- Последний пост
- 29 июл.
- Последнее чтение
- 15 авг.
- Постов за неделю
- 0
- Всего постов
- 21
- Тип
- открытый
- Язык
- арабский
- Категория
- Книги (по похожим)
- В каталоге с
- 13 авг.
- 1/24сутки в ленте
- 353
- 1/48двое суток
- 404
- 1/72трое суток
- 436
Оценка по просмотрам недавних постов: пост набирает почти всё за первые сутки.
Посты
دعواتكم بالشفاء اشتد علي المرض.
•|| الدورات المطروحة لسنة ١٤٤١هـ / ٢٠٢٦ مـ في زاوية ابن تيمية العقلية: ١. مسألة الكمال الإلهي في الرسالة الأكملية لابن تيمية، يُقدِّمها أ. جهاد ذيب. نبذة عن الدورة : https://t.me/zaoiaaklia/677 معلومات التسجيل : https://t.me/zaoiaaklia/667 ٢. دورة علمية في علم الكلام، شرح متن الوسطى للسنوسي المالكي، يُقدِّمها أ. محمود سامح. نبذة عن الدورة: https://t.me/zaoiaaklia/678 معلومات التسجيل : https://t.me/zaoiaaklia/668 ٣. أدلة القرآن الكريم العقلية في ضوء نظرية المعرفة، يُقدِّمها د. غازي أحمد . نبذة عن الدورة: https://t.me/zaoiaaklia/679 معلومات التسجيل : https://t.me/zaoiaaklia/670 ٤. خريطة نظرية المعرفة الشاملة، وتحقيق مواضيعها الهامة، يُقدمها أ. ابراهيم نبيل. نبذة عن الدورة: https://t.me/zaoiaaklia/680 معلومات التسجيل: https://t.me/zaoiaaklia/672 ٥. دراسة تحليلية لعقيدة فخر الدين الرازي، يُقدمها أ. محمد القليط. نبذة عن الدورة : https://t.me/zaoiaaklia/681 معلومات التسجيل : https://t.me/zaoiaaklia/666
معلومات التسجيل: https://t.me/zaoiaaklia/667
تنبيه هام جداً : الإخوة في زاوية ابن تيمية العقلية تم تعديل روابط التسجيل لأجل خطأ فني فلذلك يرجى من الإخوة الأفاضل ما يلي : - من سجل من خلال الروابط القديمة إعادة التسجيل من جديد. - من نشر الإعلانات قبل التعديل إعادة نشر من جديد. وجزاكم الله خيرا
•|| معلومات التسجيل. يرجى التسجيل من خلال ملء المعلومات في الرابط التالي: https://forms.gle/P1FpkKJyTA4NbNkj9 ملاحظات هامة : -الاختبار ليس شرطاً في القبول، بل للتقييم فقط. -سيتم التواصل مع المُقدمين في الرابط أعلاه. - آخر موعد للتسجيل ٢٠/٦/٢٠٢٦ للتواصل من خلال الجيميل : cornertaymiyyah@gmail.com • يوجد خصومات ومنح سيتم الإعلان عنها.
واعلم أن الوحي ينبه إلى الضروريات، ومن بلاغته ألا يطنب في إثباتها بل يبني على حضورها، ويكتفي في إبطال الاحتمال بتصويره، لذا ترك إجابة ما سبق، وترك التصريح بالنتيجة، إذ ليس شأنه أن يلقّن العقل ما يعرفه، بل أن يردّه إلى ما كان ينبغي ألا ينساه بالتنبيه، مع ما في السؤال من فائدة الإنكار والتقريع، فالسؤال هنا أشد من الخبر؛ لأن الخبر يلقى على السامع من خارج، أما السؤال فينتزع الجواب من داخله. والخبر قد يترك للخصم أن يعارضه، أما السؤال فإذا أعرض عنه الخصم صار إعراضه شاهدًا عليه. ومن هنا كان الإضمار أبلغ من التصريح؛ لأن النتيجة إذا ولدها العقل بنفسه كانت ألزم له من نتيجة تملى عليه.
وبعد التنبيه لعجزهم عن الخالقية، نبَّه لعجزهم عن الملك والتدبير، فقال سبحانه: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾. والخزائن هنا تشمل: خزائن الرحمة والنقمة، والرزق والعذاب، والتصرف فيها من آثار القدرة والعلم والإرادة، فهي تشمل كل ما يفيضه الرب على خلقه، فهل عندهم شيءٌ من ذلك؟ أعندهم خزائن الله حتى يعطوا منها من شاؤوا، ويمنعوا من شاؤوا، ويختاروا للنبوة من رضوا، ويحجبوها عمن أبغضوا؟ فمن لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، كيف يزعم لنفسه حق الاعتراض على من اختاره الله لرسالته؟ أو حقَّ الإعراض عن آياته؟ وفي قوله: ﴿رَبِّكَ﴾ التفات لطيف إلى مقام النبي ﷺ؛ فإن الذي أرسله هو ربه، والذي اختصه هو مولاه، وليس للمشركين من أمر هذه الربوبية شيء. ولو كانت خزائن الله بأيديهم لأمسكوا، ولو كان اختيار الرسل إليهم لجعلوه تبعًا لأهوائهم وموازين جاههم، ولكن الله أعلم حيث يجعل رسالته. ثم قال تعالى: ﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾. فإن لم تكن الخزائن عندهم، فهل هم مسيطرون عليها؟ أي هل هم الرقباء، أو الوكلاء، أو المتسلطون، أو الحفظة، أو المدبرون لأمر الله؟ وهذا نفي لما هو دون الملك بعد نفي الملك نفسه. فليسوا أصحاب الخزائن، ولا خزنة عليها، ولا وكلاء فيها، ولا رقباء على قسمتها. وبذلك يسقط اعتراضهم على الوحي من أصله؛ لأن من لم يملك العطاء، ولم يسلط على المنع، لم يكن له أن يقول: لم أُعطي هذا ومنع ذاك؟ فما هم إلا منفعلون لما يفيضه عليهم الخالق من خزائنه. ثم ينتقل الحجاج إلى تعجيزهم عن العلم، فقال عزَّ وجلَّ: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾. فإن لم يكونوا خالقين ولا مالكين ولا مسيطرين، فهل لهم طريق إلى السماء، أو سبب إلى الغيب، فيستمعون ما قضاه الله في وحيه ورسله؟ وهذا تهكم بدعواهم؛ لأن من ينفي الرسالة، أو يزعم أن القرآن متقول، أو يتربص بالنبي ﷺ ريب المنون، كأنه يدعي علمًا وراء الحس، وخبرًا من الغيب، واطلاعًا على ما لم يطلع عليه الناس. وحذف مفعول {يستمعون} ليعم كل ما يمكن أن يدعوه: أيستمعون الوحي؟ أم خبر السماء والملأ الأعلى؟ أم ما يدل على أن محمدًا ﷺ ليس رسولًا؟ أم ما يؤيد قولهم إنه شاعر أو كاهن أو متقول؟ أم ما ينفي البعث والحساب؟ أم أي غيبٍ يصلهم بالإله من جنس ما جاء به محمد ﷺ؟ فكل دعوى من هذه الدعاوى تحتاج إلى علم، وكل علم غيبي يحتاج إلى طريق، ولا طريق لهم. ثم أمعن في عجزهم بذكر السلم، إذ حتى في رقيهم يفتقرون إلى سبب، وليس لهم كي يدركوا الغيب إلا أن يرتقوا، فقوله: ﴿فِيهِ﴾ يصورهم كأنهم في درجات السلم، ملتبسون به وصاعدون فيه، يطلبون من خلاله الغيب من السماء. ثم ألزمهم أدنى لوازم ذلك، في قوله: ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. ولم يقل: فليأتوا جميعًا؛ لأن المقصود أن يأتي أي واحد منهم، فهوَّن عليهم الطلب، وليأت ذلك الذي يزعم أنه ارتقى وسمع، بحجة ظاهرة تشهد لصدقه، وإن واحدًا أيُّ واحد. ولم يطلب منهم مجرد خبر؛ لأن الكاذب يستطيع أن يختلق خبرًا، ولكنه لا يستطيع أن يقيم سلطانًا، وفيه الإشارة إلى ما أتاهم به نبيهم من برهان، وأنه ﷺ أتى بهذا الذي يتحدى أي واحد منهم أن يأتي بمثله، من إخبارٍ بغيوب الماضي والمستقبل، وإدراكٍ لنصوص أهل الكتاب وتفاصيلها، وألفاظٍ يعجزون عن تركيبها بنظمٍ معجز. ففي الآية إذن مقابلةٌ بين حالهم وحال النبي الذي أتاهم بالبراهين، دون أن يرقى بسلمٍ أو يكتفي بمحض الدعوى. وبذلك تنتهي الآيات إلى إبطال جهات مكابرتهم كلها: فلا هم وجدوا بلا خالق، ولا خلقوا شيئًا، ولا خلقوا السماوات والأرض، ولا ملكوا خزائن الله، ولا سيطروا على تدبيره، ولا صعدوا إلى غيبه، ولا جاءوا بسلطان على دعواهم أو أتوا بمثل ما جاء به النبي ﷺ، ولا أيقنوا بما تقتضيه هذه الحقائق أو التزموا لوازمها. فهم عاجزون مفتقرون كيفما اتجهوا، يلزمهم الإقرار بالخالق المدبر الحكيم العليم، وأنه اصطفى نبيه وأيده بما يعجزون عنه وليس من شأنهم. فلم يبق بعد هذا إلا أن يكونوا معاندين، جحدوا الرسول ﷺ لا لأنهم عرفوا كذبه، بل لأنهم لم يحتملوا أن يكون الحق نازلًا على غير ما تهوى نفوسهم. فالآيات في جملتها برهان على الخلق، وبرهان على البعث، وبرهان على الحكمة، وبرهان على النبوة، وبرهان على عجز المعترضين، مسوقة في صورة أسئلة قصيرة، كل سؤال منها يهدم أصلًا من أصول باطلهم، حتى إذا بلغ الكلام آخره لم يحتج إلى التصريح بالنتيجة.
وعلى الأول: إن لم يكونوا مخلوقين من غير شيء ولغير شيء، فمن خالقهم؟ فهل خلقوا أنفسهم؟ وهذا محال لأن الشيء قبل وجوده معدوم، والمعدوم لا يفعل ولا يقدر ولا يختار، وفيه جعل الخالق والمخلوق شيئًا واحدًا من جهة واحدة، وهذا جمع بين النقيضين، وفيه دورٌ ممتنعٌ ظاهر. فكأنهم ظاهرًا بين احتمالات ثلاث، أن يكونوا خلقوا من غير شيء، أو خلقهم مخلوق، أو خلقهم غير مخلوق، فأبطل الأولين ليتعين الثالث. فإن قيل: ربما خالقهم شيء سوى أنفسهم وسوى الله، قلنا: هذا لا يرفع الإشكال، بل يؤخره؛ إذ كل مخلوق يسأل عنه السؤال نفسه: أخلق من غير شيء، أم خلق نفسه، أم خلقه غيره، وغيره مخلوق مثله -فيجري عليه حكمه- أم غير مخلوق؟ فإن مضى ذلك إلى غير نهاية وقع التسلسل الممتنع، وإن دار بعضه على بعض وقع الدور، فلم يبق إلا خالق أول غير مخلوق، تنتهي إليه سلسلة الافتقار. فلم تتناول الآية ذلك لظهور بطلانه، إذ يُبدَأ بهم أنفسهم، لأنهم العقلاء المكلفون، وغيرهم من المخلوقات مسخرٌ لهم، فهم أول مرشحٍ لذلك، ومثلهم الجن المخاطبون بهذه الآيات، فلم يبق فوقهم من المخلوقات إلا الملائكة، وهم مخلوقون مسخرون، ومن ثمَّ لم يبق إلا هو سبحانه، وكفار قريش لا ينكرون مخلوقيتهم والجن والملائكة، فكلهم داخلون في الاحتمال الثاني الباطل، أي: أن يكون خلقهم مخلوق، بأن يكونوا خلقوا أنفسهم أو خلقهم مخلوقٌ مثلهم، لامتناع الدور القبلي وتسلسل العلل، وكلاهما بدهي لا ينزل الوحي إلى إثباته. فتبقى القسمة حاصرة: أخلقوا من غير شيء، أم خلقهم خالق، وخالقهم إما أن يكون مخلوقا -هم أو الجن أو الملائكة أو غيرهم- أو خالقًا أولًا غير مخلوق، وببطلان الأولين تعين الثالث. أما على الوجه الثاني للآية، بأن يكون السؤال: أَهُم الخالقون على الإطلاق؟ فيقال فيه ما قيل في الوجه السابق، فليسوا خالقي أنفسهم ولا خالقين لشيء آخر. وعلى الوجهين: فيه تنبيه لعجزهم، وفيه تقريعٌ لهم على تصرفهم تصرفَ من له الخلق، بردهم الأمر والنهي، وتحكمهم فيمن يُصطفى رسولا، واختيارهم لأنفسهم معنى وجودهم وغايته. فإن لم يكونوا خالقين، لا لأنفسهم ولا لغيرهم، لم يكن لهم أن يستكبروا عن أمر من خلقهم، إذ الخلق يستلزم الملك، والملك يستلزم الأمر والنهي، وعجزهم يقتضي الطاعة والاتباع والتسليم. وربما حمل بعضهم الآية على تقريعهم لإنكارهم البعث، وأن عجزهم هم عنه لا يعني عجز الخالق، فليس الخالق منهم ولا مثلهم ليعجز كما يعجزون، فكأنه يقول: أهم خالقون ليمتنع البعث لعجزهم؟ أو هو سبحانه الخالق فلا يعجزه؟ ولكن هذا أبعد عن تأويل الآية مما سبق. ثم يعلو بهم البرهان إلى خلق العالم، فيقول: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. فمن عجز عن دعوى خلق نفسه أو خلقِ شيءٍ فهو عن خلق السماوات والأرض أعجز. وإنما خصهما بالذكر لعظم خلقهما وظهور دلالتهما؛ فإن من أوجد هذا البناء العظيم، وأمسك أجرامه، ودبر نظامه، هو الحقيق بالطاعة والاتباع. ولو أن أحدًا تمحل في الأسئلة السابقة، فقال: نعم نحن الخالقون أنفسنا والخالقون أمورًا سوانا، أو قال: وإن لم أكن خالق نفسي أو غيري فلا يلزمني اتباع الأمر والنهي. قيل له: فما شأن العالم الأكبر الذي تفتقرون إليه وتعجزون عنه؟ والمفتقِرُ إلى شيء في وجوده ومعاشه لا يكون خالقًا له، لما فيه من الدور الممتنع، فانتقل من العالم الأصغر إلى العالم الأكبر، إمعانًا في إثبات عجزهم واستكبارهم عن الاستسلام لمن خلق العالمين. ولأن السياق في بيان فقرهم وجودًا وغايةً لخالقٍ أول، ففي ذكر العالم الأكبر المتقن دلالة على نفي العبث واللعب، وأنها لم تخلق وتسخر لهم عبثًا ليُتركوا هملًا وسدى. كما أن فيه تخويفًا من المعرض عمَّن يدبر أمر ما تحتهم وفوقهم. وربما وجد بعضهم في الآية إشارةً للقدرة على البعث أيضًا، فخلق السماوات والأرض شاهد على القدرة، والقدرة شاهدة على إمكان البعث، ولكنه أيضًا أبعد عن تأويل الآية. ثم بيّن حال من حاد عن لوازم ما سبق: ﴿بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾، أي: ليس إنكارهم لأنهم خلقوا بلا خالق ولا لغاية، ولا لأنهم خلقوا أنفسهم أو غيرهم، ولا لأنهم شاركوا في خلق السماوات والأرض، فهم لا يجرؤون على اعتقاد شيءٍ من ذلك ولا يقولونه؛ بل لأنهم لا يوقنون، فلا يوقنون بوعيدٍ وبعث وجزاء، ولا يوقنون بحجةٍ تدفع آيات النبوة والحساب، ولا يستقرون على أصلٍ يسوغ استكبارهم. وليس فقدان اليقين هنا جهلًا بسيطا، بل هو اضطرابٌ لا ينتفع بالدليل، ومكابرة ممن يعرض عن البرهان. ولو أيقنوا بما سبق لاستقرت عقولهم على لازم واحد: أن الخالق واجب الطاعة، وأنه كاملٌ خالقٌ لحكمة لا يترك خلقه سدى ولا يؤيد بالآيات من يكذب عليه، وأنه الأعلى الذي يُتقى عقابه ويُرجى ثوابه.
[برهان الطور] «عن جُبير بن مُطعم: سمعت النبيَّ ﷺ يقرأ في المغرب بالطّور، فلما بلغ هذه الآية: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ الآيات؛ كاد قلبي أن يطير» قلت: تجيء آيات الطور في نسق من الحجاج لا يترك للمنكر مهربًا إلا ألزمه بما هو أشنع من قوله، ولا بابًا للدعوى إلا أغلقه. فهي لا تسأل استفهامًا محضًا، بل تقريعا، ولا تعرض الاحتمالات ثم تطنب في دفعها، إذ من بلاغة القرءان ألا يجيب بما هو ظاهر أحيانا، وأن يعرض عن ذلك إشارةً لبداهته. حتى إذا تتابعت الأقسام، وانقطعت المعاذير، تجلى أن منشأ الإنكار ليس شبهةً قائمة، ولا برهانًا معتبرًا، وإنما هو مكابرة الفطرة والعقل. فأول ما يجبههم قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾، فبدأ بكلام يبني على ظهور كونهم محدثين، فمن أي شيء ولأي شيء كانوا بعد أن لم يكونوا؟ وفي لفظ {شيء} من الاتساع ما يجمع وجوهًا كثيرة: فهو يحتمل نفي الخالق خصوصًا، أو نفي السبب عمومًا، أو نفي كونهم من مادة سابقة، أو نفي الغاية والحكمة. فكأن الآية تقول: هل وجدتم بلا موجد؟ أو من غير أصل ومادة؟ أو لغير حكمة؟ أو بلا عاقبة؟ وكل وجه من هذه الوجوه، إن تأمله المتأمل، رجع به إلى ضرورة الإقرار بالخالق، وغاية الرسالة، وحكمة الجزاء. فيكون الكلام: أوجدوا من غير موجد، وبرزوا إلى الوجود بلا سبب؟ وهذا مما يأباه صريح العقل وما كانوا يقولونه بل كانوا يقرون بأن لهم خالقًا هو الله؛ إذ المصنوع يقتضي صانعًا ويدل على صفاته الكمالية. فاقتضى ذلك أنهم لم يخلقوا عبثًا من غير غاية تقتضي الأمر والنهي والحساب؛ فإن من أقر بأن له بدءًا من مختار كامل، لزمه أن يقر بأن له غاية ولم يخلق عبثا. فإن قيل: ما وجه الاحتجاج بكونهم مخلوقين من مادة وآباء وأمهات، إن كان السؤال عن ذلك؟ قيل: إن ذلك لا يخرجهم من الافتقار، بل يبقي السؤال ويزيد الحجة اتصالًا؛ لأن المادة، والوالدين، والسنن الحيوية، ونظام التوليد، كلها ليست قائمة بنفسها ولا موجدة لذاتها، بل هي أسباب محتاجة إلى من أوجدها وقدّرها وأجراها على هذا النسق، وكله دليلُ إتقانٍ لا يكون عبثًا، وافتقار يبين فساد تكبرهم، ثم إن السؤال فيها مستمر كما قلنا ما دام أصل الحجة التي بنيت عليه حاصلًا، وهو المخلوقية والحدوث، ففي الآية إشارة لبطلان تسلسل العلل، وأن لا بد من{شيء} تنتهي إليه، ولم ينزل القرآن إلى إثبات ذلك، إذ هو بدهي، وما كانوا ينكرونه أصلًا، فبنى عليه تقريعهم. ولا يَرِدُ على هذا أن يقال: إن الوالدين يخلقان أولادهما بالإنجاب؛ فإن هذا خلط بين السبب والخالق، وبين التوليد الجاري على سنن مخلوقة وإيجاد هذه السنن وإمدادها. فالوالد لا يخلق مادة الجنين من عدم، ولا يقدّر أعضاءه، ولا ينشئ روحه، ولا يملك قوانين انقسام الخلية، ولا يحيط بأسرار انتقال الحياة، وإنما هو سبب موضوع في نظام سابق عليه، مفتقر في فعله إليه. ثم إن السؤال يعم المكلفين، والدين ومولودين، فيعود التسلسل إلى أصل النشأة الواجب، ويبقى السؤال عنه. وحرف الكلام الجامع لكل ما سبق، أن محض حدوثهم بما فيهم من إتقان وافتقار= دالٌ كيفما اتجهوا على خالقٍ حكيمٍ آمرٍ ناهٍ، يصطفي ويحاسب، على ربٍ يفتقرون إليه في الأمرين: الخلق والأمر، الوجود والغاية. وربما حمل بعضهم الآية على إلزامهم إمكان البعث، وأن المراد إقرارهم بأن خالقًا خلقهم من غير شيء، على سنن آية ﴿هَلۡ أَتَىٰ عَلَى ٱلۡإِنسَـٰنِ حِینࣱ مِّنَ ٱلدَّهۡرِ لَمۡ یَكُن شَیۡـࣰٔا مَّذۡكُورًا﴾، وأن خالقهم ابتداءً قادرٌ على إعادتهم، ولكنه أبعد عن تأويل الآية مما سبق ذكره. ثم ينتقل الخطاب إلى احتمال أشد بطلانًا: ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾. ويُحمَلُ السؤال على وجهين، الأول: أهم الخالقون لأنفسهم إذن؟ والثاني: أهم خالقون لشيءٍ مطلقًا؟
الفطرية الطبعية للمعارف الإلهية تكمُّل الإنسان من نحوين إما نظري وإما عملي، فأما التكمل النظري غايته في النفس تجردها عن معوقات الوصول إلى التصورات النفس أمرية حتى تصير جوهراً عقليا له ملكة إدراك الأشياء على ما هي عليه، وأما التكمل العملي فغايته في النفس أن تستولي على القوى الحيوانية فيها لتخضعها إلى العقل النظري وبين التكملين مناسبة وتناغم إذ يستويان في إحقاق الحق النفس أمري، بمعنى ما يقتضيه النظر وما يقتضيه العمل من الحق، سواء أكان على نحو الاثبات ( علميا ) على على نحو الثبوت ( فعليا وآثارا )، فلو أدعي بينهما التعارض لصير إلى السفسطة رأسا؛ لأن النظر مشروط بالتوجه النفساني وغاية المبحث النظري إدراك الوجود في مراتبه المتعددة التي جميعها حاصلة بالواجب لأنه غاية الكمال في المبحث، والكمال في المبحث العملي إخضاع قوى النفس إلى العقل النظري الذي غاية كماله بالواجب، فغاية كمال المبحث العملي التوجه إلى الواجب والتشبه به فيكون بينهما تلازم، فالتوجه ضرورة تحصيليلة للوصول إلى الكمال النظري. وما سبق فهو تحت ظلال الحركة الاستكمالية أي الخروج من القوة ( مرحلة الفقد ) إلى الفعل ( مرحلة الوجود ) شيئا فشيئا، وللحركة أركان ست هم : المحرك والمتحرك و ومقدار الحركة ومبدؤها ومنتهاها والمسافة. ويشترك التكمل النظري والعملي في المتحرك وهي النفس بقواها العقلية النظرية أو العملية، فيكون العقل هو والمتحرك، ولا يمكن حصول التنافي بينهما ( القوى العملية والعلمية ) بالذات إذ ذلك مؤذن بمصارعتهما للمحل ورفعهمها لأنهما متلازمان، ولو كان بالغير فذلك مؤذن بوقوف تكملهما وحصول الألم وذلك ليس بالأغلبي مشاهدة، والنفس حيث تعرف عن نفسها متعلقة بالغير كما الطفل عند ولادته يعرف نفسه بأن يلتقف ثدي أمه حاجة وفقرا، وكذا النفس ففي فعليتها متعلقة بالمادة، وعلائقيتها دائما بالغير وهو ما نسميه علائق النفس، فهيئات النفس دائمة مكتسبة بتعلقها بغيرها، وكل تعلق بالغير يكسبها كيفا نفسانيا خاصا، كتعلقها بالطعام الذي يكسبها الجوع، وتعلقها بالمعلوم الذي يكسبها العلم و.... والحالات النفسية الناجمة عن التعلقات متشاككة بالنسبة إلى الوجود، بمعنى أن التشاكك يقع على الأعراض والكيفيات كما السواد، وما تحصله النفس من الهيئات العلائقية بالنظر إلى المتعلق ووجوده فإما أن يكون وجوده ( ذاتا وفعلا ) مخلوط بالمادة - مثار الفقد أم لا، فإن لم يكن فذا تعلق أشرف وإن كان فذا تعلق أخس، لأن الكمال هو الوجود والنقصان عن الفقد والعدم، والنفس تصير شيئا فشيئا في تعلقاتها إلى أن تتجاوز التعلق الماديات إلى التعلق بالمجردات، وتبدأ النفس بالتعلق بالماديات لأنها عندها بالفعل، ثم تتجاوزها إلى المجردات، فيصير تعلقها من الهيئة الإمكانية إلى الهيئة الواجبية، وهذا منتهى الحركة التكملية للنفس، ولو كان المبدأ هو التعلق بالماديات فإن كمال الحركة في الحصول بالكمال الأخير. وعلى هذا المُحرّك للتكمل الإنساني ليس مجرد العلم الحصولي إذ العلم الحصولي وهو حصول ماهية المعلوم ليس له إلا انكشاف المعلوم لدى العالم فهذه أثريته، وإنما الفعلية للعلم الحضوري الذي هو حضور الماهية الموجودة لدى العالم وحصرها الحكماء في علم العلة بمعلولها وعلم النفس بأحولها ومرادنا في الثاني، وهي مقام الرقابة النفسية ورفع أغطية الغفلة والنسيان، إذ التكمل لا يبقى دوامه إلا بإزالة معوقاته، والعلم الحضوري ليس له محتوى إدراكي أو حصولي وإن كان إدراك فليس هو فهمًا، كإنسان يشعر بالعطش ( علم حضوري ) فيقال له: عطشك عرض أم جوهر فيقول: لا أدري. وفائدة العلم الحضوري هو تحريك النفس إذ هو له أحقية الفعلية بكونه حضور المعلوم وجوداً فله الأصالة والأثرية. النفس تدرك أحوالها حضوراً وتنفعل لها انفعالا يحصل لها هيئات تتشاكك في شرفها أو خستها حسب تعلق النفس في المتعَلَّق ووجوده، فيكون لها من الحالات النورية أو الظلمانية حسب متعلقها، وحصول العلم لا يعني حضوره بمعنى آخر أن العلم الحصولي لا يستلزم حضور المعلوم لدى النفس فيحركها بميل وتعلق نفساني، فالصبي إن أدرك امرأة ذات جمال فإن ذلك لن يميله طبعا، ولو كان ذلك حاصلا عنده، فلولا أن هناك عدة واستعدادا في النفس لانفعالها وميلها تجاه معلومات خاصة لما تلبست بهيئات هذه المعلومات الحضورية فالترتيب على ما يلي : أولا حصول المعلوم لدى النفس بانكشافه، ثانياً أن يكون للنفس انفعال خاص تجاه هذا المعلوم، ثالثا حضور العلم للنفس بأنها تميل لهذا المعلوم، رابعا حصول هيئة وحالة نفسية بذلك التعلق النفساني. وانفعال النفس في المعارف الإلهية دليل على فطرية هذه المعارف لدى النفس، وأن انخفاض الانجذاب لدى هذه المعارف أو قوته راجع للأسباب والموانع على ما سبق، والتلازم بين النفس نظرا وعملا في هذه المعارف لا يكون إلا للأنفس الناطقة، فدل ذلك أن استحكام الحيوانية على الناطقية من أسباب ضعف التكمل الإنساني الداعي إلى التقلل من هذه المعارف
•|| إعلان دورة شرح الأكملية
•|| إعلان دورة نظرية المعرفة في القرآن الكريم
•|| إعلان دورة نظرية المعرفة
•|| إعلان دورة دراسة نقدية في تراث فخر الدين الرازي
•|| إعلان دورة علم الكلام
حيثية المرتبة العقلية في تجويز العقل انخرام القطعي العادي " ملاحظة ذات الشيء بلا موازنته مع شيء آخر أصلاً لا مقابله، و لأفراده، والبراهين، ولا غيرها، وهو التجويز المعتبر في الكلّيّ إثباتاً، والجزئيّ نفياً. وبهذا يصحّ فرد الواجب والممكن فرداً للممتنع والعكوس، وجعل أحد النقيضين فرداً للآخر؛ إذ لو لم يلاحظ البرهان و لا الخارج لصحّ كون اللاإنسان إنساناً مثلاً، ولا يصحّ تقدير الجزئيّ كلّيّاً وبالعكس بهذا التجويز. ومن هذا القبيل قولهم العلوم العاديّة القطعيّة لا تنافي احتمال تجويز نقائضها " - البالكي، المدرس الميرواني
الممكن يمتنع أن يزيد على علته الواجبة في الكمال أو أن يساويها.. و امتناع الزيادة؛ لأن الزيادة ليست من فعل العلة، إذ لو كانت من فعلها لظهر أثرها في المعلول، فإن ظهر أثرها فلا بد أنها من فعل العلة، و إلا كانت هذه الزيادة بلا سبب، و هو ممتنع بالضرورة.. و امتناع المساواة؛ لان العلة وجودها واجب و المعلول وجوده ممكن، و الوجود الواجب كماله واجب لا يحتاج فيه إلي غيره، فكمال الممكن محتاجٌ فيه إلى غيره، فيمتنع أن يساوي كمال الممكن كمال الواجب، بل لا بد من زيادة كمال الواجب على الممكن...
والشر إنما صار شرا لانقطاع نسبته وإضافته إليه -اي لله - - ابن القيم
كمالية الحالة العقلية في المراتب الوجودية: العلم والتصور أو التعقل مرجوع لثنائية الوجود والعدم في النظر الفلسفي فهو - أي العلم - من حيث كونه موجوداً لا يخلو من أن يكون نقصاً أم كمالاً، ويدرك بالبدائه أكملية العلم مطلقاً، فيكون متمحِّض الوجود حيث كونه كمالاً، وخلافه - أي الجهل - عدم أو عدمي حيث كونه نقصاً، والوصفية الكمالية للعلم لا أنها عارضه بحيثية تعليلية أو تقييدية بل كفاية ذات الموصوف للحكم بالكمال لكون الكمال هو محض الموجود والعلم هو المتحض في الوجود. فالوجود للعلم كمال باعتبارات ثلاث : 1. كونه علما 2. كونه معلوما 3. كونه عالم الوجود المتمحض المجرد عن عوادم الإمكان وفواقد المادة وجود ظاهر غير محتجب عن الاعتبارات الكمالية الآنفة فأما كونه غير محتجب بكونه علماً للوازم والآثار المتضمنة لجلال علمه، وأما كونه معلوما لأن النفوس العالية والعقول السامية تشرف وتكمل بالعلم به، وأما كونه عالم فهو أحقّ الموجودات بالعلم بجلاله وجماله ولا يسع عالم العلم بذاته المقدسة كما علم ذاته تبارك وعزَّ. والواجبية حكم لازم لامتناع الفقدان والعدم وسبق أن العلم متمحض الوجود فعلمه محال العدم والفقدان وهذا مما يستلزم استئثاره بالخالقية والتدبير لكون ذاته العلة التامة لكل الممكنات وهو أعلم الموجودات بذاته والعلم بالعلة التامة لا يتم من غير العلم بوجه استلزامها لجميع ما يلزمها لذاتها وهو يستدعي العلم يجميع اللوازم قريبها وبعيدها، والعلم بالعلة التامة يستلزم العلم بالمعلول فعلمه التام بالعلة التامة - ذاته المقدسة - علة تامة للعلم التام بمعلوله، وهذي التمامية التي يمتنع عندها الفواقد التصورية - الجهل - على التفصيل، لا تكون إلا لفاعل تام الفعل لمفعوله بحيث لا يحتاج مفعوله في دفعه للكمال الوجودي غير هذا الفاعل، فالعلم جزء سبب في فعل الحي المختار، وعدم صلاحية السبب في الاقتضاء لعدم أضعف اقتضاءه أو أرهق تحصيله كافٍ في عدم المفعول أو استناده إلى غير جزء السبب هذا، وما سبق من احتمالية العوادم والفواقد ممتنع في المرتبة الواجبية فالناتج تمامية العلة التي هي تكئة الممكنات في وجودها على الواجب ملازمة لتمامية العلم على التفصيل. وسبق أن النقص عدم أو عدمي فالنقص = للشر مطلقا والجهل = للشر مطلقا فكل شر من الجهل وعدم العلم، فيكون الممكن الذي ذاته يلحقها الفقد الكمالي أو تضعف عن دورة التكمّل وهو حي مختار أي قابل للعلم شره وألمه في عدمه عن ذاته، وهذا منسوب لنفسه ولذاته أي إمكانه أو لنفسه أي تلك القوة التي أودعها الله فيه واستطلب تزكيتها بالكمال، فالنفس بالمعنى الأول أمر تكويني ذاتي وفعل ربوبي المتسخط عنده جاهل، وأما الثاني ففعليتها من الإعراض والهوى والصد والغفلة من موانع العلم الذي يصد عن كماله ومعرفة موجبة وهنا منشأ التأويلات والشبهات التي تضعف المقتضي - العلم - والمعارض ينافي فيعمل عمله حتى كأن لم يكن عالما، ويصير جاهلا من كل وجه، والعلم نوعان إما تام مسلتزم لأثره وهو ما تحققت أسبابه وانتفت موانعه، وإما علم مقتضٍ مع انتظار تحصيل أسبابه وشروطه وانتفاء موانعه، والثاني هو الباقي مع فعلية النفس من غفلة وإعراض و ... وما زال يضعف سلطانه حتى يعدم عن أصله فيخلفه جاهلا ناقصا، فعلم أن النقص كله من الأنفس التي لم تزكى، والمحال التي لم تطهر، فالشر هنا وهو الجهل عدم لا يضاف الى الباري لأنه لله تعالى يكفي فيه عدم مشيئة ضده، وعدم السبب الموجب لضده، فيكل العبد الى نفسه ويبقيه على العدم الأصلي. وقلت أن مرجوع الشرور إلى الجهل لأن النفس بطبيعتها متحركة مريده وفيها قوى فاعله تتجاذبها فإن لم يقوى داعي العلم فضعف - وذا ضرب من الجهل - حركها داعي الطبع والشهوة. فمحرك الحياة وكمال الإحساس الذي يساوقه الالتذاذ والانتفاع هو بالعلم. وهنا نكته أن العبد لا يدرك ولا يحيط تفصيلا بفعله فقد يغفل عن كثير من جزئياته مع علمه به إجمالا وهذا دليل على عدم خلقه لفعله وليس هو تمام علة لفعله بل التمامية مشتركة ورد على الجبرية أيضا في علمه بعض الجزئيات على الاجمال لدخول في شركة تمام العلية
•• |• التدين الرومنسي •| في هذا الزمن الذي اتسعت فيه عيادات النفس، وتكاثرت فيه خطابات الرفاه الداخلي، وصار الإنسان الحديث يقيس سلامته بمقدار ما يشعر به من راحة وهدوء وتوازن، برز لونٌ من التديّن يلبس ثوب السكينة، ويتحدث بمفردات القرآن، ويستعمل عبارات الإيمان، ولكنه يجعل مركز الرحلة هو الشعور الداخلي قبل العبودية، والراحة النفسية قبل الامتثال، وتخفيف القلق قبل إصلاح القلب على مراد الله. وهذا اللون يمكن تسميته: التدين النفسي. التدين النفسي حالة يتجه فيها الإنسان إلى الدين بوصفه مساحة علاجية فحسب؛ يلجأ إلى القرآن كي يهدأ، وإلى الصلاة كي يستريح، وإلى الدعاء كي يخفّ اضطرابه، وإلى الذكر كي يشعر بالطمأنينة، وهذه الثمار كلها حقٌّ وجمال ورحمة، فالقرآن شفاء ورحمة، والذكر حياة للقلب، والصلاة صلة وسكينة، ولكن الخلل يبدأ حين تتحول هذه الثمار إلى الغاية المركزية، فيغدو السؤال العميق: “كيف أرتاح؟” بدل السؤال الأعلى: “كيف أعبد الله؟” ويتقدّم مطلب الشعور على مقام التسليم، ويصير الدين تابعًا لحاجة النفس، بدل أن تكون النفس تابعة لهداية الوحي. وقد عبّر القرآن عن حقيقة الطريق الإيماني في صورة جامعة، حين قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10]، فالمقصد هنا تزكية النفس، وترقيتها، وتطهيرها، وإخراجها من أسر الهوى إلى نور العبودية. والتزكية أوسع من التهدئة، وأعمق من الراحة، وأشد صلة بالمجاهدة والمحاسبة والصبر. ولهذا قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]، فجعل الهداية ثمرة المجاهدة، وجعل السير إلى الله طريقًا له كلفة، وفيه صبر، وفيه ضبط للنفس، وفيه مقاومة لطغيان الرغبة والهوى. ومن مظاهر التدين النفسي أن ينتقي صاحبه من الخطاب الشرعي ما يلائم وجدانه اللحظي؛ فيحب آيات السكينة، ويأنس بأحاديث الرجاء، ويطرب لعبارات الطمأنينة، ثم تضيق نفسه بخطاب المحاسبة، والمجاهدة، والتوبة، والانضباط، وحمل النفس على الحق. وبذلك ينشأ تديّن عاطفي سريع التأثر، عذب العبارة، رقيق الصورة، لكنه هشّ أمام التكاليف الثقيلة، قليل الصبر أمام مواسم الجفاف الروحي، شديد الارتباط بالانشراح الداخلي. ومن مظاهره كذلك تحويل العبادة إلى تجربة شعورية تقاس بنتيجتها النفسية العاجلة؛ فإن وجد الإنسان أثرًا قريبًا أقبل، وإن تأخر الأثر فترت عزيمته، كأن العبادة صفقة شعورية، أو وصفة علاجية، أو جرعة تهدئة يومية. وهنا تتبدل منزلة الطاعة في القلب؛ فالعبد الصادق يصلي لأن الصلاة حق الله، ويقرأ القرآن لأنه كلام الله، ويدعو لأنه عبد فقير، ويصبر لأن الصبر عبودية، ثم تأتي السكينة ثمرة ربانية كريمة، يمنحها الله متى شاء وكيف شاء. ومن بواعث هذه الحالة ضغط الثقافة الحديثة التي جعلت “الذات” مركز العالم. فالإنسان المعاصر يتلقى يوميًا رسائل متتابعة تقول له: راقب مشاعرك، احمِ راحتك، قدّم رغبتك، ابحث عن نسختك المثالية، اصنع سلامك الخاص. ومع الزمن يتسلل هذا المنطق إلى المجال الديني، فيعاد تشكيل التدين لصبح مكمّلًا لرحلة الرفاه النفسي، ووسيلة لتجميل الشعور الشخصي. وقد وصف عدد من الباحثين الغربيين هذا التحول بوضوح؛ فـ فيليب ريف تحدث عن صعود “الإنسان العلاجي” الذي يجعل غاية الحياة بلوغ الرضا النفسي أكثر من الانضباط الأخلاقي المتجاوز للذات. وفيكتور فرانكل، صاحب العلاج بالمعنى، قرر أن الإنسان يبلغ توازنه حين يعيش لمعنى يتجاوزه، وأن ملاحقة السعادة مباشرة تورث فراغًا أعمق، بينما تأتي السعادة ثمرة لمعنى كبير ينهض له الإنسان. وهذا كله يكشف بوضوح أن تحويل الدين إلى مجرد أداة راحة يجعل الروح تدور حول ذاتها، بينما الوحي يريد لها أن تتجه لرضاء ربها. وهنا تتجلى العظمة القرآنية التي كانت تبني هذا المعنى الأسمى منذ البداية، حين تنزع الإنسان من وحل التمركز حول مشاعره، لترفعه إلى فضاء العبودية الخالصة لله؛ ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. هذه أجمل نقلة جذرية حصلت للإنسان من أسر النفس إلى رحابة التوحيد. ولهذا المعنى الجليل قرر الإمام ابن القيم، بعبارته الجامعة المانعة، أن مدار العبودية يرتكز على قاعدتين: "كمال الحب مع كمال الذل". فالأمر إذن يتجاوز مجرد "الشعور الجيد"، إلى مقام تعبدي عظيم، يستلزم السير إلى الله في حال السعة والضيق، والانقياد له حين تنشرح الصدور وحين تنقبض. ولهذا يحتاج خطابنا الإيماني اليوم إلى إعادة ترتيب المفاهيم: نعم، الدين يداوي القلق، ويمنح السكينة، ويضيء العتمة، ويجبر الكسور، لكنه قبل ذلك وبعده طريق عبودية، ومجاهدة، وتسليم، وتزكية، وصدق مع الله. وحين يستقيم هذا المعنى في القلب، تأتي الطمأنينة في موضعها الصحيح: ثمرة لعبودية صادقة، ونورًا يفيض من السير إلى الله، وسكينة تتولد من معرفة الرب، لا مجرد شعور عابر يبحث عنه الإنسان في زحمة ذاته. ••