قناة| أبي رزان محمد بن عبدالحليم
Статистикаلا شيء بعد النبوة أفضل من بث العلم، ولا فقر أشد من الجهل.
- Последний пост
- 7 авг.
- Последнее чтение
- 15 авг.
- Постов за неделю
- 0
- Всего постов
- 20
- Тип
- открытый
- Язык
- арабский
- Категория
- Книги (по похожим)
- В каталоге с
- 13 авг.
- 1/24сутки в ленте
- 254
- 1/48двое суток
- 291
- 1/72трое суток
- 313
Оценка по просмотрам недавних постов: пост набирает почти всё за первые сутки.
Посты
الحث على دعاء الله ومسألته! قال عبداللَّه بن أحمد بن حنبل: وجدت هذا الحديث في كتاب أبي بخط يده: حدثني هاشم أبو النضر، حدثنا أبو سعيد المؤدب، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: سلوا ربكم حتى الشسع، فإنه إن لم ييسره واللَّه لم يُيسر. الزهد (ص252). وقال عبداللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد اللَّه، حدثني عبدالرحمن بن مهدي، حدثنا مالك بن أنس قال: رأى عروة رجلًا يصلي فخفف، فدعاه فقال: أما كان لك إلى ربك حاجة؟ إني لأسأل اللَّه عز وجل في صلاتي، حتى أسأله الملح. الزهد (ص444). قال عبداللَّه: وجدت في كتاب أبي بخط يده: حُدثت عن بعض ولد إسماعيل بن عبداللَّه عن أبيه، ومحمد بن شعيب أيضًا أن أبا مسلم الخولاني كان يدعو في النافلة: اللهم ارزق أبا مسلم طبيخًا، اللهم ازرق أبا مسلم طبيخًا، اللهم ازرق أبا مسلم زيتًا، اللهم ارزق أبا مسلم حطبًا، ويسأل فيها كل ما يريده. الزهد (ص469).
والحجة في ذلك حديث رسول الله ﷺ: «وأما السجود فاجتهدوا فيه من الدعاء، وقال: ثم ليتخير من الدعاء ما أعجبه». وفي لفظ: «ما أحب». وفي لفظ: «ما شاء»، وفي لفظ: «ثم يدعو لنفسه ما بدا له». وفي المدونة (1/192): «قال مالك: ولا بأس أن يدعو الرجل بجميع حوائجه في المكتوبة حوائج دنياه وآخرته في القيام والجلوس والسجود، قال: وكان يكره في الركوع. قال: وأخبرني مالك عن عروة بن الزبير قال: بلغني عنه أنه قال: إني لأدعو الله في حوائجي كلها في الصلاة، حتى في الملح». خلاصة البحث: - الدعاء في الصلاة ليس محصورًا في مواضع قليلة فقط. - يجوز الدعاء في القيام، والركوع، وبين السجدتين، والسجود، وقبل السلام. - الأفضل اتباع الأدعية الواردة عن النبي ﷺ، لكن لا يصح منع ما لم يرد إذا كان دعاءً مشروعًا. - حديث: «أما الركوع فعظموا فيه الرب»، يدل على استحباب الإكثار من التعظيم في الركوع، وليس على تحريم الدعاء فيه. - الأصل جواز سؤال الله خيري الدنيا والآخرة في الصلاة. - جواز الدعاء في الصلاة بغير أدعية الكتاب والسنة. - لا يشترط الدعاء بجوامع الكلم في الصلاة.
وليس تخصيص السجود بالدعاء دليلًا على أن الركوع ليس موضعًا له؛ فالدعاء من الذكر، وإنما كان السجود أولى به لقربه من إجابة الدعاء، لقوله ﷺ: «فقَمِنٌ أن يُستجاب لكم». ومن أعجب ما قاله الشويعر، قوله بعدم جواز الدعاء في الركوع إلا بدعاء واحد بعينه، وهو قول: «رب اغفر لي، أو اللهم اغفر لي». فما دام قد شُرع في الركوع قول: «اللهم اغفر لي»، فلا وجه لمنع غيره من الدعاء المشروع كقول: «اللهم ارحمني». ولاشك أن الأولى تفضيل الدعاء الوارد بالاستغفار، لا القول بحصر الدعاء في هذه الصيغة وحدها؛ إذ لم يُنقل عن أحد من السلف تخصيص جواز الدعاء في الركوع بالاستغفار دون سائر الأدعية. والصواب: جواز اليسير من الدعاء في الركوع، ولا كراهة في ذلك ولا حرمة. قال الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 235) بعد أن ذكر حديث عائشة وغيره: «فذهب قوم إلى هذه الآثارِ إلى أنه لا بأس أن يدعو الرجل في ركوعه وسجوده بما أحب، وليس في ذلك عندهم شيء مؤقت، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار». ثالثًا: الدعاء بين السجدتين ذكر الشويعر أن الدعاء بين السجدتين لا يكون إلا بالأدعية الواردة مثل: «رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي». أو «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاجْبُرْنِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي وَارْفَعْنِي». ومنَع من الزيادة على ذلك مثل: «رب اغفر لي ولولدي». والصواب: لا بأس بالدعاء بين السجدتين للوالدين أو لغيرهما، لأن بين السجدتين محل دعاء، وإن كان الأفضل الاقتصار على الوارد، لكن هذا لا يمنع من جواز الدعاء للوالدين مثلًا في هذا المقام، لأنه مقام دعاء، وقد جمعت الكلمات التي كان يدعو بها النبي ﷺ فبلغت سبعًا، وهي: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي، وَعَافِنِي، وَارْفَعْنِي»، كما في سنن الترمذي (284)، وأبو داود (850)، وابن ماجه (888). وأما الزيادة على هذا الدعاء، فالذي يظهر جواز ذلك، لكن الأفضل الاقتصار على الوارد، وجعل الدعاء للوالدين في السجود، أو قبل التسليم من الصلاة. بل إن الدعاء في هذا الموضع من الصلاة ليس واجبًا في أصله، وهو قول جمهور العلماء، فلو جلس بين السجدتين ولم يقل شيئًا جاز ذلك، وصحت الصلاة. قال ابن رجب في شرح البخاري (6/56): «وحكم هذا الذكر بين السجدتين عند أكثر أصحاب أحمد حكم التسبيح في الركوع والسجود، وأنه واجب تبطل الصلاة بتركه عمداً، ويسجد لسهوه. وروي عن أحمد أنه ليس بواجب. قال حرب: مذهب أحمد أنه إن قال جاز، وإن لم يقل جاز، والأمر عنده واسع. وكذا ذكر أبو بكر الخلال، أن هذا مذهب أحمد، وهذا قول جمهور العلماء. وروى عبدالرزاق في مصنفه (3013) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ: قُلْتُ لِإِبْرَاهِيمَ: تَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ شَيْئًا؟ قَالَ: «مَا أَقُولُ بَيْنَهُمَا شَيْئًا». وروى ابن أبي شيبة في مصنفه (8842) عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: «لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ». فكيف يقال بعد ذلك بحرمة الدعاء للوالدين أو لغيرهما بين السجدتين؟! رابعًا: الدعاء في السجود وقبل السلام ذكر الشويعر أن الدعاء فيهما يكون فقط بجوامع الكلم أو بدعاء الآخرة، مثل: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. وذكر أن هذه هي رواية المذهب، وهناك رواية أخرى بجواز الدعاء بما شاء. والصحيح: هي الرواية الثانية بلا شك، وهي جواز أن يدعو المصلي بما شاء من خيري الدنيا والآخرة، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم. قال ابن قدامة في المغني (1/393): «وَحَكَى عَنْهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ- أي: أحمد رحمه الله- أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَدْعُوَ الرَّجُلُ بِجَمِيعِ حَوَائِجِهِ؛ مِنْ حَوَائِجِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِظَوَاهِرِ الْأَحَادِيثِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ"، وَقَوْلُهُ: "ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِمَا بَدَا لَهُ". وَقَوْلُهُ: " ثُمَّ لِيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ"». وكذلك يجوز الدعاء بغير أدعية الكتاب والسنة، لقول رسول الله ﷺ: «ثم ليتخير من المسألة ما شاء». وقال ابن قدامة في المغني (1/391): «قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِاللَّهِ: إنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: لَا يَدْعُو فِي الْمَكْتُوبَةِ إلَّا بِمَا فِي الْقُرْآنِ. فَنَفَضَ يَدَهُ كَالْمُغْضَبِ، وَقَالَ: مَنْ يَقِفُ عَلَى هَذَا، وَقَدْ تَوَاتَرَتْ الْأَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخِلَافِ مَا قَالُوا». وقال ابن قدامة في المغني (2/ 236): «قال عبداللَّه: سمعت أبي- أحمد بن حنبل رحمه الله- يقول في سجوده: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك، فصن وجهي عن المسألة لغيرك».
حكم الدعاء في مواضع الصلاة! انتشر مقطع لعبدالسلام الشويعر ذكر فيه مواضع في الصلاة لا يجوز الدعاء فيها، كالقيام والركوع وبين السجدتين- على تفصيل سيأتي في كلامه- وقرر أن الدعاء يختص بمواضع معينة! ولي مع هذا التأصيل وقفات: أولًا: الدعاء في القيام ذكر الشويعر أنه لا يجوز الدعاء في القيام مطلقًا. قلت: وهذا مخالف للأدلة، فقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه دعا في القيام، كما في دعاء الاستفتاح في أول الصلاة، وهو دعاء قاله في صلاته وهو قائم.. وروى أبو داود في سننه (871) عن حذيفة رضي الله عنه أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، قال: «مَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إِلَّا وَقَفَ عِنْدَهَا فَسَأَلَ، وَلَا بِآيَةِ عَذَابٍ إِلَّا وَقَفَ عِنْدَهَا فَتَعَوَّذَ». وروى مالك في الموطأ (259) عَنْ أَبِي عَبْدِاللهِ الصُّنَابِحِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي خِلاَفَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَصَلَّيْتُ وَرَاءَهُ الْمَغْرِبَ، فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَسُورَةٍ سُورَةٍ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ. ثُمَّ قَامَ فِي الثَّالِثَةِ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنَّ ثِيَابِي لَتَكَادُ أَنْ تَمَسَّ ثِيَابَهُ. فَسَمِعْتُهُ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَبِهذِهِ الآيَةِ: «رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ». وقراءة هذه الآية محمول على الدعاء؛ فإنَّ ثالثة المغرب لا قراءة فيها غير الفاتحة، فهذا دعاء في موضع لم يُؤثَر فيه الدعاء، فدلَّ ذلك على جواز الدعاء في حال القيام، وأن الدعاء لا يختص بمواضع معينة من الصلاة، كما ذكر الشويعر. قال ابن قدامة في المغني (1/413): «وما فعله الصديق رضي الله عنه إنما قصد به الدعاء لا القراءة». وقال: «فأما إن دعا إنسان في الركعة الآخرة بآية من القرآن مثل ما فعل الصديق فقد روي عن أحمد أنه سئل عن ذلك؟ فقال: إن شاء قاله، ولا ندري أكان ذلك قراءة من أبي بكر أو دعاء؟ قال ابن قدامة: فهذا يدل على أنه لا بأس بذلك؛ لأنه دعاء في الصلاة فلم يكره، كالدعاء في التشهد». قلت: فلا حرج في الدعاء اليسير قائمًا بعد القراءة وقبل الركوع في الصلاة. ثانيًا: الدعاء في الركوع ذكر الشويعر أنه لا يجوز الدعاء في الركوع إلا بدعاء واحد فقط، وهو: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي»، واستدل بما رواه البخاري (817)، ومسلم (217) عن عائشة رضي الله عنها: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي». واستدل كذلك بقوله ﷺ: «فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ»، وقال: مفهومه أن الركوع لا دعاء فيه! قلت: وهذا تشديد في غير محله، لأن قول رسول الله ﷺ: «فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ»، فهذا منطوق لا مفهوم له، وحمل الحديث على منع الدعاء في الركوع غير صحيح؛ لأن المقصود بيان الأفضلية، ولا يلزم من ذلك أن يكون الدعاء في الركوع حرامًا، كما قال الشويعر. فالركوع موضع يكثر فيه تعظيم الله. والسجود موضع يكثر فيه الدعاء، ولا يلزم من تخصيص الركوع بالتعظيم منع الدعاء فيه، كما لا يلزم من تخصيص السجود بالدعاء منع التسبيح والتعظيم فيه. وبعض العلماء قيد هذه الكراهة في حق الإمام إذا كان بدعائه في الركوع سيطيل على المأمومين أو يكون على حساب إنقاص التسبيح الواجب في الركوع. قال ابن رجب في شرح البخاري (٧/ ١٨٤): «وأما الدعاء في الركوع، فقد دل حديث عائشة الذي خرَّجه البخاري هاهنا على استحبابه، وعلى ذلك بوب البخاري هاهنا، وهو قول أكثر العلماء، وروي عن ابن مسعود. وقال مالك: يكره الدعاء في الركوع دون السجود، واستدل بحديث علي، عن النبي ﷺ قال: "أما الركوع، فعظموا فيه الرب، وأما السجود، فاجتهدوا فيه في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم ". خرَّجه مسلم. وروي عن أحمد رواية أنه قال: لا يعجبني الدعاء في الركوع والسجود في الفريضة. قال بعض أصحابنا: وهي محمولة على الإمام إذا طول بدعائه على المأمومين أو نقص بدعائه التسبيح عن أدنى الكمال، فأما في غير هاتين الحالتين فلا كراهة فيه». فهذا ابن رجب يحكي مذهب أحمد بعدم كراهة الدعاء في الركوع في غير هاتين الحالتين، عكس ما قاله الشويعر. فلا ينافي تعظيم الرب في الركوع جواز القليل من الدعاء فيه، كما لا ينافي الدعاء في السجود جواز تعظيم الرب فيه. وقد روي عن الزهري أنه قال: تعظيم الرب والثناء عليه عند العرب دعاء.
مع ملاحظة أنه لا تنافي بين أخذ الكتاب باليمين والعذاب على السيئات إن شاء الله ذلك، فحتى لو أخذ كتابه بيمينه فقد يعذب بسيئاته، لكنه لا يخلد في النار لما معه من إيمان. وليس حديث صاحب البطاقة، والتي رجحت كلمة التوحيد على كل ذنوبه ومعاصيه- عنا ببعيد، وهو ممن يُعطى كتابه بيمينه. وقد يمحص الله المؤمن في الدنيا أو في القبر أو في عرصات يوم القيامة بما يكفر عنه سيئاته قبل تطاير الصحف وأخذ الكتب، ثم يأخذ كتابه بيمينه كأهل الإيمان الخالص. وأما ما قرره السفاريني في كتابه لوامع الأنوار البهية (2/182)، بقوله: (يعطى الكافر كتابه بشماله من وراء ظهره بأن تخلع أو يدخلها من صدره أو تلوى، ويعطى المؤمن العاصي كتابه بشماله من أمامه، ويعطى المؤمن الطائع كتابه بيمنه من أمامه). فلا دليل عليه، لأن الذين أخذوا كتبهم بشمائلهم- سواء أخذوها من أمامهم أو من وراء ظهورهم- فمصيرهم الخلود في النار، والمؤمن لا يخلد في النار، ولا يأخذ كتابه بشماله إلا الكافر. وزعم ابن حزم أن المؤمنين من أهل الكبائر يأخذون كتابهم من وراء ظهورهم! وكأن الرجل لم يقرأ قرآنًا قبل ذلك! وبالرغم من ظاهريته إلا أنه لم يحكم بالظاهر في هذه المسألة، وقد قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ. فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا. وَيَصْلَى سَعِيرًا. إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا. إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ). فظاهر القرآن أن من أخذ كتابه وراء ظهره هم أهل الكفر والشرك. قال مُجَاهِد: (إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ)، أي: لَنْ يَرْجِعَ إِلَيْنَا. وهذا الظن أليق بالكافر، أما المؤمن فمهما عمل من الكبائر فإنه يؤمن بيوم الحساب.
هل العصاة من المؤمنين يأخذون كتبهم بأيمانهم أم بشمائلهم يوم القيامة؟ قال الله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيه. إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيه. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ. فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ. قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ. كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ. وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيه. وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيه. يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ). وقال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ. فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا. وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا. وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ. فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا. وَيَصْلَى سَعِيرًا. إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا. إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ). فجعل الله أخذ الكتاب باليمين لمطلق الإيمان، وجعل أخذ الكتاب بالشمال أو من وراء الظهر لمطلق الكفر، ولا ثمة صنف ثالث. فالذي يأخذ كتابه من وراء ظهره، هو الذي يأخذ كتابه بشماله، كما ذكر ذلك البخاري في صحيحه (6/167) عن مجاهد في تفسير سورة الانشقاق، قَالَ مُجَاهِدٌ: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ)، أي: يَأْخُذُ كِتَابَهُ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ. ومطلق الإيمان يدخل فيه عصاة الموحدين والمؤمنين. ويدل لذلك ما رواه البخاري (2441)، ومسلم (2768)، وابن ماجه (183) عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ الْمَازِنِيِّ قَالَ: (بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي مَعَ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا آخِذٌ بِيَدِهِ إِذْ عَرَضَ رَجُلٌ فَقَالَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، أَيْ رَبِّ. حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ- زاد ابن ماجه: بِيَمِينِهِ- وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْخَلائِقِ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ). ففي الحديث دليل على أن أهل الإيمان كانوا أصحاب ذنوب، وأن الله يقرر المؤمن بذنوبه حتى إذا رأى في نفسه أنه هلك، قال الله: إني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى صحيفة حسناته أو كتابه بيمينه. فأعطاهم الكتاب باليمين بالرغم من وجود الذنوب. وفي الزهد لابن المبارك (2/118) عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِكَعْبٍ: (وَيْحَكَ يَا كَعْبُ، حَدِّثْنَا حَدِيثًا مِنْ حَدِيثِ الْآخِرَةِ، قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ رُفِعَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلَائِقِ إِلَّا وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى عَمَلِهِ فِيهِ، قَالَ: ثُمَّ يُؤْتَى بِالصُّحُفِ الَّتِي فِيهَا أَعْمَالُ الْعِبَادِ، قَالَ فَتُنْشَرُ حَوْلَ الْعَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا. قَالَ الْأَسَدِيُّ: الصَّغِيرَةُ مَا دُونَ الشِّرْكُ، وَالْكَبِيرَةُ: الشِّرْكُ، إِلَّا أَحْصَاهَا. قَالَ كَعْبٌ: ثُمَّ يُدْعَى الْمُؤْمِنُ فَيُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَيَنْظُرُ فِيهِ فَحَسَنَاتُهُ بَادِيَاتٌ لِلنَّاسِ، وَهُوَ يَقْرَأُ سَيِّئَاتِهِ؛ لِكَيْ لَا يَقُولَ كَانَتْ لِي حَسَنَاتٌ فَلَمْ تُذْكَرْ، فَأَحَبَّ اللَّهُ أَنْ يُرِيَهُ عَمَلَهُ كُلَّهُ، حَتَّى إِذَا اسْتَنْقَصَ مَا فِي الْكِتَابِ وَجَدَ فِي آخِرِ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّهُ مَغْفُورٌ، وَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُقْبِلُ إِلَى أَصْحَابِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: (هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ) ثُمَّ يُدْعَى الْكَافِرُ فَيُعْطَى كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يُلَفُّ فَيُجْعَلُ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وَيُلْوَى عُنُقُهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ) يَنْظُرُ فِي كِتَابِهِ، فَسَيِّئَاتُهُ بَادِيَاتٌ لِلنَّاسِ، وَيَنْظُرُ فِي حَسَنَاتِهِ؛ لِكَيْ لَا يَقُولَ: أَفَأُثَابُ عَلَى السَّيِّئَاتِ؟). ومحل الشاهد: أن المؤمن أخذ كتابه بيمينه، وهو يقرأ سيئاته.
6304- وعَنْ أَبِيهِ قَالَ: (مَاتَتْ بِنْتٌ لِوَهْبٍ، فَلَمَّا خَرَجَ الرِّجَالُ أَغْلَقَ الْبَابَ، وَلَمْ يَدَعِ النِّسَاءَ يَتَّبِعْنَهَا). وفي بعض طرق هذه الآثار مقال، لكن كثرتها تدل على أصل النهي فيها. وروى ابن أبي شيبة في مصنفه (11821) عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ «نَهَيْنَا النِّسَاءَ- أي: عن زيارة القبور- لِأَنَّا لَا نَجِدُ أَضَلَّ مِنْ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ). وأما قول ابْن أَبِي مُلَيْكَةَ فيما رواه عبدالرزاق في مصنفه (6711): (َرَأَيْتُ عَائِشَةَ تَزُورُ قَبْرَ أَخِيهَا عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَمَاتَ بِالْحُبْشِيِّ وَقُبِرَ بِمَكَّةَ). فالمقصود بالزيارة هنا هي السلام على الميت حين المرور عليه، وليس أنها كانت تتعمد الذهاب لزيارة قبر أخيها. ودليل ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (11933) عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عبدِاللهِ بنِ أبي مُلَيكَةَ قالَ: تُوُفِّيَ عبدُالرحمنِ بنُ أبي بكرٍ بالْحُبْشيِّ، قالَ ابنُ جُريجٍ: الحبشيُّ اثنَيْ عَشَرَ مِيلاً من مَكَّةَ، فدُفنَ بمكة، فلَمَّا قَدِمَتْ عائشَةُ رضي الله عنها أتتْ قبرَهُ فقالت: أمَا واللهِ لَوْ حَضَرتُك لَدَفَنتُكَ حيثُ مِتَّ، ولو شَهِدتُك مَا زُرتُك). والشاهد: قولها: (ولو شَهِدتُك مَا زُرتُك)، فعائشة رضي الله عنها قدمت مكة للحجِّ، فمرَّت على قبر أخيها في طريقها، فوقفت عليه، وهذا لا بأسَ به، إنما الكلامُ في قصد النساء زيارة القبور، والخروج لأجل ذلك. وقال أبو داود في مسائله (1065): سألت أحمد عن زيارة النساء القبر؟ قال: لا. قلت: فالرجل أيسر؟ قال: نعم، ثُمَّ ذكر حديث ابن عباس: لعن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم زوَّارات القبور. وقال ابن هانئ في مسائله (955): وسئل عن النساء أيخرجن إلى المقابر؟ قال: لا تخرج المرأة إلى المقابر ولا إلى غيرها. ويشتد الأمر في حق الزوجة، لأن الجنازة إذا كانت للزوج فلا يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها لحضور الجنازة لأنها معتدة، والمعتدة تلزم بيت زوجها خلال فترة العدة.
زيارة النساء للمقابر! انتشرت ظاهرة لم تكن فاشية من ذي قبل، فالنساء إلى عهد قريب كنَّ لا يقتربن من المقابر إلا مرورًا، أما اليوم فأصبحن يتبعن الميت إلى باب المقبرة، ولولا أن الأنظمة تمنع دخولهن، لرأينهن يزاحمن الرجال في المقابر. والظاهرة التي أعنيها هنا هي قيام بعض النساء- هداهن الله- بالانتهاء إلى سور المقبرة، والوقوف على شيء مرتفع ليرين المقبرة ويشاهدن الجنازة وهي تدفن، فبعضهن يأتين بكراسٍ مرتفعة، وبعضهن يصعدن فوق سطح السيارة، في مشهد مستنكر تأباه الفطرة السليمة، ولا يرضاه أصحاب الغيرة والمروءة. فزيارة المقابر حرام على النساء، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور، بل لعن زائرات القبور. فقد روى الترمذي (1077) عن أبي هريرةَ رضي الله عنه: (أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَعَنَ زَوَّاراتِ القُبورِ). وروى أحمد (2030)، والترمذي (320) عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: (لَعَنَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زائراتِ القُبورِ، والْمُتخذينَ عليها المساجدَ والسُّرُجَ). وجميع أحاديث النهي صريحةٌ في معناها واضحةٌ في مبناها، وهل هناك أعظم من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن زارت قبرًا في الدلالة على تحريم هذا الأمر وتجريمه؟! بل وقَرَن زيارة النساء للمقابر بالْمُتخذين عليها- أي: المقابر- المساجد والسُّرُج، وكان هذا في مرض موته، مما يدل على عدم نسخه أو صرفه عن ظاهره. وزيارة المرأة للقبور لا فائدة منها، فهي فتنة للأحياء، وإيذاء للأموات. ولا يوجد أحد في سلف الأمة استحب للمرأة زيارة القبور، ولا يُعرف عن امرأة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلفائه من بعده كانت تخرج لزيارة القبور. روى الطبراني في الدعاء (2161) عن عمرة العدوية، قال: سمعت عائشة رضي الله عنه تقول: (نَهَى رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنْ تَتْبَعَ النِّسَاءُ الْجَنَائِزَ، وَقَالَ: لَيْسَ لَهُنَّ فِي ذَلِكَ أَجْرٌ). وروى عبدالرزاق في مصنفه (6289) باب: منع النساء اتباع الجنائز- عن عمرة، عن عائشة قالت: (لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى النِّسَاءَ الْيَوْمَ نَهَاهُنَّ عَنِ الْخُرُوجِ أَوْ حَرَّمَ عَلَيْهِنَّ الْخُرُوجَ). 6290- وعَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَّبِعُ جِنَازَةً، فَإِذَا بَامْرَأَةٍ عَجُوزٍ تَتَّبِعُهَا، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى عُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، فَأَمَرَ بِهَا فَرُدَّتْ، ثُمَّ وَضَعَ السَّرِيرَ، فَلَمْ يُكَبِّرْ عَلَيْهَا حَتَّى قَالُوا: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ تَوَارَتْ بِأَخْصَاصِ الْمَدِينَةِ قَالَ: ثُمَّ كَبَّرَ عَلَيْهَا). 6291- وعَنْ أَبِي عَطِيَّةَ الْوَادِعِيِّ قَالَ: (خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِنَازَةٍ فَرَأَى امْرَأَةً فَأَمَرَ بِهَا فَطُرِدَتْ حَتَّى لَمْ يَرَهَا ثُمَّ كَبَّرَ). 6292- وقَالَ مُجَاهِدٌ: (تَبِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجِنَازَةَ فَرَأَى امْرَأَةً عَلَى أَثَرِهَا فَأَمَرَ بِالْجِنَازَةِ فَحُبِسَتْ، وَبَعَثَ رَجُلَا فَرَدَّ الْمَرْأَةَ حَتَّى إِذَا وَارَى بِهَا الْبُيُوتُ مَشَوْا بِهَا). 6293- وعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: (كَانُوا يَقْفِلُونَ عَلَى النِّسَاءِ الْأَبْوَابَ حَتَّى يُخْرِجَ الرِّجَالُ الْجَنَائِزَ). 6295- وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: (خُرُوجُ النِّسَاءِ عَلَى الْجَنَائِزِ؟ قَالَ: يَفْتِنَّ). 6296- وعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: (خُرُوجُ النِّسَاءِ عَلَى الْجَنَائِزِ بِدْعَةٌ). 6298- وعَنْ مُؤَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِنَازَةٍ فَرَأَى النِّسَاءَ فَقَالَ: أَتَحْمِلْنَهُ فِيمَنْ يَحْمِلُهُ؟ قُلْنَ: لَا قَالَ: أَفَتُدِخُلُنَّهُ فِيمَنْ يُدْخِلُهُ؟ قُلْنَ: لَا قَالَ: أَفَتُحْثِينَ التُّرَابَ فِيمَنْ يَحْثُو؟ قُلْنَ: لَا قَالَ: فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ، غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ). 6299- وعَنْ مَعْمَرٍ، أَنَّ عُمَرَ، رَأَى نِسَاءً مَعَ جِنَازَةٍ، فَقَالَ: (ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ، فَوَاللَّهِ مَا تَحْمِلْنَ وَلَا تَدْفِنَّ، يَا مُؤْذِيَاتِ الْأَمْوَاتِ وَمُفَتِّنَاتِ الْأَحْيَاءِ). 6300- وعَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ كَانَ يَحْثِي فِي وُجُوهِهِنَّ التُّرَابَ، فَإِنْ مَضَيْنَ رَجَعَ. 6303- وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، تَبِعَ جِنَازَةً فَرَأَى نِسَاءً يَتَّبِعْنَهَا وَيَصْرُخْنَ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِنَّ وَقَالَ: (أُفٍّ لَكُنَّ، أَذًى عَلَى الْمَيِّتِ، وَفِتْنَةً عَلَى الْحَيِّ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ).
الغسل يوم الجمعة! قال إسحاق بن منصور: قُلْتُ: على النساء غسل يوم الجمعة؟ قال: لا. قال إسحاق: أما من شهدتْ الجمعةَ فلتغتسل. "مسائل الكوسج" (514). قال أبو داود: سمعت أحمد قال: إذا كان يوم الجمعة يوم برد يخاف الرجل على نفسه فلا يغتسل. "مسائل أبي داود" (137). قال ابن هانئ: سألته عن الغسل يوم الجمعة؟ قال: أخشى أن يكون واجبًا، في كم حديث أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: أمرنا بالغسل يوم الجمعة. وعمر بن الخطاب يخطب يقول: من أتى منكم الجمعة فليغتسل. "مسائل ابن هانئ" (460). قال ابن هانئ: قلت: أيجزئ دخول الحمام من الغسل يوم الجمعة؟ قال: ومن يسلم من دخول الحمام؟! "مسائل ابن هانئ" (461). قال عبداللَّه: رأيت أبي إذا أراد الذهاب إلى الجمعة اغتسل، ثم راح إلى الجمعة. "مسائل عبد اللَّه" (442) قال عبداللَّه: حدثني أبي، حدثني الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، أن عمر بن عبدالعزيز، كان يأمر نساءه وبناته بالغسل يوم الجمعة. "الزهد" (1738). ونقل حرب عنه: أخاف أن يكون واجبًا، إلا أن يكون برد شديد. "فتح الباري، لابن رجب" (8/ 81). قال حرب: قال إسحاق: إن كان مغتسلًا سبعة أيام مرة فجاء يوم الجمعة، وقد كان غسل رأسه واغتسل في كل سبعة أيام مرة؛ جاز له ترك غسل يوم الجمعة، قال ذلك ابن عباس (2) ومن بعده أنهم كانوا يؤمرون بغسل رءوسهم وأجسادهم في كل سبعة أيام مرة، فحول الناس ذلك إلى يوم الجمعة. "فتح الباري، لابن رجب" (8/ 150). قال إسحاق بن منصور: قُلْتُ: إذا اغتسل أول النهارِ يوم الجمعة، ثمَّ أحدث؟ قال: أرجو أن يجزئه. قال إسحاق: كلما كان بعدَ طلوعِ الفجرِ أجزأه. "مسائل الكوسج" (513). قال الأثرم: سئل أحمد بن حنبل عن الذي يغتسل سحر الجمعة ثم يحدث أيغتسل أم يجزئه الوضوء؟ فقال: يجزئه ولا يعيد الغسل، ثم قال: ما سمعت في هذا حديثًا أعلى من حديث ابن أبزى. "التمهيد" (4/ 39).
وقوع طلاق الغضبان! يعتقد بعض الناس أن الغاضب لا يُؤاخذ بما يصدر عنه من أقوال أو أفعال أثناء غضبه، وهذا اعتقاد غير صحيح؛ فالأصل أن الغاضب مكلَّف شرعًا، ومؤاخذ بما يتلفظ به أو يفعله من المحرمات، كالسب واللعن والدعاء على الآخرين، بل وحتى الطلاق. وقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد في مسنده (2136): (إذا غضب أحدكم فليسكت)، يدل على أن الغضبان مؤاخذ بما يتكلم به، لأنه مأمور في حال غضبه بالسكوت. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أرشد الغاضب إلى ما يخفف غضبه ويزيله من الأقوال والأفعال، وهذا يدل على أنه مخاطَب بالتكليف حال غضبه، ومطالب بكظم غيظه وضبط تصرفاته، فكيف يقال بعد ذلك إنه غير مؤاخذ بما يصدر منه؟! روى مسلم في صحيحه (2595) عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: (بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَامْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى نَاقَةٍ، فَضَجِرَتْ فَلَعَنَتْهَا، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا، فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ). فدلت النصوص الشرعية على أن تصرفات الغاضب نافذة ما دام عاقلًا مدركًا لما يقول ويفعل، فتصح عقوده وتصرفاته، ويؤاخذ إذا صدر منه كفر، أو قتل نفس، أو إتلاف مال، كما يقع منه العتق والظهار واللعان واليمين. وأما الطلاق، فالصحيح أنه يقع من الغاضب ما دام واعيًا مدركًا لما يصدر منه. ويُستثنى من ذلك حال الغضب الشديد الذي ينغلق معه عقل الإنسان، حتى يصبح في حكم من لا يعي كلامه ولا يقصد تصرفه، كالمجنون أو المكره؛ لأن الطلاق إنما يقع ممن قصده وعلم ما يتلفظ به. ثم إن الغضب هو الدافع الغالب إلى الطلاق، فهل يوجد طلاق لا يصاحبه غضب؟ ولو كان مجرد الغضب مانعًا من وقوع الطلاق، لما وقع طلاق من أحد؛ لأن الناس غالبًا لا يقدمون عليه إلا عند الغضب. روي في مسند أحمد (26360)، وأبي داود (2193) عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا: (لا طَلاَقَ ولا عِتَاقَ في إغلاَق). قال أبو داود: الغَلاقُ أظنُّه في الغَضَبِ. أما إذا كان غضبه خفيفًا أو متوسطًا بحيث يشعر ويعقل ما يتلفظ به من الطلاق وغيره، فطلاقه نافذ. روى الدارقطني في سننه (3927)، واللفظ له، وأبو داود (2197) عن مجاهد قال: (جَاءَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ, فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي ثَلَاثًا وَأَنَا غَضْبَانُ, فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحِلَّ لَكَ مَا حُرِّمَ عَلَيْكَ، عَصَيْتَ رَبَّكَ، وَحُرِّمَتْ عَلَيْكَ امْرَأَتُكَ, إِنَّكَ لَمْ تَتَّقِ اللَّهَ فَيُجْعَلْ لَكَ مَخْرَجًا). وروى ابن أبي شيبة في مصنفه (18356) عَنْ إِبْرَاهِيمَ: (سُئِلَ جَابِرٌ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: مَا أَنْتِ لِي بِامْرَأَةٍ مِرَارًا وَهُوَ غَضْبَانُ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: مَا أَرَاهُ بَلَغَ هَذَا الْحَدَّ، إِلَّا وَهُوَ يُرِيدُ الطَّلَاقَ).
صلاة المريض! قال عبدالله: سألت أبي عن المريض يومئ أو يسجد على مرفقة؟ قال: كل ذلك قد روي، لا بأس به إن شاء الله. وقال: مرضت في سنة ثمان وثلاثين، فجاءني أبي يعودني، فقلت له: المريض متى يقوم إلى الصلاة؟ قال: إذا أطاق القيام صلى قائماً. فقلت: إن أطاق القيام…
صلاة المريض! قال عبدالله: سألت أبي عن المريض يومئ أو يسجد على مرفقة؟ قال: كل ذلك قد روي، لا بأس به إن شاء الله. وقال: مرضت في سنة ثمان وثلاثين، فجاءني أبي يعودني، فقلت له: المريض متى يقوم إلى الصلاة؟ قال: إذا أطاق القيام صلى قائماً. فقلت: إن أطاق القيام في آخر الصلاة؟ فقال: يقوم. قلت: ذلك جائز؟ قال: نعم. وقال: سئل أبي عن المريض متى يصلي قاعدًا؟ قال: إذا كان قيامه يضعفه ويوهنه أحب إلي أن يصلي قاعدًا. مسائل أحمد برواية ابنه عبدالله (375-377). مع التنبيه إلى كراهة ما يفعله بعض المرضى اليوم من وضع طاولة أمامه يضع عليها وسادة ثم يسجد عليها؛ لأن المشروع في حق المريض أن يسجد على الأرض إن استطاع، فإن عجز أومأ بالسجود وجعل سجوده أخفض من ركوعه، ولا يُشرع له التكلف برفع شيء يسجد عليه، لما في ذلك من مخالفة لهدي الصلاة وزيادة لم ترد. روى ابن أبي شيبة في مصنفه (3720) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان عمر يقولُ: إذا لم يَستَطِعِ المَريضُ السُّجودَ: أومَأَ برأسِه إيماءً، ولم يَرفَعْ إلى جَبهَتِه شَيئًا. وروى ابن أبي شيبة في مصنفه (3722) عن عَلقَمَةَ قال: دَخَلتُ مَعَ عبدِ اللَّهِ على أخيه عُتبَةَ، نَعودُه وهو مَريضٌ، فرأَى مَعَ أخيه مِروَحَةً يَسجُدُ عَلَيها، فانتَزَعَها مِنه عبدُ اللَّهِ، وقالَ: اسجُد على الأرضِ، فإِن لم تَستَطِعْ فأَومِئْ إيماءً، واجعَلِ السُّجودَ أخفَضَ مِنَ الرُّكوعِ. وروى ابن أبي شيبة في مصنفه (4266) عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: إذا لم يستطع أن يسجد على الأرض، أيسجد على حصير، أو يرفع إليه بطحاء على خمرة فيسجد عليه؟ قال: لا، ولكن ليومئ إيماء برأسه، ويجعل السجدة أخفض من الركعة.
ويؤيد ذلك أن بني إسرائيل لما نظروا خلفهم ووجدوا فرعون وملاءه وراءهم، قالوا: إنا لمدركون; البحر بين أيدينا, وفرعون من خلفنا، كما جاء في الأثر. والوجب على العبد أن يقف حيث وقف السلف، ولا يجسر على القول على الله بغير علم، ثم ما الفائدة من إثارة الجدل في مثل هذه الأمور؟! في السنة لأبي بكر الخلال (4/22)، قال أحمد رحمه الله في كتابه لأبي عبدالرحيم الجوزجاني: (واعلم رحمك الله أن الخصومة في الدين ليست من طريق أهل السنة، وأن تأويل من تأول القرآن بلا سنة تدل على معناها أو معنى ما أراد الله عز وجل أو أثر عن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ويعرف ذلك بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه، فهم شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم، وشهدوا تنزيله، وما قصه له القرآن، وما عني به، وما أراد به، وخاص هو أو عام، فأما من تأوله على ظاهر بلا دلالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه، فهذا تأويل أهل البدع).
عجائب أهل عصرنا! خرج علينا رجل في مقابلة له، يزعم أن فرعون لم يغرق في البحر، وإنما غرق في اليم الذي هو تجمع مائي نتج من ضرب موسى عليه السلام البحر بعصاه! ويقول: هكذا أتصور، وأكاد أجزم به قطعًا! وزعم أنه لم تأت آية واحدة بأن فرعون غرق في البحر، وإنما في اليم! هكذا زعم! وبالرجوع إلى كتاب الله تعالى نجد أن الله تعالى ذكر البحر كثيرًا في سياق غرق فرعون: قال تعالى: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ). وقال تعالى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ). وقال تعالى: (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لاَّ تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى. فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ). وقال تعالى: (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ. وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ. وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ). وقال تعالى: (وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ). كل هذه الآيات، وفي الأخير يقول: لا توجد آية واحدة تدل على أن فرعون غرق في البحر! وحتى الآيات التي فيها ذكر اليم، فمعناه البحر، كما في تفسير يحيى بن سلام، والطبري، وغيرهما من التفاسير الأثرية. وروى ابن أبي حاتم (17677) عن قتادة، قوله: (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ): قال: (اليم: بحر، يقال له: إساف من وراء مصر، ففرقهم الله فيه). وحاول الرجل جاهدًا أن يفرق بين اليم والبحر والنهر، في محاولة بائسة منه لإقناع المستمع أن فرعون غرق في اليم الذي هو التجمع المائي الناتج عن فيضان الماء، وليس في البحر ذاته، بالرغم من أنه أثبت في ثنايا كلامه أن اليم يطلق على البحر. وكل هذا ترده الآيات والأحاديث، فقد روى أحمد في مسنده (2144)، والترمذي في سننه (3107)، عن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَمَّا أَغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ قَالَ: آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ فَلَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا آخُذُ مِنْ حَالِ البَحْرِ؛ فَأَدُسُّهُ فِي فِيهِ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ). وحال البحر هو طين البحر، وهذا دليل على أن فرعون غرق في البحر، وإلا فمتى تجمع طين اليم الذي زعمه هذا المتكلم في التجمع المائي الناتج عن ضربة موسى للبحر؟! وروى الطبري في تفسيره (908) عن عمرو بن ميمون الأودي في قوله: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ)، قال: (ثم سار موسى ومن معه، وأتبعهم فرعون في طريقهم، حتى إذا تتاموا فيه أطبقه الله عليهم. فلذلك قال: (وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون). قوله: تتاموا فيه، أي دخلوا البحر، واجتمعوا فيه وكمل عددهم وتكاملوا. مأخوذة من «التمام» وهو الاكتمال. والمعنى أن فرعون وجنوده عندما دخلوا البحر خلف بني إسرائيل، واجتمعوا جميعاً داخله ولم يتخلف منهم أحد، أطبق الله عليهم البحر فأغرقهم جميعاً. وعن عكرمة في قوله: (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا) قال: (يابسًا كهيئته بعد أن ضربه، يقول: لا تأمره يرجع، اتركه حتى يدخل آخرهم). أي: يدخل في البحر. وزاد على ذلك أنه فسر إدراك الغرق لفرعون بمعنى أن الماء لحلق به وهو هارب منه! هكذا زعم! ومن المعلوم أن الإدراك يأتي على معان مختلفة، منها قوله تعالى: (أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ)، وقوله تعالى: (ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ). وليس معناها بالضرورة اللحاق بهارب. وزعم أن فرعون وملاءه كان لديهم عقل معيشي وأنه يستحيل أن يمشوا خلف موسى في البحر! مع أن الآيات والأحاديث تكذب هذا الزعم، قال تعالى: (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ. قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ. فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ. وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ. وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ). فظاهر الآيات أن فرعون سار خلف موسى وقومه على الطريق اليابسة، ثم أمر الله بإطباق البحر عليه، فمات فيه غرقًا.
أسعد الناس بعاشوراء هم أهل السنة! وقد صحت الآثار في فضل أربعة أمور تفعل في عاشوراء: الأول: التوبة. فعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنْ كُنْتَ صَائِمًا شَهْرًا بَعْدَ رَمَضَانَ فَصُمِ الْمُحَرَّمَ؛ فَإِنَّهُ شَهْرُ اللهِ، فِيهِ يَوْمٌ تَابَ فِيهِ عَلَى قَوْمٍ، وَيَتُوبُ فِيهِ عَلَى قَوْمٍ آخَرِينَ». رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، والدارمي في سننه، والترمذي وحسنه. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه مرفوعًا: «هَذَا يَوْمٌ تَابَ اللهُ فِيهِ عَلَى قَوْمٍ؛ فَاجْعَلُوهُ صَلَاةً وَصَوْمًا». يعني: يوم عاشوراء. أخرجه أبو موسى المديني وحسَّنه. وفي يوم عاشوراء تاب اللهُ تعالى على آدم عليه السلام، وفيه أُهبِط إلى الأرض؛ كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعُبَيْد بن عُمَيْر، وعكرمة، وقتادة، وغيرهم من السلف. وروى ابن أبي حاتم في تفسيره في قوله: (يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا) عن قتادة قال: هبط نوح إلى الأرض يوم عاشوراء، وصام نوح ومن معه من المغرب إلى المغرب. وكان أهل الجاهلية يتوبون من الذنوب والكبائر في يوم عاشوراء؛ فقد روى أبو بكر الباغندي (ت283هـ) في أماليه (27) عن دَلْهَم بْن صَالِحٍ الْكِنْدِيُّ، قَالَ: سَأَلْتُ عِكْرِمَةَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ مَا أَمْرُهُ؟ قَالَ: أَذْنَبَتْ قُرَيْشٌ ذَنْبًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَعَظُمَ فِي صُدُورِهِمْ، فَسَأَلُوا مَا تَبْرِئَتُهُمْ مِنْهُ؟ قَالُوا: صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يَوْمَ عَشْرٍ مِنَ الْمُحَرَّمِ. وروى ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (1112) عن الأسود بن يزيد قال: سألتُ عُبَيْدَ بن عُمَيرٍ عن صوم عاشوراء، فقال: إنَّ قومًا أذنبوا فتابوا فيه فتيب عليهم، فإن استطعت أن لا يمر بك إلا وأنت صائمٌ فافعل. الثاني: الصيام. فعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ فَرَأَى اليَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟، قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى، قَالَ: فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ»، فَصَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ. رواه البخاري. وعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم عاشوراء. رواه مسلم. وعن أبي قتادة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ». رواه مسلم. بل جاء في الأثر أن النمل يصومون هذا اليوم، قال الطيوري (٥٩٨): سمعت أحمد يقول: سمعت أبا عبدالله يقول: سمعت أبا الفضل العباس بن عبدالسميع المنصوري يقول: سمعت الفتح بن شخرف يقول: كنت أفت للنمل الخبز كل يوم، فلما كان يوم عاشوراء لم يأكلوه. الثالث: الصدقة. قال ابن رجب في لطائف المعارف (ص54): (وأما الصدقة فيه، فقد روي عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: من صام عاشوراء فكأنما صام السنة، ومن تصدق فيه كان كصدقة السنة. أخرجه أبو موسى المديني). انتهى. الرابع: التوسعة على العيال يوم عاشوراء. قال ابن أبي الدنيا في كتاب العيال (386): حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا سفيان بن عيينة، وحدثني جعفر الأحمر، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، قال سفيان- فكان من أفضل من رأينا بالكوفة-: أنه بلغه أن من وسَّع على أهله يوم عاشوراء وسَّع الله تبارك وتعالى عليه سائر سنته. قال سفيان: فجربناه نحوًا من خمسين سنة فلم نر إلا سعة.
без подписи
حكم تخصيص آخر السنة بموعظة أو دعاء أو عبادة لا يجوز تخصيص آخر السنة بشيء من العبادات كالنصح، أو الموعظة، أو الدعاء، أو التهنئة، أو حتى تخصيصه بخطبة جمعة؛ وكذلك ما ينتشر من رسائل تدعو إلى ختم العام بطاعة معينة كالصيام أو الاستغفار أو الصلاة، خاصة إذا وافق آخر السنة يوم جمعة. ودافعهم إلى ذلك هو اعتقادهم أن صحائف أعمال كل سنة تطوى في آخرها! فيحبون أن تكون خاتمة صحائفهم خيراً، كما يدفعهم إلى ذلك في بداية العام استحسانهم افتتاح العام بعبادة. والصحيح أنه لا مزية لآخر السنة ولا لأولها، ولا لآخر جمعة فيها على غيرها من الأيام. وهذا كله بميزان السنة يعد من البدع، لأمور: الأمر الأول: لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن السلف أنهم خصّوا نهاية العام أو بدايته بشيء من ذلك، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وقد حذّر النبي ﷺ من البدع فقال: «كل بدعة ضلالة». وقال ابن عمر رضي الله عنهما: «كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة». وعليه، فإن نشر هذه الرسائل والدعوة إليها يُعد من نشر البدع بين الناس، وقد قال النبي ﷺ: «من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه». ومنه يتبين خطأ من أفتى من المعاصرين بأن التهنئة ببداية العام الهجري لا بأس بها، وأن التهاني عمومًا هي من باب العادات، وما كان من باب العادات فالأصل فيه الحل والإباحة... وذكر منها التهنئة ببداية العام الهجري، وزعم أن كل هذا من باب العادات، ولا بأس به. والصواب أن تخصيصها بهذا الوقت لا أصل له في الشرع. الأمر الثاني: القول بأن صحائف الأعمال تُطوى في آخر السنة لا دليل عليه، وهو من الأمور الغيبية التي لا تُثبت إلا بنص صحيح. والمعروف عند أهل العلم أن صحائف الأعمال تُطوى بموت الإنسان، وقد ذكر ذلك عدد من المفسرين عند تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ). الأمر الثالث: لم يكن شهر ذي الحجة هو آخر العام الهجري في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، بل إن التاريخ الهجري لم يُوضع إلا في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فكيف كان الناس يهنئ بعضهم بعضًا أو يدعو بعضهم لبعض قبل هذا التاريخ؟ وهل ثبت عنهم أنهم كانوا يفعلون ذلك بعد هذا التاريخ؟ مما يدل على أن هذا الفعل ليس له أصل. وذكر المقريزي في الخطط (2/436) أن الاحتفال برأس السنة الهجرية كان من جملة احتفالات العبيديين الباطنيين! وقال: (كان للخلفاء الفاطميين اعتناء بليلة أوّل المحرّم في كل عام لأنها أوّل ليالي السنة وابتداء أوقاتها). والأمر كما قال أبو زرعة الرازي رحمه الله حين قال- كما في سؤالات البرذعي (562): (ما أسرع الناس إلى البدع). وقال البربهاري- كما في شرح السنة (61): (واحذر صغار المحدثات من الأمور فإن صغير البدع يعود حتى يصير كبيراً، وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة كان أولها صغيرًا يشبه الحق فاغتر بذلك من دخل فيها، ثم لم يستطع الخروج منها فعظمت وصارت ديناً يدان به، فخالف الصراط المستقيم فخرج من الإسلام).
ملحظ مهم في آيات المناسك؟ قوله تعالى: «وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً»، هل قراءة هذه الآية قبل الصلاة خلف مقام إبراهيم تُعدّ من السُّنَّة، أم أن النبي ﷺ إنما قرأها على سبيل التعليم والاستدلال؟ وكذلك فعله ﷺ عند الصفا حين تلا قوله تعالى: «إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ»، ثم قال: «أبدأ بما بدأ الله به»، فهل يُقال: إن من السُّنَّة للساعي أن يردد هذا القول، أم أن النبي ﷺ أورد هذه الآية استدلالًا على أن الابتداء يكون بالصفا دون المروة. الذي يظهر- والله أعلم- من سياق الأحاديث أن النبي ﷺ قرأ هذه الآيات استدلالًا على مشروعية الفعل التي قُرأت قبله، كصلاة الركعتين خلف مقام إبراهيم والبدء بالصفا عند إرادة السعي، لا على أنها ذِكرٌ يُسنّ التلفظ به في هذه المواطن. وقد تنوّعت أفعال النبي ﷺ؛ فمنها ما هو تشريعٌ مقصود لذاته، وهذا قد بيَّنه للأمة ليُعمل به، وهو السُّنَّة الظاهرة. ومنها ما يحتمل عند من بلغه أن يكون لعارضٍ أو لمعنى خاص، حتى يأتي ما يرفع هذا الاحتمال ويُبيِّن المراد. ومن أمثلة ذلك: الرَّمَل في عمرة القضاء، حيث فعله النبي ﷺ وأصحابه لإظهار القوة أمام المشركين، فاحتمل أن يكون من أعمال الطواف، واحتمل أن يكون لسببٍ عارض. فلما فعله النبي ﷺ في حجة الوداع، مع انتفاء ذلك السبب، تبيَّن أنه صار سُنَّة مستقرة. غير أن من الأفعال ما لا يتضح مقصده إلا بتتبع عمل الصحابة رضي الله عنهم بعد النبي ﷺ. فقد روى جابر رضي الله عنه في صفة حجة النبي ﷺ أنه لما أتى مقام إبراهيم قرأ: «وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً»، ولما دنا من الصفا قرأ: «إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ»، وقال: «أبدأ بما بدأ الله به»، ونحو ذلك من الأفعال. فاحتمل أن تكون هذه الأقوال من جملة أذكار المناسك، واحتمل أن تكون من باب البيان النبوي لمعاني الآيات وتفسيرها. ولم يحج النبي ﷺ بعد ذلك ليُبيِّن الأمر بيانًا آخر. ولما نظرنا في عمل الصحابة رضي الله عنهم بعده، وجدناهم لم يداوموا على هذه الألفاظ، ولم يُفتوا باستحبابها، فعُلم أن المراد بها البيان والاستدلال، لا التشريع المقصود للتكرار. وفي هذا دلالة واضحة على منزلة عمل الصحابة، وأن معرفته من تمام فهم السُّنَّة، كما فيه بيان خطأ من يقتصر على ظاهر الحديث المرفوع دون النظر إلى التطبيق العملي في زمن الخلافة الراشدة. قال مالك رحمه الله، كما في التمهيد (3/335): (إذا جاء عن النبي صلى االله عليه وسلم حديثان مختلفان، وبلغنا أن أبا بكر وعمر عملا بأحد الحديثين وتركا الآخر؛ كان في ذلك دلالة أن الحق فيما عملا به). ومما يدل لذلك ما ذكره ابن قدامة في كتابه المغني (3/351) عن ابن عباس أنه قال: قال الله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله). فبدأ بالصفا، وقال: اتبعوا القرآن، فما بدأ الله به، فابدءوا به. والشاهد: قوله: (اتبعوا القرآن)، فيفهم منه أن المراد بهذه الآيات هو الحث على الاتباع، وليس القراءة المجردة للآية قبل الشروع في العمل، ولذلك قال: (فما بدأ الله به، فابدءوا به).
إنما حظهم من الإسلام، على قدر حظهم من الصلاة.
ولو سألنا من يجيزوا اتخاذ الصورة والتمثال في الخاتم، هل تجيزوا اتخاذ خاتم الذهب للرجال؟ لقالوا: لا، قلنا: فما جوابكم على خمسة من الصحابة ماتوا وخواتيهم من ذهب- كما قال إسحاق بن راهويه- لقالوا: لم يبلغهم النص في التحريم، قلنا: ما الفرق بين الحالين؟! قال ابن وهب في جامعه (2/105): حدثني مالك: بلغني أن عبدالله بن مسعود كان يقول: إذا سمعتم الحديث فظنوا به أحسنه. قال ابن رجب في أحكام الخواتم (2/ 684): (وإن نُقش عليه صورة حيوان لم يجز، للنصوص الثابتة المستفيضة في تحريم التصوير... ثم قال: في مسائل صالح، سألت أبي عن قوم يرخصون في هذه الصور، ويقولون: كان نقش خاتم سليمان فيه صورة وغيره، فقال أبي: إنما هذه الخواتيم كانت نقشت في الجاهلية لا ينبغي لبسها، لما يروى فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من صور كلف أن ينفخ الروح، وليس بنافخ وعذب)، وقد قال إبراهيم: أصاب أصحابنا خمائص فيها صلب، فجعلوا يضربونها بالسكوك يمحونها بذلك. وفي حديث أبي طلحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة). وقال ابن الملقن الأشعري في كتابه التوضيح لشرح الجامع الصحيح (28/82): (قال مالكٌ: لا خير أن يكون نقْشَ فصِّه تمثالٌ. وقد ذكر عبدالرَّزَّاق آثاراً بجواز اتِّخَاذ التماثيل في الخواتيم ليست بصحيحةٍ، منها ما رواه عن مَعْمَرٍ عن عبدالله بن مُحَمَّد بن عَقِيلٍ أنَّه أخرج خَاتَماً فيه تمثال أسَدٍ، وزعم أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كان يتختَّمُ به. وما رواه مَعْمَرٌ عن الجُعْفِيِّ أنَّ نقش خَاتَم ابن مَسْعُودٍ إمَّا شجرةٌ وإمَّا شيءٌ بين ذُبَابين، وابن عَقِيلٍ تركَهُ مالكٌ، والجُعْفِيُّ متروكٌ. وروى مَعْمَرٌ، عن قَتَادَة، عن أنسٍ وأبي موسى أنَّه كان نقشُ خَاتَمه كُرْكيٌّ له رأسان. وهذا إن كان صحيحًا فلا حُجَّة فيه؛ لترك النَّاس العمل به، ولنهيه صلى الله عليه وسلم عن الصُّور، ولا يجوز مخالفة النَّهي). والمقصود أن هؤلاء اعتقدوا رأيًا ثم حملوا ألفاظ الآثار عليه، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا من أئمة المسلمين لا في رأيهم ولا في تفسيرهم.