السبيل
Статистикаمشروع ثقافي إسلامي وسطيّ، هدفه التوعية ومواجهة التفاهة والتضليل والاستبداد. نفتح ملفات دينية وفكرية وسياسية، ونقدم مراجعات للكتب والشخصيات، ونصنع برامج كرتونية هادفة لليافعين. لا نتبع دولة ولا تنظيمًا ونعتمد على التمويل الذاتي والإعلانات www.al-sabeel.net
- Последний пост
- 14 авг.
- Последнее чтение
- 15 авг.
- Постов за неделю
- 26
- Всего постов
- 115
- Тип
- открытый
- Язык
- арабский
- Категория
- Религия
- В каталоге с
- 13 авг.
- 1/24сутки в ленте
- 694
- 1/48двое суток
- 795
- 1/72трое суток
- 857
Медиана по постам, которые мы застали свежими и померили через сутки.
Посты
الأقليات الدينية في الدولة العثمانية.. الرعاية والمواطنة والتدخل الأجنبي.. في الحلقة الأولى من هذه السلسلة نتعرف على وضع الأقليات الدينية في الدولة العثمانية، وتحديدا أهل الذمة، وكيف كانوا يتمتعون بحق الرعاية الذي لم يكن معروفا لدى الدول الأوروبية المسيحية، ثم كيف عملت القوى الأوروبية على انتزاع الامتيازات للتغلغل في جسد الدولة بذريعة حماية الأقليات. نستضيف في هذه السلسلة د. باسم فليفل، وهو محاضر في التاريخ العثماني بجامعة بيروت العربية، ومساعد لأمين المكتبة في الجامعة الأميركية في بيروت، وإداري في موسوعة ويكيبيديا العربية. أجرى الحوار أحمد دعدوش https://youtu.be/Uwdl6qHlaN8?si=1lr0i83BD2XNNBxu
يوم الجمعة ينبغي أن يكون يوماً فيه سعة الذكر، وبركة الصلاة على النبي ﷺ، ففيه ساعة أخبر عنها رسول الله ﷺ فقال: «فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه إياه» متفق عليه. فأكثروا من الصلاة على النبي ﷺ، وأطيلوا الدعاء، وارفعوا إلى الله حاجاتكم التي عجزتم عن حملها، وأمانيكم التي طال انتظارها، وما تخفونه في صدوركم ولا يعرفه سواه. ولا تستصغروا مطلوبًا أمام خزائن الله؛ فقد قال سبحانه: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾. اللهم اجعل لنا في هذه الجمعة دعوةً لا تُرد، وذنبًا يُغفر، وهمًّا يُفرّج، وقلبًا يُصلح، ورزقًا يُبارك، وأمنيةً طال انتظارها فتأتي بها على أجمل مما رجونا.
تبقى الخلاصة أكثر إنسانية: لا تجعل تعاسة مرحلةٍ حكمًا نهائيًا على عمر العلاقة كله. أصلح ما يمكن إصلاحه، واطلب المشورة، وميّز بين الأزمة العابرة والخلل البنيوي، وبين الخلاف والإيذاء، وبين التعب من العلاقة واستحالة العلاقة. ثم اتخذ القرار بعد أن ترى الصورة كاملة، لا داخل لحظة الألم وحدها. الزواج ليس وعدًا بسعادة متصلة، كما أن الطلاق ليس وعدًا بحياة خالية من الألم. وقد تحتاج بعض البيوت إلى أن تنتهي حمايةً لأهلها، بينما تحتاج بيوت أخرى إلى شيء مختلف تمامًا: أن يتوقف أصحابها عن التفكير في الهدم قليلًا، ويبدأوا لأول مرة في إصلاح ما تصدّع بجدية. ولعل كريستوفر لاش أصاب جانبًا عميقًا من وظيفة الأسرة حين وصفها بأنها ملاذ في عالم قاسٍ؛ غير أن الملاذ نفسه يحتاج إلى صيانة، ورحمة، وعدل، وتنازل متبادل، وقدرة على الإصلاح كلما أصاب جدرانه شيء من تصدعات الحياة.
مستفاد من منشور لأحد الأفاضل.. موضوعه: هل يجد الناس السعادة بعد الطلاق من الزيجات التعيسة؟ يبدو السؤال بسيطًا في ظاهره: إذا كان الإنسان تعيسًا في زواجه، أليس من الطبيعي أن يصبح أكثر سعادة بعد الخروج منه؟ تكشف دراسة أمريكية بعنوان Does Divorce Make People Happy? Findings from a Study of Unhappy Marriages أن النتائج غير المتوقعة والأكثر تعقيدًا هي ما تتحقق على أرض الواقع. اعتمد الباحثون على بيانات National Survey of Families and Households، واختاروا 645 شخصًا وصفوا زيجاتهم بأنها غير سعيدة، ثم تابعوا أحوالهم بعد نحو خمس سنوات. وكانت النتيجة المركزية لافتة: لم يكن الذين تطلقوا، في المتوسط، أسعد من الذين بقوا في زيجاتهم غير السعيدة، كما لم يظهر الطلاق في هذه العينة تحسنًا عامًا واضحًا في مؤشرات مثل الاكتئاب وتقدير الذات والشعور بالقدرة على التحكم في الحياة. والأكثر إثارة للتأمل أن نحو ثلثي الأشخاص الذين كانوا غير سعداء في زواجهم ثم استمروا فيه، أصبحوا بعد خمس سنوات يصفون زواجهم بأنه سعيد. وظهرت النتيجة بصورة أشد لفتًا للنظر لدى أصحاب الزيجات التي وُصفت في البداية بأنها شديدة التعاسة؛ إذ تحسنت نسبة كبيرة منها بمرور السنوات. تكشف الدراسة خطأً شائعًا في تصور المشكلات الزوجية، إذ نميل إلى التعامل مع الحالة الراهنة وكأنها حالة دائمة. فإذا بلغت العلاقة مرحلة شديدة من التوتر، قد يتخيل الطرفان أن السنوات المقبلة ليست سوى نسخة مكررة من اللحظة الحالية، مع أن العلاقات الإنسانية تتحرك وتتغير، كما تتغير الظروف النفسية والمالية والعائلية التي صنعت الأزمة أصلًا. وقد تتحول المشكلة هنا من سؤال: هل أنا سعيد الآن؟ إلى سؤال أكثر نضجًا: ما سبب تعاستنا؟ وهل السبب قابل للإصلاح؟ يفرق هذا السؤال بين زواج أتعبته ضغوط الحياة، وزواج يقوم أصلًا على الإيذاء. فقد تصنع الديون، والبطالة، وتربية الأطفال، وضغط العمل، وسوء التواصل، والتوقعات غير الواقعية، والتدخلات العائلية، وتراكم الخلافات الصغيرة حالةً من التعاسة تجعل الطرفين يعتقدان أن المشكلة في أصل العلاقة، بينما يكون جزء كبير منها في الظروف المحيطة بها أو في طريقة إدارتها. وهنا قد يؤدي العلاج الزوجي، وتحسين التواصل، وإعادة توزيع المسؤوليات، وضبط تدخل الآخرين، ومعالجة المشكلات النفسية الفردية، إلى تغيير كبير. وفي المقابل، توجد حالات مختلفة جذريًا: العنف، والإيذاء المستمر، والإكراه، والخيانة المتكررة، والإدمان المدمر، والتهديد، والاستغلال الشديد. ولا يصح استخدام دراسة عن متوسطات إحصائية للضغط على شخص كي يستمر في علاقة تعرض سلامته أو كرامته للخطر. فالدراسة نفسها لا تثبت أن البقاء في الزواج يسبب السعادة، وإنما تكشف أن الطلاق ليس، في المتوسط، ضمانة آلية للانتقال من التعاسة إلى السعادة. وتكشف المسألة كذلك عن وهم نفسي معاصر: أن تغيير الظروف الخارجية سيحل بالضرورة الاضطراب الداخلي. فقد يخرج الإنسان من الزواج، لكنه يحمل معه بعض الأسباب التي شاركت في صناعة تعاسته: طريقة تفكيره، وصعوبة التواصل، والغضب، والتوقعات المرتفعة، وسوء اختيار المعارك، أو مشكلات نفسية لم تُعالج. عندئذ يتغير الشريك، لكن بعض الأنماط القديمة تظل حاضرة. لهذا ينبغي ألا يُتخذ قرار بحجم الطلاق في ذروة الغضب، ولا تحت تأثير المقارنات التي تصنعها وسائل التواصل، ولا اعتمادًا على تصور رومانسي لحياة جديدة خالية من المشكلات. ينبغي قبل ذلك، ما لم توجد مخاطر تستدعي الخروج، تشخيص أصل الأزمة بصدق: هل انتهت العلاقة فعلًا، أم أن أصحابها منهكون؟ هل جربوا إصلاحًا حقيقيًا أم أنهم يكررون الشجار نفسه؟ هل تم طلب مساعدة متخصصة؟ هل المشكلة في الزواج نفسه أم في أزمة تمر بها الأسرة؟ وهل نبحث عن حل للمشكلة أم عن هروب من ألمها؟ وتزداد أهمية هذه الأسئلة مع وجود الأطفال؛ لأن الطلاق لا ينهي الأسرة ببساطة، وإنما يعيد تشكيلها. يبقى الأب أبًا، والأم أمًا، وتستمر مسؤوليات التربية والنفقات والقرارات واللقاءات، وقد تبدأ تعقيدات جديدة مرتبطة بالحضانة والمسكن والشركاء الجدد والعلاقات بين الأسرتين. ولذلك ينبغي قياس كلفة البقاء وكلفة الانفصال معًا، بعيدًا عن القرارات المتسرعة السهلة. تحتاج نتائج الدراسة نفسها إلى قدر من الاحتياط العلمي. فقد نُشرت الدراسة عام 2002، واعتمدت على بيانات رصدية أمريكية، وليست تجربة عشوائية يمكن من خلالها القول إن البقاء في الزواج هو الذي تسبب في السعادة. وربما كانت الزيجات القابلة للإصلاح أصلًا أكثر احتمالًا للاستمرار، بينما اتجهت الحالات الأصعب إلى الانفصال. ولهذا تصلح الدراسة لتصحيح فكرة "لطلاق يجلب السعادة بالضرورة"، لكنها لا تصلح لإنتاج قاعدة معاكسة تقول: "البقاء أفضل دائمًا".
دعا الحسن رضي الله عنه بنيه وبني أخيه، فقال: "يا بني وبني أخي، إنكم صغار قوم يوشك أن تكونوا كبار آخرين، فتعلموا العلم، فمن لم يستطع منكم أن يرويه -أو قال: يحفظه- فليكتبه وليضعه في بيته". يلتفت الحسن رضي الله عنه إلى الصغار، فلا يراهم بحجم أعمارهم الحاضرة، وإنما بالمواقع التي سيقفون فيها بعد سنوات فيقول لهم "إنكم صغارُ قومٍ يوشك أن تكونوا كبارَ آخرين" يلفت نظرهم إلى أن الطفل الذي يجلس اليوم مستمعًا، سيصبح غدًا أبًا ومعلّمًا وصاحب قرار، والطالب الذي يتلقى العلم اليوم سيأتي عليه زمان يسأله فيه الناس ويحتاجون إلى معرفته. ولهذا جاءت الوصية مباشرة: "فتعلّموا العلم" أي ابدؤوا به قبل أن تزدحم المسؤوليات، واكتبوا قبل أن تضعف الذاكرة، واجمعوا في سنوات التكوين ما ستحتاجون إليه في سنوات العطاء. وحتى من لم تسعفه حافظته، لم يجعل له ذلك عذرًا لترك العلم: "فليكتبه وليضعه في بيته" لأن المهم ألا تمر المعرفة بك ثم تضيع. تحمل هذه الوصية معنى تربويًا عظيمًا، وهو ألا نحكم على الناشئة بما هم عليه الآن، بل بما يمكن أن يصيروا إليه إذا أحسن أهلوهم بناءهم. فازرعوا فيهم العلم، وحب القراءة، والكتابة، والسؤال، واحترام المعرفة؛ فالأيام أسرع مما نتصور، وصغار اليوم هم الذين ستُسلَّم إليهم مواقع الكبار غدًا. وعلّموهم قبل أن يحتاج الناس إلى علمهم، وربّوهم قبل أن تتسع مسؤولياتهم؛ فإن بناء الكبير يبدأ في السنوات التي كان الناس ما يزالون يرونه فيها صغيرًا.
{وَلَئِن قُتِلتُم في سَبيلِ اللَّهِ أَو مُتُّم لَمَغفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحمَةٌ خَيرٌ مِمّا يَجمَعونَ* وَلَئِن مُتُّم أَو قُتِلتُم لَإِلَى اللَّهِ تُحشَرونَ} [آل عمران: 157-158]. تضع هاتان الآيتان الموت في موضعه الصحيح؛ وهو الجواب عن سؤال: أين تنتهي بك/بنا؟ تتضاءل أمام المغفرة والرحمة كل الأشياء التي يقضي الإنسان عمره في جمعها: كالمال، والمكانة، والممتلكات، وما يتنافس فيه الناس. فترى المرء يجمع كثيرًا، ثم يترك ما جمع كله وراءه، ولا يصحبه إلى آخر الطريق إلا ما قدّم. ثم تأتي الآية الثانية فتحسم النهاية: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾. إليه لا إلى غيره؛ تنتهي الطرق المختلفة إلى موقف واحد، وتسقط هناك الألقاب والمظاهر والموازين التي عاش الناس يتفاضلون بها. لا تجعل همَّك الأكبر أن تطول الرحلة، بل أن يحسن الوصول؛ أن تلقى الله بقلب سليم، وذنب مغفور، وعملٍ قبله منك. فإذا كانت النهاية إلى الله، فأجمل العمر ما كان سيرًا إليه، وأعظم الفوز أن تنتهي الرحلة إلى مغفرته ورحمته.
{وَفِي الأَرضِ آياتٌ لِلموقِنينَ * وَفي أَنفُسِكُم أَفَلا تُبصِرونَ * وَفِي السَّماءِ رِزقُكُم وَما توعَدونَ * فَوَرَبِّ السَّماءِ وَالأَرضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثلَ ما أَنَّكُم تَنطِقونَ} تأخذك هذه الآيات في رحلة عجيبة: من الأرض، إلى النفس، ثم إلى السماء، ثم يقسم الله لك آخرها؛ ليغلق أبواب الشك عليك واحدًا بعد آخر. انظر حولك: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾؛ في الماء والتراب والنبات وتعاقب الفصول واختلاف الخلق، ههنا شواهد لا تنتهي على تدبير الله. ثم اقترب أكثر: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. فأنت تحتاج دائمًا أن تبحث عن آياته في نفسك، تأمل قلبك الذي ينبض دون إذنك، وعينيك، وسمعك، وذاكرتك، وكيف بدأت من نطفة ثم صرت إنسانًا يسمع ويبصر ويفكر. تحمل في نفسك من دلائل الله ما يكفي عمرًا من التأمل. ثم يرفع القرآن بصرك من ذاتك إلى السماء: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾. فلا تجعل قلبك أسير الأسباب التي تراها في محيطك من الزمان والمكان؛ وما عليك إلا أن تعمل فيها، وتسعى خلالها، لكن اعرف أن خزائن رزقك ليست بأيدي الناس، وأن الأسباب أبواب، أما التقدير فمن الله. ثم تأتي الآية التي تهز القلب: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾. يقسم الله، وهو أصدق القائلين، بربوبيته للسماء والأرض، ويقرّب لك اليقين بأمر لا تشك فيه لحظة: نطقك الذي تسمعه من نفسك.. إذا ضاق عليك رزق، أو تأخر مطلوب، أو أرهقك مستقبل لا تعرفه، فاسعَ بقدميك في الأرض، ولكن أبقِ قلبك معلّقًا بالسماء.
سأل الرجل النبي عن موعد الساعة، فنقله النبي ﷺ من سؤال عن الزمان، إلى السؤال عن شيء أشد اتصالًا بمصيره: "ما أعددت لها؟". فالقضية أن تعرف بأي قلب ستلقى الله عند النهاية. في الجواب فإن الرجل لم يذكر كثرةً من نوافل الصلاة والصيام والصدقة، لكنه ذكر شيئًا استقر في أعماقه: «ولكني أحب الله ورسوله»، فجاءته البشارة التي فرح بها الصحابة فرحًا عظيمًا: «أنت مع من أحببت». أخرجه البخاري. لكن المحبة الصادقة هنا ليست دعوى ساكنة؛ إنها قوة تسحب صاحبها نحو محبوبه، فيكثر من ذكره، ويتتبع رضاه، ويأنس بكلامه، ويشتاق إلى لقائه. ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]. ففتّش في قلبك عمّن تحب؛ فإن القلب يتشكل بمن أحب، والمرء يكثر من ذكر محبوبه، ويتشبه به، ويسير في طريقه. وما أوسع الرجاء في هذه البشارة: أن تحب الله ورسوله ﷺ والصالحين، وتجاهد نفسك لتسلك سبيلهم، ثم ترجو من فضل الله أن يجمعك بهم وإن قصرت أعمالك عن أعمالهم. اللهم ارزقنا حبك، وحب نبيك ﷺ، وحب من يحبك، واجعل محبتنا لك هاديةً إلى طاعتك، ثم احشرنا مع من أحببنا.
تُبنى العلاقات في التفاصيل التي يستهين بها الناس؛ فتراها في سؤالٍ يأتي في وقته، وإنصاتٍ لا يقاطعه استعجال، واحترامٍ يبقى حاضرًا حتى عند الاختلاف، ووضوحٍ يحمي القلوب من سوء الظنون. وتتراكم المواقف الصغيرة حتى تصنع الثقة، كما تتراكم التجاوزات الصغيرة حتى تُنهك المودّة. لذلك نادرًا ما تنهار علاقة بسبب لحظة واحدة؛ لأنه يسبقها غالبًا أشياء كثيرة سكت عنها أصحابها، حتى صار الصمت مسافة، والمسافة غربة طويلة. احفظ من تحب بحسن التواصل، ولا تجعل الألفة مبررًا للإهمال، ولا طول العشرة عذرًا لقلة التقدير. عبّر، واسأل، واعتذر حين تخطئ، واشكر حين يُحسن إليك، وأصلح الخلل وهو صغير قبل أن يكبر في القلب. وقلّل من الوعود، وأكثر من المواقف؛ فالكلمات تمنح الإنسان طمأنينةً عابرة، أما الفعل المتكرر فيمنحه شيئًا أعمق: أن يثق بك. وتدوم العلاقات حين يشعر كل طرف أن مودته لا تُقال له فحسب، بل يراها في الطريقة التي يُعامل بها كل يوم.
ورد في أثرٍ عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أنه كان يقول في خطبته: "إن الله تعالى هو الهادي والفاتن" وهو مما ينبغي أن يتم التوقف عنده طويلًا، إذ يذكّر الإنسان بأن أثمن ما يحمله في هذه الحياة قلبه الذي بين جنبيه، وعلى أي حال يلقى الله به. ويأتي في القرآن ما يؤكد هذا المعنى ويهز القلب ذاته: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة: 41]. إن هذه الآية تخيفك من الاغترار بنفسك؛ فقد يعرف الإنسان الحق، ويخالط الصالحين، ويحفظ من العلم كثيرًا، ثم يبقى أحوج ما يكون إلى تثبيت الله وهدايته. ولهذا لم يكن سؤال الثبات ترفًا عند أهل الإيمان، بل دعاءً متكررًا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً﴾. لا تأمن على قلبك لصلاحٍ مضى، ولا تتكئ على علم أو عبادة أو صحبة؛ واسأل الله دائمًا أن يبقي في قلبك قابلية الهداية، وأن يطهّره من أسباب الزيغ، وأن يردّه إليه كلما شرد. اللهم يا مقلب القلوب ثبّت قلوبنا على دينك، وطهّرها، ولا تفتنّا بعد إذ هديتنا، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ قف وارفع بصرك قليلًا عن تفاصيل يومك، وتأمل هذا الكون الذي لا يتوقف لحظةً من أجلك ولا من أجل أحد. يتعاقب الليل والنهار، وتجري الشمس والقمر، وتسير الأجرام في أفلاكها، وقد جمع الله هذا المشهد في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: 33]. تأمل الليل حين يطول ثم يقصر، والنهار حين يأخذ منه ثم يرد إليه، والشمس حين تشرق عليك كل صباح دون أن تختل، والقمر حين ينتقل في منازله. اسأل السؤال الذي يريد القرآن إيقاظه في قلبك: من خلق؟ ومن قدَّر؟ ومن أمسك؟ ومن يدبّر؟ يدعوك القرآن أن تنتقل من مشاهدة الكون إلى معرفة رب الكون؛ فلا تمر على الآيات وأنت مستغرق في العمل واللهو، كأن هذه السماء مجرد سقف اعتدت رؤيته فوق رأسك. ثم انظر إلى نفسك وسط هذا الاتساع: إذا كانت هذه المخلوقات العظيمة تجري بأمر الله، فلماذا تضيق روحك حتى تصبح أسيرةً لنظر الناس، ومديحهم، ورضاهم، ومخاوفك الصغيرة منهم؟ حرّر قلبك بمعرفة الله. سبّحه مع تسبيح الكون، وارفع روحك من ضيق التعلق بالمخلوق إلى سعة العبودية للخالق، وأعلن أن رؤية الآية شيء، وأن تقودك الآية إلى الله شيء آخر.
ما حمل صدرٌ في هذه الدنيا من الخير مثل ما حمله صدر رسول الله ﷺ؛ امتلأ معرفةً بالله، ويقينًا به، ورحمةً بعباده، وحكمةً في دعوتهم، وصبرًا على أذاهم، وشفقةً حتى على من أعرض عنه. ولهذا كان إصلاح القلب أصلًا لكل إصلاح؛ فما استقام الظاهر النبوي بهذا الكمال إلا عن قلبٍ بلغ الغاية في العبودية لربه. وقد امتن الله عليه فقال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، وقال في وصف رحمته بأمته: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. وكلما ازداد المؤمن معرفةً بالنبي ﷺ، أدرك أن الاقتداء به لا يقف عند هيئة العمل وحدها؛ بل يبدأ من محاولة إصلاح المنبع الذي تصدر عنه الأعمال: القلب. طهِّر قلبك من الغل، واملأه بتعظيم الله، وارحمه بعباده، وربِّه على الصدق والإخلاص؛ ثم تأمل كيف يصلح كثيرٌ من شأنك تبعًا له. وقد صدق ابن قيم الجوزية حين قال: "ليس في الدنيا كلها محلٌّ كان أكثر خيرًا من صدر رسول الله ﷺ؛ قد جمع الخير بحذافيره، وأودع في صدره ﷺ". فصلوات الله وسلامه على ذلك القلب الذي حمل الوحي، وهمَّ الأمة، وظلَّ رحمةً لها حتى آخر أنفاسه.
{وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل] قف متأمّلًا مشاهد هذه، ستميز ثلاثة مشاهد تبدو متباعدة، لكنها تردُّ الإنسان كلَّه إلى حقيقة واحدة: أنت محاط بقدرة الله من قبل أن تعلم، ومن قبل أن تملك، ومن قبل أن تدبّر. انظر إلى المستقبل الذي يقلقك: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ فما تخشاه غدًا، هو غيبٌ عندك، لكنه ليس غيبًا عن الله، وما تراه معقدًا وبعيدًا قد يقع بأمره في لمح البصر: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وانظر إلى ماضيك: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾. إن الله يذكرنا بأن الرحلة قد بدأت بلا علم، ولا قدرة، ولا حيلة، ثم وهبنا الله السمع والبصر والفؤاد، وأدار حياتنا قبل أن نعرف أصلًا معنى التدبير. فكيف يحمل القلب وهمَ عدم إحكام السيطرة على المستقبل؟ ثم ارفع بصرك إلى السماء: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ﴾. كأن المشهد يقول: الذي يمسك الطير في فضاء السماء، وأخرجك من بطن أمك لا تعلم شيئًا، ويملك غيب السماوات والأرض؛ قادرٌ أن يمسك قلبك وحياتك وأمرك حين تتهاوى من يدك أسباب الاطمئنان. كل هذا يدفع للقول والاعتقاد: خفّف عن قلبك شيئًا من عبء الغد؛ خذ بالأسباب، ثم اترك لله ما لا تبلغه الأسباب.
تستنزف المقارنات قلب الإنسان من جهتين؛ ينظر إلى من فوقه في الدنيا فيستصغر ما عنده، وينظر إلى من دونه فيتوهم لنفسه قدرًا ليس لها. وبين الحسرة والعُجب تضيع راحة القلب. ولهذا كانت معرفة الإنسان بقدره بابًا واسعًا للسكينة. فلا يزدريك غنى غني، ولا ينفخ فيك فقر فقير، ولا تجعلك منزلة الناس الاجتماعية ترى نفسك أعلى أو أدنى مما أنت عليه. ويقرر النبي ﷺ أصلًا قريبًا من هذا المعنى في شؤون الدنيا: «انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم» متفق عليه. فانظر إلى النعمة لتشكر، وإلى التقصير لتستدرك، وإلى نفسك لتصلحها. وكلما أغراك مجلسٌ بمقارنة نفسك بالناس، أعد قلبك إلى ميزانه الصحيح. اعرف قدرك، تعرف نعم الله عليك؛ وتعرف نقصك، فتستريح من منافسة الناس، ومن طلب منزلتك في أعينهم.
تتفاوت منازل الرجوع إلى الله بتفاوت ما قام في القلب من معرفته؛ فقد يترك العبد المعصية حين يستحضر العقوبة، ثم يرتقي قلبه فيتركها لأنه يستحي أن يراه الله حيث نهاه، ثم يزداد معرفةً بربه حتى تصبح عظمة الله وجلاله حاجزًا بينه وبين الذنب. ومن هنا نلاحظ هذا التقسيم التربوي الجميل: فثمة من رجع عن المعاصي خوفًا من عذاب الله.. وهو لا محالة تائب. وثمة من رجع عنها حياءً من الله، فهو بإذن الله من المنيبين. وثمة من رجع عنها تعظيمًا لجلال الله، فهو من الأوّابين. يجمع القرآن هذه المعاني ولا يجعل بينها تعارضًا؛ فيمدح الخوف: ﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾، ويمدح الإنابة: ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾، ويمدح الأوابين: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. ابدأ ولو بالخوف، وارتقِ إلى الحياء، وعمّق معرفتك بالله حتى تترك الذنب لأن قلبك يقول لك: كيف أعصي من أحب، وكيف أجاهر بالعصيان من عظَّمته روحي وعرفت شيئًا من جلاله؟ حين تبلغ التوبة هذا الموضع، يصبح ترك المعصية أدبًا مع الله، وحياءً منه، وتعظيمًا لمقامه سبحانه.
الروحانية المزيفة.. قصة استهداف الباحثات عن الأمان في معاهد اليوغا بأوروبا قبل حوالي 3 سنوات اعتُقل في فرنسا رجل روماني يبلغ من العمر 71 عاماً، بعد عقود من القضايا والهروب والتخفي في أوروبا. كان يدير شبكة دولية من معاهد اليوغا يُقال إنها استهدفت الباحثات عن الروحانية والأمان والعلاج النفسي. في هذه الحلقة نراجع الوثائقي الصادر مؤخراً بعنوان Twisted Yoga والذي يروي هذه القصة بالتفصيل. إعداد وتقديم أحمد دعدوش https://youtu.be/UNfXUJir00k?si=cmS1MMBPhUBBunQ-
يبدأ فساد المناهج أحيانًا قبل بنائها أو حتى الدخول في تفاصيلها؛ يبدأ من النفس التي تحمل المنهج، ومن مقاصدها وأهوائها وطريقتها في طلب الحق. قد يمتلك الإنسان أدوات البحث والنقد والاستدلال، لكنك تراه يستخدمها للانتصار لنفسه، أو تثبيت رأيٍ سبق أن اختاره، أو إسقاط مخالف له يريد النيل منه؛ وحينها تتحول أدوات المعرفة نفسها إلى وسائل لتبرير الهوى. ومن هنا ينبغي التذكير دومًا أن الأصل الأخلاقي كثيرًا ما يسبق الأصول المنهجية: فاصدق في طلبك، وأنصف خصمك، واقبل الحق ولو جاء ممن لا تحب، واعترف بخطئك حين يظهر، ولا تخفِ من الأدلة ما يهدم رأيك، ولا تحمل النصوص ما لا تحتمل لتنتصر لنفسك. لقد وضع القرآن قاعدة معرفية وأخلاقية شديدة العمق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135]. فانظر كيف جعل الباقي سبحانه العدل مطلوبًا حتى حين تكون نتيجة البحث ضد مصلحة الإنسان نفسه. وههنا يظهر معنى "ما قبل المنهج" -بحسب عبارة أبي فهر-، وخلاصة ذلك أنه قبل أن تسأل الباحث عن أدواته، اسأل عن أمانته في استعمالها؛ وقبل أن تنظر في طريقته في الاستدلال، انظر هل يريد بالدليل أن يهتدي أم أن ينتصر لرأي أو نهج معين؟ أي نعم قد يصح المنهج من جهة، وتفسده النفس التي تستعمله من جهة أخرى، وكلما ضعفت أخلاق الباحث، ازدادت قدرته المنهجية خطورة؛ لأنها تمنح الهوى أدواتٍ أكثر مهارةً في صناعة الباطل في صورة البرهان.
﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ قف عند هذه الآية وانظر كيف يكشف الغضب أحيانًا من أخلاق الإنسان ما تخفيه ساعات الرضا؛ ففي الهدوء يستطيع كثيرون أن يكونوا لطفاء، أما حين تستفز النفس، ويقع الأذى، وتتهيأ أسباب الانتقام، يظهر ما استقر فعلًا في القلب. ولهذا أثنى الله على المؤمنين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: 37]. فلم ينفِ عنهم الغضب؛ فالإنسان يغضب، وقد يغضب بحق، لكنه وصف ما يفعلونه بعد أن يغضبوا: يغفرون. راقب نفسك إذن في ساعة الغضب؛ فهناك تعرف شيئًا من حقيقة ما ربّيت عليه قلبك. إذا امتلأ بالله، خرج منه عند الضغط حلمٌ ورحمةٌ وضبطٌ للنفس، وإذا تراكمت فيه الأحقاد، أخرجها الغضب دفعةً واحدة. ويشبه القلب في ذلك الإناء؛ إذا حُرّك ظهر ما استقر في قعره، ولذلك لا تبدأ معالجة الغضب عند لحظة انفجاره فقط، بل قبل ذلك بكثير: طهّر القلب، ودرّبه على العفو، وأفرغه من الغل، وأكثر فيه من ذكر الله. فالمؤمن يغضب، ولكن غضبه لا يخرجه من عبوديته، ولا يسلمه إلى الظلم، ولا يجعله عبدًا للحظةٍ عابرة من نفسه.
يقول ابن القيم رحمه الله: «إنما يجد المشقة في ترك المألوفات والعوائد من تركها لغير الله، فأما من تركها صادقًا مخلصًا من قلبه لله؛ فإنه لا يجد في تركها مشقة إلا في أول وهلة؛ ليُمتحن: أصادق هو في تركها أم كاذب؟ فإن صبر على تلك المشقة قليلًا، استحالت لذة». [الفوائد] تصف هذه الكلمات لحظةً دقيقة في مجاهدة النفس؛ فالعادة التي أقامت في القلب سنوات لا تغادره بلا مقاومة، والشهوة التي ألفتها النفس لا تنقطع عنها دون ألم. ولهذا قد يبدأ الإنسان توبته فيجد وحشةً واضطرابًا وحنينًا إلى ما ترك، فيظن أن هذه المشقة دليل على أنه لن يستطيع الاستمرار، لكن ابن القيم يقلب المعنى: المشقة الأولى ليست نهاية الطريق، بل امتحان صدق في بدايته. اصبر قليلًا حين تترك نظرةً محرمة، أو علاقةً لا ترضي الله، أو عادةً أفسدت قلبك، أو مجلسًا اعتدت عليه، أو مالًا دخله الحرام. قاوم تلك اللحظة التي تطالبك فيها النفس بالعودة؛ فإن ما يؤلمك تركه اليوم قد يأتي عليك زمان تتعجب فيه كيف كنت تستلذه أصلًا. ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]. تبدأ أنت بالمجاهدة، ثم يأتيك من الله العون والهداية. لا تحكم على الطريق من مشقة أوله؛ فقد يكون بينك وبين لذة الطاعة قلبٌ يحتاج فقط أن يصدق قليلًا، ويصبر قليلًا، حتى يذيقه الله حلاوة ما ترك لأجله.
يصنع الإخلاص وعون الله ما لا تصنعه الشهرة، ولا كثرة التصانيف، ولا حضور الاسم في ألسنة الناس. فقد يعيش الرجل خفيًّا، ثم يكتب الله لشيء حمله من العلم أن يعبر القرون والقارات، ويجري في حياة الناس وهم لا يعرفون اسمه. تأمل عبد الله بن يوسف التنيسي رحمه الله، أحد شيوخ الإمام البخاري ومن أوثق من روى عنه. قد لا يعرف اسمه إلا المشتغلون بالحديث، لكنك إذا فتحت صحيح البخاري تكرر أمامك: «حدثنا عبد الله بن يوسف...»، ثم يمتد الإسناد حتى يبلغ رسول الله ﷺ. وهكذا ظل الرجل حاضرًا بعد أكثر من ألف عام؛ في المساجد والمكتبات، وعلى المنابر وفي حلقات العلم، وفي نسخ الصحيح وشروحه، وفي كتب الفقه والعقيدة والسلوك التي نقلت أحاديث البخاري. يمتد أثره إلى خيمةٍ تخفقها الرياح حول طالب علم في صحراء بعيدة، وإلى قاعةٍ في جامعة كبرى، وإلى هاتف يضيء وجه قارئ في سكون الليل. يقرأ أحدهم حديثًا فيوقظه من غفلته، أو يردّه عن معصية، أو يفتح له باب عبادة، ولا يخطر له اسم عبد الله بن يوسف أصلًا، لكنه معلوم عند الله. وهنا يختلف ميزان السماء عن ميزان الشهرة؛ فقد يعرف الناس اسم رجل ولا يبقى من أثره شيء، وقد يخفى آخر عنهم بينما تجري حسناته في الأرض جريان الماء. تخيّل أنوار الوحي خيوطًا ممتدةً في أرجاء الدنيا؛ يضيء شعاع منها قلبًا هنا، ويهدي آخر هناك، وتشارك في حمله سلسلة طويلة من الرجال الذين صدقوا في حفظ كلمةٍ وأدائها لمن بعدهم. كم من هذه الأشعة مرَّ عبر عبد الله بن يوسف، ثم البخاري، ثم عبر آلاف العلماء والطلاب حتى بلغنا؟ لا تنشغل كثيرًا بأن يكون اسمك مدويًّا. اسأل الله أن يكون عملك خالصًا، وأن يضع فيه من البركة ما يجعله أبقى منك. فقد تموت الأسماء وهي على كل لسان، وقد يختفي الاسم ويبقى أثر صاحبه حيًّا في الأرض قرونًا. وما أجمل أن تلقى الله يومًا فتجد في صحيفتك أنوارًا لا تعرف من أين جاءت، ثم تعلم أن كلمةً حملتها بإخلاص، حملها الله عنك إلى أماكن لم تبلغها قدماك، وقلوب لم تعرف اسمك قط.