَ آدَمَ ما يَصريني مِنك؟ أيُرضيك أن أُعطيَك الدُّنيا ومِثلَها معها؟ قال: يا رَبِّ، أتَستَهزِئُ مِنِّي وأنتَ رَبُّ العالَمينَ؟ فضَحِك ابنُ مَسعودٍ، فقال: ألا تَسألوني مِمَّ أضحَكُ؟ فقالوا: مِمَّ تَضحَكُ؟ قال: هَكَذا ضَحِك رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالوا: مِمَّ تَضحَكُ يا رَسولَ اللهِ؟ قال: مِن ضَحِكِ رَبِّ العالَمينَ حينَ قال: أتَستَهزِئُ مِنِّي وأنتَ رَبُّ العالَمينَ؟ فيَقولُ: إنِّي لا أستَهزِئُ مِنك، ولَكِنِّي على ما أشاءُ قادِرٌ. ((أخرجه مسلم)) #صدق_رسول_الله #كل_يوم_حديث_نبوي #اللهم_صل_وسلم_وبارك_على_سيدنا_محمد -------------------------- شرح الحديث من موقع الدرر السنية الجَنَّةُ هي دارُ النَّعيمِ المُقيمِ الذي أعدَّه اللهُ لعِبادِه المُتَّقينَ المؤمِنينَ، ومَن رأى هولَ المَحشَرِ والقيامةِ، ثُمَّ فازَ بالجَنَّةِ؛ فإنَّه يَعلَمُ مِقدارَ نِعمةِ اللهِ وفَضلِه عليه، ومع ذلك فإنَّ الكريمَ الرَّحيمَ يَتكرَّمُ على عِبادِه بأفضالِه ومَثوبتِه، ويَزيدُهم من نِعَمِه وكَرامتِه. وفي هذا الحديثِ بَيانٌ لِعَظَمةِ اللهِ ورَحمتِه وجَزيلِ عَطائه لِعبدِه؛ فيُخبِرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ آخِرَ مَن يَدخُلُ الجنَّةَ رجُلٌ، يكونُ من شأنِه قبْلَ دُخولِها أنَّه يَمشي مَشيًا ضَعيفًا مَرَّةً، ويَسقُطُ على وَجهِه مَرَّةً؛ وذلك من شِدَّةِ ما كان فيه مِنَ الخوفِ والفزَعِ، «وتَسْفَعُه النَّارُ مَرَّةً»، وتُصيبُه النَّارُ وتُحرِقُه مَرَّةً، وفي هذا تَصويرٌ لِما يَحدُثُ مِنَ الرَّجُلِ قبلَ أن يُقبِلُ على المَولى جَلَّ شأنُه، والسَّفعُ: الضَّربُ على الوجه مُؤثِّرًا فيه بعَلامةٍ، فإذا ما ابتعدَ العبدُ عنِ النَّارِ، التَفَتَ إليها، فنظرَ إليها بَوجهِه، وقالَ الرَّجلُ: «تبارك»، أي: جَلَّ شأنُه على سائرِ خَلقِهِ، الَّذي أنقَذَني مِنَ النَّارِ، ومن شِدَّةِ فَرَحِه يُحدِّثُ نفسَه أنَّه قد أعْطاه اللهُ شيئًا، ومَنَّ عليه وفضَّلَه بنِعَمِه وكَرَمِه بهذا الأمرِ الذي ما أكرمَ به أحدًا من خَلقِه غيرَه، فأثنَى الرَّجلُ على اللهِ عزَّ وجلَّ بما أنجاه مِنَ النَّارِ، وأعَدَّ نَجاتَه مِنَ النَّارِ هي من أعظَمِ نِعَمِ اللهِ عليه. ثُمَّ بَيَّنُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ الرَّجُلَ لم يَكتفِ بنِعمةِ نَجاتِه من النَّارِ، بل صار يَطمَعُ في كَرمِ اللهِ وفضلِه عليه، فأخبَرَنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ الرَّجلَ وهو على تلك الحالِ، ظهَرت له شَجرةٌ، فيَقولُ الرَّجُلُ راجيًا رَبَّه: يا رَبِّ، قَرِّبني من هذه الشَّجرةِ، «فَلِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّها»، أي: أنعَمَ وأنتفِعَ بظِلِّها، «وأشْرَبَ من مائِها»، وفي هذا إشارةٌ إلى ما كانَ بِجِوارِ الشَّجرةِ من ماءٍ. فيَقولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: «يا ابنَ آدمَ، لَعَلِّي إنْ أَعْطَيْتُكَها»، أي: قرَّبتُكَ منها، «سَألْتَني غيْرَها»، بأنْ تَطمَعَ فيما هو أفضَلُ من ذلك، فيَقولُ الرَّجُلُ مُجاوِبًا رَبَّه: لا يا رَبِّ، لن أطمَعَ في غيرِها، ويُعاهِدُ اللهَ ألَّا يَسألَه غيرَها مِمَّا سيَظهَرُ له، ويُعَلِّقُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ

  • عن بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه، أن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: أهْلُ الجنَّةِ عِشرونَ ومائةُ صفٍّ ثمانونَ منها من هذهِ الأمَّةِ وأربَعونَ من سائرِ الأمم. ((أخرجه الترمذي)) #صدق_رسول_الله #كل_يوم_حديث_نبوي #اللهم_صل_وسلم_وبارك_على_سيدنا_محمد -------------------------- شرح الحديث من موقع الدرر السنية كرَّم اللهُ سبحانه وتعالى الأمَّةَ الإسلاميَّةَ وأحسَن إليها فضْلًا منه ورحْمةً، وتكرِيمًا لنَبيِّه، فجعَلها أكثَرَ الأُمَمِ دُخولًا للجنَّةِ. وفي هذا الحديثِ يقولُ الرَّسولُ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "أهْلُ الجنَّةِ عِشرون ومِئةُ صَفٍّ، ثَمانون منها مِن هذه الأمَّةِ"، أي: ثَمانون صفًّا مِن أمَّةِ الإسلامِ، "وأربعون مِن سائِرِ الأُمَمِ"، أي: أربعون صفًّا مِن باقي الأمَمِ، فيَزِيدُ بذلك عدَدُ أمَّةِ الإسلامِ عن النِّصفِ فيَصِلُ إلى الثُّلثينِ مِن جملَةِ الصُّفوفِ الَّتي تدخُلُ الجنَّةَ؛ كرامَةً مِن اللهِ سبحانه وتعالى لهذه الأمَّةِ، وقيل: الثَّمانون صَفًّا تُساوي الأربعين صفًّا، فتكونُ الأُمَّةُ حينَئذٍ نِصْفَ العدَدِ، وإنْ زادَتْ في الصُّفوفِ كما رجَا النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم ذلك للأمَّةِ؛ كما في حديثٍ آخَرَ، ولكنَّ الظَّاهرَ مُساواةُ الصُّفوفِ لبعْضِها، وقيل: رَجاءُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم يُحتَملُ أنَّه رَجا النِّصفَ، فزادَه اللهُ أكثَرَ ممَّا أرادَ؛ فضْلًا منه سبحانه وتعالى. وفي الحديثِ: بيانُ فَضلِ اللهِ سبحانَه وتعالَى على أُمَّةِ الإسلامِ.

  • عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: لا يَمنَعَنَّ أحَدَكُم -أو أحَدًا مِنكُم- أذانُ بلالٍ مِن سَحورِه؛ فإنَّه يُؤَذِّنُ -أو يُنادي بلَيلٍ- ليَرجِعَ قائِمَكُم، وليُنَبِّهَ نائِمَكُم، وليسَ أن يَقولَ الفَجرُ -أوِ الصُّبحُ- وقال بأصابِعِه ورَفَعَها إلى فوقُ وطَأطَأ إلى أسفَلُ حتَّى يَقولَ هَكَذا، وقال زُهَيرٌ بسَبَّابَتَيه إحداهما فوقَ الأُخرى، ثُمَّ مَدَّها عن يَمينِه وشِمالِه. ((أخرجه البخاري)) #صدق_رسول_الله #كل_يوم_حديث_نبوي #اللهم_صل_وسلم_وبارك_على_سيدنا_محمد -------------------------- شرح الحديث من موقع الدرر السنية مِن هَدْيِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ جَعَلَ للفجْرِ أذانينِ؛ الأوَّلُ: أذانٌ باللَّيلِ قبْلَ دُخولِ الوقتِ بمُدَّةٍ؛ لِيَستيقظَ النائمُ، ويَنتبِهَ القائمُ، ويَتسحَّرَ مَن أراد الصِّيامَ. والثاني: أذانٌ عندَ دُخولِ وَقتِ الفجْرِ، وهو الذي يُمسِكُ الناسُ فيه عن الطَّعامِ والشَّرابِ، ويَبدَأُ الصَّومُ.وفي هذا الحديثِ بَيانُ ذلك، حيث يُخبِرُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ أذانَ بِلالِ بنِ رَباحٍ رَضيَ اللهُ عنه لصَلاةِ الصُّبحِ إنَّما يكونُ قبْلَ دُخولِ الوقتِ، فلا يَمنعَنَّ هذا الأذانُ أحدًا مِن سَحورِه، والسَّحورُ -بالفتْحِ-: ما يُؤكَلُ، والسُّحُورُ -بالضَّمِّ-: هو فِعلُ التَّسحُّرِ، أي: تَناوُلُ الطَّعامِ قَبْلَ دُخولِ الفَجْرِ لمَنْ نوَى الصِّيامَ، وسَببُ عدَمِ الامتناعِ عن السُّحورِ بأذانِ بِلالٍ أنَّه إنَّما يُؤذِّنُ في اللَّيلِ قبْلَ دُخولِ وَقتِ الصَّلاةِ؛ مِن أجْلِ إعْلامِ القائِمِ المُصلِّي باللَّيلِ بقُربِ الفَجرِ، فيَرجِعُ لنَومِه قَليلًا؛ ليَقومَ للفجْرِ نَشِيطًا، أو يكون له حاجةٌ في السُّحورِ فيَقومُ لسُحورِه، وليُوقِظَ النائمَ؛ لِيَتأهَّبَ للصَّلاةِ.ويُبيِّنُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الفرْقَ بيْن الفجْرِ الكاذبِ والصَّادقِ؛ فالفجْرُ الكاذبُ ليس بشَيءٍ، فلا يُمسِكُ عنده الصائمُ ولا يُصلِّي الناسُ فيه صَلاةَ الفجْرِ، وعَلامتُه أنَّه نُورٌ مُستطيلٌ يَظهَرُ بطُولِ السَّماءِ، ولذا أشار النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأصابعِه مِن أعْلى لأسفَلَ، مُبيِّنًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بهذه الإشارةِ أنَّ هذا النُّورَ المُستطيلَ مِن أعلى إلى أسفَلَ ليس هو الفجْرَ، وإنَّما الفجْرُ الصادقُ الذي يُمسِكُ عندَه الصائمُ، وبه يَدخُلُ وَقتُ الصَّلاةِ؛ هو ذلك النُّورُ الذي يَظهَرُ بعَرْضِ الأُفقِ، وعبَّرَ عنه في الحديثِ بقولِه: «حتَّى يَقُولَ هَكَذَا»، بمعنى: حتَّى يَظهَرَ الفجْرُ هكذا مُشيرًا إلى عَرْضِ السَّماءِ، وبيَّنَ زُهيرُ بنُ مُعاوِيةَ الجُعْفِيُّ إشارةَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأشار بِسبَّابتَيه اللَّتينِ تَليانِ الإبْهامَ، وجعَلَ إحداهما فَوقَ الأُخْرى، ثُمَّ مَدَّهما عَن يَمينِه وشِمالِه؛ يُبَيِّن أنَّ الفَجرَ الصَّادِقَ هو النُّورُ الَّذي يَعترِضُ الأُفُقَ في جِهةِ الشَّرقِ جَنوبًا وشِمالًا. وفي الحديثِ: زِيادةُ الإيضاحِ بالإشارةِ تَأكيدًا للتَّعليمِ.وفيه: بَيانُ الفرْقِ بيْن الفَجْرِ الصادقِ والكاذِبِ.وفيه: أنَّ وَقتَ صَلاةِ الفَجرِ وآخِرَ وقتِ السُّحورِ بعْدَ طُلوعِ الفجْرِ الصادقِ.

  • عن عمران بن الحصين رضي الله عنه، دَخَلتُ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وعَقَلتُ ناقَتي بالبابِ، فأتاه ناسٌ مِن بَني تَميمٍ، فقال: اقبَلوا البُشرى يا بَني تَميمٍ. قالوا: قد بَشَّرتَنا فأعطِنا، مَرَّتَينِ. ثُمَّ دَخَلَ عليه ناسٌ مِن أهلِ اليَمَنِ، فقال: اقبَلوا البُشرى يا أهلَ اليَمَنِ إذ لَم يَقبَلْها بَنو تَميمٍ. قالوا: قد قَبِلنا يا رَسولَ اللهِ. قالوا: جِئناكَ نَسألُكَ عن هذا الأمرِ؟ قال: كان اللهُ ولَم يَكُنْ شَيءٌ غَيرُه، وكان عَرشُه على الماءِ، وكَتَبَ في الذِّكرِ كُلَّ شيءٍ، وخَلَقَ السَّمَواتِ والأرضَ. فنادى مُنادٍ: ذَهَبَت ناقَتُكَ يا ابنَ الحُصَينِ، فانطَلَقتُ، فإذا هي يَقطَعُ دونَها السَّرابُ، فواللهِ لَودِدتُ أنِّي كُنتُ تَرَكتُها. ((أخرجه البخاري)) #صدق_رسول_الله #كل_يوم_حديث_نبوي #اللهم_صل_وسلم_وبارك_على_سيدنا_محمد -------------------------- شرح الحديث من موقع الدرر السنية إنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالَى هو الحَقُّ الواحِدُ الأحَدُ، المُتَّصِفُ بصِفاتِ الجَلالِ والكَمالِ، وقدْ أخبَرَنا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن بِدايةِ الخَلقِ ونِهايَتِه حتَّى نَستَشعِرَ عَظَمَتَه سُبحانَه. وفي هذا الحَديثِ يَذكُر عِمرانُ بنُ حُصَيْنٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه دَخَلَ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ذاتَ مَرَّةٍ في المَسجِدِ النَّبويِّ، وقبْلَ دُخولِه عَقَلَ ناقَتَه بالبابِ، أي: رَبَطَها بحَبلٍ يُسَمَّى العِقالَ، وفي هذا اليَومِ جاءَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ناسٌ مِن قَبيلةِ بَني تَمِيمٍ، فتَلقَّاهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بما يَشرَحُ الصُّدورَ، فقال: «اقبَلوا البُشْرى يا بَني تَميمٍ» بما أتحَدَّثُ به إليكم بما يَقتَضي أنْ تُبَشَّروا بالجَنَّةِ، فقالوا: «قد بَشَّرتَنا فأعطِنا. مَرَّتَيْن»؛ فجُلَّ اهتِمامِهم كان بالدُّنيا، فلمْ يَفهَموا مِنَ البُشرى إلَّا العَطاءَ المادِّيَّ فقطْ. ثمَّ دَخَلَ عليه ناسٌ مِن أهلِ اليَمَنِ، وهمُ الأشعَريُّونَ، وهُم قَبيلةٌ مِنَ اليَمَنِ، فقال: «اقبَلوا البُشْرى»، أي: اقبَلوا مِنِّي هذا الخَبَرَ، حيث لم يَقبَلْه بَنو تَميمٍ، فقالوا: «قَبِلْنا يا رَسولَ اللهِ» مِنكَ ذلك، فهاتِ ما عِندَكَ؛ فإنَّما جِئناكَ نَسألُكَ عن هذا الأمْرِ، كأنَّهم سَألوه عن أحوالِ هذا العالَمِ، فأخَذَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُحدِّثُ عن بَدءِ الخَلقِ وأوَّلِ الأمرِ، فأخبَرَ أنَّه كان اللهُ سُبحانَه في الأزَلِ مُتفَرِّدًا وَحدَه، ولم يَكُنْ شَيءٌ غَيرُه، لا الماءُ ولا العَرشُ ولا غَيرُهما، كما قال تعالى {هُوَ الْأَوَّلُ} [الحديد: 3] وقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كما في الصَّحيحِ: (اللَّهُمَّ أنت الأوَّلُ فليس قَبلك شَيءٌ)، ثم خلَق اللهُ تَعالى الخلقَ قال سُبحانَه: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] ، ثم قال: «وكان عَرشُه على الماءِ»، والمُرادُ بالعَرشِ: عَرشُ الرَّحمنِ الذي استَوى عليه جَلَّ جَلالُه وعَلا وارتفَعَ، وهو أعلى المَخلوقاتِ وأكبَرُها وأعظَمُها، وَصَفَه اللهُ بأنَّه عَظيمٌ، وبأنَّه كَريمٌ. وأنَّه كَتَبَ في الذِّكرِ أي اللَّوحِ المَحفوظِ جَميعَ ما هو كائِنٌ إلى يَومِ القِيامةِ، وخَلَقَ السَّمَواتِ والأرضَ. وخُلاصةُ المَعنى: أنَّ اللهَ كان قبْلَ كُلِّ شَيءٍ، ولم يَكُنْ أيُّ شَيءٍ غَيرُه مَوجودًا، ثمَّ خَلَقَ سبحانه العَرشَ والماءَ وخَلَقَ القَلَمَ واللَّوحَ المَحفوظَ وخَلَقَ السَّمَواتِ والأرضَ. ويَحكي عِمرانُ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه في هذه الأثناءِ نادى عليه مُنادٍ: ذَهَبتْ ناقتُكَ يا ابنَ الحُصَينِ، والمُرادُ أنَّها فَكَّتْ عِقالَها وهَرَبتْ، فذَهَبَ عِمرانُ خَلْفَها، فإذا هي قدِ ابتَعَدتْ كَثيرًا، حتَّى حالَ دُونَها السَّرابُ، ثمَّ أقسَمَ عِمرانُ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه تَمَنَّى لو تَرَكَها تَذهَبُ، وأنَّه بَقيَ في مَجلِسِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ لِيَسمَعَ باقيَ الحَديثِ. وفي الحَديثِ: بَيانُ أنَّ اللهَ تعالى هو الأوَّلُ فليس قَبلَه شَيءٌ. وفيه الإخبارُ عن بَدءِ الخَلقِ. وفيه: الحَثُّ والتَّرغيبُ على مَجالِسِ العِلمِ. وفيه: تَقديمُ طلَبِ العلمِ على طَلَبِ المالِ.

  • «وَيْلُ أُمِّهِ! مِسْعَرَ حَربٍ، لَوْ كانَ لهُ أحدٌ»، والوَيْلُ: العذابُ، وهيَ كلِمةٌ أصلُها دُعاءٌ على الشَّخصِ، ولكنَّها استُعمِلتْ هُنا للتَّعجُّبِ من عَملِهِ، و«مِسْعَرُ حَربٍ»: مُحرِّكٌ للحربِ ومُوقِدٌ لنارِها، والمرادُ: أنَّ الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تَعجَّبَ مِن فِعلةِ أبي بَصيرٍ، حتَّى وَصَفَه بأنَّه مُحرِّكٌ للحربِ ومُوقِدُها لو كانَ معَه أحدٌ يَنصُرُهُ ويُعاضِدُه، فعرَفَ أبو بَصيرٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سيَردُّهُ إلى قُريشٍ بعْدَ كلِمتِهِ هذِه، فخَرَجَ حتَّى أَتى سِيفَ البحرِ، و«سِيفُ البَحرِ» بكَسرِ السِّينِ، وهو على ساحلُ البحرِ، وكان في طَريقِ أهلِ مكَّةَ إذا قَصَدوا الشَّامَ، فانفَلَتَ إِليهِ أبو جَندَلِ بنُ سُهيلٍ؛ أي تَخلَّصَ مِن قُريشٍ بالذِّهابِ إلى أبي بَصيرٍ، كما لَحِقَ بهِ كلُّ رجُلٍ أسْلَمَ مِن قُريشٍ بعْدَ الصُّلحِ، حتَّى اجتَمعتْ مِنهم عِصابةٌ -جَماعةٌ تُقدَّر الأَربعينَ فما فوقَ ذلكَ- فما يَسمَعونَ بِعِيرٍ خَرَجتْ لقُريشٍ إلى الشام إلَّا اعترَضوا لها، فقتَلوهُمْ وأَخَذوا أَموالَهمْ، والمرادُ بالعِيرِ: القافِلةُ، فتَضرَّرتْ قُريشٌ مِن هذا، حتَّى إنَّها أرسَلَتْ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، تُناشِدُهُ باللهِ والرَّحِمِ الذي بيْنهمْ أنْ يُرسِلَ إلى أَبي بَصيرٍ ومَن معَه ليَكُفُّوا عنهُمْ ما يَفعَلون، وأنَّ مَن أَتى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فهو آمِنٌ، وليسَ على الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَرُدَّهُ إلى قُريشٍ، ففَعَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأرسَلَ إلَيهمْ، فأنْزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ على إثرِ هذا الحدَثِ قولَهُ تعالَى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} [الفتح: 24-26] ، والحَمِيَّةُ: هي التَّعصُّبُ لغيرِ الحقِّ، وكانتْ حَمِيَّةُ قريشٍ أنَّهم لم يُقِرُّوا أنَّهُ نَبيُّ اللهِ، ولم يُقِرُّوا بِـ«بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ»، وحالُوا بيْنهمْ وبيْن البيتِ. وفي الحديثِ: أنَّ اللهَ تعالَى يَنصُرُ هذا الدِّينَ بما قدْ يَظُنُّ البعضُ أنَّه خِذلانٌ، وأنَّ الفرَجَ مع الصَّبرِ. وفيه: أنَّ طاعةَ اللهِ ورسولِه واجبةٌ دونَ النَّظرِ إلى مَعرفةِ الحِكمةِ مِن الأمْرِ أو النَّهيِ. وفيه: أنَّ بَعضَ الأمورِ قدْ تَخفى على ذَوي العُقولِ والبَصيرةِ. وفيه: أنَّ الدِّينَ مَبنيٌّ على التَّسليمِ لأمرِ اللهِ سُبحانه والطَّاعةِ لرَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

  • يقولُ عمرُ رَضيَ اللهُ عنه بعْدَ مَوقفهِ هذا: «فعَمِلتُ لذلكَ أَعمالًا»، أي: فَعلْتُ أعْمالًا صالحةً عَسى أنْ يُكفِّرَ اللهُ لي بهِا مَوقفي هذا. فلمَّا قَضى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كِتابَهُ وانعَقَدَ الصُّلحُ الذي بيْنهُ وبيْن قُريشٍ، أمَرَ الصَّحابةَ أنْ يَنحَرُوا ويَحلِقوا، فلمْ يَستجِبْ منهمْ أحدٌ لأمرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، حتَّى إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَها ثَلاثَ مرَّاتٍ، وفي كلِّ مرَّةٍ لم يَستجِبْ أحدٌ مِنَ الصَّحابةِ، ولعلَّهم تَأخَّروا في تَنفيذِ أمْرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ رَجاءَ نُزولِ الوحيِ بإبطالِ الصُّلحِ المذكورِ؛ لِيَتمَّ لهم قَضاءُ نُسُكِهم. فدَخَلَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على زَوجتِه أُمِّ سَلَمةَ يَشكو إليها امتِناعَ أصحابِهِ رِضوانُ اللهِ عَليهِمْ مِن تَلبِيةِ أَوامرِهِ، فأشارتْ عليه أمُّ سَلَمةَ رَضيَ اللهُ عنها على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بألَّا يَتكلَّمَ معَ أحدٍ منهمْ كلمةً حتَّى يَنحَرَ بُدْنَه، ويَدْعوَ حالِقه فيَحلِقَه، فرَضيَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما قالتْ، فخرَجَ وفعَلَ ما أَشارتْ بهِ، فلمَّا رأى الصَّحابةُ فِعلَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قاموا ففَعلوا فِعلَهُ واهتَدَوْا بِهَدْيِهِ، حتَّى كادَ بَعضُهم يَقْتُلُ بَعضًا غمًّا، أي: حُزنًا على أنَّهم صُدُّوا عن البيتِ ولم يُكْمِلوا نُسكَهم، ولتَحقُّقِهم بفِعلِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ذلك أنَّ الأمرَ نافذٌ، وأنَّ الوحيَ لم يَنزِلْ ولم يُبطِلِ اللهُ الصُّلحَ وشُروطَه المجحِفةَ، وأنَّهم بذلك قدْ تأخَّروا في تَنفيذِ أمْرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الأوَّلِ لهم بالتَّحلُّلِ والحَلقِ والنَّحْرِ. ثمَّ جاءَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نِسوةٌ مُؤمناتٌ بعْدَ كِتابةِ الصُّلحِ، فأنْزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ قولَهُ تعالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: 10] ، والمرادُ: أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أمَرَ نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَقْبَلَ النِّساءَ التي أَتتْ إليهِ بعْدَ اختِبارِهنَّ بعْدَ أنْ عُرِفوا أنَّهنَّ إنَّما جِئنَ رَغبةً في الإسلامِ، وبعْدَ التأكُّدِ لا يُعيدُ المسلمونَ النِّساءَ المؤمناتِ إلى الكفَّارِ، وعلى المؤمنينَ ألَّا يَستمْسِكوا بزَوجاتِهم الكافراتِ، فطَلَّقَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه يَومئذٍ امرأَتينِ كانَتا زَوجتَينِ له في الشِّركِ، فتَزوَّجَ إحداهما مُعاويةُ بنُ أبي سُفيانَ، والأُخرى صَفوانُ بنُ أمَّيةَ. ثمَّ رجَعَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى المدينةِ، فجاءَ أبو بَصيرٍ -وهو رجُلٌ مِن قُريشٍ- إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في المدينةِ وهو مُسلِمٌ، فأَرسَلَتْ قُريشٌ في طَلبِهِ رجُلَيْنِ، وذَكَروا للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ العَهدَ الذي بيْنهمْ وبيْنهُ في ردِّ كلِّ مَن يَأتي مُسلِمًا مِن قُريشٍ، فردَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أبا بَصيرٍ لهمْ، فخَرَجَ الرَّجلانِ اللَّذينِ أرْسَلَتْهما قُريشٌ بأَبي بَصيرٍ مِن المدينةِ، حتَّى إذا كانوا بِذي الحُلَيفةِ نَزَلوا يَأكُلونَ مِن تَمْرٍ لهمْ، فاستَغلَّ أبو بَصيرٍ رَضيَ اللهُ عنه الموقِفَ وخادَعَ الرَّجلينِ اللَّذَينِ كانا معَه، فقالَ لأحدِهما: واللهِ إنِّي لأَرى سَيفَكَ هذا يا فلانُ جيِّدًا، فاستَلَّهُ صاحبُ السَّيفِ له، أي: سَحَبَه مِن جِرابهِ، وبدَأَ الرَّجلُ يَمدَحُ في سَيفهِ له، فطَلَبَ أبو بَصيرٍ أنْ يُرِيَه سَيْفَه ويَضَعَهُ في يَدِهِ، فأعْطاهُ الرَّجلُ له، فضرَبَهُ أبو بَصيرٍ بالسَّيفِ حتَّى برَدَ، أي: ماتَ، فلمَّا رأَى ذلكَ الرَّجلُ الآخَرُ فرَّ هاربًا نحْوَ المدينةِ حتَّى دَخلَ مَسجِدَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَعْدُو، أي: يُسرِعُ، فقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حينَ رآهُ: «لقدْ رأَى هذا ذُعرًا»، أي: فَزَعًا وخَوفًا، فلمَّا انتهى إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: قُتِلَ واللهِ صاحِبي، وإنِّي لَمقتولٌ، فجاءَ أَبو بَصيرٍ، فقالَ: يا نَبيَّ اللهِ، قدْ -واللهِ- أَوفَى اللهُ ذِمَّتكَ؛ قدْ رَددْتَني إليهِمْ، ثمَّ أنْجاني اللهُ منهمْ، فليسَ عليكَ حرَجٌ بعْدَما وَفَّيتَ لهم عَهدَهُمْ، وقالَ أبو بَصيرٍ ذلكَ ظنًّا منهُ أنَّ الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سيَرْضَى بهِ ويُبقِي عليه، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ:

  • كاتِبَه -هوَ: علِيُّ بنُ أبي طالبٍ- وبدَأَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كتابَهُ بِـ«بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ»، فاعترَضَ سُهيلٌ على قولِهِ: «الرَّحمنِ»، وقالَ: «أمَّا الرَّحمنُ فواللهِ ما أَدْري ما هوَ، ولكنِ اكْتُبْ بـِ(اسمِكَ اللَّهمَّ) كما كُنتَ تَكتُبُ»، وقدْ كانَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في بَدءِ الإسلامِ يَكتُبُ ذلكَ، فاعترَضَ الصَّحابةُ على تَغييرِ البَسْملةِ، فنزَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على رَغبةِ سُهَيلٍ، وطلَبَ مِن كاتِبهِ أنْ يَكتُبَ «باسمِكَ اللَّهُمَّ»، ثمَّ استَكمَلَ الكتابةَ، وفِيها: «هذا ما قاضَى عليْهِ مُحمَّدٌ رسولُ اللهِ»، فاعتَرَضَ سُهيلٌ، وقالَ: واللهِ لو كنَّا نَعلَمُ أنكَ رسولُ اللهِ ما صدَدْناكَ عنِ البيتِ، ولا قاتَلْناكَ، ولكنِ اكتُبْ: «مُحمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ». فأجابَهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقالَ: «واللهِ إِنِّي لرسولُ اللهِ وإنْ كذَّبتُموني، اكتُبْ (مُحمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ)»، وما فعَلَهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تَصديقًا لقولِه: «والَّذي نَفْسي بيدِهِ، لا يَسأَلُوني خُطَّةً يُعظِّمونَ فيها حُرُماتِ اللهِ إلَّا أَعْطَيتُهمْ إيَّاها». ثمَّ بَدَؤوا في كِتابةِ شُروطِ الصُّلحِ، وفيها: أنْ تُخَلُّوا بَيْننا وبيْنَ البيتِ لِنَطوفَ بهَ، فأقرَّهُ سُهيلٌ، ولكنْ على أنْ يكونَ الطَّوافُ في العامِ المُقبلِ؛ حتَّى لا تَتحدَّثَ العربُ أنَّهمْ أُخِذوا ضُغْطةً، أي: قَهرًا وإجبارًا، فوافَقَهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ومِنها أيْضًا: وأنَّهُ لا يَأتي رَجلٌ مِن قُريشٍ مُسلِمًا لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، إلَّا رَدَّهُ عليهمْ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقدِ اعترَضَ الصَّحابةُ على هذا الشَّرْطِ، وقالوا مُتعجِّبينَ: سُبحانَ اللهِ! كيفَ يُرَدُّ إلى المُشركينَ وقدْ جاءَ مسلِمًا؟! فبَيْنما هُم كذلكَ يَتفاوَضونَ على هذا الشَّرطِ إذْ دخَلَ أَبو جَندلِ بنُ سُهَيلِ بنِ عَمرٍو يَرسُفُ في قُيودِهِ، وقدْ خرَجَ مِن أسفلِ مكَّةَ حتَّى رَمى بِنفْسهِ بيْنَ أظهُرِ المُسلمينَ، والرَّسْفُ: المَشيُ البَطيءُ بسَببِ القُيودِ، فلمَّا رآهُ سُهيلٌ، قالَ: إنَّ هذا أوَّلُ مَن يَدخُلُ في هذ الشَّرطِ، فأَجابَهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «إنَّا لم نَقضِ الكتابَ بعْدُ»، أي: لم نَنتهِ منهُ حالَ دُخولِ أَبي جَندلٍ عَلَيْنا، فتَعنَّتَ سُهيلٌ، وقالَ: «فواللهِ إذنْ لَمْ أُصالِحْكَ على شَيءٍ أَبدًا»، فوافَقَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على هذا الشَّرطِ على أنْ يَستَثْنِيَ منهُ أبا جَندلٍ، وفاوَضَ عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سُهَيلًا مرَّةً أُخرى: «فأَجِزْهُ لي»، أي: وافِقْ على أَبي جَندلٍ بصِفةٍ خاصَّةٍ، فرَفَضَ سُهيلٌ طلَبَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وَاستمرَّت هذه الحالُ برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وبِسُهيلِ بنِ عَمرٍو، فتَدخَّلَ مِكْرزٌ الذي كانَ حاضرًا لكِتابةِ الصُّلحِ، قائلًا: «بلْ قدْ أَجزْناهُ لكَ»، أي: وافَقْنا على طَلَبِكَ هذا، ويُوضِّحُ كَلامُ أبي جَندلٍ الآتي أنَّهُ لم يَنزِلْ سُهيلٌ على كَلامِ مِكْرَزٍ، بلْ ردَّهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عليهمْ، حتَّى إنَّ أبا جَندلٍ قالَ مُتعجِّبًا: «أيْ مَعشرَ المُسلمينَ، أُرَدُّ إلى المشركينَ وقدْ جئتُ مُسلِمًا! ألَا تَرَونَ ما قدْ لقِيتُ؟!» وكانَ قدْ عُذِّبَ عذابًا شَديدًا في اللهِ. فتَعَجَّبَ عمرُ بنُ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه مِن مَوقفِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ومِن شُروطِ الصُّلحِ التي ليسَ في ظاهِرِها خَيرٌ للمُسلمينَ، فأَتى عمرُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُتسائِلًا والنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُجيبُه: «ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا؟! قالَ: بلى. قلتُ: ألسْنا على الحقِّ، وعدُوُّنا على الباطلِ؟! قالَ: بلى. قلتُ: فلِمَ نُعطي الدَّنِيَّةَ في دِينِنا إذنْ؟! قالَ: إنِّي رسولُ اللهِ، ولستُ أَعصيهِ، وهو ناصِري، قُلتُ: أَوَليسَ كُنتَ تُحدِّثُنا أنَّا سَنَأتي البيتَ فنَطَّوَّفُ بهِ؟ قال: بلى. فأخْبرْتُكَ أنَّا نَأتيهِ العامَ؟ قالَ: قلتُ: لا، قالَ: فإنَّكَ آتيهِ ومُطَّوِّفٌ بِه»، والدَّنِيَّةُ: النَّقيصةُ والمَذلَّةُ، فأَتى عمرُ أبا بكرٍ رَضيَ اللهُ عنهما وقالَ لهُ مِثلَما قالَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأَجابَهُ أبو بكرٍ رَضيَ اللهُ عنه بمِثلِ ما أجابهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثمَّ قال له: «أيُّها الرُّجُلُ، إنَّهُ لَرسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وليسَ يَعصي ربَّه، وهو ناصِرُه، فاستَمْسِكْ بغَرْزِهِ؛ فواللهِ إنَّه على الحقِّ»، والمرادُ بـ«استَمسِكْ بغَرْزِهِ»: الْزَمْ أمْرَه، وتَمسَّكْ بهِ ولا تُخالِفْه؛ فإنَّهُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، مُقيَّدٌ بالوَحيِ، ومُؤيَّدٌ مِن اللهِ عزَّ وجلَّ،

  • المُغيرةُ يَدَهُ بنَعْلِ السَّيفِ، يقولُ له المُغيرةُ: أخِّرْ يدَكَ عن لِحيةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلمَّا عَرَفهُ عُروةُ تَذكَّرهُ وتَذكَّر غَدْرَتَه فقال له: «أيْ غُدَرُ! ألَسْتُ أسْعَى في غَدْرَتِكَ؟!» وكانَ عُروةُ عمَّه، وكانَ المُغيرةُ قدْ صَحِبَ قومًا في الجاهِليَّةِ، فقَتَلَهُمْ وأخَذَ أموالَهم، ثمَّ جاءَ فأسلَمَ، حتَّى إنَّ عمَّه عُروةَ ما زالَ يَسعَى في دَفْعِ فِديةِ غَدْرَتِهِ هذِه، وقدْ ردَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على فِعلَةِ المُغيرةِ بِقولهِ: «أمَّا الإسلامَ فأَقبَلُ، وأمَّا المالَ فلسْتُ منهُ في شَيءٍ»، أيْ: وأمَّا المالُ فلا نَقْبلُهُ لكَوْنهِ مالًا مَغصوبًا أتَى بطَريقةِ الغَدْرِ. ثمَّ إنَّ عُروةَ جَعَلَ يَرمُقُ أصْحابَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ويُلاحِظُ أحوالَهُم مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعَيْنيْهِ، وعَدَّ عُروةُ بَعضَ المُلاحظاتِ التي وجَدَها في عَلاقةِ الصَّحابةِ رِضوانُ اللهِ عليهم بِرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، منها: أنَّهُ ما تَنخَّمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نُخامةً إلَّا وقَعَتْ في كَفِّ رجلٍ مِنهُمْ، فدلَّكَ بها وَجهَهُ وجِلدَه، والنُّخامةُ: ما يَخرُجُ مِن الصَّدرِ إلى الفَمِ، ومنها: ابتِدارُهمْ في أمرِهِ، وهو الإسراعُ في تَلبِيةِ حاجاتِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ومِنها: أنَّهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا توضَّأَ كادوا يَقتَتِلونَ على وَضوئِهِ، وهو الماءُ المتبقِّي منه، ومنها: أنَّهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا تَكلَّمَ خفَضُوا أصواتَهُم عِندَه، ومنها: أنَّهم كانوا رِضوانُ اللهِ عليهمْ ما يُحِدِّونَ إليه النَّظرَ تَعظيمًا له، والإحدادُ: شِدَّةُ النَّظرِ. فرَجَعَ عُروةُ إلى قَومِهِ يُخبِرُهم بما جَرى معَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن مُحاوراتٍ ومُباحثاتٍ، وأوَّلُ ما بَدَأَ في عَرضهِ معَهمْ هوَ شِدَّةُ إعجابِهِ وتَعجُّبِهِ بعَلاقةِ الصَّحابةِ رِضوانُ اللهِ عليهمْ بِالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، حتَّى إنَّهُ قارَنَ بيْن تِلكَ العَلاقةِ وعَلاقةِ أصحابِ الملوكِ بمُلوكِهمْ في تَعظيمِهم لهمْ، كقَيصرَ، وكِسرى، والنَّجاشِيِّ، وبيَّنَ لهمُ المُفارقةَ بيْن هؤلاءِ وهؤلاءِ، وعرَضَ بعضَ الصُّورِ المذكورةِ علَيهِمْ، ثمَّ أكَّدَ لهمْ أنَّ خُطَّةَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ السَّابِقةَ خُطَّةُ رُشدٍ، أي: فيها الصَّوابُ لقُريشٍ، فَقالَ رجُلٌ مِن بنِي كِنانةَ عقِبَ انتِهاءِ عُروةَ مِن مَقالتِهِ: «دَعوني آتِيهِ»، يَقصِدُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فوافَقوه، فلمَّا أنِ اقتَرَبَ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصْحابِهِ، قالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «هذا فُلانٌ، وهُو مِن قَومٍ يُعظِّمونَ البُدْنَ، فابْعَثوها لهُ»، أي: إنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عرَفَه وعرَّفهُ لأصحابِهِ، ويُقالُ هو: الحُلَيْسُ بنُ عَلقمةَ الحارِثيُّ، والمرادُ بتَعظيمِهمُ البُدْنَ: عدَمُ استِحلالِهمْ للإبلِ أو البقَرِ؛ لأنَّها ممَّا يُهدَى إلى الحَرمِ، فأَرادَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بإِرْسالِها أمامَهُ أنْ يُؤَكِّدَ لهُ صِدقَ نَواياهُ وصِدقَ خُطَّتِهِ بأنَّهمْ أَتَوا مُعتَمِرينَ، ففَعَلَ الصَّحابةُ ما أمَرَهمْ بهِ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ويُضافُ إلى ذلكَ استِقبالُ النَّاسِ لَهُ وهُم في حالةِ التَّلْبِيةِ، فلمَّا رأَى الرَّجلُ هذا المشهدَ قالَ مُتعجِّبًا: «سُبحانَ اللهَ! ما يَنبغي لهؤُلاءِ أنْ يُصدُّوا عنِ البيتِ»، أي: ما يَنبغي لأحدٍ أنْ يَمنَعَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصحابَه عن أداءِ عُمرتِهمْ، فرجَعَ إلى قَومِهِ؛ ليَعرِضَ عليهمْ ما رأَى قائِلًا: «رَأيتُ البُدْنَ قدْ قُلِّدتْ وأُشعِرَتْ»، وتَقليدُ البُدنِ: أنْ يُعلَّقَ شَيءٌ في عُنِقها، وإشعارُها: أنْ يُجعَلَ على البَدَنةِ عَلامةٌ يُعلَمُ بها أنَّها مِن الهَدْيِ. ثمَّ طَلَبَ مِكْرَزُ بنُ حَفصٍ مِن قُريشٍ أنْ يَأتيَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فوافَقوا، فلمَّا أنِ اقترَبَ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصحابِهِ، قالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «هَذا مِكْرَزٌ، وهُوَ رجُلٌ فاجِرٌ»، وجعَلَ يَتكلَّمُ معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وبيْنما هم على تِلكَ الحالةِ إذْ أتاهُ سُهيلُ بنُ عمرٍو، فاستَبْشرَ به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، حتى إنَّه قالَ: «لقدْ سَهُلَ لكُمْ مِن أَمرِكُمْ»، فلمَّا جاءَهُ سُهيلٌ طلَبَ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَأتيهِ بِكِتابٍ يَكتُبُه يكونُ بيْن قُريشٍ والنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصحابِهِ رِضوانُ اللهِ عليهمْ، ويُرادُ بالكِتابِ: مُعاهدةٌ أو هُدْنةٌ تكونُ بيْن المسلمينَ والكفَّارِ في أمْرهِمْ هذا، فدَعا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ

  • العربِ، قالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «فإنْ أظْهرْ: فإنْ شاؤوا أنْ يَدخُلوا فيما دَخَلَ فيه الناسُ فَعَلوا، وإلَّا فقدْ جَمُّوا»، والجَمُّ: الرَّاحةُ، والمرادُ: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إنْ ظهَرَ على مَن بقِيَ مِن كفَّارِ العربِ وغلَبَهمْ؛ فإنْ شاءتْ قُريشٌ اتَّبعَتْه كما اتَّبعَه النَّاسُ، وإلَّا بَقُوا على صُلحِهمْ وهُدنتِهم معه، وهم في كِلتا الحالتينِ يكونونَ قدِ اسْتراحوا مِن جَهدِ الحربِ، ثمَّ يُقسِمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ قُريشًا لَو امتَنعَتْ وأبَتْ ليُقاتِلنَّهمْ على ما جاءَ عليه فقال: «فوُالَّذي نفْسي بيَدِه، لَأُقاتِلنَّهم على أمْرِي هذا حتَّى تَنفرِدَ سالِفَتي»، فيَنفصِلَ مُقدَّمُ العُنقِ، وهو كِنايةٌ عنِ القِتالِ حتَّى الموتِ، وأقسَمَ أنَّ اللهَ لَيَنصُرَنَّ دِينَه ويُظهِرُه، فهوَ نافِذٌ وماضٍ على كلِّ حالٍ. فأجابَ بُدَيلُ بنُ وَرْقاءَ رَضيَ اللهُ عنه النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّهُ سيُبلِّغُ قُريشًا قولَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وعَرْضَهُ لهمْ، فأَتى بُدَيلٌ قُريشًا وأَبلَغَهمْ أنَّه أَتى مِن عِندِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ومعَهُ منه مَقالةٌ، وخيَّرهُمْ في عَرضِها عليهمْ، فرَفَضَ سُفهاؤُهمْ أنْ يُخبِرَهمْ بشَيءٍ، وطلَبَ ذَوُو الرَّأيِ منهُم السَّماعَ، فحدَّثهُمْ بقَولِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقامَ عُروةُ بنُ مَسعودٍ بعْدَ سَماعهِ مَقالةَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقالَ: «أيْ قَومٍ، أَلَسْتُم بِالوالِدِ؟ قَالوا: بَلى، قالَ: أوَلسْتُ بالولَدِ؟ قالوا: بَلى»، وهذا يدُلُّ على كَمالِ الشَّفَقةِ والمحبَّةِ التي تكونُ مِن الأبِ للابنِ، والنُّصحِ الذي يكونُ مِن الابنِ للأبِ، «قال: فهلْ تتَّهِموني؟ قالوا: لا، قالَ: ألَستُمْ تَعلمونَ أنِّي استَنْفرْتُ أهلَ عُكاظٍ» سُوقٌ بِناحِيةِ مكَّةَ، والمرادُ باستنفارِهم: دَعوتُهم إلى القتالِ نُصرةً لقُريشٍ. «فلمَّا بلَّحُوا علَيَّ» أي: امتَنعوا، «جِئتُكمْ بِأهلي ووَلَدي ومَن أَطاعني؟ قالوا: بَلى». وهذا خِطابٌ يَستَجلِبُ به مُوافقَتَهم على طلَبِهِ، ألَا وَهو: أنْ يَأتيَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعْدَ أنْ أَعْجَبتْهُ خُطَّةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ التي عرَضَها بُدَيلٌ، فجاء إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وجعَلَ يَتكلَّمُ معَه، فأَجابَهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بِمِثلِ إِجابتِهِ لبُديلِ بنِ وَرْقاءَ، فلمَّا وجَدَ عُروةُ منهُ ذلكَ، قالَ: «أيْ مُحمَّدُ، أَرأَيْتَ إنِ استَأْصَلْتَ أمْرَ قومِكَ» ويَقصِدُ بقَومِه قُريشًا، «هلْ سمِعْتَ بأحدٍ مِن العَربِ اجْتاحَ أَهْلَهُ قَبلكَ؟!» والاستِئصالُ، والاجْتِياحُ: هوَ القَضاءُ علَيهِم وقطْعُ دابرِهِم، ثمَّ قالَ: «وإنْ تكُنِ الأُخْرى، فإنِّي واللهِ لَأَرى وُجوهًا، وإِنِّي لَأَرى أَشْوابًا مِن النَّاسِ خَليقًا أنْ يَفِرُّوا ويَدَعوكَ»، والأشْوابُ: الأَخْلاطُ مِن النَّاسِ ومِن شَتَّى القَبائلِ، و«خَليقًا»، أي: حَقِيقًا، والمرادُ: وإنْ كانت الغَلبَةُ لِقُريشٍ، فما يَلبَثُ أنْ يَترُكَكَ أتباعُكَ ويَفِرُّوا عنكَ، وهذا مُحقَّقٌ فيهم؛ لأنَّهم مِن أَخلاطِ النَّاسِ، فلمَّا قالَ عُروةُ كلِمَتهُ تلكَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ردَّ عليه أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه قائلًا: «امْصُصْ بِبَظْرِ اللَّاتِ؛ أنَحنُ نفِرُّ عنه وندَعُهُ؟!»، والبَظْرُ: قِطعةُ لحمٍ بيْنَ شَفرَيْ فَرْجِ المرأةِ، واللَّاتُ: اسمٌ لصَنمٍ مِن أَصنامِ قُريشٍ، وهِي كِنايةٌ للعَربِ تُستَعمَلُ لمنْ أَرادَ أنْ يَسُبَّ غيرَه، فأهانَ أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه عُروةَ في آلهتِهِ؛ ردًّا منه على إهانةِ عُروةَ لهمْ بِادِّعائهِ أنَّهم يَفِرُّون عنْ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ويَدَعونَه، فسَأَلَ عُروةُ: مَن هذا؟ فقيلَ لهُ: أَبو بَكرٍ، فتَذَكَّرَه عُروةُ وتَذكَّرَ مَحْسَنةً لهُ معَه، فلمْ يُجِبْه ولم يرُدَّ على شَتْمِه وسَبِّه له، وقالَ: «لَولا يَدٌ كانتْ لكَ عِندي» ويَقصِدُ نَوعًا مِن الجميلِ والنِّعمةِ كان قدَّمَها أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه لعُروة، «لَمْ أَجْزِكَ بِها»، أي: لم أكافئك بها، «لأجَبْتُكَ» أي: لَكان الرَّدُّ قاسيًا، وجَعَلَ عُروةُ يُكلِّمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فكُلَّما تكلَّمَ أخذَ بلِحْيتِهِ -جاريًا على عادةِ العرَبِ، وكانوا يَستعمِلونه كثيرًا، يُريدون بذلك التَّحبُّبَ والتَّواصُلَ- والمُغيرَةُ بنُ شُعبةَ رَضيَ اللهُ عنه واقفٌ بجِوارِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ومعَهُ السَّيفُ وعليه المِغْفَرُ، وهو ما يُوضَعُ على الرَّأسِ تحتَ الخُوذَةِ ويُسدَلُ على الوَجهِ لِيحمِيَهُ مِن ضَرَباتِ السَّلاحِ، فلمْ يَعرِفْه عُروةُ، حتَّى إنَّ عُروةَ كلَّما مَدَّ يَدَه إلى لِحيةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ضرَبَ