مدونة سليمان بن محمد النجران
Статистикаقناة تواصل، ومحبة وإخاء، أرجو أن تكون سبيلًا للخير، وجسرًا للإحسان، ومرفأً للتآخي والتناصح، نرتقي فيها بالتعاون على البر والتقوى، ونتعاهد على التواصي بالحق والصبر.
- Последний пост
- 14 авг.
- Последнее чтение
- 15 авг.
- Постов за неделю
- 12
- Всего постов
- 23
- Тип
- открытый
- Язык
- арабский
- Категория
- Блоги
- В каталоге с
- 13 авг.
- 1/24сутки в ленте
- 507
- 1/48двое суток
- 581
- 1/72трое суток
- 626
Медиана по постам, которые мы застали свежими и померили через сутки.
Посты
★ أنواع القياس يتنوع القياس باعتبارات مختلفة، لكن أشهر أقسامه باعتبار العلة؛ فيقسم إلى ستة أقسام، مدار الفروع الفقهية عليها: ١- قياس العلة ٢- قياس الدلالة ٣- قياس بمعنى الأصل، ويسمى قياس نفي الفارق ٤- قياس أولوي ٥- قياس شبه ٦- قياس عكس ▪︎ قياس العلة: «يكون بذكر الجامع بين الفرع والأصل، وهي العلة الجامعة». ▪︎ قياس الدلالة: «أن يكون الجامع بين الفرع والأصل وصفًا لازمًا من أوصاف العلة». ▪︎ قياس نفي الفارق: «ويسمى أيضًا القياس بمعنى الأصل؛ إذ لا فرق بين الفرع والأصل، إلا وصفًا غير مؤثر بالحكم». ▪︎ قياس أولوي: «وهو كون العلة في الفرع أقوى منها في الأصل». ▪︎ قياس الشبه: «هو قياس فرع على أصل لجامع بينهما في المصالح المشتركة، وليس الجامع علة بعينها». ▪︎ قياس العكس: «هو إثبات نقيض حكم الأصل للفرع؛ لوجود نقيض علة حكم الأصل فيه»٠
س/ أعمل على خطة دكتوراه، وأريد بعض الكتب عن السياق. ج/ حياكم الله .. كتبت دراسات تنيف على المائة في السياق، منها: 1 ـ السياق عند الأصوليين دارسة نظرية تطبيقية/ د.سعد العنزي. 2 ـ السياق عند الأصوليين المصطلح والمفهوم/ د. فاطمة بوسلامة 3 ـ دلالة السياق/ د.عبدالعزيز الطلحي 4 ـ دلالة السياق عند الأصوليين وأثرها في دلالات الألفاظ وإرشادات الأحكام دراسة تطبيقية/ خالد العازمي. 5 ـ دلالة السياق عند الأصوليين وأثرها في فهم الخطاب الشرعي/ مجدد عده. 6 ـ نظرية السياق: دراسة أصولية/ للدكتور نجم الدين قادر كريم الزنكي. وغيرها كثير.
مسألة في الموافقات: س/ ماذا يقصد الشاطبي بقوله:" "ولا يقال: إن السنة يؤخذ بها على أنها بيان لكتاب الله لقوله: {لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] , وهو جمع بين الأدلة". ج/ لا يفهم كلام الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ في معزل عن سياقه، فيجب الرجوع إلى بداية المسألة، حيث ذكر في المسألة السادسة أصلاً بقوله: "القرآن فيه بيان كل شيء على ذلك الترتيب المتقدم؛ فالعالم به على التحقيق عالم بجملة الشريعة، ولا يعوزه منها شيء، والدليل على ذلك أمور...". ثم ذكر عدداً من الأدلة على هذا الأصل. ثم ذكر اعتراضاً على هذا الأصل: "ولقائل أن يقول: إن هذا غير صحيح؛ لما ثبت في الشريعة من المسائل والقواعد غير الموجودة في القرآن، وإنما وجدت في السنة..الخ". ثم ذكر جواباً عن هذا الاعتراض، وهو الموضع المسؤول عنه: "ولا يقال: إن السنة يؤخذ بها على أنها بيان لكتاب الله لقوله: {لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] , وهو جمع بين الأدلة". أي أن ما ذكر في أدلة الاعتراض إنما جاءت لكونها بيانا لكتاب الله على جهة التبع للكتاب الكريم، لا أنها مستقلة في البيان عنه، وبذلك تجتمع الأدلة بحمل الأدلة التي ظاهرها استقلال السنة عن القرآن أن المقصود بها بيانها للقرآن الكريم. ثم أجاب عن هذه الجواب: "لأنا نقول: إن كانت السنة بيانا للكتاب؛ ففي أحد قسميها، فالقسم الآخر زيادة على حكم الكتاب". أي أن هذه الجمع غير صحيح، لأن السنة على قسمين: قسم صحيح أنه بيان للقرآن الكريم، لكن القسم الآخر ليس بياناً للقرآن، إنما هو بيان بنفسه مستقل بذاته عن القرآن الكريم، ثم ضرب أمثلة على ذلك. والله أعلم.
التكامل بين الوحي والعقل لا التعارض: الوحي لا يلغي العقل، وإنما يهديه ويستكمل وظيفته؛ فبينهما علاقة تكامل لا تعارض. فالوحي يكشف للعقل سبل الهداية، ويبين له وجوه المصالح والمفاسد، ويرشده إلى غاياته التي يعجز عن إدراكها استقلالًا، ومن ثم، فالشريعة ليست قيدًا على العقل، بل هي تمام هدايته وكمال بصيرته. ولذلك فإن فهم الشريعة ومقاصدها لا يقوم على إطلاق سلطان العقل مجردًا، ولا على تعطيله وإهدار دوره، وإنما يقوم على الجمع بين نور الوحي وصحيح النظر؛ فيكون الوحي هاديًا وموجهًا، ويكون العقل أداة للفهم والاستنباط وتنزيل الأحكام على مواقعها.
من سنن العلم: سنة جارية في العلوم؛ فليس العلم كله خفيًّا مستغلقًا، ولا كله ظاهرًا ميسورًا، بل جمع الله فيه بين الوضوح والخفاء، والسهولة والصعوبة. فلو كان كله سهلًا لانصرفت الهمم عن طلبه، ولما عرف الناس قدره، إذ إن ما ينال بغير كلفة يقل الاحتفاء به في الغالب. ولو كان كله صعبًا لتخلت ومالت النفوس عنه، وأصابها اليأس والكلالة. فجعل الله بعضه مفتاحًا لبعض؛ فالسهل يبعث على اقتحام الصعب، والصعب يكشف قيمة السهل، وبهذا تستمر رحلة التعلم، ويثبت العلم في النفوس، ويبقى في القلوب.
الوصل العلمي: لا أشد قرباً من التلميذ لأستاذه والأستاذ لتلميذه إذا جمعهما علم واحد، توافقت فيه رغبتهما، والتقت عليه محبتهما، ووجد كل واحد نفسه فيه، فيمتلك عليه مشاعره ويستولي على قلبه وينفذ إلى فكره، فتحصل ثمرة عظيمة بينهما في المطارحات العلمية، والمدارسات المعرفية؛ فيفتح كل واحد للآخر ما في نفسه، ويكشف له عن شكواه، ويبث إليه همه، ويبين ما واجهه من مشكلات ومسائل دقيقة في هذا العلم، لأنه مع محبته لهذا الفن يزداد تعلق قلبه فيه، فيكثر الاستشكال عنده لشغفه بدقائقه فيريد أن ينفذ إلى خباياه وخفاياه البعيدة.
منشورات_د_سليمان11.pdf
منشورات_د_سليمان10.pdf
قلب الدليل بين المناقضة والمعارضة: السؤال/ شيخنا أحسن الله إليكم: لم أفهم الفرق بين مصطلحي (قلب الدليل) -في حال تصحيح مذهب المعترض- مع مصطلح (المشاركة في الدليل) فحسب ما قرأت للطوفي أن "المعترض تارةً يكون مقصوده بقلبِ الدليل تصحيح مذهب نفسه، وإبطال مذهب المستدل، وتارة يتعرض فيه لبطلان مذهب خصمه دون تصحيح مذهب نفسه"، فالصورة الثانية واضحة، وأما الأول فيظهر لي أنها هي عين تعريف المشاركة، حيث يقول ابن عقيل "فيقرر السائلُ أن له في الآيةِ دلالةً من وجهِ، كما أن للمستدل دلالةً من وجهٍ". فهل ما فهمته صحيح من عدم الفرق بينهما؟ الجواب/ حياكم الله أخي الفاضل: يطلق قادح القلب عند الجدليين على مصطلحين: الأول: القلب: هو أشهر ألقاب هذا القادح، و أكثرها استعمالا عند الأصوليين، و غالبا ما يذكر ضمن الاعتراضات الواردة على القياس، وهو صنيع أكثر الأصوليين. الثاني: المشاركة في الدليل، أو الاشتراك في الدليل، وبها يفسرون القلب، قال أبو يعلى الفراء الحنبلي رحمه الله: "وأما معارضة العلة بتلك العلة بعينها فإنها تسمى قلبا، وتسمى المشاركة في الدليل"(العدة)، ويقول الباجي رحمه الله: "القلب: مشاركة الخصم للمستدل في دليله". والمشاركة مع الخصم للمستدل في دليله، تارة تكون بنقض ما علل به الخصم كاملا، ثم بيان وجه الاستدلال له فيه، وتارة تكون بمعارضة دلالة المعترض بدلالة أقوى منه من نفس الدليل ليصل إلى إبطاله لأن هذا مقصود القلب، لكن لا يلزم إبطال وجه الاستدلال للخصم من الدليل. لذا فإن بعض الأصوليين أضاف قيدا: "أن يعلق المعترض نقيض حكم المستدل..."، فـ"نقيض الحكم" لازم على من قال بأن القلب نقض لدلالة المستدل من أصله، أما من قال بأنه معارضة فلا يلزم يكون نقيض الحكم، بل يكفي فيه مطلق المخالفة سواء كان بمناقضة أو بدون مناقضة كالمخالفة أو المنافاة، لجواز كون حكم المعترض مخالفا لا نقيضا، يقول ابن عقيل:" "ورابعها: المشاركة في الدليل: فيقرر السائل أن له دلالة في الآية من وجه، كما أن للمستدل دلالة من وجه آخر".(الواضح). ولهذا عرف الآمدي القلب بأنه:" أن يبين القالب أن ما ذكره المستدل يدل عليه، لا له. أو يدل عليه وله"، فهذا يشمل القلب بالمناقضة، ويشمل القلب بالمعارضة؛ لذا نبه الآمدي بأن المعنى الضيق للقلب وهو المناقضة والهدم لدليل الخصم:"قل ما يتفق له مثال في الشرعيات في غير النصوص، أي: لا يتفق له مثال في الأقيسة"(شرح مختصر الروضة). وإن كان ثابتا في النصوص. وبناء على هذا اختلفوا في القلب، هل هو إفساد أو معارضة؟ فمن قال بأن القلب إفساد، رأى بأن مناقضة العلة بغيرها إفساد لها إذ لا تكون العلة صحيحة من وجهين متناقضين. أما من رأي بأن القلب معارضة، فإنه يسلم صحة العلة في أصلها، لكنه يعارضها بما هو أقوى منها ليبطل استدلال الخصم بها، فالعلة عنده صحيحة، لكنها معارضة بما هو أقوى منها أو بما يساويها، فنطلب الترجيح حال التساوي بين العلتين بمرجحات خارجية، وهذه حقيقة المعارضة فإنها: تسليم لدلالة الدليل، ومعارضته بدلالة أخرى من نفس الدليل.(قلب الأدلة وموقف الباجي منها). والخلاصة: أن المحققين من أهل النظر الجدلي والأصولي يعدون القلب:"مشاركة في الدليل"، لكن هذه المشاركة تارة تكون بالنقض، وتارة تكون بالمخالفة والمعارضة، وكل صورة لها مقصود غير الأخرى: فقلب الدليل بالنقض: تُقلب حجة الخصم، ويشارك بدلالة من الدليل لتكون هادمةً لمذهبه بالكلية، دالةً على نقيضه تماماً. كالاستدلال بأن الحجامة تفطر المحجوم بناءً على حديث:"أفطر الحاجم والمحجوم"، فيرد عليه المعترض بأن هذا الدليل حجة عليك لأنك لم تفطر "الحاجم" المذكور معه في النص ففرقت بين متماثلين في النص. وكذا لما استدل رجل على ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ بتركه القتال مع ابن الزبير وعدم نصرته له، بقوله تعالى:" {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة: فقلب عليه ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ الدلالة من الدليل بقوله:"قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله"(البخاري). أما قلب الدليل بالمعارضة فمقصوده: بيان كون الدليل المذكور مشترك بين الطرفين، أي يدل على مذهب المستدل من وجه وعلى مذهب المعترض من وجه آخر، وقد تكون هذه الدلالة أقوى من دلالة الخصم، فلا يلزم بالضرورة بطلان مذهب المستدل من أصله، بل يصير الدليل مشترك الحجية بينهما، فينتقلون حينها إما للترجيح أو التسليم. كاستدلال الشافعي في منع تزويج المرأة لنفسها بغير ولي بقوله تعالى: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة: 232] بدليل إضافة العضل إلى الولي لا إلى المرأة، فيرد الحنفي بالمشاركة: بل الآية حجة لنا أيضاً لأنه قال: {أَنْ يَنْكِحْنَ} فأضاف النكاح إليهن، مما يدل على صحة مباشرتهن للعقد، ولم يبطل استدلال الشافعي. والله أعلم.
الاسم المشترك والاسم المفرد: س/ جاء في تعريف الرازي للمشترك: "اللفظ الموضوع لحقيقتين مختلفتين ، وضعا أولا ، من حيث هما كذلك"، ثم بين محترزات التعريف بقوله :" فقولنا: الموضوع لحقيقتين مختلفتين احترزنا به عن الأسماء المفردة . وقولنا : وضعا أولا ، احترزنا به عما يدل على الشيء بالحقيقة ، وعلى غيره بالمجاز...الخ" ما مقصوده بقوله:" احترزنا به عن الأسماء المفردة". ج/ حياكم الله أخي الفاضل: الاسم المفرد: كل لفظ وضع لحقيقة واحدة في أصله، فهو منفرد في معناه لا يشاركه غيره في لفظه، كقلم ورجل وحصان، وهو الأصل في الألفاظ. فهو مقابل للمشترك الذي يكون لحقيقتين مختلفتين فأكثر. فلو لم يقل الرازي في التعريف: "لحقيقتين مختلفتين" لدخلت معه الأسماء المفردة في التعريف لأن الأصل في الأسماء الانفراد لا الاشتراك، أي كونها لحقيقة واحدة لا لأكثر من حقيقة، فالاشتراك يحصل لبعض الأسماء لاختلاف معاني الألفاظ للفظ واحد عند طائفتين مختلفتين من أهل اللغة أو أهل الوضع عموما من اللغويين وغيرهم، لكن الأصل أن كل اسم موضوع لحقيقة واحدة لئلا يحصل اللبس في دلالة اللفظ؛ فإن أحد موارد اللبس الخطابي وجود المشترك اللفظي بوجود لفظ له أكثر من معنى وضع لحقيقتين فأكثر، كلفظ العين وضع لأربع حقائق: الباصرة، وعين الماء، والذهب، والجاسوس. فهذا يحدث لبساً للمخاطب لا يعلم المقصود ب" العين" إلا من السياق. والله أعلم.
كلمة التوحيد بين الخبر والإنشاء: س/ أحسن الله إليكم : قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :"فَهَذَا وَمَا يُشْبِهُهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْعَبْدَ فِي طَلَبِ مَا يَنْفَعُهُ وَدَفْعِ مَا يَضُرُّهُ لَا يُوَجِّهُ قَلْبَهُ إلَّا إلَى اللَّهِ؛ فَلِهَذَا قَالَ الْمَكْرُوبُ: (لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ) . وَمِثْلُ هَذَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ﴿كَانَ يَقُولُ: عِنْدَ الْكَرْبِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمُ﴾ فَإِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِيهَا تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ وَتَأَلُّهُ الْعَبْدِ رَبَّهُ وَتَعَلُّقُ رَجَائِهِ بِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، ((وَهِيَ لَفْظُ خَبَرٍ يَتَضَمَّنُ الطَّلَبَ)). وَالنَّاسُ وَإِنْ كَانُوا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَوْلُ الْعَبْدِ لَهَا مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ لَهُ حَقِيقَةٌ أُخْرَى وَبِحَسَبِ تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ تَكْمُلُ طَاعَةُ اللَّهِ"(الفتاوى). ما المراد بقوله رحمه الله( هي لفظ خبر يتضمن الطلب)؟ فتح الله عليكم وجزاكم الله عنا كل خير. ج/ حياكم الله أخي الفاضل: كلمة التوحيد: "لا إله إلا الله"، جملة خبرية من حيث اللفظ، إذ يخبر العبد: بأن لا معبود بحق إلا الله. لكن هذا الإخبار لا يكفي في تحقيق التوحيد، حتى يقترن بـالإقرار والاعتقاد، وهو ما يجعلها تحمل معنى الإنشاء غير الطلبي، لأن الإقرار يُعدّ من أنواع الإنشاء عند البلاغيين، لا يُراد منه مجرد الإخبار، بل يُراد به إحداث أثر، كالتصديق والالتزام بما أُقرّ به. وقد قسم البلاغيون الإنشاء إلى قسمين: * إنشاء طلبي: مثل الأمر، والنهي، والدعاء، والاستفهام، والتمني. * وإنشاء غير طلبي: مثل القسم، والتعجب، والإقرار، والمدح والذم، والعقود. فـالإقرار، وإن بدا في ظاهره أنه خبر، إلا أنه يُراد به إحداث أثر اعتقادي أو عملي كالتصديق في العقائد والالتزام بما يترتب عليه، أو إثبات الحقوق في المعاملات، لذلك يُعدّ إنشائيًا. بل إن كلمة التوحيد تحمل أيضًا إنشاءً طلبيًا، حين تُقال على وجه الذكر والدعاء، كما في الحديث الشريف: "أفضلُ الدعاءِ دعاءُ يومِ عرفةَ، وأفضلُ ما قلتُ أنا والنبيونَ من قبلِي: لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له..." فهي خبر وإقرار ودعاء في آن واحد، وهذا من إعجاز هذه الكلمة الجامعة. وهذا الجمع بين الخبر والإنشاء هو من دقائق البلاغة، حيث إن بعض الجمل الخبرية تحمل في طيّها مقاصد إنشائية، بحسب السياق والمقام والمقصد.
★ الأُصُول الكاشفة لمعاني النصوص الأصلان الكِتابُ والسُّنَّةُ؛ فإذا استصحب المجتهد أُمورًا أَرْبَعَةً، حالت بينه وبين وقوعه في الخَطَأ، ومنعته من الشذوذ في فهم مَدْلُولَاتِهِمَا: ▪︎ {الأول}: السِّياق فإذا أقام المجتهد السياق الحَالِيُّ والمَقَالِيُّ - وهما واسعان جدًا - واستحضرهما عند الاستنباط والنظر، كان هذا العاصم الاجتهادي الأول؛ لئلا يَحْمِلَ النص على غير المراد منه. ▪︎ {الثاني}: العَمَل فإذا تتبع أعمال وأَقْوَالَ الصَّحَابَة -رضي الله عنهم- والتابعون، فينظر في وِفَاقِهِم وخِلَافِهِم، مع النصوص؛ فهذا من أقوى معينات فهم النص. ▪︎ {الثالث}: المَصْلَحَة باستحضارها لكشف معنى النص؛ فالمصالح أداة فَاعِلَة لكشف معاني النصوص؛ فينزل كل نص حسب قوة المصلحة: ضَرُورِيَّة، أو حَاجِيَّة، أو تَحْسِينِيَّة، ويُنيطها بالواقع لِيُنَزِّلَ النص عليها. ▪︎ {الرابع}: الاسْتِصْحَابُ والاسْتِحْسَانُ فيستصحب الأصول المَنْصُوصَة، ويرد الشَّاذَّة إليها؛ ولا يمضي مع معانٍ خارجة عن كُلِّيَّات الشرع ومُحْكَمَاتِهِ. وكل هذه الأربعة يجريها المجتهد على آلة الاسْتِقْرَاء التام، فهي أعظم أدوات المُجْتَهِد. فمن أَمْسَكَ بهذه الأصول، قَرَّتْ عَيْنُهُ بمنزلة عالية من الاجتهاد. د. سليمان النجران
★ من أعظم فوائد القراءة في كتب الجدل: ضبط طرائق الاستدلال الصحيحة؛ إذ طرائق الاستدلال في كتب الأصول ليست محرَّرةً كما هي محرَّرةٌ في كتب الجدل. بل لو قيل: إن كتب الأصول لضبط الأدلة الإجمالية، وكتب الجدل لضبط طرائق الاستدلال، لم يكن ذلك بعيدًا. ▪︎ وفي قراءة الجدل الأصولي: - يبدأ بـ "المعونة" لأبي إسحاق الشيرازي وهو كتابٌ مختصرٌ وواضح. - ثم بعدَه "الملخص في الجدل" أيضًا للشيرازي وهو أطول وأوسع من المعونة. - ثم "المنتخل" لأبي حامد الغزالي. - ويختم بـ "عَلَمُ الجَذَلِ في عِلْمِ الجدل" للطوفي.
مراتب الاستدلال تختلف باختلاف قوة المدلول وأثره: مما قد يشتبه على بعض طلبة العلم: المساواة بين الأدلة في قوة الاستدلال، مع اختلاف المدلولات التي يراد إثباتها بها؛ فيعامل الدليل الذي يراد به تأسيس أصل من الأصول، مع الدليل الذي يراد به إثبات فرع فقهي، أو بيان مآل حكم فرعي وما يترتب عليه من مصالح ومفاسد، معاملةً واحدة في القوة والرتبة. والصواب: أن الاستدلال يتفاوت قوةً وضعفًا بحسب قوة المدلول المطلوب إثباته وأهميته وآثاره؛ فليست القضايا الاعتقادية الكبرى كالتوحيد والنبوة، كالفروع العملية الجزئية، وليست الفروع التي يترتب عليها من المصالح والمفاسد ما يترتب على غيرها في رتبة الاستدلال. فكلما عظم المدلول، وعظمت آثاره، واشتد خطر الخطأ فيه، احتيج إلى دليل أقوى وأصرح وأبعد عن الاحتمال، وكلما خفَّ المدلول، أو كان من الفروع الجزئية التي لا يترتب على الخطأ فيها من المفسدة ما يترتب على غيرها، خفَّت رتبة الدليل المقبول في إثباته بحسب ما يقتضيه بابه. ولهذا قال الطوفي:"لأنَّ الفروع تثبت بما لا تثبت به الأصولُ، ويقدح في أدلة الأصول ما لا يقدح في أدلة الفروع، فإنَّ التوحيد لا يثبت إلاَّ بالبرهان الساطع، والنبوة لا تستيقن إلاَّ بالدليل القاطع، وما عداهما من أحكام المِلَّة يكفي فيه خبر مستفيض، أو مشهور، أو قياس علةٍ، أو دلالةٍ، أو سنة، ونظير ذلك المحسوسات، أن البيان يحكم أسه بالآلات، التي يؤمن معها التهور، فإذا ارتفع الأساس وقع التسامح، وارتفع التشديد في ذلك".(التعليق على الأناجيل الأربعة). وهذه قاعدة مهمة في فقه الاستدلال: فليس السؤال دائمًا: هل هذا دليل؟، بل ينبغي أن يضاف إليه سؤال آخر: ما الذي أريد إثباته بهذا الدليل؟ وما مقدار القوة التي يتطلبها هذا المدلول؟ فقد يكون الدليل صالحًا لإثبات حكم فرعي، لكنه لا يصلح لتأسيس أصل عقدي؛ وقد يكون صالحًا لإثبات أصل الحكم، لكنه لا يكفي وحده لإثبات مآل معين أو دعوى ترتب مفسدة راجحة؛ لأن إثبات الحكم شيء، وإثبات آثاره ومآلاته شيء آخر. ومن هنا ينبغي التفريق بين ثلاث مراتب في النظر: أولًا: الدليل المؤسس للأصل: وهو الذي يراد به بناء قاعدة كلية أو أصل من أصول الاعتقاد أو التشريع، وهذا يتطلب من القوة بقدر ما يتطلبه الأصل المراد تأسيسه. ثانيًا: الدليل المثبت للفرع: وهو الذي يراد به إثبات حكم جزئي داخل في أصل مقرر، وهذا بابه أوسع، ولا يشترط فيه من القوة ما يشترط في تأسيس الأصل. ثالثًا: الدليل على المآل والمصلحة والمفسدة: وهو الذي يراد به إثبات ما يترتب على الفعل من آثار ومآلات، وهذا يحتاج ـ مع أصل الحكم ـ إلى تحقيق مناط المآل، والنظر في غلبة المصلحة أو المفسدة، وقوة التوقع، واعتبار الملابسات والقرائن. ولهذا فإن من الخطأ المنهجي أن يُنقل دليل صالح لمرتبة من مراتب الاستدلال إلى مرتبة أعلى منه دون مراعاة الفرق بين المدلولات. فالاستدلال ليس قالبًا واحدًا، وقوة الدليل ليست منفصلة عن قوة المدلول؛ بل تتناسب رتبة الاستدلال مع رتبة المطلوب إثباته. وهذا من دقائق الصناعة الأصولية؛ إذ ليس كل خلاف في الأدلة خلافًا في وجود الدليل، وإنما قد يكون الخلاف في مدى صلاحيته لإثبات المدلول المعين، وفي مقدار القوة التي يحتملها هذا المدلول. وبعبارة جامعة:كلما عظم المدلول المطلوب إثباته، وعظمت آثاره، اشتد طلب قوة الدليل ووضوح دلالته؛ وكلما كان المدلول أخف وأضيق أثرًا، اتسع مجال الأدلة التي يمكن أن يثبت بها. ومن هنا كان فقه مراتب الأدلة جزءًا من فقه الاستدلال، وكان من الخطأ مساواة الأدلة في الاحتجاج بها مع اختلاف ما يراد إثباته بها.والله أعلم.
ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى:﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.فلفظ «وليطوفوا» أمر مطلق من حيث دلالته اللفظية المجردة، وقد ذهب بعض العلماء، ومنهم الإمام مالك، إلى أن طواف القدوم واجب.لكن الجمهور خالفوا الإمام مالك، واستدلوا بسياق الآيات على أن المراد بالطواف هنا طواف الإفاضة؛ فإن الله سبحانه أمر بذبح الهدايا بقوله:﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: 28]وأمر بقضاء التفث ـ وهو الحلق ـ والطواف بالبيت عقب ذبح الهدي؛ لأن كلمة «ثم» تفيد الترتيب مع التعقيب، فيقتضي أن يكون الحلق والطواف مرتبَين على الذبح، والذبح يختص بأيام النحر ولا يجوز قبلها، وكذلك الحلق والطواف ـ على هذا الاستدلال ـ، وهو طواف الإفاضة؛ فأما طواف القدوم فإنه يكون سابقًا على أيام النحر، فثبت أن المراد من الآية طواف الإفاضة.(أثر السياق في حمل المطلق على المقيد/د.سامح محمد). ومن الأمثلة أيضًا قوله تعالى:﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: 25]، فلفظ «تسعًا» من حيث هو عدد مطلق يحتمل أن يكون تسع سنين، أو تسعة أشهر، أو تسعة أيام، ونحو ذلك، لكن السياق المقالي قيد هذا الإطلاق وأرشد إلى أن المراد تسع سنين؛ لوروده بعد قوله: «ثلاثمائة سنين»، قال العلامة القشيري:«لا يفهم من التسع تسع ليال وتسع ساعات لسبق ذكر السنين».(الجامع لأحكام القرآن)، فهذا من أمثلة دلالة السياق على تعيين المراد من اللفظ المطلق، وإن كان لفظه في نفسه صالحًا لأكثر من صورة. ومن الأمثلة التي تظهر بها العلاقة بين تخصيص العام وتقييد المطلق بالسياق قوله تعالى:﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: 37]، فلو نظر الناظر إلى قوله تعالى:﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ مجردًا عن سياقه، أمكن أن يتوهم عموم النفي لكل من دخل النار: المؤمن والكافر، وهو الذي تمسك به نافع بن الأزرق في مناظرته لابن عباس رضي الله عنهما، وقد روى الطبري بسنده عن عكرمة أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس:«أعمى البصر أعمى القلب، يزعم أن قومًا يخرجون من النار، وقد قال الله جل وعز: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾؟ فقال ابن عباس: ويحك، اقرأ ما فوقها! هذه للكفار». ورواية الطبري بهذا المعنى ثابتة في تفسيره، وفيها أن ابن عباس رد الاستدلال إلى سياق الآية، وبين أن المراد الكفار. وهنا ينبغي ضبط التعبير الأصولي: لا يقال إن لفظ «خارجين» وحده صار عامًا لمجرد وقوعه في كلام سبقه نفي، بل يقال: إن الجملة «وما هم بخارجين منها» وردت في سياق خاص بالكفار، فدل السياق على أن النفي متوجه إلى هؤلاء المذكورين في السياق، لا إلى كل من دخل النار. وهذا هو المقصود من الاستشهاد بهذه الآية في هذا الموضع: أن الدلالة اللفظية المجردة قد توهم شمولًا أوسع، ثم تأتي دلالة السياق فتحدد المراد وتمنع حمل الكلام على ذلك الإطلاق أو العموم المتوهم. والطبري نفسه يفسر الآية بقوله إن المراد بها الذين كفروا بربهم يوم القيامة، ثم ساق خبر نافع بن الأزرق وابن عباس في بيان ذلك. (5) وبناء على ما تم تأصيله، فالأقرب في جواب السؤال أن يقال:إن الأصوليين لم يجعلوا للمطلق في الاصطلاح تقسيمًا مطابقًا تمام المطابقة لتقسيم العام إلى: محفوظ، ومخصوص، ومراد به الخصوص؛ لأن مباحث الإطلاق والتقييد لها طبيعتها الخاصة، ولأن المطلق ليس كالعام في الحقيقة ولا في مقدار الدلالة، لكن يكفي أنهم قالوا: "بأن ما جاز به تخصيص العام، جاز به تقييد المطلق"، فهذا ينقل المطلق إلى العام من حيث التقييد، وترتب عليه أحكام التخصيص. فيمكن أن يقال إن المطلق على ثلاثة أحوال: أ ـ "مطلق باقٍ على إطلاقه"، وهو الذي لم يقم دليل على تقييده. ب ـ "مطلق قُيّد بدليل مستقل"، ككتاب أو سنة أو إجماع أو قياس، إذا استوفى شروط حمل المطلق على المقيد. ج ـ "مطلق أريد به التقييد بقرينة"، كالسياق أو المقام أو المقصد أو نحو ذلك، بحيث يكشف الدليل عن أن إطلاق اللفظ لم يكن هو المراد. والقسم الثالث جدير بالبيان والإفراد من الناحية التعليمية والأصولية؛ لأنه قد يخفى، ولا سيما إذا كان القيد غير ملفوظ به، وإنما يستفاد من السياق أو المقام أو القرائن المعنوية. والجامع بين البابين أن كلاهما قد يظهر في اللفظ على وجه، ثم تكشف قرينة أو دليل عن أن مراد المتكلم أضيق من ظاهر ذلك اللفظ؛ فالعام قد يرد ويراد به بعض أفراده، والمطلق قد يرد ويراد به فرد أو حال أو وصف مقيد، غير أن طريق الكشف عن ذلك وأثره الاصطلاحي يختلف بين البابين. ومن هنا يظهر وجه قول بعض الأصوليين: «المطلق عام من حيث المعنى»، لا بمعنى أنه عام اصطلاحًا، بل بمعنى أن البحث في كلا البابين يرجع إلى معرفة مدى شمول اللفظ لما تحته، وما إذا قام دليل يخرج بعض الصور أو يحدد المراد منها.والله أعلم.
(3) وأما سؤالكم عن تقسيم المطلق إلى: مطلق محفوظ، ومطلق مقيد، ومطلق أريد به التقييد، فهو من حيث المعنى تقسيم صحيح، لكن يحتاج إلى تحرير في الاصطلاح. فالمطلق قد يبقى على إطلاقه، وقد يرد في موضع ثم يأتي دليل آخر يقيده، وقد يظهر من السياق أو المقام أو المقصد أو غير ذلك من القرائن أن المراد من المطلق لم يكن إطلاقه الحقيقي، وإنما كان مراد المتكلم به فردًا أو حالًا مخصوصة.ومن هنا يمكن ـ من جهة البيان والتعليم ـ أن يقال: أ ـ مطلق باقٍ على إطلاقه. ب ـ مطلق قُيّد بدليل. ج ـ مطلق أريد به التقييد بقرينة أو سياق أو دليل معنوي. لكن ينبغي التنبيه إلى أن القسم الثالث ليس بالضرورة قسمًا مستقلًا في اصطلاح جميع الأصوليين، كما هو الشأن في تقسيمهم للعام إلى محفوظ، ومخصوص، ومراد به الخصوص؛ لأن بحث المطلق والمقيد له اصطلاحاته ومسائله الخاصة. فالفرق المهم بين «المطلق المقيد» و«المطلق الذي أريد به التقييد» أن القيد قد يكون لفظيًا ظاهرًا، وقد يكون مستفادًا من دليل أو قرينة. فإذا كان القيد متصلًا باللفظ، كقولك:«أطعم مسكينًا إلا عاصيًا»، أو: «صم يومًا إلا عيداً»، فهذا لا يوصف عادة بأنه مطلق أريد به التقييد؛ لأن القيد جاء متصلًا بالكلام، فلم يستقر للمطلق إطلاق ثم طرأ عليه ما يبين المراد. أما إذا جاء اللفظ مطلقًا في موضع، وقُيد في موضع آخر بدليل مستقل، فهذا هو محل البحث في المطلق والمقيد، ويصح أن يقال: إن المطلق الأول أريد به المقيد إذا ثبت اتحاد الحكم والسبب أو قامت القرينة التي تقتضي حمل المطلق على المقيد، ومنه قوله تعالى:﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65]، فالحبوط هنا أطلق، ثم قيد في قوله تعالى:﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: 217]، فقيد الحبوط هنا بالموت على الكفر، فليس كل حبوط للأعمال مرادًا على إطلاقه، بل السياق والدليل الآخر يبينان المراد. وكذلك لو أطلق ثم قيد بالإجماع، كقوله تعالى:﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: 11]، فقد قيد بالإجماع الإخوةَ هنا بالإخوة من الأم، فيصح من جهة البيان أن يقال: إن لفظ «إخوة» أريد به أفراد مقيدة، وإن كان طريق معرفة ذلك القيد هو الإجماع لا اللفظ نفسه. (4) وقد يكون القيد مستفادًا من السياق والمعنى، لا من لفظ قيد مستقل. وهذا من أهم المواضع التي تظهر" المطلق المراد به التقييد" يحتاج إلى إفراد وبيان؛ لأن القيد قد لا يكون ملفوظًا به، وإنما تكشف عنه القرائن، فقد يكون التقييد بالسياق، أو بالمقصد، أو بالقياس، ونحو ذلك من الأدلة والقرائن المعنوية لا اللفظية؛ إذ المقصود من التقييد في النهاية هو بيان مراد المتكلم من اللفظ المطلق، يقول القرافي:«إن الكلام إذا سيق لمعنى، لا يستدل به في غير ذلك المعنى؛ لأن المتكلم لا يتوجه إليه».(العقد المنظوم). فلو قيل: «كُل طعاماً»، فإن المقصود من سياق الأمر بالأكل الطعام المفيد غير المضر؛ لأن حمل الكلام على كل ما يسمى طعامًا، ولو كان مضرًا يخرج الكلام عن مقصوده، وكذا لو قيل: «اقرأ كتابًا»، فإن المقام يدل على الكتاب الصالح للقراءة النافعة، لا كل ما صدق عليه اسم الكتاب، ككتاب الفساد والضلال إذا كان السياق في طلب العلم النافع، فالقيد معنوي علم من مقصد الأمر، وهكذا عند النظر في مطلقات الأوامر يجب تقييدها بما يدل عليه مقصد الأمر لا أن نحملها على مجرد الحقيقة المجردة. لذا قال ابن القيم:«السياق يرشد إلى تبيين المجمل، وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة. وهذا من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظره، وغالط في مناظرته. فأنظر إلى قوله تعالى: ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير».(بدائع الفوائد). وهذا يقرر أن السياق قد يكشف عن قيد معنوي لا يظهر من اللفظ المجرد، فيكون حمل المطلق على إطلاقه مع قيام السياق الدال على خلافه خطأ في فهم مراد المتكلم، فيكون من المطلق المراد به التقييد.
جريان تقسم المطلق على تقسيم العام: س/ شيخنا الكريم: ذكر الأصوليون في أول باب العموم والخصوص أوجه العموم، وأنها ثلاثة (العام المحفوظ، العام المخصوص، العام الذي أريد به الخصوص) والسؤال: هل ذكروا مثل ذلك في الإطلاق والتقييد؟ وهل يتوجه جعل المطلق على نحو هذا التقسيم: (مطلق محفوظ، مطلق مقيد، مطلق مراد به التقييد) فإلحاق: المطلق المقيد، والغير مقيد، أمرهما واضح، ومجمل باب الإطلاق والتقييد يدور عليهما لكن قسم: (المطلق المراد به المقيد من وجه)، على غرار (العام الذي أريد به الخصوص)، ألا تستدعي الإفراد بالذكر والبيان، لأن من مواردها ما قد يخفى؟ الجواب/ حياكم الله فضيلة الدكتور.. (1) الأصل الجامع في الباب أن المطلق والمقيد يجريان ـ في كثير من أحكامهما ـ مجرى العام والخاص؛ ولذلك قال بعض الأصوليين: "كل دليل يجوز تخصيص العموم به، يجوز تقييد المطلق به، وما لا فلا". وقال في المراقي:بما يخصص العموم قيد ... ودع لما كان سواه تقتدي أي: أن المطلق يقيد بما يخصص به العام من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس. فيجوز تقييد الكتاب بالكتاب وبالسنة، والسنة بالكتاب والسنة، وتقييدهما بالإجماع، وبالقياس والمفهومين: الموافق والمخالف، وفعل النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ؛ لأن بعض الأصوليين يشبه المطلق بالعام، والمقيد بالخاص، من حيث المعنى، وبعضهم يجعل المطلق والمقيد كله من باب الخاص. (حاشية العطار، الأصل الجامع). قال ابن برهان:"كل دليل يجوز تخصيص العموم به، يجوز تقييد المطلق به، وما لا فلا، لأن المطلق عام من حيث المعنى. فيجوز التقييد بفعله - عليه السلام -، خلافا للقاضي، وتقريره خلافا لبعضهم، وبمفهوم الخطاب".(البحر المحيط). وهذا التشبيه بين العام والمطلق من جهة، والخاص والمقيد من جهة أخرى، إنما هو في بعض وجوه التعامل مع الدليل، لا في حقيقة العام والمطلق؛ فبينهما فروق أصولية معتبرة. (2) ومن أهم الفروق بين العام والمطلق الحكم باختلاف أثر كل منهما في الامتثال. فالمكلف بالمطلق يخرج عن عهدة التكليف بفعله أي فرد شاء من الأفراد التي ينطبق عليها مدلول اللفظ المطلق؛ فإذا قيل له: «صم شهرًا»، أو «أطعم مسكينًا»، فهذا مطلق، فأي شهر صامه من السنة، أو أي مسكين أطعمه، كبيرًا أو صغيرًا، مريضًا أو صحيحًا، خرج عن العهدة، ما لم يقم دليل يقتضي اعتبار وصف زائد. أما العام فلا يخرج عن العهدة إلا إذا امتثل في جميع الأفراد التي تناولها اللفظ العام؛ فإذا قيل له: «أطعم فقراء البلد»، فهذا لفظ عام، فلا يخرج عن العهدة حتى يطعم جميع الفقراء الذين تناولهم العموم. فالمطلق يتناول فردًا شائعًا في الجنس من غير تعيين، والعام يتناول جميع الأفراد الداخلة تحت اللفظ. ولهذا لا ينبغي أن يقال إن كل ما يجري على العام في باب التخصيص يجري على المطلق في باب التقييد من غير تفصيل، بل الصواب: إن بين البابين مشابهة قوية في طرق البيان، مع بقاء الفروق بين حقيقة العموم وحقيقة الإطلاق. وبناء على ذلك، فليس كل ما صلح لتخصيص العام يكون تقييدًا للمطلق على الإطلاق. ومن أمثلة ذلك ما ذكره بعض الأصوليين من جواز تقييد المطلق بفعل النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ أو بإقراره؛ فهذا ليس ظاهرًا على إطلاقه؛ فلو جاء في القرآن الكريم قوله تعالى:﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ثم أعتق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رقبة مؤمنة من خيار الرقاب، فهذا بمجرده لا يدل على تقييد الرقبة بالإيمان؛ لأنه إنما اختار أحد أفراد المطلق وعمل به، ولا يلزم من اختيار أحد أفراد المطلق قصر الحكم عليه، وكذا لو أقر أحد الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ على عتق رقبة مؤمنة من أنفس الرقاب، فلا يدل ذلك بمجرده على تقييد المطلق؛ لأن فعل المكلف أو إقراره على فعل أحد أفراد المطلق لا يقتضي أن يكون ذلك الفرد هو المراد وحده. إلا إذا اقترن بالفعل أو الإقرار دليل يدل على إرادة التقييد، كأن يأتي نهي عن أحد أفراد المطلق؛ فحينئذ يمكن أن يستفاد القيد من المقابلة بين الأمر والنهي. ولهذا قال في المراقي:وإن يكن أمر ونهي قيدا = فمطلق بضد ما قد وجدا يعني: إذا كان الإطلاق والتقييد في أمر ونهي، بأن كان أحدهما مطلقًا والآخر مقيدًا، فإن المطلق منهما يقيد بضد القيد الذي قيد به المقيد؛ لما بين الأمر والنهي من المضادة والمنافاة. مثال تقييد النهي وإطلاق الأمر:«لا تعتق رقبة كافرة، أعتق رقبة»، فالرقبة المطلقة المأمور بعتقها تقيد بضد القيد الذي قيدت به الرقبة المنهي عن عتقها، وهو الكفر، وضده الإيمان، فتقيد الرقبة المطلقة المأمور بعتقها بالإيمان، فيكون المعنى: «أعتق رقبة مؤمنة». ومثال إطلاق النهي وتقييد الأمر:«لا تعتق رقبة، أعتق رقبة مؤمنة»، فالرقبة المطلقة المنهي عن عتقها تقيد بضد القيد الذي قيدت به الرقبة المأمور بها، وقيدها هو الإيمان، وضده الكفر، فتقيد الرقبة المطلقة المنهي عن عتقها بالكفر، فيكون المعنى: «لا تعتق رقبة كافرة».(نثر الورود).
قاعدة التابع تابع: المال المسترد للجمعيات: سؤال/ أحسن الله إليكم:تبرّع شخصٌ لجمعية خيرية بمبلغ مقيّد اشترط صرفه في مشروعٍ معيّن، فأنفقته الجمعية فيه، وكانت المصروفات مشتملة على ضريبة القيمة المضافة. ثم استردت هذه الضريبة من هيئة الزكاة والضريبة والجمارك وفق نظام الاسترداد المقرّر للجهات غير الربحية. فهل يلزم الجمعية صرف المبلغ المسترَدّ في الوجه نفسه الذي قيّده المتبرّع، أم يجوز أن تعدّه إيرادًا عامًّا للجمعية تصرفه في مصارفها العامة؛ باعتبار أن مصدره هيئة الزكاة لا المتبرّع؟ ج/ حياكم الله أخي الفاضل: مناط هذه المسألة: تحقيق وصف المال المسترد وسبب استحقاقه: هل هو مال مستأنف مستقل، أم بدلٌ وتابع لما أنفق أصلًا في المشروع؟ والظاهر ـ والله أعلم ـ أنه من الثاني، لأن المبلغ المسترد من ضريبة القيمة المضافة لا يصير مالًا جديدًا مستقلًا للجمعية بمجرد استرداده من هيئة الزكاة والضريبة والجمارك، وإنما يبقى تابعًا في حكمه للمال الذي نشأ عنه، فيصرف في الجهة التي صُرف فيها أصل المال المقيّد. وذلك أن العبرة في تكييف المال ليست بمجرد الجهة التي ورد منها المال أخيرًا، وإنما بحقيقة سبب استحقاقه ومصدر نشوئه؛ فإن هذا المبلغ لم تستحقه الجمعية تبرعًا مبتدأً من الهيئة، وإنما استحقته بسبب ما أنفقته في المشروع المعيّن، وما دفعته من ضريبة ضمن تكاليف ذلك المشروع، ثم استردت ما دفعته وفق النظام المقرر للاسترداد. وعليه، فالمبلغ المسترد بدلٌ عن جزء من المال الذي سبق إنفاقه في المشروع، وليس مالًا نشأ بسبب مستقل؛ والبدل يتبع المبدل عنه، مما قام مقامه في الجهة التي تعلق به؛ إذ المقصود من الاسترداد هنا إعادة ما تحمّلته الجمعية من تكلفة المشروع، لا إنشاء مورد عام مستقل لها. ويتأكد ذلك بقاعدة "التابع تابع" فإن التابع لا ينفك عن متبوعه في الحكم ما دام وصف التبعية قائمًا، وبقاعدة: الحكم يدور مع سببه وجودًا وعدمًا؛ فحيث كان سبب استحقاق المبلغ هو الإنفاق في المشروع المعيّن الذي أصله مال المتبرع، بقيت علاقته بذلك المشروع ما لم يوجد سبب شرعي أو نظامي يقطع هذه العلاقة وينقله إلى حكم آخر. كما أن اختلاف الجهة التي صدر منها المال عند الاسترداد لا يقتضي اختلاف حكمه؛ إذ العبرة في الأموال بالمعاني والحقائق ومآلات التصرف، لا بمجرد صورة التحويل ومصدره المباشر، فكون المبلغ قد عاد من هيئة الزكاة والضريبة والجمارك لا يجعله بمجرد ذلك إيرادًا جديداً عامًا، كما أن ردّ المال إلى صاحبه لا يجعله مالًا مستأنفًا منفصلًا عن سببه الذي رُدّ من أجله. وبناءً على ذلك: لا يجوز للجمعية ـ فيما يظهر ـ أن تجعل المبلغ المسترد إيرادًا عامًا لها وتصرفه في سائر مصارفها، بل يبقى تابعًا لأصله الذي نشأ الاسترداد بسببه، فيصرف بحسب شرط المتبرع أو فيما يتصل به من وجوه الصرف الداخلة في مقصوده. والله أعلم.
ولذلك قال المرداوي بعد أن ذكر جملة من طرقه التي اعتمدها في التصحيح والترجيح في المذهب:"هذا الذي قلته من حيث الجملة وفي الغالب، وإلا فهذا لا يطرد البتة بل قد يكون المذهب ما قاله أحدهم في مسألة ويكون الصحيح من المذهب ما قاله الآخر أو غيره في أخرى وإن كان أدنى منه منزلة باعتبار النصوص وأدلة والعلل والمآخذ والاطلاع عليها والموافق من الأصحاب وربما كان الصحيح مخالفا لما قاله الشيخان وكل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم هذا ما ظهر لي من كلامهم ويؤيده كلام المصنف في إطلاق الخلاف ويظهر ذلك بالتأمل لمن تتبع كلامهم وعرفه".(تصحيح الفروع). وقال ابن تيمية:"وقد اختلف الأصحاب فيما يصححونه، فمنهم من يصحح رواية ويصحح آخر رواية، فمن عرف ذلك نقله، ومن ترجح عنده قول واحد على قول آخر اتبع القول الراجح، ومن كان مقصوده نقل مذهب أحمد نقل ما ذكروه من اختلاف الروايات والوجوه والطرق كما ينقل أصحاب الشافعي وأبي حنيفة ومالك مذاهب الأئمة؛ فإنه في كل مذهب من اختلاف الأقوال عن الأئمة واختلاف أصحابهم في معرفة مذهبهم ومعرفة الراجح شرعا: ما هو معروف. ومن كان خبيرا بأصول أحمد ونصوصه عرف الراجح في مذهبه في عامة المسائل".(مجموع الفتاوى). فهذا يدل على أن وجود قول أو تصحيح سابق في المذهب لا يمنع من أن يصحح المتأخر قولًا آخر، إذا ظهر له أن أدلته ومأخذه أقوى، وأن التصحيح المذهبي ليس مجرد نقل آلي لما قاله السابقون، وإنما هو ثمرة نظر وترجيح. (3) وعليه، فقول الشيخ ابن النجار ـ رحمه الله ـ:"وهذا الصحيح عند أصحابنا المتأخرين"، يفهم في ضوء ذلك؛ أي: أن المسألة كان فيها خلاف ووجهان معتبران عند أصحاب المذهب، ثم صحح المتأخرون أحد القولين ورجحوه، فصار هو الصحيح عندهم. فقد قال ابن قدامة في الكافي:"وما حماه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فليس لأحد نقضه، ولا يملك بالإحياء؛ لأن ما حماه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نص، فلم يجز نقضه بالاجتهاد، وما حماه غيره من الأئمة، جاز لغيره من الأئمة تغييره في أحد الوجهين".(الكافي). فذكر الموفق في المسألة وجهين، وكما نقل ابن النجار عن ابن عقيل قوله:"ونقله ابن عقيل عن الأصحاب، وقال أيضا: ويجوز ذلك إذا رأى ذلك الإمام. فيكون حكمه حكم رأيه في جميع المسائل؛ لأن المصالح تختلف باختلاف الأزمنة"(شرح الكوكب)، فابن عقيل خالف في هذه المسألة ما نقله أولًا عن الأكثر، وجعل الجواز وجهًا من وجوه الأصحاب، ثم جاء التصحيح عند المتأخرين على هذا الوجه، ولذلك قال البهوتي:"وما حماه النبي صلى الله عليه وسلم ليس لأحد نقضه، وما حماه غيره من الأئمة يجوز نقضه".(الروض المربع). وهو ما نص عليه الحجاوي في الإقناع، فجاء فيه مع شرحه كشاف القناع:"(وما حماه غيره) أي: غير النبي - صلى الله عليه وسلم - (من الأئمة جاز له) أي: لذلك الحامي نقضه (و) جاز (للإمام غيره نقضه) ؛ لأن حمى الأئمة اجتهاد في حماه في تلك المدة دون غيرها".(كشاف القناع). (4) وأما كون فروع المذهب قد جرت على القول الأول، فلا يعارض قول ابن النجار: "وهذا الصحيح عند أصحابنا المتأخرين"؛ لأن وجود الفروع على القول الأول يدل على أنه قول مذهبي معتبر، لكنه لا يلزم منه أنه بقي هو المعتمد المستقر عند المتأخرين بعد أن حصل التصحيح والترجيح، فالفرق بين نقل المذهب وتصحيح المذهب مهم في هذه المسألة؛ فقد يكون القول قولًا ثابتًا في المذهب، وتبنى عليه فروع كثيرة عند المتقدمين، ثم يأتي المتأخرون فيرجحون وجهًا آخر، فيكون الثاني هو الصحيح عندهم، مع بقاء الأول قولًا مذهبيًا معتبرًا من جهة النقل، ولهذا فلا يصح أن يقال: إن وجود فروع المذهب على القول الأول يرد تصحيح ابن النجار؛ لأن تلك الفروع قد تحكي مرحلة سابقة من مراحل المذهب، بينما ابن النجار يتحدث عن ما صح عند المتأخرين. (5) فالخلاصة: أن عبارة ابن النجار:"وهذا الصحيح عند أصحابنا المتأخرين"، صحيحة من جهة اصطلاحه، ولا تعني أن القول الأول ليس من المذهب، وإنما تعني أن القول الثاني ـ وهو جواز نقض ما حماه الإمام إذا رأى ذلك ـ هو الذي انتهى إليه تصحيح المتأخرين بعد أن كان في المسألة وجهان معتبران. والأدق في التعبير أن يقال: القول الأول قول مذهبي معتبر، ومنقول عن الأكثر من أصحاب المذهب، وله فروعه ونظائره في كتبهم، وأما القول الثاني فهو وجه معتبر أيضًا، ثم صححه المتأخرون لأصول معتبرة عندهم في ترجيح الأوجه والأقوال في المذهب قامت لديهم، وجرى عليه من جاء بعدهم من أئمة المذهب؛ فصار هو الصحيح والمعتمد عند المتأخرين. وبذلك يتبين أن «المذهب» أوسع من «المعتمد»، وأن ثبوت القول في المذهب من جهة الرواية أو التخريج لا يستلزم بقاءه هو المعتمد في كل طبقات المذهب لأن المسألة كما تقدم فيها جانب اجتهادي واسع، كما أن قول المتأخر: «الصحيح عند أصحابنا» لا يعني إلغاء الأقوال الأخرى من المذهب، وإنما يعني ترجيح قول منها في اصطلاح تلك الطبقة.والله أعلم.
التصحيح والترجيح في المذهب الحنبلي: سؤال/ جاء في شرح الكوكب المنير: "وما عقده أحد الخلفاء الأربعة من صلح كصلح بني تغلب ومن خراج كعقد خراج السواد و من جزية وما جرى مجرى ذلك لا يجوز نقضه عند الأكثر. ونقله ابن عقيل عن الأصحاب، وقال أيضا: ويجوز ذلك إذا رأى ذلك الإمام. فيكون حكمه حكم رأيه في جميع المسائل؛ لأن المصالح تختلف باختلاف الأزمنة. قلت: وهذا الصحيح عند أصحابنا المتأخرين. والله أعلم". أليست فروع المذهب على القول الأول الذي قدمه؟ فما صحة قوله (وهذ الصحيح عند المتأخرين)؟ الجواب/ من أجل فهم قول ابن النجار لا بد من مقدمة تأصيلية كي يبنى عليها ما يتم تقريره: (1) المذهب الحنبلي له ثلاث طبقات: متقدمون، ومتوسطون، ومتأخرون، وفي كل طبقة من هذه الطبقات روايات ووجوه وأقوال مختلفة، وكان فقهاء كل طبقة يجتهدون في تصحيح الروايات وترجيح بعضها على بعض، بحسب ما لديهم من النصوص عن الإمام أحمد، وأصول المذهب وقواعده، وما اطلعوا عليه من أقوال أصحاب المذهب ومآخذهم؛ ولذلك كان في المذهب روايات مطلقة، ووجوه مختلفة، وأقوال متعددة، يرجح كل إمام منها ما ظهر له، حتى جاء إمام المذهب في زمنه: علاء الدين المرداوي (ت885هـ) ـ رحمه الله ـ فحرر المذهب ونقحه في كتبه الثلاثة: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، وتصحيح الفروع، والتنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع. إلا أنه كان في كل طبقة من الطبقات الثلاث من يصحح رواية ويرجح أخرى، أو يقدم وجهًا على آخر، بناء على أصول وقواعد ومرجحات متعددة يعتمدها في المسائل الخلافية بحسب اجتهاده ونظره، وبحسب ما وقف عليه من أقوال من سبقه. فالمذهب عند المتقدمين من جهة الرواية: ما رواه السبعة عن الإمام أحمد، وهم: عبدالله وصالح، ولدا الإمام، وحنبل بن إسحاق ابن عم الإمام أحمد، وأبو بكر المروذي، وإبراهيم الحربي، وأبو طالب المشكاني، وعبدالملك الميموني. ثم ما كان في كتاب الروايات للخلال وما نقله ابن هانئ الأثرم (ت263هـ)، وهو شيخ الخلال، ثم ما اتفق عليه ثلة من أئمتهم، كأبي بكر الآدمي، وأبي بكر غلام الخلال (ت363هـ)، وأبي القاسم الخرقي (ت334هـ)، والبوشنجي (ت291هـ)، والآجري (ت360هـ)، وابن المنادي (ت336هـ)، وغيرهم؛ فما اتفق عليه هؤلاء فهو المقدم على غيره في طبقة المتقدمين. ثم ما رجحه أحد أئمة المذهب في عصر الرواية، كالخرقي، والخلال، وابن حامد، أو تلميذه إمام المذهب في زمنه القاضي أبي يعلى، أو غيرهم من أئمة المذهب المتقدمين؛ والترجيح بالرواة وطرق الرواية من أهم طرق معرفة المذهب الأقوى عند المتقدمين. أما المذهب عند المتوسطين، فمن طرق معرفته: ما اتفق على إخراجه الكلوذاني في الهداية، وابن عقيل في التذكرة، لا سيما إذا كانت هي المنصورة عند شيخهما القاضي أبي يعلى وشيخه ابن حامد، فإن اختلفا فالمذهب ما في الهداية على الراجح. ثم المذهب من بعده من طبقة المتوسطين ما اتفق على إخراجه الموفق في الكافي والمجد في المحرر، فإن اختلفا فما جاء في الكافي للموفق. ثم المذهب عند من بعدهم: ما اتفق على إخراجه والقول به ابن مفلح في الفروع، والدجيلي في الرعاية الكبرى، أو ابن عبدوس في تذكرته. أما المتأخرون، فالمذهب عندهم في الجملة: ما اتفق عليه صاحب المنتهى ابن النجار (ت972هـ) وصاحب الإقناع الحجاوي (ت968هـ)، فإن اختلفا فالمنتهى هو المقدم، وقيل: يقدم ما رجحه مرعي الكرمي في الغاية. ونظم أحدهم أبياتًا في ذلك: والمنتهى إن وافق الإقناعا ... فذلك الحق فلا نزاعا وإن يكن خُلفٌ فما في المنتهى ... معتمد الأصحاب من أهل النهى وقيل ما رجحه في الغاية ... مرعي الفقيه صاحب الدراية حكى ابن بدران لذا في المدخلِ ... فافهم وحقق واستفصلِ لأن الشيخين: الحجاوي وابن النجار جريا في معرفة المذهب على ما حرره واعتمده رأس المتأخرين الإمام علاء الدين المرداوي (ت885هـ) في كتبه الثلاثة: (الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، وتصحيح الفروع، والتنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع). فهذه الكتب هي التي عليها مدار التصحيح في المذهب عند المتأخرين، وبالأخص التنقيح، فإنه آخر ما ألف، وقد قال في مقدمته:"فإذا وجدت في هذا الكتاب لفظًا، أو حكمًا مخالفًا لأصله، أو غيره، فاعتمده فإنه وضع عن تحرير".(الإنصاف، تصحيح الفروع، المصطلحات الفقهية/ الهندي). (2) ومع هذا، لا توجد جادة واحدة مطردة لتصحيح قول في المذهب، وإنما التصحيح والترجيح عمل اجتهادي؛ يجمع فيه كل عالم أقوى ما عنده من الروايات عن الإمام أحمد، وما قدمه فقهاء كل طبقة، وأقوال فقهاء المذهب في كل طبقة من الطبقات مما له من تصريح أو إيماء في الراجح، وما لديهم من أصول وقواعد ومآخذ، ثم ينظر ويوازن، ويبني الترجيح على ما يظهر له.