Groundless Ground
СтатистикаThere is no prize to perfection, only an end to pursuit.
- Последний пост
- 11 мая 2025 г.
- Последнее чтение
- 13 авг.
- Постов за неделю
- 0
- Всего постов
- 20
- Тип
- открытый
- Язык
- арабский
- В каталоге с
- 13 авг.
- 1/24сутки в ленте
- —
- 1/48двое суток
- —
- 1/72трое суток
- —
Оценка по просмотрам недавних постов: пост набирает почти всё за первые сутки.
Посты
يبدو والله أعلم أن انتهى النشر في هذه القناة، فلم يعد هناك ما يقال، ولا ما يضاف، في المساحات التي كانت تشغلني، فقد قيل الكثير، ولعله يكفي. القناة لن تحذف، ما نشر هنا باق لمن أراد أن يعود إليه أو يجد فيه ما يفيده، ولا نية للعودة هذه المرة. أرجو لكم السلامة.
كل شهوة تطلبها النفس هي ملك لزمانها ورهينة أوانها، لا تدرك إلا بقدرها، ولا تدوم إلا لأجلها، محكومة بساعتها، لا تنال منها إلا ما قدر لها، ولا تظفر منها إلا بما كتب في أجلها. لهذا كان من يسعى خلف اللذة كأنما يركض وراء ظل لا يمسك، ذلك أنها، متى ما تحققت، انقلبت طلبا للذة أعظم. والحق أن سقف اللذة، إن وجد، محجوب عن متناول الإنسان، فشهوة النفس للذة لا تنقطع، ولا تعرف حدا يشبعها؛ تستدرج من مرتبة إلى أخرى، حتى تصل إلى الألم الذي يتربص في نهاية المطاف، وما من أحد يستطيع أن يبلغ غاية اللذة، لأن أوهامه المتجددة بلا انقطاع، تجعل من كل لذة حاضرة نقطة لرغبة أشد، وحاجة أعمق، وهكذا، يصبح البحث عن اللذة عينه دافعا للألم، لا نقيضا له، وإن بلغ مناه وامتلأ كرهته نفسه وملته واشمأزت منه، فعادت طالبة لغيره، أو باكية على حال بؤسها. خذ رعشة الجماع مثلا، وتأمل ثانية الإنزال، لحظة قصيرة يبلغ فيها المرء أقصى اللذة، التي يبدو فيها الإنسان كما لو أنه قد بلغ قمة الوجود، ولو لبرهة، لكنها تمضي سريعا، تاركة وراءها اشمئزاز الامتلاء، وفراغا يستهلك كل لذة، لذا كان طلب اللذة دائما إما بداية لألم بعد تحقيقها، أو امتلاءا يحيل ما تم نيله إلى صورة باهتة تثير الاشمئزاز والتبلد، ثم يبدأ المرء طلب غيره. إذا أراد المرء ما هو أقرب للراحة فهو في دفع الألم، وإن كان فيه من الألم الكثير، إلا أن فيه طمأنينة وراحة تجعل النفس على أرض ثابتة، فيتحرر الإنسان من وطأة الحاجة، ويُمنح سكونا، فاللذة تحمل توقا مستمرًا لما هو أعلى، أما غياب الألم فيضع الإنسان في حالة توازن، والرضا بحالة لا تطلب المزيد.
كانت الحكاية، في أصلها، عقدا بين راو ومستمع، الراوي يقدم كلمات، المستمع يمدها بطبقات من التمثل والتهويم، هكذا كان الكلام، أما الصورة الكاملة فكانت تستكمل في الذهن، وبهذا التفاعل كان الخيال شريكا مساويا للكلام، يملأ الفراغ ويحمل الجملة أقصى ما يقدر عليه من المعنى، وكانت الأسطورة من قبل فعل جمع بين الذاكرة والخيال، تبني هوية الشعوب وتشد الأفراد إلى غاية تتجاوزهم، وكانت تعيد ترتيب الزمن على هيئة سرد واحد يحتمل الماضي والحاضر معا، وتربط شرف السلف بمسؤولية الخلف. فقد الإنسان كل هذا مع التكنولوجيا، فقد الإنسان كل ما عاش من أجله، وكل جميل وعظيم وجليل كان عنده يوما، وليس هناك إمكانية لاستعادته أبدا.
This film remains one of the greatest visual productions ever created by man, marvelous.
الذي يعلمه كل عاقل، أن المنتصر هو الذي أملى الشروط وأورث العرش، والمهزوم هو الذي تنازل عن لقبه وتفكك ما عنده بعد ذلك، ومن حيث عجز السيف عن الحسم تكفل خيال الأتباع بترميم الحكاية، واختراع من قصص من نوع حدثني من يطربني كذبه، عن من يكره من أكره، عن من أثق في حبه لفلان، وتم تضخيم مشاهد عادية إلى ملاحم أسطورية، تكون عند الجماعة شعور تفوق أخلاقي يعوض خواء اليد. وما دام حسم المعركة على الأرض قد انقضى لصالح ذاك القائد، يبقى لعنه عند خصومه ضرورة لا بد منها، اللعن هنا يعيد توزيع النقاط في مباراة انتهت واقعيا بخسارة صفرية للطرف الذي يحبون، والانفعال إن لم يصرف في الفعل يصرف في القول، فاللعن يقدم قناة تفريغ آمنة للجماعة تكبح بها إحباطا مزمنا عمره أربعة عشر قرنا، وهزيمة مزمنة أورثها لهم قائدهم وأورث لهم ضرورة الترقيع له.
تستقر في الوجدان صورة العربي فارسا يذود عن حماه، وفي الوقت ذاته شاعرا وخطيبا لا يذعن، بيد أن هذه الصورة لا تزعم ولا ينبغي لها إلغاء التعارضات الداخلية والميول المتباينة في التاريخ العربي، بل تعين أصلا حاكما وجه تلك الميول: أصالة العزة المجبولة على الحرية، وتوق النفوس إلى السيادة في الأرض واللغة معا. وأقول، وحق لي القول، أن من رام حصر هذا الكيان الواسع في وصف أو أوصاف فقد حاد به الفهم وقصر به النظر، إذ هو بصدد أمة انتزعت لنفسها مقام الريادة، فالبدو الذين حرستهم الصحراء من الأعاجم خرجوا بلسان محفوظ وناموس ديني يلتئم فيه الإيمان واللغة والسلطة، ثم وسعوا دولتهم حتى جاوزت ثلاث قارات في جيلين اثنين، ما يجعل الظاهرة العربية فريدة أن الوعي الذاتي بالعقيدة والسيادة تزامن مع فعل التأسيس نفسه. ولئن تميز الفرس والروم واليونان والصين والهند بما تميزوا به، وكل أمة امتازت بوجه أكثر من وجه، غير أن العرب اجتمع لهم من ضروب الريادة ما تفرق في غيرهم، حتى غدا الانفصال بين ميدان وآخر غير ممكن، الخلفاء والملوك المحاربون والفرسان والمتكلمون والفلاسفة والحكماء والنحويون والشعراء وأصحاب النوادر والظرفاء... فلم يتركوا شعبة من شعاب الفعل الإنساني إلا خاضوها بجدية تستفرغ الوسع ولا تبقي لطامح مجالا لاستدراك أو زيادة.
قد قالت العرب، ولا تقول العرب إلا صدقا، أن أقوى الناس سلطانا أضعفهم أمام هواه، وليس يهوى الرجل شيئا أكثر من النساء، وأعجب ما رتب في هذه الدنيا ضعف الرجل أمام محاسن المرأة الحسناء، وهذا حاله دائما، كلما زادت حسنا زاد ضعفه لها، إذا أطلت عليه، أطرق رأسه، وتلعثم لسانه، وتفرقت همته.
الإنسان والحرب لا يوجد دين حقيقي ولا فلسفة جادة ولا أسطورة مؤسسة إلا وقد ارتكزت على أساس مهم وهو أن الوجود لصيق الصراع، وعلى وعي حاسم بالحرب بوصفها ضرورة دائمة، وليست استثناءا، التوراة مليئة بالحروب، والأنبياء فيها محاربون، والمسيحية، رغم ما تروج عن نفسها بالمحبة، لم تنف الحرب، إنما أجلتها للعودة الثانية، والإسلام كما هو مشهور عنه عند مخانيث البشر أنه دين العنف، جعل الجهاد ذروة سنام الدين، وربط بين الإيمان الحقيقي بالاستعداد للقتال والموت في سبيل الحق، وحتى الأساطير الوثنية من ملحمة جلجامش إلى الإلياذة، جعلت من المعركة مادة تفسير الكون. كل سردية كبرى في تاريخ البشر قامت على لحظة صدام، على غزو، أو مقاومة، أو تضحية دموية، أو فتح، أو ثورة، لم يقم شيء في التاريخ البشري إلا على الحرب، ولم يخل أي نظام روحي أو دنيوي من تصورها وإعادة إنتاجها وتنظيمها، ولم تخل حضارة واحدة أو قبيلة أو جماعة من حكايات الفتح، والطرد، والانتصار، والتضحية، حتى عندما استقر الإنسان وأقام المجتمعات والأنظمة، لم يتخل عن الحرب، بل نقلها من شكلها المباشر إلى أشكال مؤسسية. لا يوجد سلام في التاريخ إلا لأنه كان ناتجا عن حرب ناجحة، وهو لا يكون حقيقيا إلا إذا كان مدعوما بالقوة، ومسنودا بقدرة على خوض الحرب عند الحاجة، وكل منظومة لا تعترف بهذا، أو تحاول تجاهله، مآلها الانهيار أمام أول اختبار حقيقي، ووحدها الأمم التي تبقي في ذاكرتها معنى الحرب، وتزرعه في وعي أبنائها وأن الكرامة لا تصان إلا بالقوة، هي التي تستحق البقاء. الطوباويون الذين يظنون أن العالم سيصير فانتازيا إذا تخلى عن الحرب، لا يفهمون شيئا في التاريخ، ولا يعرفون طبيعة البشر.
أثبت التاريخ، بشواهده الدامغة التي لا تقبل الطعن، أن عبارة واحدة هي لا إله إلا الله محمد رسول الله امتلكت من القدرة التوحيدية ما عجزت عنه كل المشاريع القومية والإثنية والفلسفية، فهي بفضل بنيتها العقدية ومحمولها الوجودي، خلعت عن الإنسان كل هوية جزئية لتلبسه هوية كونية تحرره من أسر العرق واللون واللغة، وتلزمه من اللحظة الأولى للنطق بها أن يلغي كل حاجز بينه وبين أي مخلوق نطق الشهادة ذاتها. بهذا المنطق الصارم انتظم تحت لوائها العربي الذي ابتدأت به، والفرسي والتركي والبربري والهندي وما وراء هؤلاء من شعوب زنجية وأوروبية وصينية، حتى صار الأذان الواحد يصدح على ألسنة شتى، يفتح صدره لكل لسان ولا يطلب مقابلاً إلا التسليم بمقتضى التوحيد: إله واحد، وشريعة واحدة، وأمة واحدة ذات رسالة خالدة. الجزء الأول لا إله إلا الله هو نفي قاطع لكل صنم مرئي أو غير مرئي، سياسي أو اقتصادي أو نفسي، فلا يبقى في الوجود سلطان مطلق غير الحق سبحانه، والجزء الثاني محمد رسول الله هو إثبات لطريق عملي واحد يضبط العلاقة بين الإله والإنسان، فإذا جمعت هذه البنية أضداداً تفرقت عبر القرون، فتحت طريقاً لالتقاء، يقوم على معنى التعالي المشترك، وعندما انتقل الشعار من حيز اللفظ إلى حيز الفعل صار العربي يرى في الفارسي والتركي... أخاً يلصق منكبه بمنكبه في الصلاة. وهكذا انبثقت الأمة بمدلولها الذي على ألسن العامة، فإذا داهمت محنة هرع العربي والفارسي والتركي والهندي إلى خندق واحد بلا حاجة لمفاوضات تحالف، لأن التحالف قائم أصلًا على أن حزب الله هم الغالبون، وهذه العبارة تحقن الدماغ الجمعي بدوبامين الأمل والألفة معاً، فتزيل تلقائياً حاجز الريبة بين الغرباء. ولا مجال للريبة في أن كل مسلم أياً كان مستواه الثقافي أو موقعه الاجتماعي يختزن في وجدانه حقيقة صارمة مفادها أنه حلقة حية وفاعلة في قصة واحدة متصلة بدأت قبل ألف ونصف الألف عام، الأول يوم نادى محمد ﷺ في بطاح مكة، «قولوا لا إله إلا الله». كل ركعة صلاة، وكل تلاوة سورة الفتح، وكل ذكر لحديث «وسيبلغ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار» يحقن الدماغ بدفعة دوبامين معرفي تثبت في اللاوعي الجمعي فكرة الصعود الحتمي، الفرد المسلم قد يضعف أو يتكاسل أو ينسحب إلى دائرة حياته الخاصة، لكنه مع ذلك يحمل في ذهنه الأعمق تصوراً مؤكداً عن لحظة قادمة ستستأنف فيها أمته دورها، الأمر الذي يفسر سرعة الاستجابة الجماعية كلما لاح أفق تغيير. مع المادة الحية يضاف له التاريخ الحي الذي يعمل كنظام تشغيل دائم في الوعي الجمعي للمسلمين؛ فما إن تقرع طبول معركة معاصرة حتى تنبثق من أعماق الذاكرة الجمعية صور بدر وأحد، وتستحضر في المخيال الجماعي أسامي خالد بن الوليد، وعمر بن الخطاب، وغيرهم، تحقن هذه الذاكرة الراهن بدفق من المعنى والقداسة، وتصبح كل معركة بارزة في التاريخ الإسلامي معياراً ذهنياً يعود إليه المخيال الجمعي كلما احتاج برهاناً على إمكان الفعل. لهذا أرى الإسلام ناهضا، ما دامت مادته حية، ومادته لا تموت أبدا، ما دام أحد يؤمن بالآيات ويتلوها، عجل النهوض أو أجل، هو قادم.
без подписи
إرادة الله في القول للناس بأن موازين السماء ليست هي موازين الأرض عجيبة. اختار أضعفهم في عرف القوة عندهم، يتيم لا أب ولا أم ولا مال، ثم جعله في أكثر بقاع الأرض قسوة، واد غير ذي زرع، منسي، تحيط به جبال وصحاري ممتدة، بعد بضع سنين سيقف يتيم بني عبد المطلب رضيع بني سعد بقومه على عرش كسرى وأعتاب القسطنطينية وسور الصين.
تاريخ الإنسان طويل مع تأليه العظماء، فهنالك ملوك لقبوا بأبناء الشمس، وهنالك فلاسفة ورهبان ومصلحون ألههم أتباعهم، وهنالك فرسان حملوا أوسمة القداسة لأنهم أنقذوا مدنا أو انتصروا في أسطورة، وللناس سابقة في الأنبياء مع عيسى ابن مريم، ولو حق للبشر أن يتخذوا بشرا إلها، لاتخذوا من امتلك أسباب الرفعة والقداسة في نظر الناس ثم سلمها طائعا لأمر مالك السماء، يوم قال له أناس: يا خيرنا، وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: يا أيها الناس، قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبدالله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل. وقال في أخرى: لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله. قد كان يستطيع لو أراد أن يصوغ لقبا فوق رسول الله وعبده، كان يمكن أن يقول الإله، نصف الإله، ظل الله على الأرض، لكنه طائع الوحي وعبد الموحي.
مات لأعرابي ابن صغير فقيل: هذا شفيعك يوم القيامة، فقال: هلكنا والله، هو أضعفنا حجة، وأقطعنا لسانا، وليته يقوم بأمر نفسه.
رأيت حمارا يحاول نقض حجة الضامن، وهي حجة تعاني من إشكالات بالطبع، كما أي حجة من حجج عقل الإنسان، وكان اعتراض الحمار أن استحضار الضامن يقع في سلسلة التبرير الإبستمولوجي فينشأ الدور، وهو يخلط بين مستوى التعقل (epistemic access) ومستوى التأسيس الميتافيزيقي (ontic ground). هناك تبرير إبستمولوجي يمنحني الحق في الاعتماد على مبدأ ما في الاستدلال، وهناك تبرير أنطولوجي يفسر لماذا يكون ذلك المبدأ صالحا ونافذا في الواقع موضوعا، مبدأ عدم اجتماع النقيضين مثلا هو ابستيميا اعتقاد أولي مبرر بنفسه، العقل يدركه مباشرة بوصفه شرطا لازما لكل تفكير، فلا يحتاج إلى مقدمة يستدل بها عليه، لكن كونه مبررا ذاتيا من حيث مشروعية الاستعمال لا يعني أنه قائم بذاته من حيث الوجود، بل يظل محتاجا إلى تفسير أنطولوجي. فليس هذا تبريرا للمبدأ على نحو يجعل قبوله موقوفا على قبول الضامن، بل هو تفسير لأصله وأسس صلاحيته، أما تشبيه علاقة الضامن بمبادئ المنطق بعلاقة مبدأ الهوية بمبدأ عدم التناقض فقياس مع الفارق، لأن تلك العلاقة الأولى تعقلية داخل النسق الذهني ذاته، بينما علاقة الضامن بالقانون المنطقي تعليلية فوق النسق، وكون الهوية وعدم التناقض يتلازمان في التعقل لا يعني أن أحدهما يبرر الآخر، بل يعني أنهما شرط مشترك لكل تعقل، وحين يعترض بأن صلاحية القانون كانت مسلمة قبل إثبات الضامن، فالجواب أن التسليم هنا إبستيمي (أي مشروع في الاستعمال) أما التفسير فأنطولوجي، ومن الحمرنة الخلط بين مرتبتين مختلفتين من السؤال. إذا تقرر هذا الفارق سقط الإشكال رأسا، وأنا أعي أن هناك إشكالات على حجة الضامن، وكثير ما هي، إلا أن هذا الإعتراض من أسخف ما رأيت.
قدرة العقل البشري على توليد الاستشكالات غير محدودة، فكل نسق يبدو للوهلة الأولى محكما ومتسقا سرعان ما يظهر عليه استشكال من عقل، ثم يوسعه عقل آخر، أو حتى العقل نفسه في طور لاحق، الأمر الذي يبرهن أن افتراض إمكانية سد جميع الاعتراضات بإحكام الردود وهم، لأن الإنسان لا يملك، بحكم محدوديته البنيوية، أدوات تقود إلى يقين مطلق يمنع أي سؤال لاحق، كما يستحيل عليه في الوقت عينه أن يمارس شكا مطلقا ينسف كل الأسس، لأن هذا الشك سيقوض ذاته. ومن ثَمَّ يظل العقل مضطرا إلى نقطة ارتكاز أولية يتجاوز بها حلقة التبرير اللامتناهية، وهذه النقطة هي ضرورة التسليم الذي يمكن من البدء في التفكير والعمل واتخاذ المواقف، ومن دونه يستحيل على العقل أن يبتدئ حوارا أو ينجز استدلالا واحدا، مع الإقرار بهامش الخطأ الملازم لطبيعة العقل وقدر من القصور بسبب نقص الإنسان.
برأيك هل العبارة "حقيقة علمية" خاطئة أم صائبة؟ وإذا كانت خاطئة ما السبب برأيك؟
без подписи
تابعت هذه الأيام رحلة الحجاج الاسبانيين، وهي رحلة قام بها مسلمون إسبان على ظهور الخيل من إسبانيا، إلى مكة المكرمة للحج، على خطى أجدادهم الأندلسيين كما قالوا. الجميل في هذا كله هو، هو استقبال المسلمين لهم بكل أطيافهم وأعراقهم وألوانهم بأحر أنواع الاستقبال والاحتفال بهم، بما يظهر لك من روابط تتجاوز العرق والإثنية والقومية والوطنية. اللطيف كذلك أن زيهم مركب، من بين لبس مغربي، لطراز شامي وخليجي، وعمائم موريتانية، فجمعوا ما استطاعوا من ألوان ثقافة العرب. في الصور، الذي يلبس لثاما أسود، هذا لثام على الطريقة الصحراوية الموريتانية، والرجل المسن ذو العمامة البيضاء، كذلك قال أنه تعلم هذه العمامة أثناء تواجده في موريتانيا.
يبدو والله أعلم، أن مسألة الهوية في شمال أفريقيا، قد تفضي إلى حرب أهلية بين العرب والأمازيغ. مشكلة النقاشات الهوياتية عامة أنها لا تفهم أن الهوية مركبة وليست ذات بعد واحد، وأنه بمجرد طرح سؤال "من نحن؟" وظهور سؤال العرق هو دليل على تفككهما أصلا! التنظير للهوية دليل على تفككها وأنها لم تعد بديهية.
هناك تجربة ذهنية دائما ما تخطر على بالي، وهي تبدأ برجل مع شريكة حياة ينسحب كليا من العالم، يحمل نسخة من كتاب ما، ولنقل جنيالوجيا الأخلاق، ويعلن أمام سجل مكتوب ومختوم أن هذا النص وشروحه التي سيضعها هو المرجع التشريعي الوحيد للمجتمع الذي سيولَد من نسله. يدون كل تفاصيل الوقائع اليومية، ترتيب السلطة، طرق التعلم، ويترك وصية واضحة بحفظ هذه الوثائق في مكان معلوم، وتوريثها جيلا بعد جيل مع تسجيل منتظم للأشخاص والتواريخ والأنساب. تمضي مئة سنة، والأحفاد ما زالوا يحفظون اسمه، يرَون المخطوطات الأصلية، ويعرفون مكان دفنه، بعد مئة أخرى، تظل الوثائق موجودة في خزائن جماعية، والأنساب متصلة تسجيلا وزمنا، بعد ثلاثمئة سنة تبدأ أولى الشكوك الصغيرة، مثل هل كل ما نُسِب إلى المؤسس كتبه هو فعلا؟ هل الموضع الذي قيل إن قبره فيه حقيقي؟ تظهر مدرسة تعيد النظر في التفاصيل دون إنكار الأصل. بعد خمس مئة سنة تنقسم الجماعة إلى تيارين: تيار يلتزم حرفيا بالنصوص ويحفظ السجلات ويصون القبور، وتيار نقدي يزعم أن العناية المُبالغ فيها بالوثائق منعت القراءة الحرة للنص الأساسي، وكلما تقدم الزمن زادت الفروع وصار النقاش حول أولوية النص، لا حول وجود واضعه. ومع ذلك، وبعد نحو سبعمئة سنة، يظهر فصيل ثالث، وهو المراجعة الجذرية، وهذا الفصيل يحاجج بأن كل شيء، بداية من المؤسِّس، الشروح، الضريح، الأنساب، كذب نسجه الأقدمون لإحكام السيطرة، ويستند إلى ثلاث حجج: غياب آثار مادية خارج الوثائق نفسها، وجود تناقضات في بعض التواريخ، وإمكانية تلفيق نسب بالاعتماد على ذاكرة جمعية متحيزة، ومع أن الوثائق الأصلية محفوظة وصادرة عن جيل أول شهد الحدث مباشرة، ومع أن السلسلة الإسنادية لم تنقطع بل دونت سنة بعد سنة، يطرح هذا الفصيل سؤالا وحيدا: ما الضامن أن كل هذا لم يصنع بعد قرن من البداية؟ بعد ستة قرون تنهار فرضية أن الكاتب المؤسس غير موجود، لكن يظهر في أرشيف خارجي لا صلة له جغرافيا ولا زمنيا بالمجتمع المعزول دعوى أن دستور جنيالوجيا الأخلاق ليس تشريعًا مستقلا، بل هرطقة من كتاب الأوحد وملكيته لماكس شتيرنر، مخلوط ببعض تأملات ماركوس أوريليوس وفن العيش الحكيم لشوبنهاور، ويقدمون فرضيات لذلك. وكما وجد من أنكر وجود المؤسس رغم كامل السجل المادي، وجد من أنكر استقلال شريعة المؤسس رغم نفي النص لبنية العقيدة السابقة نفيا صريحا، في الحالتين، الدافع ذهني-مسبق لا برهاني، ويظل الاعتراض قائما حتى لو أحكمت الأدلة إلى أقصى درجات الإحكام. فهمتم الغرض المراد من التجربة؟